حوارات المجلة

حوار مع الروائي التونسي حسونــة المصباحـي

حوار لم ينشر سوى في كتاب: في مملكة السرد، تنفرد المجلة الثقافية الجزائرية بنشره لأول مرة على الشبكة العنكبوتية لأهميته الأدبية والفكرية البالغة.

ساسي جبيل / تونس

من أحراش وعرة بعيدة عن العاصمة تونس و قريبة من القيروان و قبل استقلال تونس بأشهر نزل حسونة المصباحي إلى أرض الله، رجل تميز بمزاج متقلب فأحيانا يحطم كل شيء و يجلس فوق الخرائب متلذذا و سعيدا بذلك و أحيانا أخرى يبدو كحمل وديع، بدأ حياته الدراسية في سن العاشرة رسميا لكنه قبل ذلك بدا تعلم القرآن في السادسة مما أنقذه من الأعمال الزراعية الشاقة، فقد والده في طفولته فوجد في والدته العزاء، عاش بعد ذلك التشرد عندما فصل عن التدريس في المعاهد الثانوية التونسية، فقرر السفر بعيدا في رحلة قادته إلى كثير من العواصم و لا مستقر غير المدينة البافارية ” ميونيخ ” التي قضى بها 25 عاما من الإبداع و الثلوج و التجارب المختلفة…
استطاع حسونة المصباحي خلال 30 عاما أن يصنع لنفسه شخصيته الإبداعية المستقلة ككاتب قصة عربي مطلع على كل التجارب من حوله و كروائي و صحفي متميز جعلت منه كتاباته واحدا من الكتاب العرب المعروفين لطرافة الأسلوب و الحرص على صدق المعاني و بساطة اللغة…
…في هذا اللقاء المطول تجولنا و المصباحي في طفولته و شبابه و عواطفه و حروفه و مناخاته و رغبته الدائمة في السفر عاليا و بعيدا…

برجي الميزان لكن لا يعني هذا أني معتدل المزاج

_ ولدت في بيت ريفي بعيد عن العاصمة، قريبا من القيروان فتجلى ذلك واضحا في كتاباتك… كيف و متى جئت هذه الدنيا؟
• ولدت في دوار يسمى” دوار الذهيبات ” تنتشر بيوت و أكواخ أهله البائسة فوق تلك الأحراش الوعرة التي تفصل سهول القيروان ( الوسط التونسي ) و مرتفعات منطقة الكاف المتاخمة للجزائر و حسب ما روته لي أمي فإني ولدت فجر اليوم الثاني من أكتوبر 1950 و كان خريفا ممطرا، يعني ذلك أني كنت مباركا على عائلتي و على أهلي، كان والدي قد تزوج من امرأة من أقاربه أنجب منها ثلاثة أبناء و بنتين، فلما توفيت، و كان عندئذ في السادسة و الخمسين من عمره تزوج أمي و كانت آنذاك في الواحد و العشرين من عمرها! و هي من منطقة أخرى قريبة من منطقتنا ” العلا ” التي يتسوق إليها كل يوم خميس، يوم السوق الأسبوعية و يبعد دوار أمي عن دوارنا مسافة تقارب 15 كلم، و قد أنجبت أمي من والدي عشرة أطفال، اثنين توفيا و ثمانية مازالوا على قيد الحياة: أربعة أولاد وأربع بنات، موقعي في الوسط، و برجي الميزان لكن لا يعني هذا أني معتدل المزاج، فأحيانا أحطم كل شيء… و أجلس فوق الخرائب متلذذا و سعيدا بذلك.

أجمل أوقاتي كانت تلك التي أمضيها شتاء حول النار مستمعا إلى الحكايات العجيبة

_ و ماذا عن أيام الطفولة الأولى؟
• في السادسة من عمري، بدأت تعلم القرآن، و قد راق لي ذلك كثيرا إذ أنه أنقذني من الأعمال الزراعية الشاقة التي كان والدي يطالبانني بالقيام بها يوميا تقريبا. و عندما أتقاعس عن ذلك، كنت أضرب بقوة و شدة. و في قصتي ” السلحفاة ” تحدثت باستفاضة عن هذا الجانب من حياتي، و الحقيقة أن أجمل أوقاتي كانت تلك التي أمضيها شتاء حول النار مستمعا إلى الحكايات العجيبة، أو صيفا، لاعبا مع أندادي تحت القمر، أو في الربيع عندما أهيم على وجهي في الأحراش و الحقول بحثا عن أعشاش الطيور، و بعد دخولي إلى المدرسة، أصبحت المطالعة تحتل حيزا كبيرا من أوقات الفراغ…

أسعفني الحظ إذ أني كنت أحفظ القرآن و أحسن الكتابة

_ و ماذا عن دراستك الابتدائية في ظل ندرتها في تونس بداية الستينات؟
• دخلت المدرسة متأخرا، في سن العاشرة. و لولا الرئيس الحبيب بورقيبة الذي أمر عام 1960 بالسماح لأبناء المناطق النائية و الريفية بالدخول إلى المدارس شرط أن لا يتجاوز سنهم العاشرة، لحرمت من نور العلم و المعرفة، وقد أسعفني الحظ إذ أني كنت أحفظ القرآن و أحسن الكتابة، فاقترح المعلم بعد أن اكتشف ذلك أن أنقل رأسا إلى القسم الثالث. و هكذا ربحت سنتين.
العام الأول في المدرسة كان رائعا جدا. فقد أعجبتني الكراسي و الطاولات و المحابر و الأقلام الملونة و السبورة السوداء الهائلة الاتساع، و كل ذلك أنساني أجواء المؤدب الكئيبة، و حصير الحلفاء التي كنا نجلس عليها و المشقة الكبيرة التي كنا نلاقيها لإعداد الصمغ للكتابة و محو الألواح خصوصا في الشتاء، و كان معلمنا رجل من الجنوب يدعى عبد العزيز و كان طيبا معنا إلى أبعد الحدود، و قاسيا حين يستوجب الأمر ذلك.

كانت سعادتي كبيرة عندما أتوفق إلى خطف فاطمة التي كنت أحبها

_ لو حدثتنا عن ألعاب تلك المرحلة خصوصا و انك تحدثت عنها في كثير منها في قصصك؟
* الألعاب التي مارستها في طفولتي كثيرة، في البداية، كان أحبها إلى نفسي لعبة ” عظيم زازا ” و هي لعبة مشتركة بين الإناث و الذكور و هذه متعتها، عظم فك كبش العيد يحتفظ به، و في ليالي الصيف، على نور القمر، ننقسم إلى قسمين، يطلب منا من نعينه حكما أن نغمض أعيننا ثم يلقي بالعظم بعيدا. بعدها نتفرق نحن للبحث عنه و نحن نغني: ” يا عظيم زازا بقسلي نبقسلك نهار العيد نحرقسلك ” ( يعني أيها العظم المع لي سألمع لك أنا أيضا، و يوم العيد سوف أزينك ). فإذا ما عثر عليه الواحد من الفرقتين أشهره عاليا ثم جرى باتجاه الهدف، فإن بلغه، يكون قد حقق هدفا لصالح فريقه، إنها لعبة رائعة فعلا خصوصا و أنها تسمح لنا الذكور بأن نداعب الإناث في الأماكن الحساسة، و الغريب أن آبائنا و هم في الغالب محافظون و متزمتون، يغضون الطرف عنا، و لا يرون في ذلك أي عيب. اللعبة الثانية رائعة و متميزة هي أيضا. و هي لعبة اللصوص. و هي مشتركة بين الإناث و الذكور. تنقسم إلى فريقين. و كل واحد يكون مسؤولا عن فتاة، فإن اختطفت منه، تكلف بالبحث عنها، و في هذه الحالة يكون الخاطف أو اللص هو المستفيد من الدرجة الأولى خصوصا إذا فر بضحيته، وغالبا ما يحدث هذا، إلى مكان خفي… و طبعا كانت سعادتي كبيرة عندما أتوفق إلى خطف فاطمة التي كنت أحبها أكثر من جميع الفتيات الأخريات.

أحيانا كنت أمضي ليالي بطولها في الحوانيت ألعب الورق

_ إذا عدنا إلى كتاباتك و جدنا فاطمة فهل تكتب سيرتك في قصصك أم أن فاطمة صورة باقية لا تمحى من الذاكرة؟ ماذا بقي من الطفولة أيضا؟
* عنها تحدثت في العديد من قصصي التي تضمنتها مجموعتين الأولى ” حكاية جنون ابنة عمي هنية “، اللعبة الأخرى لعبة خطيرة و قاسية، و هي بمثابة اختبار للرجولة و القوة و خفة الحركة، و طبعا لا نشارك الفتيات في هذه اللعبة لأن الذين يحبونها يكونون قد تجاوزا سن البلوغ. تسمى هذه اللعبة ” الركيسة”، ينقسم اللاعبون إلى فريقين: فريق يجبر على أن يتحرك أفراده على أربع، و أن يحاول كل واحد منهم أن يلمس بساقه المسافة الفاصلة بين ركبتي الخصم وكاحليه، فإن تم له ذلك، يكون الانتصار. أما أفراد الفريق الآخر فيشنون هجومات عنيفة على الفريق الأول، ضاربين خصومهم القابعين في الأرض بشدة لا مثيل لها، و قد شاركت في هذه اللعبة مرات عديدة، و يوما ما تلقيت ضربة بدا لي بسبب قوتها أنها أسقطت نجوم الليل نثارا على الأرض، هكذا أقاسي، و منذ تلك الليلة، انقطعت عن ممارسة تلك اللعبة، و أصبحت من ضمن المتفرجين، و لابد أن أشير إلى أني و أنا في سن الثامنة عشر، فتنت بلعب الورق، و أحيانا كنت أمضي ليالي بطولها في الحوانيت ألعب الورق على نور مصباح خافت، ووسط دخان السجائر الرديئة. و عندما قرأت في ما بعد رواية ” المقامر” لدستويفكي وقفت جيدا على معنى الإدمان على لعبة معينة..

كانت أمي امرأة جميلة ونشطة وسريعة الغضب

_ أمك موجودة في صراخك اليومي و في همومك… كيف سكنتك إلى هذا الحد؟
• كانت أمي امرأة أكثر تحضرا من والدي بحكم المنطقة التي جاءت منها، كانت جميلة و نشطة و سريعة الغضب، منذ أن فتحت عيني على العالم، و حتى وفاتها مطلع العام 1995، لم أرها تظهر أبدا تأففا من العمل. فهي التي تجلب الماء من الأماكن البعيدة. و هي التي تقوم بشؤون البيت. بل و العناية بالبقر و بالدواب و غير ذلك. و عند موسم الحصاد أو جني الزيتون، هي لا تتخلف أبدا عن القيام بواجبها في هذا المجال. و كان والدي يتخاصم معها بسبب نشاطها الزائد عن اللزوم أحيانا، أما هي فكانت تتهمه بالكسل و الخمول، وعقب وفاته مطلع عام 1964، أصبحت هي مكانه فأشرفت على دراستنا و عملت في حقل الزيتون مثل الرجال، و إذا ما يتقاعس الواحد منا عن أداء فروضه المدرسية، تثور ثائرتها، و ينفجر غضبها ضده، حتى عندما استقرت في مدينة القيروان و كان ذلك أواخر السبعينات، ظلت حريصة على العودة إلى القرية للقيام بالأعمال الزراعية خصوصا في موسم الحصاد أو جني الزيتون، علاقتي معها كانت متوترة في البداية خصوصا عندما ألوذ بالصمت و أتوحد بنفسي بعيدا عن العائلة، لكنها كانت تثق في قدراتي خصوصا في مجال الدراسة، لذا لم تكن تراقبني أبدا في هذا المجال مثلما هو الحال مع الآخرين، ثم إني عشت بعيدا عنها منذ سن الحادية عشر، فقد انتقلت إلى قرية العلا لأعيش عند خالتي محبوبة، و لم أكن أعود إلى البيت إلا في عطلة نهاية الأسبوع أو أثناء العطل المدرسية. عندما كبرت أصبحت علاقتي معها رائعة جدا. و عندما انتقلت للعيش في ألمانيا، كنت أهاتفها مرتين أو أكثر في الأسبوع، و عندما أعود إلى تونس، أحرص على أن أذهب إلى القيروان حيث تعيش في اليوم الأول لوصولي، و كان صوتها حدثا مريعا بالنسبة لي حتى أني لم أعد أجد الشجاعة للذهاب إلى القيروان…

كان والدي يعتقد أنني أحمق إذ أني لم أكن أتكلم إلا نادرا

_ وكيف كانت العلاقة بالأب؟
• كان أبي رجلا قويا، فارع الطول، بأنف ضخم، وصوت جوهري، وأنا أدركته شيخا قد ذهب من قوته الكثير و كان الناس يروون حكايات كثيرة عن بطولاته في أيام الصحة و الشباب. و كانوا يقولون أنه من الرجال القلائل الذين يسافرون ليلا دونما خوف و أنه صرع العديد من اللصوص و قطاع الطرق الذين اعترضوا سبيله، و كان والدي أميا غير أنه تمكن من حفظ بعض السور لأداء صلواته.و كان رجلا هادئا، تقيا، يكره الكذب و النفاق و يتحاشى الخصومات التي تندلع في القرية، و يتجنب الأشخاص الثقيلي الظل بالخصوص ذلك انه كان يحب الدعابة و يضحك حتى تدمع عيناه، و قد كانت علاقتي به جد صعبة ربما لأني كنت أتقاعس عن أداء المهام التي يطلب مني أدائها، بل و كان يعتقد أنني أحمق إذ أني لم أكن أتكلم إلا نادرا. و يوم حضر الحفل الكبير الذي انتظم في المدرسة، و خلاله تسلمت جائزة أفضل تلميذ في فصلي، نظر إلي طويلا، ثم تمتم: ” يبدو أنني أخطأت في حقك يا ولدي !”، و حتى هذه الساعة عندما أتذكر هذا المشهد لا أستطيع أن أحبس دمعي…

  كانت الصورة الأجمل في تلك الفترة من طفولتي

_ و ماذا عن حضور المرأة في حياتك في تلك الفترة؟
• الحقيقة أني كنت شديد الإعجاب بفتاة من أقاربي لأنها كانت صموتة، و دائما يحمر وجهها حياء حين تسال أو حين تجيب عن سؤال، و كانت لها عينان سوداوان واسعتان و شعر فاحم ينسدل على كتفيها مثل قطعة من ليلة صيف هادئة نراها من نافذة صغيرة، فإذا ما تكلمت، فعلت ذلك بصوت خافت، كانت لها رصانة الأميرات البدويات، في ذلك الوقت بدت لي الأنثى المثالية، الأنثى التي يمكن أن تكون صورة في الحلم و ليس في بالواقع. و ربما لهذا السبب كنت أخشى الاقتراب منها و التحدث إليها، و كان يراودني إحساس غريب بأنني لو تجرأت و فعلت ذلك لاحترقت. ثم انتقلت إلى العلا، فلم اعد أراها إلا من بعيد، مع أمها، أو والدها، أو بصحبة بنات أخريات، و بعد أن تزوجت و كان ذلك أواخر الستينات، انتقلت إلى القيروان حيث يعمل زوجها الذي لم أره البتة في حياتي، و لكن أواخر السبعينات، كنت أتمشى و حيدا في أسواق القيروان القديمة لما لمحتها مع أطفالها الثلاثة، واحد منهم كانت تحمله في حضنها. كانت شاحبة الوجه، مضطربة المشية. إن جمالها القديم فقد ذبل أو يكاد. و ثمة في ملامحها ما يدل على أن ثمة تعاسة عميقة تسكن روحها، اقتربت منها و بي رغبة في أن أتحدث إليها، فلما أحست بوجودي، نظرت إلي مطولا، ثم أشاحت عني بوجهها وانصرفت مسرعة مع أطفالها الثلاثة دون أن تتفوه بكلمة واحدة. الآن اقدر أن أقول أنها كانت الصورة الأجمل في تلك الفترة من طفولتي. و منها استوحيت قصة عنوانها: ” تونس ” منشورة في مجموعتي الأولى ” حكاية جنون ابنة عمي هنية “

الشخص الثاني المهم في هذه الفترة من حياتي كان صالح الزعروري.

_ و ماذا عن عوالم الصداقة المبكرة؟
• الشخص الثاني المهم في هذه الفترة من حياتي كان صالح الذي كنا، نسميه جميعا لسبب لا أدريه حتى الآن ” صالح الزعروري ” كان طفلا قميئا، بشعا، بفم واسع و عينين خبيثتين ضيقتين.و كانت عائلته تسكن كوخا بائسا تعيش حالة من البؤس الرهيب، و الناس يقولون سبب ذلك يعود إلى إدمان أبيه على القمار في مرحلة ما من حياته الشيء الذي أفقده كل ما يملك، و كانت له أخت جميلة جدا، أثارت العديد من المعارك الصاخبة بين شبان الدوار ذلك أن كل واحد كان يريدها له. و بالرغم من الفرق الشاسع بين سلوكي و سلوكه، فإن صالح” الزعروري ” كان يفتنني، فقد كان يحب العراك و المغامرات، كما أنه لم يكن يهاب شيئا، لا الظلام، ولا الهضاب التي تسكنها العفاريت و الأفاعي و لا تهديدات الكبار. و كان يقضي جل أوقاته في الحقول و الأودية بحثا عن اليرابيع و الأرانب البرية، و مرات عديدة قبض عليه و هو يسرق التين أو اللوز و الدجاج. و كان ذلك كافيا لكي ينعته الكبار كما الصغار من قريتنا ” بالشيطان الأزرق ” ثم أنه يختفي بين الحين و الآخر يعود بعدها ليحكي لنا قصصا غريبة أو واصفا لنا السيارات التي لم نكن نعرفها، متحدثا عن أشياء أخرى كانت تبدو لنا غير واقعية مطلقا. ولا أحد يدري كيف استطاع صالح الزعروري أن يقنع السلطات بإدخاله إلى مدرسة تتكفل بالأيتام، وفي العطل كان يعود بثياب أنيقة ليحدثنا عن القيروان التي كانت تبدو لنا شبيهة بحلم جميل، أوائل السبعينات اختفى” صالح الزعروري ” و تناقل الناس أخبارا تقول أنه شوهد في طرابلس ثم في بنغازي، بعدها قالوا أنه عثر على عمل في الكويت و انه يعود بين وقت و آخر إلى القرية يظهر لأهله أنه أصبح من الميسورين. بل أنه تجرأ على أن يخطب فتاة تصغره بخمسة عشر عاما، و عقب حرب الخليج ذهبت إلى القيروان لزيارة أمي، و كنت بصدد التحدث إليها حول مسائل تخص العائلة، حتى طرق الباب، فتحته فإذا بي أمام شخص غريب لم يلبث أن ابتسم ابتسامة عريضة كشفت عن أسنان ذهبية.
+ أنسيتني…؟! ” قال بنبرة لوم واضحة
ظللت أتمعن فيه… ثم صحت:
+ ألست صالح الز…؟ ” و لم أكمل لأني تذكرت في الحين أنه يكره كلمة ” الزعروري ” و يغضب جدا عند
سماعها.
+ نعم أنا هو! ” قال و قد ازدادت ابتسامته اتساعا، ثم احتضنني
حدثني عن حياته في الكويت و عن مغامراته في كازينوهات القاهرة و الإسكندرية و عن امرأة مصرية عشقها هناك. و في أوائل شهر فيفري 2006 هتف لي أخي المنجي من حفوز ليبلغني أن صالح ” الزعروري ” مات بالسكة القلبية،
الثاني يدعى يوسف و هو من عائلة فقيرة جدا، و كان كسولا، و نتائجه المدرسية سيئة للغاية، غير أنه كان طيبا و عطوفا و مخلصا خصوصا لأصدقائه. و معي يقف في الخصومات ظالما أو مظلوما. وفي الامتحانات كنت أسرب له بعض الأجوبة. و معا قمنا بالاستعدادات اللازمة لامتحان شهادة الابتدائية. و كان نصيبنا النجاح، الأمر الذي أسعده و أسعد عائلته كثيرا، أواسط السبعينات، و عقب فراق دام سنوات طويلة، التقينا في بنزرت حيث كان يعمل، وقتها كنت قد فصلت من العمل و كنت أعيش حالة إفلاس رهيبة. و لم يبخل علي يوسف الفقير ببعض المساعدات بين وقت وآخر.

بكيت بحرقة لأن الابتعاد عن أهلي وعن دوارنا بدا لي صعبا وقاسيا

_ تتحدث كثيرا في مجالسك و قصصك عن منطقة ” العلا ” فهل في الأمر سر؟
• في الحادية عشر من عمري، انتقلت إلى العلا حيث يعيش أخوالي، في البداية بكيت بحرقة لأن الابتعاد عن أهلي و عن دوارنا بدا لي صعبا و قاسيا إلى أبعد حدود القسوة، ثم أن أهل العلا بدوا لي شرسين و محتالين عكس أهلي المعروفين في المنطقة كلها بالطيبة و الوداعة. و لكن شيئا فشيئا تأقلمت مع حياتي الجديدة خصوصا بعد أن أصبح لي صديقان حميمان: الأول هو الحبيب السالمي الذي يعيش الآن في باريس، أذكر أننا لم نكن نفترق إلا ساعة النوم. و كنا نتقاسم كسرة الخبز و حتى حبات الزيتون. وفي الفصل يجلس الواحد منا جنب الآخر دائما و أبدا، و قد يعود سبب ارتباطي الوثيق بالحبيب السالمي إلى طيبته و حسن سلوكه و مقته الشديد للكذب و للعدوانية المتفشيين في أواسط أندادنا من التلاميذ، ثم أنه كان تلميذا لامعا و مجدا و قليل الكلام، يمكن القول أن علاقتي به كانت مثالية، و قد ظلت كذلك زمنا طويلا، و عندما تقدمنا في السن، تصادمنا أكثر من مرة لكننا لم نتجاوز الخط الأحمر أبدا، و لعل صداقتنا الرائعة خصوصا في فترة الطفولة و المراهقة هي التي جنبتا ذلك.
العام الأول في العلا، قضيته عند أخوالي، كان عاما قاسيا و حزينا إلى أقصى الحدود و قد يكون من الأفضل أن لا أخوض في تفاصيله حتى لا أجرح بعض الناس من أهلي.
العام الثاني انتقلت للعيش عند خالتي محبوبة، و سرعان ما نسيت ألام و أوجاع العام السابق، ذلك أن خالتي محبوبة برغم فقرها الشديد، كانت حنونة وطيبة و دائمة التفاؤل، و كان زوجها رجلا هادئا، صموتا، يقضي الوقت في التدخين، أما بناتها الأربعة فكن أجمل بنات القرية، و جميعا كنا ننام في نفس الغرفة، و كانت بنات خالتي محبوبة يعاملنني كما أني أخوهم، و في هذا الجو الأنثوي الرائع، أصبحت أكثر نشاطا وحيوية، و بدأت أكتشف عالم النساء السري، و في أواخر السبعينات، سكنت خالتي محبوبة بعد أن تزوجت بناتها الأربع في بيت ابنها الوحيد الذي أصبح ميسور الحال في ضاحية ” الزهراء ” قرب العاصمة.
و في أيام التشرد تلك، كنت آوي إليها بين وقت وآخر فكانت تعاملني بنفس الحنان الذي كانت تعاملني به و أنا طفل. بعدها كنت أحرص على أن ألتقيها كلما عدت إلى تونس، وآخر مرة رأيتها كانت قبل وفاتها ببضعة أشهر. حدثتني بالتفصيل عن رحلتها إلى مكة لأداء فريضة الحج. و كانت سعيدة جدا بذلك…

ظل الحبيب السالمي الصديق الأقرب إلى نفسي

_ يبدو أن الدراسة الثانوية غيرت مجرى حياتك بالكامل؟
• عقب إحرازي على شهادة الابتدائية، انتقلت إلى المعهد الثانوي بحفوز و هي بلدة جميلة تحيط بها ضيعات خضراء كان يملكها المعمرون الفرنسيون. غير بعيد عنها ينتصب جبل طرزة الواقع بينها و بين قرية العلا، وعلى مسافة قريبة منها، وادي ” برق الليل ” الذي داهم القيروان أكثر من مرة أوقات الفيضانات و الأمطار الغزيرة و كان يرعب أهالي القرى القريبة منه لأنه يجرف في غفلة منهم رجالا وأطفالا و نساء و دواب. و كانت حفوز أنظف و أهدا من العلا التي كانت وسخة و مليئة بالمتسولين و المشوهين و ذوي العاهات و النشالين و اللصوص. و كان المعهد الذي بناه الفرنسيون يتميز بخاصيات رائعة على جميع المستويات خصوصا على المستوى المعماري. في حفوز، ظل الحبيب السالمي الصديق الأقرب إلى نفسي. ولكن سرعان ما ارتبطت بعلاقة وثيقة بفتى آخر من دوار قريب من حفوز، على الطريق الفاصل بينها و بين القيروان، يدعى عبيد العياشي، فتى جميل، أنيق، خمري البشرة، أصهب الشعر، ممشوق القامة، قليل الكلام. و بالرغم من أنه قادم من الريف مثلنا، فإنه كان يتصرف كما لو أنه من أهل المدن، و قد توطدت علاقتي به حين اكتشفت أنه يقرض الشعر، وأذكر أني فتنت بأول قصيدة قرأها لي و مازلت أحفظ منها البيتين التاليين:
كأن ذلك الحصان يعلف حبا
ثم مات الحصان ذات مساء
معه كنت حريصا على متابعة ما ينشر في مجلة ” الفكر ” التونسية التي كان يشرف عليها السيد محمد مزالي الذي أصبح وزيرا أول مطلع الثمانيات. و لأنها لم تكن تباع في حفوز، فان أستاذنا في مادة اللغة العربية كان هو الذي يشتريها لنا من القيروان حيث يسكن، مجلة ” الفكر ” كانت نافذنا على عالم الأدب التونسي. من خلالها اكتشفنا شعراء سرعان ما أصبحوا قريبين إلى قلوبنا من أمثال جعفر ماجد و أحمد اللغماني و أحمد القديدي… كما اكتشفنا أيضا قصاصين كان أفضلهم في تلك المرحلة، البشير خريف، وكان النقاش مع عبيد العياشي مفيدا ذلك انه كان مهتما بكل ما يحدث من جديد في عالم الأدب التونسي. و سرعان ما أصبح هو شاعر المعهد بامتياز. أما أنا فبعد أن نالت قصتي ” رحلة مشؤومة ” الجائزة الأولى في مسابقة انتظمت في المعهد فقد أصبحت قصاص المعهد بامتياز. و قد ظل عبيد العياشي صديقا حميما لي حتى السنة الأولى جامعة، و في تلك السنة، عشق فتاة من القيروان تكتب الشعر هي أيضا، غير أن قصة حبه لها انتهت بسرعة فأصيب بصدمة كبيرة و سافر إلى باريس و من هناك إلى بغداد حيث أنه انخرط في حزب البعث بهدف استكمال تعليمه. و لما بلغني ذلك، استغربت الأمر كثيرا إذ أن عبيد العياشي حسب معرفتي به كان يمقت الالتزام السياسي من أي نوع كان، و أثناء رحلتي إلى بغداد في خريف 1973، التقيت به في مقر الاتحاد العام لطلبة تونس. و هناك تيقنت من أنه منخرط فعلا في حزب البعث. و لما ضربني الطلبة البعثيون في “الوزيرية ” متهمين إياي بأني جاسوس بورقيبة لم يقف إلى جانبي، و تحاشى رؤيتي. و في عام 1987 إلتقيته من جديد في بغداد و ذلك خلال مهرجان المربد، أخبرني أنه تزوج و أنه يعمل في شركة فرنسية، و لما سألته عن الشعر قال لي و قد بدت عليه علامات الحزن و الأسى بأنه انقطع نهائيا عن كتابته. و لم أستغرب الأمر ذلك أن الطريق الذي اختار أن يسير فيه، لابد أن يؤدي إلى مثل هذه النتيجة… و هكذا خسرنا شاعرا موهوبا بسبب النشاط السياسي.

أول كتاب أثارني وأثار شجوني هو القرآن

_ علاقتك بالأدب بدأت بشكل مبكر… ماذا عن القراءات الأولى؟
* بدأت علاقتي مبكرا بالأدب، وأول كتاب أثارني و أثار شجوني هو القرآن إلى جانب القصص العجيبة التي كان يرويها أهلي في سهرات الشتاء و الصيف بالخصوص، و من المؤكد أن تلك القصص خلفت تأثيرا كبيرا في نفسي، و لعله باق إلى حد هذه الساعة، لم تكن أمي تروي الحكايات جيدا، و كذلك أبي، غير أن أخي غير الشقيق إبراهيم البالغ من العمر الآن 80 عاما، كان فالحا في ذلك و كان لكلماته و لحركاته و هو يروي الحكايات و قع سحري علي. خالي الخاتمي أيضا كان راوية عجيبا، و كلما جاء إلى بيتنا إلا و تحلقنا حوله الكبار و الصغار طالبين منه أن يروي لنا حكاية ما، فكان يفعل ذلك و هو في كامل الابتهاج و السرور، و غالبا ما نمنا على وقع صوته الهادئ الكسول و هو يروي الحكايات. و قد انتبه العديد من الذين قرأوا مجموعتي الأولى ” حكاية جنون ابنة عمي هنية ” إلى هذا التأثير الذي تركته في نفسي الحكايات الشفوية، لذا كتب أحد النقاد يقول بأنني أكتب مثلما أتكلم. في المرحلة الابتدائية، و مثل أغلب الأطفال قرأت قصص المنفلوطي خصوصا قصة ” ماجدولين ” التي اقتبسها من رواية الكاتب الفرنسي بارنادان
دي سان بيار. و في السنة الأولى إعدادي قرأت في المكتبة العامة بحفوز رواية ” زقاق المدق ” لنجيب محفوظ فصعقتني، و من ذلك الحين أصبحت أقرأ كل ما يقع في يدي من روايات نجيب محفوظ. كما أعجبت بـ ” الأيام ” لطه حسين، و بكتب توفيق الحكيم و روايات محمد عبد الحليم عبد الله و قصص محمود تيمور و ” لقاء ” لميخائيل نعيمة، و لي مع هذا الكتاب ذكرى خاصة، فخلال العطلة الصيفية التي عقبت السنة الأولى إعدادي، كنت في تونس عند أخي الذي يعمل شرطيا هناك. و مرة أعطاني خمسمائة مليم بغرض أن أذهب إلى السينما و ارفه عن نفسي قليلا. و بعد أن طفت في ” باب بحر ” فكرت أن أفضل شيء أفعله بذلك المبلغ هو شراء ” لقاء ” لميخائيل نعيمة الذي شاهدته معروضا في واجهة إحدى المكتبات، و هذا ما فعلته بالفعل، و لما اكتشف أخي ذلك، صفعني عدة صفعات قائلا لي لو أنه كان يعلم ماذا سأفعل بذلك المبلغ لما أعطاني إياه. آلمني الأمر كثيرا فتركت شقته الكائنة بشارع ” غانا ” بقلب العاصمة تونس و همت في الشوارع باكيا بحرقة. و كان هناك شرطي آخر يتقاسم الشقة مع أخي، و كان مغرما بالصحف و المجلات المصرية، و غالبا ما يشتري كتبا، و في غيابه كنت أتسلل إلى حجرته وأقرأ ما أعثر عليه، خصوصا جريدة ” الأهرام ” و مجلة ” المصور”. و مرة وجدت على طاولته الصغيرة القريبة من فراشه رواية ” البؤساء ” لفيكتور هوغو، فالتهمتها في بضعة أيام دون أن ينتبه هو إلى ذلك، و قد أثرت في تلك الرواية تأثيرا كبيرا حتى أن أحداثها و شخصياتها ظلت عالقة في ذهني لفترة طويلة. و عندما عدت إلى القرية، رحت أروي وقائعها إلى الفتيان. و كم سعدت حين لاحظت أنهم أصغوا إلي بانتباه شديد.

الرواية التي صعقتني وغيرت نظرتي للأدب هي رواية “الغريب” لألبير كاامي

_ و ماذا عن الأدب الفرنسي خصوصا و أنك ترجمت كثيرا من النصوص في هذا المجال؟
• منذ السنة الثانية إعدادي، بدأت أقرأ الكتب الفرنسية. و من المكتبات القديمة بـ ” نهج زرقون ” في تونس العتيقة و بالمبالغ القليلة التي كان يمنحها لي أخي بين وقت وآخر، اقتنيت العديد من الكتب الفرنسية في طبعات رخيصة جدا. أذكر أني حصلت على بعض كتب شاتو بريان و فيكتور هوغو و جورج صاند و بالزاك و زولا و فلوبير. كما اقتنيت ” أزهار الشر ” لبودلير و مختارات من قصائد فرلين و رامبو، و البعض من قصائد هؤلاء حفظتها عن ظهر قلب، و يمكنني أن أقول أن الروايات هي التي كانت تستهويني أكثر من غيرها. بعدها كتب الرحلات و التاريخ. لكن لابد أن أعترف أن الرواية التي صعقتني فعلا و غيرت نظرتي للأدب هي رواية ” الغريب ” لألبير كاامي التي قرأتها و أنا في السابعة عشر. بعدها قرأت ” الثعبان ” لجان بول سارتر، فكان تأثيرها علي كبيرا هي أيضا. ثم اكتشفت الأدب العالمي فقرأت همنغواي و فوكنر و دستويفسكي و غوغول و تشيكوف و غوركي، باختصار كنت و مازلت قارئا نهما، و أحب الأوقات هي التي أقضيها بين الكتب…

أعتقد أن محاولاتي الأدبية الأولى تعود إلى سن الرابعة عشر

_ و كيف دخلت عوالم الكتابة؟
• أعتقد أن محاولاتي الأدبية الأولى تعود إلى سن الرابعة عشر، و لعل من جملة العوامل التي حفزتني على الكتابة إدماني على سماع برنامج أدبي عنوانه ” هواة الأدب ” الذي كانت الإذاعة التونسية تبثه ثلاثة أيام في الأسبوع: الجمعة و السبت و الأحد. في ما بعد اكتشفت أن جميع أبناء جيلي كانوا مدمنين على سماع هذا البرنامج الذي كان يشرف عليه الشاعر أحمد اللغماني، أما المذيع عادل يوسف فكان دوره قراءة النصوص المرسلة من قبل هواة الأدب، وآخر كل شهر كانت الإذاعة تمنح جائزة بعشرين دينارا لأفضل نص، بين سن الرابعة عشر و الخامسة عشر، أرسلت بنص قصصي إلى هذا البرنامج. فجاءني الرد بعد حوالي شهرين: لا يمكن إذاعة النص لضعفه… حزنت كثيرا. مع ذلك واصلت الكتابة و القراءة و الاستماع إلى البرنامج، منتبها شديد الانتباه إلى نصائح التي كان يخص بها الشاعر أحمد اللغماني، و بعد قراءتي لرواية ” الغريب “، كتبت قصة تحت عنوان ” صورة أبي ” وأرسلت بها إلى البرنامج المذكور. و طبعا كنت في هذه القصة متأثرا جدا برواية ألبير كامو. و بعد شهرين، جاءني صديقي عبيد العياشي ليعلمني أنني فزت بالجائزة الأولى لبرنامج ” هواة الأدب ” و لم أكن قد استمعت إلى تلك الحصة لسبب لا أتذكره الآن و طبعا كانت سعادتي كبيرة بذلك.

كان أضخم مبلغ مالي حصلت عليه

_ كنت سعيدا بالجائزة و لا شك؟
• بعد أسبوع توجهت إلى الإذاعة و تسلمت المبلغ الذي كان أضخم مبلغ مالي حصلت عليه ذلك الحين. اشتريت ثيابا جديدة، و بعض الكتب، و تفرجت على فيلم ” الدكتور جيفاكو ” الذي كان يعرض للمرة الأولى.

منذ البداية وقفت إلى جانب هذه الحركة الطلائعية واعتبرت نفسي واحدا من عناصرها

_كيف تعاملت مع مناخات تونس الثقافية و أنت القادم من الأرياف؟
• بدأت أرسل بمحاولاتي الأدبية إلى الملحق الثقافي لجريدة ” العمل ” الذي كان يشرف عليه الكاتب الطلائعي عز الدين المدني، و قد نشر لي هذا الملحق عدة نصوص لا أتذكر عناوينها الآن ما أتذكره هو أن واحدا من هذه النصوص أثار ردود فعل نشرها الملحق في الفضاء الخاص ببريد القراء. كنت آنذاك في الثامنة عشر من عمري. و كان الملحق الثقافي لجريدة العمل المرآة التي تعكس الصورة الحقيقية للأدب الجديد، و للأصوات الشابة، و بالرغم من أن الجريدة كانت ملتزمة بخط الحزب الحاكم، فإن الملحق كان جريئا حتى أن العديد من النصوص التي نشرت فيه أثارت غضب رجال السلطة و رجال الدين. و كانت مجلة ” الفكر ” التي يديرها واحد من أقطاب النظام أعني بذلك السيد محمد مزالي جريئة هي أيضا. و لعل أكبر دليل على ذلك نشرها لنص ” الإنسان الصفر ” الذي أثار حفيظة رجال الدين و فجر معركة حامية الوطيس بينهم و بين صاحب المجلة و مختلف التيارات الأدبية الجديدة. كما أن مجلة ” الفكر ” وأيضا ملحق الثقافي لجريدة ” العمل ” نشرا المحاولات الشعرية الأولى للجماعة التي أصبحت تسمي نفسها في ما بعد ” جماعة في غير العمودي و الحر ” و قد أثارت هذه المحاولات جدلا كبيرا في الحياة الثقافية التونسية تماما مثلما هو الحال بالنسبة لقصص عز الدين المدني، و سمير العيادي و محمود التونسي و آخرين… و منذ البداية وقفت إلى جانب هذه الحركة الطلائعية و اعتبرت نفسي واحدا من عناصرها، وكانت قصص عز الدين المدني التي نشرت في ما بعد ضمن مجموعته: ” خرافات ” تثير إعجابي و فضولي. أواخر السبعينات، توقف الملحق الثقافي لجريدة ” العمل ” عن الصدور، فكان ذلك بمثابة الضربة القاضية للحركة الأدبية الجديدة، ثم إن مجلة ” الفكر ” توقفت بدورها عن نشر الإنتاج الجديد.

كان علي أن أقطع مسافة شاسعة وسط أدغال الإيديولوجيات الدكناء

_ يبدو خالد النجار و بشير القهواجي من أهم الأشخاص الذين اثروا في عوالمك الفكرية و الأدبية؟
• في تلك المرحلة التي بدأت فيها حركة الطليعة تتعرض إلى هجومات شرسة من قبل السلطة و من قبل الأطراف الدينية المحافظة، تعرفت على الشاعر خالد النجار الذي كنت قد قرأت له في الملحق الثقافي لجريدة ” العمل ” مجموعة من القصائد القصيرة أعجبتني كثيرا. و كان الحبيب السالمي هو أول من قدمني له. ومنذ الليلة الأولى أصبح هذا الفتى القصير المتوتر طول الوقت صديقا حميما لي، و لا أبالغ إن قلت أن خالد النجار قد يكون واحدا من أهم المثقفين التونسيين الذين تعرفت عليهم في حياتي كلها، فقد أرشدني إلى كتب لم أكن أعرفها حتى ذلك الحين، و ساعدني على تنقية لغتي من الشوائب و فتح عيني على العديد من الأشياء الأخرى. وكان أول من نبهني إلى التأثير السلبي للإيديولوجيا على الأدب، و في السهرات التي أقضيها في بيته، كان خالد النجار يقرا لي قصائده و قصائد من الشعر العالمي، كما كان يحدثني عن زياراته إلى لبنان و القاهرة. و كان ذلك يمتعني كثيرا و بمساعدته تعرفت على آخرين لعبوا دورا كبيرا في تكويني الثقافي و الفكري مثل الشاعر الروماني الأصل، الفرنسي الجنسية، لوران كسبار الذي كان يعمل طبيبا جراحا في مستشفى ” شارنيكول ” بالعاصمة التونسية، و هشام جعيط و آخرين كثيرين… الصديق الآخر الذي لعب دورا كبيرا في مسيرتي الأدبية خلال السبعينات، هو البشير القهواجي، في نفس اللحظة الذي لمحته فيها و كان ذلك مطلع العام 1972 في إحدى الحلقات الثقافية التي انتظمت على هامش الانتفاضة الطلابية الكبيرة، تعلقت بشاب في الواحدة و العشرين من عمره، طويل، نحيف يدخن و يتكلم بانفعال، واحد من تلك الكائنات التي من فرط الصدق و النزاهة، تبدو كل كلمة ينطق بها و كأنها قطعة من لحمه. و قد سعدت كثيرا حين أبلغني أنه من القيروان. بعد أن ضربت الانتفاضة، وأغلقت الجامعة، اختفى بشير القهواجي و قد بلغني أنه انقطع طوعيا عن الدراسة و أنه يقيم عند عائلته الفقيرة في القيروان.
عام1974، و بعد أن أطلق سراحي من السجن حيث أمضيت أربعة أشهر بسبب نشاطاتي السياسية، عينت مدرسا للغة الفرنسية في القيروان. و كان الحر شديدا في المدينة المقدسة. دخلت فندق ” السيلانديد ” فإذا بي أجد نفسي وجها لوجه مع بشير القهواجي الذي كان جالسا يدخن ساهما و أمامه ” مدار السرطان ” لهنري ميللر. تعانقنا، و في الحين خضنا طويلا في السياسة. و إذا بي أدرك أن بشير القهواجي قد تخلى عن المبادئ الماركسية التي كان يؤمن بها، و أصبح يميل إلى النزاعات الصوفية، ولأني كنت وقتها جد متطرف سياسيا وإيديولوجيا، فإني سرعان ما ابتعدت عنه بل وأصبحت أعيره مثلما يفعل رفاقي الآخرين بالرجعية، و بأشياء أخرى من هذا القبيل. و لم أعترض عندما قال رفيق قيرواني كان لا يزال في الثامنة عشر من عمره بأن بشير القهواجي مثال للمثقف
البور جوازي الصغير الفاشل، وكان علي أن أقطع مسافة شاسعة وسط أدغال الإيديولوجيات الدكناء. و أن أظل متعلقا بالأوهام الكاذبة سنوات طويلة قبل أن أصل إلى ما وصل إليه البشير القهواجي و في نهايات عام 1977، اعترتني أزمة نفسية حادة فتركت العاصمة و عدت إلى الدوار حيث كانت تعيش أمي استقبلتني و الدموع في عينيها. دموع الأم المسكينة التي فر عنها أولادها، كل واحد إلى حيث لقمة العيش، مكثت عندها حوالي شهرين. قرأت كثيرا، و تمشيت و حيدا في المسارب، وبعد تفكير طويل، توصلت إلى أن سبب ما أعانيه من أزمات نفسية يعود بالأساس إلى تلك السنوات التي أمضيتها متشردا، حالما بان الماركسية قادرة على أن تنقذ الجميع بما فيهم أنا قررت عندئذ أن أبتعد عن العاصمة و أن أقطع علاقتي نهائيا بالحلقات الماركسية و الثورية. و بعد أن عثرت على عمل في فرقة مسرحية بالقيروان، انتقلت مع أمي و أختي التي كانت تعد نفسها لاجتياز امتحان الباكلوريا إلى هناك سكنا معا شقة صغيرة، كان راتبي تافها جدا أخصصه للكراء، مع ذلك كنت سعيدا في هذه الفترة، تجددت علاقتي بالبشير القهواجي، و أغلب أوقاتي كنت أقضيها معه، في غرفته الصغيرة المليئة بالكتب و المجلات الأدبية الرفيعة، و بمساعدته قرأت العديد من الروايات و الكتب التي فتحت أفقا جديدا في مسيرتي الأدبية. من بين هذه الروايات و هذه الكتب أذكر رواية هنري ميللر، و رواية ” تحت البركان “، وقصص بورخيس و مسرحيات بيكت و ” جاتسبي العظيم ” سكوت فيتجبرالد و مؤلفات بعض المتصوفة المسلمين و المسيحيين و أشياء أخرى كثيرة. و عقب سنة واحدة امضيتها في القيروان، و برغم المتاعب المادية التي كنت أواجهها يوميا، شفيت من الأمراض الإيديولوجية، و بدأت مرحلة جديدة من حياتي… و كان ذلك بفضل البشير القهواجي، و أيضا خالد النجار و محمد الغزي… و منصف الوهايبي…

عند خروجنا من المدرسة، قال لي ابن خالتي عمارة: ” هل أنت رجل أم لست رجلا؟!”.

_ كيف تعلمت الفرنسية؟
• سؤال طريف جدا، حين انتقلت إلى العلا، كان علي أن أدخل السنة الثالثة و هي السنة التي يبدأ فيها التلميذ التونسي ذلك الوقت في تعلم الفرنسية، اجري علي اختبار في مادة العربية، فقبلت في الحين فلما ذهبت إلى معلم الفرنسية، و كان صفاقسيا ( تسمية إلى مدينة صفاقس ) أشقر قليلا، نظر إلي بشيء من الاحتقار و قال لي ” أنت جئت متأخرا، و لا يمكنني أن أخصص لك دروسا خاصة!” بدأت أبكي. عدت إلى المدير مصحوبا بابن خالتي عمارة الذي يعمل حلاقا الآن في حفوز، فقال لي: ” هو على حق ” و أنا لا أستطيع أن أفعل لك شيئا… و لكن عد غدا على أية حال، عند خروجنا من المدرسة، قال لي ابن خالتي عمارة: ” هل أنت رجل أم لست رجلا؟!”. ” رجل سيد الرجال” قلت، نظر إلي طويلا وكأنه يريد أن يتأكد من صحة كلامي ثم قال: ” الليلة سوف أعلمك بعض الحروف الفرنسية ” بعد العشاء انزوينا في ركن، و على ضوء المصباح الخافت، شرع ابن خالتي عمارة يعلمني الحروف الفرنسية، وكانت دهشته كبيرة لما تعلمت بسرعة في ظرف ثلاثة ساعات تقريبا، كتابة جل الحروف الفرنسية. في اليوم التالي وقفت أمام المعلم الصفاقسي و قلت:” أنا مستعد للاختبار!” نظر إلي مدهوشا، ثم امرني بأن أرسم حرف A على السبورة، فعلت ذلك، و بعدها، و بطلب منه كتابة الحروف الأخرى حتى حرفN، عقب شهر واحد فقط، كنت تلميذا مثاليا في بالفرنسية! و عندما انتقلت إلى حفوز، ولأن جل أساتذتنا كانوا من الفرنسيين ازداد تعلقي باللغة الفرنسية و في السنة الثانية إعدادية، كتبت موضوعا أعجب أستاذ الفرنسية كثيرا حتى أنه أهداني الأعمال الكاملة لموليير، إني مدين للغة الفرنسية ذلك أنها فتحت عيني على الثقافة الإنسانية و العالمية.

كان ذلك في نهايات العام الدراسي عندما شاهدت فتاة بشعر طويل تضحك عاليا مع صديقات لها

_ هل يمكنك أن تحدثني عن الحب الأول دون مركبات؟
• قصة الحب الأولى التي أوجعتني كثيرا، حدثت و أنا في سن التاسعة عشر، و لا واحدة من قصص الحب السابقة كانت بمثل تلك الحدة و ذلك العنف، كان ذلك في نهايات العام الدراسي عندما شاهدت فتاة بشعر طويل تضحك عاليا مع صديقات لها. وفي الحين أحببتها، سألت عنها أحد أصدقائي فقال لي انه يعرفها جيدا، فكتبت لها رسالة حب طويلة، غير أني لم أجد الجرأة الكافية لكي أسلمها لها، أثناء العطلة الصيفية عدت إلى الدوار، لم تكن تفارق ذهني لا في النهار و لا في الليل. و كنت أقضي ساعات طويلة، أدخن السجائر الرديئة ساهما، أو أكتب قصائد باللغة الفرنسية كلها مهداة إليها، ولولا قصر اليد لكنت توجهت إلى تالة التي كانت تبعد عنا مسافة كبيرة لكي أراها و لو مرة واحدة، مرة واحدة فقط لا غير! بعد انتهاء العطلة الصيفية. صعدت إلى العاصمة ملتهبا بحبها. و يوم الترسيم للسنة أولى جامعة – قسم الفرنسية- رايتها مع والدها. بدت لي أجمل من قبل. بل أجمل فتاة رأيتها حتى ذلك الحين، وعندما اندهشت حين تبين لي عقب مرور بضعة أيام على ذلك أنها معي في نفس الفصل، واصلت كتابة قصائد الحب لها، و لكن ولا مرة واحدة وجدت الجرأة الكافية لكي أتكلم معها، أو أطلعها على تلك القصائد. مرة تحدثت مع صديقة قيروانية، هي الآن شاعرة معروفة، فقالت لي أنها سوف تعد لي لقاء معها، و بالفعل اتصلت بها، و حدثتها عن حبي الجنوني لها، جاوبتني باسمة و قالت: ” أنها تريد أن تشرب قهوة؟!”رحت أرجف من الساق إلى الرأس، وذابل الصوت قلت لها: ” في مقهى برازيليا… بباب بحر!” – ” الساعة الخامسة ظهر؟” سألتني – ” الخامسة ظهرا” أجبت ذهبت إلى اللقاء و أنا أكاد أحترق من شدة اللهفة و الشوق، جلسنا في المقهى. طلبت أنا بيرة حتى أتشجع و طلبت هي ” اكسبرسو ” أشعلت لها ولنفسي سيجارة. ” هل أنت تحبني حقا؟” سألتني باسمة ، حدثتها بالتفصيل عما جرى لي في ذلك الصيف الرهيب، و حالما انتهيت قالت لي بهدوء:” جميل كل هذا.. لكن أنا للأسف الشديد أحب شخصا ! ” أظلمت الدنيا في عيني، و ليلتها ذهبت في البارات و عدت آخر الليل إلى الحي الجامعي و أنا بالكاد أهتدي إلى طريقي، بعدها تبين لي أنها لا تحب أحدا و إنما هي تميل إلى الرجال الأغنياء أصحاب النفوذ و السيارات، مع ذلك ظلت علاقتي بها طيبة للغاية، في عام 1976 ذهبت إلى إحدى مدن الوسط التونسي لإتصال برفاق نقابيين هناك، و لم تكن تلك التي انقطعت عني أخبارها منذ عام 1973 في بالي مطلقا، و صلت في نهاية مساء شتائي بارد و ممطر، عند حلول الليل، جاء الرفاق النقابيون بالأكل و الشراب، و إذا بأحدهم يقول لي: ” هناك مفاجأة!”، ماهي؟! ” سألته أشار إلى الباب، فإذا بتلك الفتاة بمعطف أسود واقفة هناك و على شفتيها ابتسامة عذبة، عانقتني بحرارة، و لم تتركنا إلا في ساعة متأخرة من الليل، بعد انصرافها قال لي أحد الرفاق بأنها تنجح في التأقلم مع المتغيرات، و لم أقل أنا شيئا ذلك أن جمرة حبي لها كانت قد أضحت رمادا…

أردت التعرف على بلدان المشرق العربي التي كانت تمثل لي أرضا للآمال و الأحلام والثورات

_ كيف تولدت لديك الرغبة في السفر وأنت المعروف بأنك مسافر على الدوام؟
• السفرة الأولى خارج تونس كانت في بداية خريف 1973، و قد رويت بعضا من تفاصيل هذه السفرة في روايتي  ” الآخرون” بتحريض من خالد النجار، أردت التعرف على بلدان المشرق العربي التي كانت تمثل لي في تلك
الفترة المتقلبة من حياتي أرضا للآمال و الأحلام و الثورات، بسيارة الأجرة توجهت إلى طرابلس، و من هناك إلى دمشق، نفس النتيجة، و من هناك إلى بغداد حيث عشت أياما من الرعب، و بعد أن اعتدى علي الطلبة البعثيون التونسيون بالضرب بدعوى أنني جاسوس بورقيبي قررت العودة إلى تونس عن طريق بيروت، كانت رحلة فاشلة بالمعنى الحقيقي للكلمة، غير أن ميزتها هي أنها انتشلتني من عالم الأوهام الذي كنت غارقا فيه آنذاك… و حتى قمة الرأس!

مع مرور الزمن صار فضولي لزيارة ألمانيا شديدا..

_ وعن ألمانيا؟
• جئت إلى ألمانيا أول مرة في نهايات العام 1984. أعطاني التأشيرة لزيارتها السفير الألماني السيد كالا المعروفة زوجته ” سيجريد كالا ” بعشقها الشديد للأدب العربي، وفي تونس كنت أتردد على بيتها مرة أو مرتين في الأسبوع الواحد، و كنا نقضي ساعات طويلة في النقاش حول الأدب العربي. وكانت السيدة سيجريد كالا تستقبل كل الأدباء و الشعراء العرب الذين يزورون تونس و تقيم لهم حفلات عشاء. و هناك التقيت العديد من الأدباء العرب بينهم ادونيس و الطيب صالح و الروائي التونسي الراحل البشير خريف… و مع مرور الزمن صار فضولي لزيارة ألمانيا شديدا…
و بعد أن حضرت مؤتمر الشعر العربي السويدي في مدينة لوند جنوب السويد، توجهت إلى ستوكهولم و منها إلى باريس. و عقب أيام أمضيتها هناك في الغربة و السهر حتى الصباح، توجهت إلى ميونيخ حيث تقيم السيدة اردموته هيللر مديرة مجلة ” فكر و فن ” آنذاك و التي تعرفت عليها في مهرجان خمسينية الشابي في مدينة توزر استقبلتني استقبالا رائعا و قدمتني لمثقفين مهمين، و لشخصيات بارزة. أمضيت في مييونيخ التي اعجبتني كثيرا حوالي شهرين. بعدها عدت إلى باريس و منها إلى تونس. و في ربيع العام 1985، سافرت من جديد إلى مييونيخ حيث أمضيت ثلاثة أشهر أكملت خلالها مع ” اردموته هيللر ” كتابا عن البدو.

الشيء الذي عذبني كثيرا في ميونيخ إلى جانب اللغة، هو مسألة أوراق الإقامة

_ إلا أنك كنت ترغب في الاستقرار فيها… أليس كذلك؟
• مطلع العام 1986 قررت الاستقرار في ميونيخ لأنها بدت لي المكان المفضل، بل ربما المثالي لإنسان كان يسعى مثلي إلى إنجاز مشاريعه الأدبية بعيدا عن الضجيج الموجع للرأس و القلب. و بالرغم من أنني لم أكن أحسن اللغة الألمانية، فإنني لم أتردد في القيام بالمغامرة، و طبعا واجهت مصاعب كثيرة في البداية، غير أن د.اردموته هيللر ذللت كل ذلك بكرمها و أريحيتها. فقد ساعدتني على نشر قصة ” البحث عن بيت الجدة ” في جريدة ” الزوديتشه تزايتونج ” الواسعة الإنتشار، و على نشر مقالات كنت أكتبها بالفرنسية، و تترجمها هي بالألمانية في الملحق الأسبوعي للجريدة المذكورة، و أيضا في ” دي تزايت ” الأسبوعية الشهيرة، و مع د.اردموته هيللر أنجزت فيلما وثائقيا عن الثقافة الشعبية في المغرب الأقصى، و عن الكاتب الكبير نجيب محفوظ قبيل أيام فقط من إحرازه على جائزة نوبل للآداب و ذلك في خريف عام 1988. كما انجزت معها فيلما وثائقيا آخر عن المثقفين العرب المغتربين في باريس مثل ادونيس و الطاهر بن جلون و محمد حربي و عبد القادر الجنابي و صموئيل شمعون و آخرين… و مع السيدة اردموته هيللر، عملت سكرتير تحرير مجلة ” فكر و فن ” و الشيء الذي عذبني كثيرا في سنواتي الأولى في ميونيخ إلى جانب اللغة، هو مسألة أوراق الإقامة إذ كان علي أن أعود إلى تونس بعد كل سنة لتجديد التأشيرة، و لم أعالج هذه المسألة نهائيا إلا بعد أن تزوجت في صيف 1990.

ذات يوم قررنا أن نتزوج

_ و كيف تعرفت على زوجتك هذه؟
• تعرفت عليها ذات ليلة باردة من ليالي جانفي 1988. كنت أهيم على وجهي ذلك أن المرأة الهولندية التي كنت على علاقة معها، عادت إلى أمستردام نهائيا. و عند دخولي إلى ” الالتا سميل ” و هو مقهى مشهور في شارع ” الأتراك ” بقلب حي ” شوابينغ “، حي الفنانين و مقاهي الليل، لمحت فتاة جميلة واقفة على الكنتوار مع صاحبتها. تقدمت منهما، و تحدثت إليها، فإذا بتلك الفتاة ترد علي بالفرنسية. استمرت سهرتنا حتى ساعة متأخرة من الليل… و قبل أن نفترق، تواعدنا على اللقاء في اليوم التالي، و تم الأمر، وبعد بضعة أسابيع توطدت علاقتي بتلك الطالبة التي كانت تدرس تاريخ الفن، و التي تدعى سوزان هاوسبورغ، واثر ذلك سافرنا معا إلى باريس، و إلى أسبانيا، و إلى المغرب، و ذات يوم قررنا أن نتزوج، و هكذا تزوجنا يوم 3 أغسطس / أ بـ 1990 أي بعد يوم فقط من الغزو العراقي للكويت…و على أية حال أنا أروي أشياء كثيرة عن علاقتي بزوجتي في روايتي: ” الآخرون “.

كانت ميونيخ بالنسبة لي مكانا رائعا للحياة و العمل

_ كيف عشت حياتك في ميونيخ… وماذا تمثل هذه المدينة البافارية بالنسبة لك؟
• كانت ميونيخ بالنسبة لي مكانا رائعا للحياة و العمل، و قد يعود ذلك إلى أنها كانت خالية أو تكاد من المثقفين العرب عندما جئت إليها أواسط الثمانيات من القرن الماضي، و لأنها كانت مختلفة عن باريس و عن لندن، فإني عشت فيها و أنا مرتاح من المعارك و المهاترات الفارغة التي يعيشها أغلب المثقفين العرب في العاصمة الفرنسية أو في العاصمة البريطانية. أنهض صباحا، فأجدني أمام نفسي. أمام أخطائي، و عيوبي، أمام ضعفي و هشاشتي. هشاشة الكائن الذي اختار حياة الاغتراب. لذا أحاول دائما و أبدا أن أصلح من شأني، صارفا النظر عن الآخرين، البعيد مني على أية حال، و التي كانت تصلني نبالهم المسمومة. و كنت ألزم نفسي بنظام عمل صارم. فأنا أنهض باكرا في الصباح. و بعد الرياضة، أشرع في العمل. في الساعة الواحدة ظهرا، أستريح قليلا، ثم أعود إلى العمل. .. وأظل مواظبا على ذلك حتى الساعة السادسة مساء أحيانا، أعمل في الليل… و غالبا ما أمضي يوم الأحد بكامله في القراءة. أما يوم السبت فلم أكن أشتغل. كنت أذهب إلى السوق ” الفيتكا ولن ماركت ” الذي يعجبني كثيرا، وأطوف في وسط المدينة، و ألتقي بأصدقاء و صديقات، وأما المقاهي التي كنت أتردد عليها فلم تكن بعيدة عن شقتي، أفضلها كان مقهى ” الخ… ” … ثم أن ميونيخ مدينة جميلة جدا. فهي قريبة من جبال الألب. وفيها العديد من بالحدائق الرائعة، أشهرها ” الحديقة الأنجليزية “، و متاحف مشهورة في العالم بأسره مثل ” البيناكوتيك “، و فيها تنتظم معارض مهمة، و في ” بيت الأدب ” هناك دائما و أبدا محاضرات و نشاطات أدبية يدعى إليها مشاهير الكتاب في العالم. و في ميونيخ، ارتبط بعلاقات صداقة مع رجال ونساء، أصبحوا جزءا مني و من حياتي… و في النهاية أقول بأني مدين لمدينة ميونيخ لأنها منحتني جائزة أدبية رفيعة هي جائزة ” توكان ” و مكنتني من إنجاز العديد من أحلامي الأدبية و الثقافية…

أعتقد أن الكاتب الحقيقي لابد أن يكون متفتحا على الفنون الأخرى

_ تبدو مهتما بالفنون التشكيلية… ما سر هذا الإهتمام؟
• أولا و قبل كل شيء، أنا لست مهتما فقط بالفنون التشكيلية، وإنما بالموسيقى، و بالسينما، و المسرح، و بجميع أنواع الفنون.. وأنا أعتقد أن الكاتب الحقيقي لابد أن يكون متفتحا على الفنون الأخرى حتى لا يصبح عالمه ضيقا، و حتى لا تصغر تجربته مع مرور الزمن. و أقدر أن أقول أن اهتمامي بالفنون التشكيلية بدأ في حقيقة الأمر في أوروبا، عندما أصبحت حريصا على زيارة المتاحف الفنية الشهيرة في روما، و فلورنسيا، و برلين، و مدريد، و برشلونة، وأمستردام، و باريس، ولندن، و ستوكهولم و غيرها… و خلال هذه الزيارات تعرفت على أعمال كبار الفنانين من أمثال فان كوخ و بيكاسو و ماتيس و جياكوموتي و الفنانين السورياليين و روتكو و باول كلي و غيرهم كثيرين… و الحقيقة أن زوجتي سوزان هاوسبورغ، ساعدتني كثيرا على الإقتراب من عالم الفنون التشكيلية، و على فهم أعمال من ذكرت من الفنانين. كما أنني لازمت في ميونيخ فنانا يدعى ادموند بوخنر، كان قد درس النحت و الرسم في كلية الفنون الجميلة بميونيخ، و هذا الصديق العزيز الذي أحب تونس عندما زارها بصحبتي، أتاح لي التعرف على فنانين كبار كنت أجهلهم من قبل، و معه، كنت أتردد على المعارض و المتاحف. و الآن أنا أملك مكتبة فنية لا بأس بها.

الفلسفة كانت ولازالت شيئا أساسيا في حياتي

_ تبدو مهتما أيضا بالفلسفة… هل هناك تفسير لهذا الاهتمام؟
• الفلسفة كانت ولازالت شيئا أساسيا في حياتي. و أنا أعود إلى الفلاسفة الإغريق القدامى و أيضا إلى شوبنهاور، و نيتشه، وكير كرغارد، و كامو، و فوكو، كلما ضاقت بي السبل، و أنا أترجم بعض النصوص الفلسفية حتى ترسخ في الذاكرة، و حتى تساعدني على معالجة بعض القضايا الذهنية في نصوصي الأدبية…

كثيرون هم الكتاب الأثيرون إلى نفسي على المستوى العالمي

_ من هم الكتاب الأثيرون إلى نفسك على المستوى العالمي؟
• كثيرون هم الكتاب الأثيرون إلى نفسي على المستوى العالمي، لذا يصعب علي تعدادهم. هناك الإيرلنديان جيمس جويس و صموئيل بيكت، و الياباني كواباتا، و الفرنسيون فلوبيرو بروست و سيلن و كامي و جينيه و جيد، و الكولمبي غابريال غارسيا ماركيز، و الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس. و المكسكي خوان رولف، و الأنجليزي مالكوم لاوري، و الروس تشيكوف و دتسويفسكي و غوغول و يوشكين و تلوستوي و نابوكوف و اسحاق بابل و بولغاكوف، و الأمريكيون ادغارالن بو، و فوكفر، و هنري ميللر و رايمون كارفير و همنغواي و سالينجار، و البولونيان كونراد و غومبروفيتش، و اليوغسلافي دانيلوكيش، والتشيكي ميلان كونديرا، و الألمان كافكا و توماس مان و توماس برنهارد و هرمان هسه و برخت…

أغلب المبدعين والمثقفين العرب في الغرب “يأكلون الغلة ويسبون الملة “

_ عشت فترة طويلة في الغرب، كيف ترى إلى أوضاع المثقفين و المبدعين العرب الذين يعيشون في الاغتراب وفي المنافي…؟
• أغلب المبدعين و المثقفين العرب في الغرب ” يأكلون الغلة و يسبون الملة ” بحسب التعبير التونسي. فهم يستفيدون من القوانين الغربية في مجالات عديدة، مثل الإقامة و الضمان الصحي و الاجتماعي، و لكنهم لا يحبون الغرب، و لا يحترمون ثقافته، و لا يستفيدون من قيمه الإنسانية و الأخلاقية و الديمقراطية، و هم يقضون جل أوقاتهم في حبك المؤامرات الدنيئة ضد بعضهم البعض. و هم لا يهتمون لا بالمسرح، و لا بالسينما، و لا بالمعارض الفنية، بل بأشياء أخرى سخيفة و مضحكة و سطحية في أغلبها. و هم يشتكون من العنصرية في الغرب، لكنهم يسلكون أحيانا سلوكا عنصريا و شوفينيا. و مع المرأة هم يتصرفون مثل شيوخ القبائل البدوية، و قد رأيت البعض من هؤلاء ” الفحول ” يرجفون كما لو أنهم لم يشاهدوا امرأة واحدة في حياتهم. أما أمراضهم الأخرى مثل جنون العظمة، و الإعجاب المتفاقم بالذات، و غير ذلك من الأمراض، فأمر أصبح لا يحتمل. و لا أبالغ حين أقول أن تجربتي الطويلة في الغرب، كشفت لي أن في داخل بعض المثقفين ديكتاتور، لا يختلف في شيء عن ذلك الذي يدعون أنهم يحاربونه.

أنا مع البحث و التجديد في مجال الفن و الأدب

_ وماذا تقول في الشعر العربي الحديث.؟ وهل هناك تجارب لفتت نظرك في هذا المجال؟
• أنا مع البحث و التجديد في مجال الفن و الأدب، و في النثر كما في الشعر، و أنا لم أرفض قصيدة النثر و لم أعارض لا بالكلام و لا بالفعل من دعوا لها بحماس فياض، بل إني كتبت بعض النصوص التي صنفها البعض ضمن النماذج التي تنتمي إلى قصيدة النثر، و بالتأكيد هناك تجارب شعرية هامة خلال القرن العشرين، فنحن لا يمكن أن نغفل على ما فعله نزار قباني باللغة الشعرية خلال العقدين الأولين من مسيرته الشعرية. و لا يمكن أن نغض الطرف عن تجارب الشعراء العراقيين الذين ظهروا في الخمسينات و الستينات من القرن الماضي من أمثال نازك الملائكة و بدر شاكر السياب و عبد الوهاب البياتي و مهدي يوسف و حسب الشيخ جعفر و يوسف الصائغ و سركون بولص، فهؤلاء في نظري أحدثوا نقلة فعلية في الشعر العربي الحديث. و أنا شديد الإعجاب بتجربة محمد الماغوط، و طبعا أنا أعتبر ادونيس شاعرا كبيراو منظرا كبيرا أيضا في مجال الشعر، صحيح أني لا أميل كثيرا لبعض القصائد التي يوغل فيها في الغموض، و أحيانا يغرق في البلاغة مع ذلك، يظل أحد أعلام الشعر العربي المعاصر. و هناك شاعران مصريان أحترم مساهمة كل واحد منهما في تطوير القصيدة العربية،
أعني بذلك صلاح عبد الصبور و أحمد عبد المعطي حجازي. و الشيء الذي يفتتني لدى محمود درويش، وهو شاعر كبير بلا شك، هو بحثه الدائم عن عوالم جديدة، و سعيه الدؤوب لكي يكون مسايرا للزمن، لذا هو استطاع أن يقنع محبيه و منتقديه على حد السواء، إنه ليس ” شاعر الثورة الفلسطينية ” و إنما هو شاعر، و شاعر فقط. و من الشعراء الذين أحب أن أقرأ لهم، أذكر سيف الرحبي، و أولاد أحمد، و منصف الوهايبي، و محمد الغزي، و نوري الجراح، و محمد علي شمس الدين، و عباس بيضون، و محمد بنيس، و محمد بن طلحه، و عبدالآله الصالحي، و عبد الله مالك القاسمي، و آخرين لا أستحضر أسماءهم الآن…

أكتب لأني أردت أن أفعل ذلك لسبب لا أدريه و لا أعلمه

_ لماذا تكتب؟ و هل تعتقد أن هناك تلاعبا ما في الجوائز الأدبية من نوبل العالمية إلى كومارالتونسية؟
• أكتب لأني أردت أن أفعل ذلك لسبب لا أدريه و لا أعلمه إلى حد هذه الساعة. و أحيانا أعتقد أن الرغبة في الكتابة و لدت معي. و أملي أن أواصل الكتابة حتى الرمق الأخير من حياتي، و آمل أن أتدارك الوقت الذي أضعته خلال سنوات الحمى الإيديولوجية. و صحيح أن الكتابة أذاقتني المرين أحيانا، و سببت لي مشاكل كثيرة، و مع ذلك أنا أعتقد أني لا أحسن شيئا آخر غير الكتابة، ثم لابد أن أعترف بأن الجلوس أمام الورقة البيضاء في الفجر، أو في قلب الليل، موجع، لكنه فعل رائع يجلب متعة لا تضاهيها متعة أخرى، خصوصا لحظة الانتهاء من كتابة نص عزيز عليك… إن التلاعب في الجوائز معروف و قديم… و طبعا يصبح هذا التلاعب واضحا و مفضوحا عندما يتعلق بجوائز صغيرة، تشرف عليها لجان في حاجة إلى مصداقية أكبر و بخصوص جائزة نوبل للآداب، أقول أنها ليست دائما مقياسا للأدب الجيد. و هناك كثيرون نالوها، غير أن أثارهم سرعان ما تلاشت في مهاوي النسيان. و هناك من حرموا منها، و كانوا الأجدر بنيلها مثل جويس و بروست و خورخي لويس بورخيس و غومبروفيتش و كونراد و آخرين… و ثمة من نالوها و كانوا جديرين بذلك مثل فوكنر، كامو،كنوت هامسون، سان جان بيرس، غابريال غارسيا ماركيز ، كلود سيمون،…

_ هل تعلمت شيئا من تجربتك مع ثقافة اليسار؟
• تعلمت أن أرتاب من كل من يطمح إلى تغيير العالم…

_ كنت مهووسا بالترحال و الأسفار إلا أنه يبدو أنك استطبت المقام في بيتك في بنزرت… أليس كذلك؟
• صحيح، كنت ولازلت مهووسا بالترحال و السفر، و لكن أنا أعيش الآن ما يمكن أن أسميه بـ ” استراحة المحارب”… لم تعد تستهويني المدن الكبيرة التي عشت فيها سابقا مثل باريس و لندن و مدريد و برلين و أمستردام… أما ما أميل إليه في الوقت الراهن فهو الذهاب إلى القرى الصغيرة… قرية كسرى أو تكرونة أو تلك القرى في الساحل و الوطن القبلي حيث الليمون و البرتقال و الزيتون و أبقار سارحة في الخلاء… بلا رقيب. أحب الذهاب أيضا إلى المدن الصغيرة القريبة من البحر بالخصوص…
• و يستهويني المشي على الشاطئ، و الجلوس على كثبان الرمل لأتأمل جمال الغروب في واحات الجريد، و أكون سعيدا عندما أستقبل الفجر و أنا أتمشى في طريق فارغ إلا من هواجسي و أحلامي…

أغلب القصائد في الشعر الشعبي جامدة، تكرر نفسها

_ أنت لا تحب الشعر الشعبي… لكنك مفتون على ما يبدو لي بالمناخات الشعبية… أليس كذلك؟
• لا أحب الشعر الشعبي لأنه موجع للرأس، إنه ضجيج و صخب لا يكادان ينتهيان، و أغلب القصائد في الشعر الشعبي جامدة، تكرر نفسها، و لا تحتوي على أية صورة ملفتة للانتباه، و المرأة في هذه القصائد تكاد تكون هي نفسها عند الذين يقولها المرازيق أو في القصرين أو في أرياف القيروان، إنها دائما سمراء، بشعر طويل حتى الحزام، و أسنان ناصعة البياض، و بخلخال في الكاحل الأيسر… أليس هذا مزعجا؟! أما المناخات الشعبية فشيء آخر تماما.فأنا أحببت و مازلت أحب الأعراس البدوية، و أحب الأغاني الشعبية خصوصا: ” ريم الفيالا ياخاويت العبون ” و يحلو لي أن أتجول في الأسواق الشعبية، و أن أستمع إلى حكايات الناس البسيطة و الساذجة… و من كل هذا أتزود لمشوار أدبي طويل.

دون المرأة تبدو الحياة قاحلة، فارغة، مملة، و قاتلة

_ هل يمكن أن تعيش من دون امرأة، و ماهي آخر قصة حب عشتها؟
* بدون المرأة تبدو الحياة قاحلة، فارغة، مملة، و قاتلة، لكن إذا ما كانت هذه المرأة غير منسجمة مع عالمي، و مع أفكاري، و مع جنوني أيضا، فالأفضل أن أعيش من دونها ذلك أن حضورها إلى جانبي يمكن أن يحول حياتي إلى جحيم حقيقي.. و إذا ما أنا أدركت أن هذه المرأة أو تلك يمكن أن تشكل عائقا أمام عملي الأدبي الذي أنا مخلص ووفي له أكثر من أي شيء آخر، فإني مستعد أن أتخلى حتى عن تلك المرأة التي أحبها حبا جنونيا، أما عن آخر قصة حب عشتها، فإني أقدر أن أقول أنه كانت مؤلمة جدا جدا جدا إلى درجة أنني لا أجد القوة الكافية للخوض في تفاصيلها…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “حوار مع الروائي التونسي حسونــة المصباحـي”

  1. مجلة راقية تسير بخطوات واثقاة في خدمة الأدب، متنوعة المواضيع طريفة الطرح والمقاصد، تعرض التجارب الإبداعية المختلفة دون تحيّز أو رفض، إنها نقطة مضيئة وسط العتمة.. كل التشجيع والدعم.
    وهذا حوار شيّق وعميق يتعرض لرحلة حياة وإبداع لروائيّ تكتنز تجربته الطويلة مسارا من التجريب والعمل الدؤوب.. إنه روائيّ يفتح قلبه فكانت حياته ذاتها لذيذة للقارئ، ومن خلال هذه اللفتة الكريمة من مجلتنا يتحمّس القارئ بشغف للإطلاع ولو يسيرا على تجربة روائيّنا حسونة المصباحي. فألف شكر لكم، مودتي ومحبتي

    1. شكرا على الاعجاب استاذ عادل …المصباحي قامة ادبية مهمة ويستحق هذه المساحة..كل الشكر لمجلة الثقافية ولجهود المشرفين عليها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق