ثقافة المقال

الثقافة والهوية

بقلم د. نيفين عبد الجواد

الثقافة في أي مجتمع هي نظام متكامل مُكتسَب يتم توارثه عبر الأجيال ويشمل العادات والتقاليد، والمعارف والخبرات، والقيم والأخلاق، والاتجاهات العامة في الحياة، والأفكار والفنون، ومظاهر الحضارة، والممارسات الحياتية، بالإضافة إلى طريقة التفكير الممنهج أو العشوائي وما ينشأ عن أي منهما من أنماط سلوكية.
والثقافة إما أن تكون ثقافة عامة سائدة بين غالبية الناس، أو ثقافة خاصة تخص فئة ما من فئات المجتمع. والآن وفي ظل نظام العولمة الجديد أصبح هناك ما يمكن تسميته بالثقافة العالمية التي تفرضها وسائل التكنولوجيا بعدما سهلت الاتصال والتواصل بين الناس في كافة أنحاء العالم في أقل من ثانية واحدة، والتي اختفت بسببها الحدود المصطنعة بين الدول فزالت الحجب التي تفرضها السلطات الحاكمة في كل دولة عبر وسائل الإعلام التي تمولها وتتحكم فيها.
فإذا كانت الثقافة في أي مجتمع هي ذلك الإرث المُكتسَب الذي يُعد من أهم العوامل التي تشكل أسلوب الحياة فيه ومن ثم أنماط سلوك أفراده نظرًا لأنها هي التي تنظم كل ما تم تعلمه وتلقيه على مر الأجيال، فهل يمكن إذًا للسلطة الحاكمة تشويه ثقافة مجتمع ما أو إحياؤها؟ وهل يمكن للشعوب تضييع موروثاتها الثقافية الأصيلة استهتارًا بقيمتها، أو الحفاظ على استمراريتها وتطويرها تقديرًا لمدى أهميتها؟
إن المجتمعات التي تسعى إلى التطور والتقدم والارتقاء والمساهمة في صنع الحضارة الإنسانية لا تسعى فقط إلى تطوير ثقافتها المادية والعلمية، بل تراهن أيضًا على إمكانية الحفاظ على موروثاتها الاجتماعية والثقافية والحضارية مع الحرص على مواكبة العصر بكل ما فيه من تغيرات وطفرات علمية وتكنولوجية. وهذا لا يمكن أن يتم إلا بوعي تام بالموروثات الثقافية التي تُشكل وجدان الشعوب والتي تمنحها كل ما يميزها ويجعلها متفردة وباقية على مر العصور. أما إذا أهملت المجتمعات أهم ما يميزها كرهًا أو طوعًا، سواء عن عمد أو عن غفلة، وإذا تخلت عما يحافظ على تفردها فستنساق بجهل وانقياد واستسلام تام لتقليد كل وافد عليها دون أية مبالاة بما قد ينتج عن ذلك من طمس للهوية ومحو لأهم المعالم المميزة للشخصية.
فالهوية الثقافية لأي شعب لا يمكن الحفاظ على معالمها الواضحة والمميزة لها إذا ضاع الانتماء ولم يعد له أية قيمة أو أهمية، والانتماء لا يمكن تلقينه أو الإجبار عليه؛ بل هو أمر ينشأ في النفس إذا استطاعت أن ترتبط بالشيء الذي تنتمي إليه. والإنسان عادة يرتبط بالأشياء التي يحبها بكامل حريته ويميل إليها بكامل إرادته، أما إذا كانت تلك الأشياء مُنفرة وطاردة لأي انجذاب لها فسينمحي الحب شيئًا فشيئًا، ومن ثم ستنفك أواصر أي ارتباط بها وسيصبح من السهل التفلت منها انجذابًا لما سيحمل معه ما هو أفضل للإنسان في حياته وما سيوفر له ما يرجوه لمستقبله بحرية وكرامة.
لهذا لا يجب أن نندهش من عدم شعور الكثيرين في المجتمعات الأسيرة غير الحرة بالانتماء لهويتهم الثقافية الخاصة بهم والتي لا تحمل فقط تعاليم دينهم وصميم عقائدهم؛ بل تحمل أيضًا لغاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وموروثاتهم الحضارية والجمالية، فإذا بهم يسايرون التقدم ويواكبون كل تغير وتطور مادي في العالم تاركين وراء ظهورهم ما يتصورون أنه هو الأغلال التي ستعوق انضمامهم لركب الحضارة والتي ستقيد تفاعلهم مع متطلبات العصر الحديث.
إن التطور السريع الذي يشهده العالم الآن وما يواكبه من تقدم علمي في كافة المجالات –خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات– لم تكن الكثير من الدول التابعة مستعدة له استعدادًا كافيًا، إذ أنها لم تكن فقط تملك القدرة على الدلو بدلوها للمساهمة في ذلك التقدم، بل أيضًا استسلمت كلية للاغتراف منه بكامل طاقتها وبلا حدود حتى أصبح بالنسبة إليها كالماء والهواء بالنسبة إلى أي إنسان. وفي ظل ذلك الانقياد المطلق والاستسلام التام تم تضييع هوية الكثير من المجتمعات فاختفت معالمها المميزة لها والتي تتفرد بها عن غيرها. فأصبحت بالتالي اللغة السائدة هي اللغة الأم للعالم أجمع، والذي لا يتاح مواكبة كل جديد إلا من خلالها، وفي ظل تلك المباهاة المرغوب فيها والتي يشجع عليها المجتمع بطريقة رسمية وأخرى عفوية ضاعت اللغة الأصلية في تلك المجتمعات وضاعت معها ما تحمله من تاريخ ومن موروثات كان يجب أن يظل هناك اعتزاز وافتخار بها وانتماء إليها.
وعلى خلاف ذلك كانت الدول المتقدمة والمنافسة في ميدان التقدم العلمي والتكنولوجي محافظة على هويتها ومعتزة بلغتها وثقافتها فلم تتخل عن مساهمتها في ابتكار واختراع كل جديد مثلما لم تفرط في كل ما يجعلها متفردة ومتميزة وذات استقلالية وشخصية خاصة بها؛ وذلك لأنها تعي جيدًا أن الجمع بين هذين الأمرين هو الذي سيضمن لها أن تظل بقوة على ساحة التقدم الحضاري دون تهاون بها أو استهتار بشأنها ومدى فاعليتها.

فأي انتعاش اقتصادي حقيقي لا يعبر عنه فقط ميزان المدفوعات أو الدين العام، بل لابد أن يبوح به مستوى معيشة المواطن العادي وأسلوب حياته وما يأمله في غده ويكون قادرًا على السعي إليه وتحقيقه، وكل ذلك لا يمكن أن ينفصل عن طريقة تفكير الإنسان وكيفية اختياره لأهدافه اللتين تنبعان بشكل أساسي من بيئته وثقافته وموروثاته، فإذا ما تعارضت القيم العامة الأصيلة النابعة من الثقافة المتوارثة في الدول ذات الحضارات العريقة مع مستحدثات العصر المستجدة والقائمة على النفعية الآنية والمؤقتة والمسببة في كثير من الأحيان لكثير من الآفات، فسيحدث الاضطراب المجتمعي الذي إن لم يُواجَه بسرعة وحسم فلابد أن ينهار المجتمع أخلاقيًا وثقافيًا حتى وإن بدت عليه مظاهر التواجد الظاهري وعدم الفناء، أو إن ظل يدعي سعيه الحثيث للتقدم مبرهنًا على ذلك بقدرته على مواكبة التقدم العالمي، فإن ذلك لن يتخطى كونه صورة ظاهرية للتقدم وغير حقيقية.
وها هي الفئات المطحونة –وهي الفئات الأكثر عددًا في كثير من الدول والمجتمعات المقلدة والتابعة وغير المستقلة سياسيًا أو اقتصاديًا– نجدها تعاني من التهميش، ومن ثم عدم الالتفات إلى انتشالها من معاناتها. ومع الأسف فإن مثل تلك المجتمعات لن تشهد أي تقدم حقيقي ملموس وواضح بل ستكون فقط مواكبة للتقدم التكنولوجي باستيراد كل جديد يقدمه أولًا بأول كي ينعم باستخدامه أولئك القادرون على تحمل نفقاته ودفع الأموال اللازمة للحصول عليه والانتفاع به، وذلك في ظل طمس الهوية الثقافية لتلك المجتمعات بإهدار أخلاقياتها وجمالياتها وبتضييع معالم ثقافتها ولغتها القومية فلا يكون هناك أي اعتزاز بها أو ميل إلى استخدامها في التعليم والتعلم.
وما أن يشهد المجتمع ذلك التباهي الملحوظ بأية لغة مستوردة كلغة للتعليم تحمل في طياتها ثقافة واردة غير أصيلة في المجتمع، حتى يصبح التعليم تعليمًا طبقيًا يتلقى الأفضل منه من يملكون القدرة المادية عليه وتُحرَم منه الفئات البسيطة وغير القادرة ماديًا عليه –حتى وإن كان لديها استعداد عقلي له، ومن ثم تعم الطبقية وتتحول إلى طبقية شاملة ماديًا واجتماعيًا وسكنيًا وفكريًا وثقافيًا. وما دامت هناك طبقية فسيكون هناك تمييز ملحوظ واستعلاء متعمد على الفئات المطحونة وإهمال لمتطلباتها واحتياجاتها، ومن ثم سيتولد حتمًا الاستعداء بين فئات المجتمع الذي سيسوده الانقسام الطبقي والمعيشي.
لذا لن يكون هناك أي تقدم اقتصادي دون حرية سياسية أو دون تحرر من التبعية للدول العظمى، ولن يكون هناك أي رخاء حقيقي في أي مجتمع يسعى إلى النمو بحق دون الوعي بأهمية الحفاظ على ثقافته الأصيلة، وعلى لغته القومية وموروثاته المتجددة وغير البالية، وعلى أخلاقياته وقيمه الجمالية الخاصة به؛ فتلك هي هويته النابعة من استقلاليته والمُعبرة عن شخصيته، والتي ستقوده إلى دخول حلبة المنافسة بثبات وثقة، والتي ستدفعه إلى الإخلاص في العمل إيمانًا بقيمته ومدى أهميته وبقيمة الإنسان وقيمة حريته. فبدون الحرية لن يكون هناك أي استحضار لمعنى الانتماء الذي يتولد عن المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز أو استعلاء، وبدون الوعي لن يكون هناك أي اكتراث بالثقافة أو بالهوية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق