الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية | الموقع | كلمة التحرير | بن بلّة وكاسترو.. وحكم بنت الماضي

بن بلّة وكاسترو.. وحكم بنت الماضي

تحاول السلطات الجزائرية جاهدة، تأسيس ثقافة جديدة، مرتبطة بالأموات لأجل تأكيد اختيارات ومواقف الأحياء، تحمل في ظاهرها الوفاء والتقدير لصانعي التاريخ سواء كانوا من الجزائريين مثل إقامة تمثال للزعيم الراحل أحمد بن بلّة، أم من الأجانب، الذين وقفوا في صف الثورة الجزائرية وآزروها أيام محنتها، من ذلك إعلان الحداد لمدة ثمانية أيام على الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو. 

 لكن هذا الظاهر له دوافع سياسية، إما لشغل المواطنين بقضايا لا تمثل أولوية في الوقت الحاضر، وإما محاولة للتَّبجيل المبكر للرئيس الحالي باعتبار ما سيكون في المستقبل المنظور.  هذا لا يتناقض فقط مع الأدبيات السياسية التي تربى عليها الجزائريون، ومع طبيعة المجتمع، ولا حتى مع انتمائه الديني فحسب، وإنما يتعارض في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة مع سياسة التقشف التي تسير عليها الحكومة الجزائرية في ظل انخفاض سعر النّفط. لقد نشأ الجزائريون، أجيال الاستقلال، في فضاء الدولة الوطنية المحمّل بأرواح وبمقابر الشهداء، فشكَّل ذلك نوعا من الوعي بأهمية أبطال الثورة، بغض النظر عن مكانتهم ووظائفهم وأدائهم وأعمالهم البطولية، أي اعتبار كل من قتل أثناء حرب التحرير شهيدا، وعلى مقابر الشهداء وضعت علامات دالة عالية تتجاوز شواهد القبور بأمتار ميزتهم عن غيرهم من باقي الأموات، وعندما أرادت الجزائر أن تستنجد بالتاريخ أقامت نصبا تذكاريا في العاصمة سمّته “مقام الشّهيد”. صحيح أن التجارة والمنافع طغتا في المكان على قيم الثورة والشهادة، رغم وجود أرشيف للتاريخ الوطني هناك، لكن ذلك الطغيان لا يقلل من أهمية وجود مقام الشهيد، فلماذا تقيم الجزائر اليوم تماثيل لبعض شهداء الثورة الجزائرية وقادتها التاريخيين والوطنيين، مثل العربي بن مهيدي في عين مليلة، وعبدالحميد بن باديس في قسنطينة، وأحمد بن بلّة في تلمسان؟

ليس الدافع من وراء ذلك، كما ذكرنا في بداية المقال، توظيف الأحياء لمجد الأموات، بهدف تحقيق مكاسب سياسية فقط، ولا التبجيل المبكر للرئيس بوتفليقة فحسب، ولكن لأن هناك خيارات كبرى تتعلَّق بتحويل مسار الدولة الجزائرية بحيث تغدو حداثية، وهذا من خلال استحضار ثقافة الآخرين، حتى لو كانت من الأقربين، بطريقة أقرب إلى التقليد الأعمى، ذلك لأن الشخصية الجزائرية معروفة بالتمرد على سلطة الدولة المركزية، نتيجة الاستعمار المتراكم عبر قرون، ولأن الجزائر كانت ما إن تخرج من حرب حتى تدخل في أخرى، سواء تعلق الأمر بها بشكل مباشر أو بجيرانها أو بعمقها القومي والديني البعيد كما هي الحال عند سقوط الأندلس. ونتيجة لذلك لم تجسد شخصياتها القيادية إلا من خلال تمثالين مميزين في التاريخ، هما تمثال الأمير عبدالقادر في الجزائر العاصمة، وتمثال الزعيم النوميدي ماسينيسا قرب قسنطينة، وما عدا ذلك هي آثار رومانية أو نوميدية لا ترقى إلى مستوى تماثيل تؤسس عليها مواقف بطولية، تحفظها الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري لهذا القائد التاريخي أو ذاك.

محاولة نظام الحكم في الجزائر لجهة إقامة تماثيل غارقة في محليتها، ومتناقضة في ذكراها مع المواقف البطولية للقادة وللشهداء وللعلماء سواء كانت جهادية عملا أم علما، قُوبلت بالرفض بطرق مختلفة، وشوّهت بعض التماثيل، نتيجة الشعور بوجود مؤامرة من الأحياء على الأموات، يركّز أصحابها على تفتيت الوطن على مستوى الذاكرة بقصد أو من دونه، ناهيك أن السلطات الحالية لا تكشف من خلال عملها على مستوى منظومة القيم ما يفيد تأكيد وطنيّة أصحاب التماثيل، لذلك هناك من يرى فيها وثنيّة أو خروجا عن الضمير الجمعي. ومن هنا نفهم صرخات البعض من أن هذه التماثيل مشوّهة للقادة وليست مجسدة لهم، وقد يكون ذلك مجرد مدخل للرفض، لكن حقيقة الأمر أن غالبية الجزائريين تتساءل عن الهدف من إقامة تمثال لزعماء الجزائر في مسقط رؤوسهم، وليس في العاصمة.

وإذا كانت إقامة تماثيل للعظماء في الجزائر، مرفوضة بشكل أو بآخر، ومع ذلك فهي محل نقاش، مع أنه لم يتم الطعن في الشهداء، فإن إعلان الحداد الرسمي في الجزائر على الزعيم فيدل كاسترو لمدة ثمانية أيام، أثار تساؤلات كثيرة رغم قناعة معظم الجزائريين بأنه صديق الجزائر وثورتها، منها على سبيل المثال، لماذا تعلن الجزائر الحداد عن رجل أوصى بحرق جثته؟ من أعطى للرئيس بوتفليقة الحق في إعلان الحداد عن كاسترو لمدة تفوق حداد الجزائر الرسمي على أيّ قائد أو زعيم عربي، بحيث لا تتعدى في حالات كثيرة ثلاثة أيام؟ وهل نسي بوتفليقة أنه يرأس دولة تدين بالإسلام؟ ثم كيف يتم إعلان الحداد عن قائد لم يعد في السلطة منذ سنوات؟

لم تهتم السلطات الجزائرية كثيرا بردود أفعال الشارع حول إعلان الحداد عن كاسترو، وانبرت وسائل إعلامها الخاصة والعامة مدافعة عنه، مثلما تجاهلت الرفض الشعبي للتماثيل المقامة هنا وهناك، وهي هنا تقر بقناعة مفادها: أن الحقائق ملك لها وحدها دون الشعب، بل إن الشعب الجزائري لا يزال قاصرا، وهي مٌطالبة بالحفاظ على توجهاته، وهي بذلك لا تكترث بالحرب الظاهرة والخفيّة على منظومة القيم المشتركة بين الجزائريين، وحين تغدو أحاديث الدولة ومواقفها مرتبطة بتجسيد الأبطال الراحلين من زاوية واحدة، هي تلك التي يرى منها الزعيم الأوحد، فهذا يعني الدخول في نظام حكم أحادي التوجه والرؤية، حتى لو كانت نواياه صادقة.

الجزائر بين تماثيل قادتها وحداد كاسترو تثبت أنها بنت الماضي، وهي بالفعل كذلك، مادام فيها اليوم من ينادي جهارا بعهدة خامسة للرئيس بوتفليقة، ويعتبره الميثاق والدستور وحاضر الجزائر ومستقبلها، مع أنه كان ولا يزال وسيبقى ابن الماضي. صحيح هو ماض جميل لكن لا جدوى من مزاحمته للحاضر.

خالد عمر بن ققة
كاتب وصحفي جزائري

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الجزائر تسدل ستار العام على مشهد ثقافي معتاد

هل شهدت الجزائر في عام 2016 أي تطور نوعي في الحياة الثقافية والفنية الجزائرية على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *