قراءات ودراسات

السكوت يُفصح، والصمت

قراءة في قصيدة (سعاد)، للشاعر: عماد علي قطري

مسعد بدر

1- المحور والأدوات:
تقدم لنا قصيدة (سعاد) مشهدا من مشاهد الحرب الأخيرة في سيناء، “وما الحرب إلا ما (علمنا وذقنا)” – والاعتذار لزهير – من قسوة عارمة لا يضاهيها إلا العجز المطلق عن تفادي كون “الأنام سَرح حسام”، بعبارة أبي العلاء.
هذا العجز المطلق المطبِق أمام آلة الموت/ الحرب، هو محور القصيدة، ومركز ثقلها الدلالي. وقد عبّر عنه (عماد قطري) بأشكال وكيفيات مختلفة، ليس هدفها حمل رسالة إبداعية فقط، بل هدفها حمل المتلقي على تقمص ثوب التجربة المنقولة عبر الخطاب الشعري.
فعلى مستوى الوزن، ابتداء، جاء النص منضبطا على بحر (المتدارَك)، المنتظم على (فاعلن). وهو بحر سريع رشيق يوازي سرعة انتشار الحرب وتتابع إيقاعها المتلاحِق. وإذا كان (إبراهيم أنيس) قد تعجب من سر انصراف شعراء العصر الحديث عن هذا الوزن رغم انسجام موسيقاه وحُسن وقعها في الآذان؛ فإن (شعبان صلاح) تتبع استخدامه في الشعر الحر، وأثبت أنه أكثر شيوعا عند شعراء التفعيلة من الأوزان التي أُغرم بها القدماء، وأنه بحر يستوعب من المعاني سارَّها وحزينها ولا يتوقف على نوع دون نوع، ذكر ذلك في معرض دفعه لاتهامات البعض بأنه بحر قليل القيمة والاستعمال.
وبتجاوز الشكل الإيقاعي إلى أدوات التعبير، نجد شاعرنا الجميل قد وظف الميثولوجيا أدق توظيف، فـ(ست) إله الشر يرمز إلى هذه الحرب القاتلة، و(أوزوريس) إله الخير والخصب هو صورة رمزية تشير إلى الضحايا من البشر والشجر والحجر، أيضا. أما إلهة (القمر) فلم تجمع أشلاء (أرض القمر) ولم تؤدّ رسالتها المتمثلة في بعث الحياة من جديد، فإن “شلونا لم يجد صوت إيزيس”؛ ليتحقق الشرط الناجز للعجز الكامل بلا أمل قريب منظور!
ومن هذه الوسائل أيضا، هذه الجدلية بين ثنائية: صوت الحرب القاصف (ذو الرأي الوحيد)، وصوت الحياة الذي ذهب بددا، بلا جدوى! وهي الجدلية الممتدة – رأسيا – من عُقيب المطلع حتى الخاتمة، ملازمة لبناء القصيدة من بائها إلى يائها، ضامنة لها التماسك وائتلاف عناصرها، ومتكفلة بخلق النظام الداخلي للنص وتحديد معالمه حتى النهاية؛ ليكون سهم البناء مسددا نحو بؤرة دلالية كاشفة عن الضياع والتمزق والعبثية!
ظواهر تعبيرية عديدة وظف فيها النصُّ اللغةَ توظيفا (نفعيا) يؤدي وظيفية شعرية ودلالية تفوق وتتجاوز – بأوامر من الأدب – الوظيفة الإخبارية للغة. وقد اخترنا في هذه المقالة ظاهرة (السكوت والصمت) بوصفهما ملمحا تعبيريا بارزا انتظم النص جُله، وبوصفهما قوة ضاغطة تتسلط على حساسية المتلقي وتسترعي انتباهه حين يسير مع النص في سلسلة الكلام، ثم يفاجأ بـ (خيبة الانتظار) نتيجة السكوت غير المنتظر. هنا يمارس هذا الملمح التعبيري فاعلية في المتلقي تضمن له الإمتاع والإقناع حين تتيح له فرصة المشاركة في أداء الدلالة واكتشاف المسكوت عنه.
2- تأصيل لغوي:
تكاد معاجم اللغة تتفق على أن السكوت هو قطع الكلام بعد البدء فيه، مع القدرة على إتمامه. وذلك يعني أن السكوت صفة لمن يمارس النطق، وأنه مرحلة تالية لفعل النطق؛ ولذلك قالوا: “جرى الوادي ثلاثا ثم سكت”! وهو قول مجازي لا ينسب السكوت لغير الناطق، وإنما يؤكد أن السكوت تال لحركة، هي حركة النطق والكلام.
لكن المعاجم نفسها لا تكاد تذكر السكوت حتى تفسّره بالصمت، والحقيقة أن بينهما فرقا؛ فإن الصمت هو الامتناع عن الكلام ابتداء؛ فإذا شرع المتكلم في حديثه ثم قطعه، فهو السكوت، لا الصمت. والدليل على ذلك أننا نصف ما لا ينطق من الجماد بأنه صامت، لا ساكت. وأن قطع الصوت في تلاوة القرآن يُسمى (السكت)، لا الصمت. ومثل ذلك ما ذكره النحاة من هاء (السكت) في قولنا: “يا ربّاه”، مثلا. أما مساواة المعاجم بين دلالة اللفظين فقد أشار المحقق اللغوي (الزبيدي)، في تاج العروس، إلى أنها “من الإطلاقات اللغوية العامة”، أورد هذا بعد قوله إن السكوت يفارق الصمت، بالقيد الذي ذكرناه، وهو القدرة على الكلام.
من هنا، نرى أن القصيدة لا تكون صامتة بحال من الأحوال، ولا تحتوي على مناطق صمت؛ لأن القصيدة تتحدث، فإذا تركت مساحات بلا حديث؛ فهذا هو السكوت بعينه، ولا مجال للصمت إلا بوصفه حالة تبلورها القصيدة بالنطق.
هذه مقدمة لغوية فرضتها علينا طبيعة هذه القصيدة التي فرّقت – فنيا – بين السكوت والصمت، ووظفت كليهما التوظيف المناسب لمدلوله الذي أوضحناه.
3- بناء السكوت في القصيدة:
جاء السكوت موزعا على مساحة القصيدة بحيث كاد يستوفي كل أطرافها؛ فقد بدأ من السطر الرابع إلى السطر الأخير، ما يعني أنه تكرر مرات عديدة. وقد يقال إن تكرار الظاهرة التعبيرية يُفقدها طاقتها التأثيرية، وإن شِحنتها الفاعلة تتناسب عكسيا مع تواترها. وقد يقال إن التكرار مقوِّم مؤثّر في التكثيف الدلالي الذي يطّرد إيجابا مع تواتر الظاهرة المعينة. وهذه أقوال مشروعة تشير إلى كيفية توظيف الظاهرة في النص، ومدى قدرة المتلقي على التعاطي معها. لكن نص (سعاد) تجاوز هذه الإشكالية بحرفة واقتدار؛ فقد كرر (السكوت) تكرارا يتخذ أنماطا متعددة ومتدرجة ومدهشة، يمكن حصرها فيما يلي:
أ- السكوت عن جملة، بل جُمل، كاملة: “والمغنون في شاشة الموت كانوا سكارى بعشق الزعيم”، هم يغنون، لكنهم في سكرتهم سكتوا (عن الحق كشيطان أخرس)!
ب- السكوت عن كلمة: “ذلك المحتمي بالتراتيل و الـ …”.
ج- السكوت عن حرف: سعاد/ (يا) سعاد.
د- السكوت عن جزء من كلمة: “سعا..”، (سـ)”ـعاد”.
هـ- السكوت عن المسافة الواصلة بين الحرف وأخيه: “ف ش ل وا …”.
إن هذا التنوع والتدرج في أبنية السكوت، الذي يبدأ بسكوت عن جملة أو جمل لم يكن في وسع أحد أن يقولها بعد أن تكلم السيف، وبعد أن “كان للقصف رأي (قول) وحيد”؛ فسكتت أقلام (المتنبي)؛ لأن “المجد للسيف، ليس المجد للقلم”! ثم لم تلبث الحرب أن تجددت وتمددت في ربوع سيناء، حتى لا يجد المرء ترَفَ أن يقول كلمة أو جزءا من كلمة؛ فـ “الكلامُ على ألسنتهم أثقلته أصواتُ القذائف”! كما يقول الشاعر السوري (أحمد ديبو)، فإن تجشم (الفتى) الكلام تثاقلت الألفاظ على لسانه “كلما ذاق خوفا”، تثاقلت وتفـتّـتـت كما قُطّعت أوصال بشرية وجغرافية، غدت أشلاء!
أما السكوت عن جملة؛ فيحسُن بنا أن نسكت عنه جملةً؛ فهو إشارة واضحة فاضحة!
فإذا ما نظرنا في السكوت عن الكلمة بعد “الـ…”؛ فسوف نجد أن (أل) التعريف التي تشير إلى الكلمة المحذوفة، قد أشارت – أيضا – إشارة عميقة إلى سكوت (العارف) عن الشيء (المعرَّف)؛ فليس هو سكوت من لا يعلم، وإنما هو سكوت من لا يقدر ولا يستطيع، وهو أشد أنواع السكوت إيلاما، كما أشار الأعرابي القديم حين وصف أسوأ الناس حالا بأنه “من زادت معرفته وقلّت حيلته”!
إن السكوت هنا ناطق بلسان مبين لمن يتأمل؛ لأنه صادر عن جدل عميق في مكنون الذات، بين حركة نفسية مرتاعة تسكنها وبين حالة ساكنة، تألم الذات حين تراها مستهينة بهذه الأجساد والذوات الممزقة “شلوا فشلوا”. إنه الألم النبيل الذي يستدعي سكوتا يذكّرنا بسكوت النابغة في رثاء (حصن): “يقولون حصن… ثم تأبى نفوسهم”!! الألم أدعى إلى السكوت، والسكوت، في حَرَم الألم، أبلغ تعبيرا وأعمق تأثيرا.
جاءت (سعاد) ممثلة لنموذجين من السكوت، كما أسلفنا. والسؤال، على محور الاختيار من بين البدائل: لماذا (سعاد) بالذات، دون غيرها من الأعلام؟
الحقيقة أني حين قرأت القصيدة و(أُنبئت) بنبأ التهديد والخوف والموت، ووجدت الفتى يستغيث بسعادِ المكان المقدس (سيناء)، حينها وجدتني أستحضر (كثافة) هذا الاسم العَلم، هذه الكثافة الدلالية التي يسمح بها السياق، وتمتاحها اللغة من أعماق التاريخ ومنابع التراث؛ لتخلق للدلالة طبقات عميقة متراكبة، وجدتني، من خلال (سعاد)، أستحضر كعب بن زهير في ذلك المسجد النبوي المقدس، حيث أنقذته من الموت (سعاد) التي غدت رمزا يقاوم الفناء. لكن فتانا يدرك أنْ قد “بانت سعاد”؛ وبلهفة الحريص على الحياة أن تفنى، نادى: “سعاد”؛ عجولا متسرعا أضاعت منه العجلة حرف النداء، قبل أن يبلغ منه العجز عن مجرد النداء مبلغا أعياه أن ينطق الاسم حتى نهايته، ولم يُسعده الصدى الذي تخلى عنه مثلما تخلى عنه الأخرون!
أما السكوت المتمثل في قطع الصلة بين الحرف وأخيه، مثل: “ف ش ل وا …”؛ فهو من تقنيات القصيدة المعاصرة والحديثة التي توسّلت بالكتابة؛ فاستغنت عن الصوت المجهور والمهموس معا، معتمدة على جمالية مضادة للإنشاد ومرتكزة على شكل الحروف وتكويناتها المرئية. فهذه الحروف التي تفتـتـت هي منفذ تشكيلي يلفت النظر إلى هذا الاضطراب والتشتت والتمزق الذي خلفته الحرب، على كل المستويات. وهو صورة تشكيلية ناجمة عن (انحراف) بصري في شكل الرسم الكتابي المألوف والمتعارف عليه، هذا الانحراف يعبّر عن البعد النفسي لدلالة المفردة المقطعة التي تتسق مع حالة الذات المنتجة التي تعاني، تحت نير الحرب، ألوانا من الألم النفسي ومن التفتت والضياع المؤطّرَين بالعجز التام!
4- بلورة الصمت في القصيدة:
جاء الصمت في القصيدة على ثلاث نماذج متنوعة تنبئ بمهارة الشاعر الفنية وحسن صياغته الأدبية:
أ- الإشارة الموجبة الصريحة: “كان صمت”.
ب- الإشارة السلبية إلى الصمت: “شلونا (لم يجد صوت) إيزيس”.
ج- الإشارة بالانعكاس: “الصدى لم يقل..”؛ فصمت الصدى انعكاس لصمت الفتى، أو تجاوب مع هذا الصمت.
إن (الصوت) في القصيدة له دلالات وإيحاءات محدّدة ومعهودة لدی المتلقي، تتسع وتضيق وَفق توظيف المبدع له، ووفق قدرات كل قارئ. وليس كذلك السكوت؛ فإنه يترك للقارئ مساحة تسمح له بأن يشارك في إكمال النص وخلق الدلالة. بيد أن هذه المساحة يؤطرها السياق الذي اختار السكوت أسلوبا؛ فلا “يذهب المتلقي كل مذهب” في التأويل، بل يجد في بقايا الكلمات محددات توجهه مساره وتنير دربه بحيث يستطيع أن يقف في محطات كثيرة دون أن يشعر بأنه في فضاء مطلق. إذا كان السكوت كذلك فإن الصمت يعطي القارئ مساحة أرحب ومدى أوسع في مجال التعاطي مع الدلالات المتراكمة للنص؛ فإنك “أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تُبن”، بتعبير (الجرجاني). فكيف وظف (عماد) الصمتَ كظاهرة تعبيرية؟
هنا شيء يسترعي الانتباه، وهو أن الصمت في هذه القصيدة لم يأت صمتا حرا، إن جاز التعبير؛ فالأمر اللافت حقا أنه لا يأتي إلا رديفا للسكوت وضميما إليه، كأنه مؤازر ومعمّق له. كأن الصمت يشفق على شقيقه الأصغر (السكوت)؛ فيمده بطاقة من عند نفسه لا يمتلكها هذا الأخير، ولنتأمل:
ذلك المحتمي بالتراتيل و ال…
كان صمت …
كيف يجتمع السكوت والصمت؟ لقد طال السكوت فاستحال صمتا؛ فإن التكلم لم يُجدِ نفعا، ورسالة السكوت لم تجد المتلقي المهموم بها؛ فـ “كان صمت” هو صورة من صور هزيمة الذات وضياعها.
ف ش ل وا …
شلونا لم يجد صوت إيزيس
لا يفتأ الصمت يرادف السكون، مشيرا إلى حالة من دوام التمزق المؤلم، مشيرا – بطبيعته – إلى السلب والعدم!
يا سعا..
والصّدى لم يقل عااااد ..عااااااد
نذكر كيف وظف (السياب) الصدى في قصيدة (غريب على الخليج)، وكيف أنطقه بالحقيقة التي يراوغ منها الشاعر، حتى غدا الصمت عند السياب كاشفا عن الواقع المرير الذي استنجد الشاعر بالخليج منه؛ فأجابه الصدى، فقط، بـ “بالمحار والردى”. على أن (عماد) ذهب هنا شوطا أبعد من شوط السياب في هذا السياق – وهو قد استحضره قطعا – فجعل الصدى صامتا عاجزا عن إكمال ما قصّر فيه السكوت؛ ليضفر من السكوت والصمت معا تقنية فنية ثنائية يدعم ويساند بعضها بعضا وصولا إلى التعبير عن أقصى (دركات) العجز التي تعانيها الذات وتنحدر إلى قاعها، الصامت المظلم، بلا قرار!
شكرا، عماد قطري؛ لقد أحسستَ بنا، وعبّرتَ عنا، فأحسنتَ التعبير.
النص:
لم يكن للذي عاقر العشق أن يستكين
أو يبيع الخطى للسراب
صوت ” إيزيس” يصحو على صرخة من رمال العريش
والمغنون في شاشة الموت كانوا سكارى بعشق الزعيم
ليس فيهم شبيه لطين الجنوب
ذلك المحتمي بالتراتيل و الـ …
كان صمت …
وكان الصدى يرتمي تحت أقدام “ست”
شلو “أوزير” ملقى على تبة لا تجيد المياه
و المياه التي، قيل تحيي، اشتهت سكة للنجاةْ
قربة الماء كانت تعاني
وتشكو شقوقا وما من حياةْ
بعض تمر وباقي “الجراية”
سيدي يا ابن ماء البداوة والصابرين
شربة لابن هذا السبيل
ذا الذي طوّحته المنايا على تبة في الشمال
(فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة و الأوجه الغائبة)
والجنوبي لا يشتهي غير قبر هناك
قرب بنت على ضفة النيل قالوا: سعاد
الفتى مثخن بالحنين
والشّظايا على مفرق القلب
ترمي – يقول المغنّي – بسيل الدماء
الفتى ذا الذي شرّدته المنايا بلا ذكريات
سوى وجه أم
وبنت على صدرها قطرة من حليب يجيد الحنان
ذا الفتى يا سعاد
نفسه و الرفاق
مزّقته الصواريخ شلوا
ف ش ل و ا …
شلونا لم يجد صوت إيزيس
أو قبضة من رحيق و ماء
كلما ذاق خوفا ينادي سعاد
كلما تاق نيلا ينادي سعاد
يا سعاد ..
(المغنّي كذوب يجيد الصّراخ
لم يقل إنه ذا الفتى ما استوى
فوق عرش العريش
أو دنا من تخوم المساعيد والأمنيات)
كان للقصف رأي وحيد
دانة لا مزيد
الفتى …
ا ل ف ت ى
كل ش ل و على الرمل نادى سعا..
سعا..
يا سعا..
والصّدى لم يقل عااااد ..عااااااد

بقلم مسعد بدر / شمال سيناء

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق