قراءات ودراسات

قراءة للمجموعة القصصية ولم يكتمل القمر..

بقلم: أ/ أحمد رحماني

وصلة وجع في نوبة مالوف
مجموعة قصصية للدكتورة “نبيلة عبودي” سباعية النصوص أولاها “ولم يكتمل القمر”، سيقت لي كعربون صداقة عبر عتبة المودة والتقدير، والتواصل المتبادل واللايكات ومنشورات الشبكة الاجتماعية ومنسجها العنكبوتي في كنف ظاهر المجاملات الخاطفة العبور.
من قبيل الإهداء وتبادل الإكراميات الأدبية وصلتني المجموعة، ولك أخي القارئ أن تتصور فرحتك وأنت تستلم هدايا من ذات النوع، بخاصة إن كنت من المعضوضين بأنياب المطالعة كواع باجتباء ما تقرأ….
تقرأ: “إلى أولئك الذين لا يزالون واقفين أمام باب الأدب.. في انتظار قصيدة.. قصة.. أو رواية.. بكل خشوع.. ولم يملّوا”، إنه نص ما بعد الدفة الأولى مباشرة والتوطئة الاستفتاحية بصيغة وك”أما بعد….”، إنه ولا ريب فتح لشهية بأبهى التقديم وبأشهى المقبِّلات قبل بلوغ دسامة الطبق الرئيسي.
مجموعة قصصية ديباجتها “ولم يكتمل القمر”: قصة اتخذت منها الكاتبة نبيلة عبودي عنوانا، كمدخل وكعتبة لا بد من تخطيها وعبورها لولوج الصحن الداخلي والوصول إلى عمق المقام.
قصة تلوي ذراعك وتصفّد كيانك وتأسرك من أعلى الهامة إلى أخمصك، مثل نوبة “المالوف” تحلق بك من سماء إلى سماء وتجوب بك العلو والمنخفض، من صخرة إلى صخرة وبين الشعاب السحيقة والقمم ذات السنان المكبلة بفولاذ جسور قسنطينة.
وصف أُرْجوزي وسرد خَبَبيّ متعمد الإيجاز وزْنه وجدان وقافيته الروح الخلاقة، جمل إيقاعاتها نوطات ازدواجية التنقيط ورتيبة الانتقال من جملة إلى جملة.
قصة -أعتقدها- تصوِّر كبرياء أنثى في رؤيتها للذكر مجرد “هو” ضمن كينونة نيتشية التفلسف عمش من السوداوية غير مبرر، بلقيس المصابة بوصب التميُّز، تميُّز الدراسة والتفوق في جميع مراحل التعلُّم والدراسة، شعور بالشموخ المخرسن بالحديد عتيد اللبنات، كمدينة عصية.
إياد الذي استوطن لسانه هاروت الشعر والماروت النزاري يكسر دفاعات بلقيس ويتمكن من إضعاف حصانتها وهدم حصونها يسكن سويداء القلب من حيث لم تكن تتوقع، يتغلغل كالسائل الزلال في كيانها ويذوب في وجدانها ويغرس سيف انتصاره في باطنها فتتلحف بقربه رداء وبرنسا تشكلهما مقاسا وقدّا، تختار الأسود لونا لموعد الخطوبة وتنتظره، تنتظر حضوره، دخوله العامر الفاتح.. وتحل الفجاءة ويغمر وجودها النبأ الكاسر في يوم عيدها وفرحها الذي أحاله القدر مأتما: ولم يكتمل القمر….
رغم الومضات الجمالية في منطوق الخطاب ومنسوج القصة تنقاد إرادة بلقيس إلى قوة القدر.
وأنت تتنقل من قصة في اتجاه قصة أخرى تحال نفسك وتقذف من ضفة إلى ضفة تتلمس بقدميك صخورا من جمر لتعود إلى الأولى مثل ابن القارح تلفح جبينك حمى السعير والوجع وأنت تتسعر بفيح من يسبحون في السعير يتوجعون من ملامسة وابتلاع الحمم.
في “السمكة والنورس الطائش” تجد أو الراوية لم تتخلص من آثار “ولم يكتمل القمر” إذ تنقل عدواها إليها وترمي شظاياها في عمقك وسط هالة أسلوبية راقية رغم ما تحمل من مشحون الوجع ورذاذه الجمالي المنعش.
ويستمر العنفوان الراوي المتورط على الوتيرة السردية المتميزة تُمطيك على صهوة بوراقية لا تعرف جناحا المتطى الحواجز بين الفضاءات ويستحيل فرض التأشيرة على تحركاته، “الوجه المتكسر” في موطن السديم لا ينجلي، يواجه مرؤُه قدره وتتصارع فوق رأسه الآلهة متراشقة بالأقدار في أنين الليل وهواجس النهار، إنها الوداع المرتجى في أحضان الهلاك، قصة ببيان البلاغة ولغم الكلمة تفجّر عمق المعنى من القاع السحيق وفيه، وتحيل المبهم إلى الانكشاف ضمن استريبتيزية المآل، وحين يستدعي جبروت التركيب والاتساق تتجلى الفلسفة التي تقرع أجراس الجس والتأمل والإمعان.
وقد تنجرف بتيار الجفاء في قصة “حب من ورق”، الحكاية الورقية في طيّها وبين سطورها تحترق تذاكر سفر التقارب وتحزم حقائب الفراق مُعبَّأة بمكنوز الاكتواء وجذوات احتراق مسافات الهجر إلى البعد اللامحدود ونحو الضياع الكوني واللامكان.


وفي حضن “ذكرى” تُستحضَر الذكرى وترسخ في ذهن مُراد مثل علقة سرطان ومضغة وجع، كالطوفان الغامر للذاكرة بسحقه اللعين، ازدواجية المزج في فسيفساء الكلمات ذات اللفظة الواحدة والتوصيف الحامل لعديد الدلالات كالكنانة وجراب الحِراب مدببة الطعنات المصوبة نحو الكاهل والقلب، رسم مُنَمْنَماتي الجرح ومعجَّل الفراق واستلال الرغبة الملحة للرحيل عن إرادة امتثالا لرغبة القدر القوي أمام ضعف المتألم واستسلامه عن طواعية.
ثم يزاح الستار عن مشهد آخر من المجموعة القصصية.. بل المشهدية وبكل مقاييس التعبير وتقنيات التصوير وفرشاة التفصيل ضمن رسم”عذراء المخمل الأسود” اللوحة الحلقة الرئيسة من الفصل والستار المخملي الذي يحتوي الحكاية ويضمر أعاجيبها ويشق أخاديد الحقيقة دسيسة أطياف الأرواح وهاميات الدموع المنسكبة ألوانا في الشقوق وبين الخطوط، “بدأتُ أمزج الألوان وأبعثُ الحياة في اللوحة، بدت متمردة عنيفة عذراء ممزقة يغطي نصفها مخمل أسود….”، القصة ليست نصا سرديا وحسب أو ثيمات تائهة في الإطناب، إنها حياة “الصابرة” الخمسينية العذراء، موناليزا “ليلى” المفضلة والمرشحة الفضلى التي فكّت وثاق حيرتها باختيارها اللوحة المرجع والرمز لرواقها.
وختامها مفروض كتب للخاتمة فيه أن تنقضي رغم تشبثها في زمن معين، وغير متلبس بلون معين ولا بعتمة أو وميض محددي المعالم، لا في شفق ولا غلس، إلى هنا تنتهي المجموعة في زمن قياسي ب”لحظة”، القصة النوبة المنقادة لعنان وعنف الصدمة التي تأتي في لحظة وترحل في لحظة، عندما تفقد الذاكرة كنعمة وتحاول استرجاعها في حجم نقمة، سنّة النسيان التي تود التخلص منه كما تتمناه بلسما ومرهما لجروح الذاكرة لحظة من إنسانية الإنسان في لحظاته المبهمة.
أمام خطاب أدبي من مستوى هذه المجموعة القصصية لن تجد من بد سوى تمني فقدان الذاكرة ولو زمن لحظة وتستسلم لرعشة، للذة لوصلة موسيقية ونوبة مالوف قسنطيني.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق