حوارات المجلة

احلام مستغانمي: أنا امرأة ساذجة جدّا

هذا الحوار منشور فقط في كتاب: في مملكة السرد، للإعلامي المتميز ساسي جبيل الصادر عن دار القلم بتونس العام 2017.. تنشره المجلة الثقافية الجزائرية على موقعها بشكل حصري.

حاورها: ساسي جبيل

أحلام امرأة من الزمن الجميل، تشعر وأنت تتحدث إليها أنها بسيطة وتكاد تقول ساذجة وربما اشتركنا مع رأى زوجها الصحفي جورج الراسي في القول: إنها غبية في الحياة ذكية في الكتابة..  أحب أحلام مستغانمى منذ حرفها الأول فى ذاكرة الجسد تلك الرواية الفظيعة التي هزت القارئ العربي فانبرى منتصرا لما تكتبه هذه الجزائرية / التونسية من لذة قل أن تجد لها نظيرًا بين نظيراتها فى الوطن العربي هذا الوطن المنحور بسكين القهر والخوف والاختفاء خلف جدران الصّمت…
لم يكن ذلك المساء عاديا فقد هزتني أبو ظبي بناطحات السحاب والضباب والبحر الذي يفرش اليابسة والجمال الأخاذ الذي قل أن عثرت عليه في حياتي ورحلاتي مشرقًا و مغربًا… كانت أحلام جميلة جدّا ذلك المساء إلى الحد الذي أغرتني فيه… بإجراء حوار أولا لأننا اتفقنا على ربع ساعة تسجيل وثانيا لأن أحلام طلبت مني سلفا أن لا أوقظ فيها كثيرًا من المواجع…
ثمة أشياء كثيرة أردت أن أقولها لأحلام لكن حاجزًا من الخجل منعني، ولكن الأهم من كل ذلك أن هذا اللقاء المطوّل مع أحلام مستغانمي جرى في لحظة صدق أبعد ما تكون عن ميزة هذا الواقع العربي المتقلب….

عندما كتبت عابر سرير كنت تحت تأثير الحملة الشرسة التي شنت عليّ

* المتابعون لمسيرة أحلام مستغانمى التي ظهرت بقوة يقرون بأنك في كتابك الأخير عابر سرير بقيت محافظة على نفس الرّوح التي كتبت بها كتابك الأول ذاكرة الجسد … هل أنت مقتنعة بهذا الرأي ؟
ربما كان لهؤلاء المتابعين نصيب من الحقيقة… والحقيقة أنني عندما كتبت عابر سرير كنت تحت تأثير الحملة الشرسة التي شنت عليّ… في اللاشعور ومع سبق إصرار وترصّد أردت أن أؤكد لكل المشككين في إبداع أحلام مستغانمى أنني كتبت ذاكرة الجسد إلى حد أنني كتبت فقرات تعّمدت دمجها في النص…عابر سرير كان تتمة للثلاثية لذلك لا بد أن يكون فيه روح العمل الأول والعودة إلى خالد من جديد فتعود لغته وجمله… البطل عندما التقى في عابر سرير مع حياة يتماهى مع خالد… قلت ما كنت قلت فى ذاكرة الجسدّ : الذين قالوا وحدها الجبال لا تلتقي أخطؤوا… إلخ .
كان هنالك استحضار لجمل وأحيانا لفقرة كاملة لكن أعتقد أن عابر سرير كان عملاً أعمق من أعمالي الأولى ففيه عمق فلسفي وفكري أتمنى أن يكون القارئ الحصيف قد أنتبه له…
* إذا كنت مقتنعة بأن الحملة التى شنت ضدك هى حملة مبيته وتؤكد على أن بعضهم أراد أن يستنقص من قيمتك بعد أن أصبحت بكتاب ذاكرة الجسد معبودة كثير من القراء العرب، إن صحت العبارة… فلماذا تعمدت أنت إثارة اللاشعور وإعادة ما كنت كتبت مرّة أخرى ؟
تعرف أخي سآسى أن ثمة أشياء كثيرة بصدد التراكم… تلك الحملة آلمتني كثيرًا ولكنها خدمتني الآن أكثر… كنت أحتاج إلى مثل تلك الحملة، الأعمال الكبيرة تهاجم دائمًا والعمل يكبر بأعدائه…

لا أظن أن الحبر سيخونني ككاتبة أو كأنثى

* إذا خانك قلمك هل تقرين بأن في الحبر سحرًا ؟
أنا كائن حبري ولا أدرى إن كان في الحبر سحر… أنا كائن حبري وربّما من هذا المنطلق بالذات يأتي سحري… لا أظن أن الحبر سيخونني ككاتبة أو كأنثى… أنا أحيانا أكون عصية الحبر شيمتى الصّبر… أحيانًا لكن بعد الثلاثية التي أصدرت الحقيقة أن تعود إلى الكتابة بعد كل تلك الطعنات يصبح الأمر نوعا من التحدي ولكنه إذ استطعت أن يكون أرقى وأنقى لغة… ما أظن أنه تحقق لى رغم كل ما قيل وما يقال يؤكد أنني نجحت…
خوضك في المسكوت عنه مما لم تطرحه كثير من الروايات العربية سابقًا جعلك كاتبة قريبة جدًا من القارئ تعيشين معه، تسكنينه، تمشين معه، يتابع أحداث كتابك بشغف يسرع في الوصول إلى السطر الأخير… هل في ذلك تعمد التحيل الإبداعي على القارئ…؟
لا أدرى ما معنى المسكوت عنه، … لا أدرى إن كنت مراوغة لكن ليس فى هذا، بالنسبة لي لا يوجد في قاموسي مسكوت عنه… أنا أكتب كما أفكر، كما أتكلم… ليس هنالك استقرار قطّ في كتاباتي… لا وجود لحياء كاذب أو إباحية فجّة مؤذية فنصوصي تشبهني تماما… ما لا أقوله في الحياة لا أكتبه على ورق، وما لا أفعله أنا لا يفعله أبطالي وكل ما يفعله أبطالي أنا جاهزة لأفعله فى حياتي… ما لا أفعله أنا لا يفعله أبطالي…أنا لم اكتب إلا نفسي ولغتي تشبهني وبالتالي لا أتحايل وبالتالي لا أدرى عندما أتكلم هل أفصحت ؟ هل بحت الحقيقة بما يجيش في باطني ؟ هل قلت ما سكت عنه الآخرون أم لا ؟ أنا جدّا شفافة… الكتابة تعريني والكلمات لا تغّطيني… أنا كلما تكلمت تعرّيت فأنا لا أعرف المسكوت عنه، وفى نفس الوقت لا أتعّمد ذلك، فأنا لا أملك ولا أبحث عن طرق لكسب القارئ وأكاد أقول أننى فى البداية لا أكتب إلا نفسي…
عندما أجلس لأكتب لا أفكر في قارئ لأنه إذا بدأت أفكر في قارئ لنّ أكتب شيئًا، لأن تشكيلة القراء كبيرة جدًا… من بين قرائي أناس أثرياء جدًّا جدًّا ومن بينهم مساجين وأسرى وفقراء ومساجين سياسيين وأطفال في عمر أولادي… كتبي مبرمجة في سنوات الباكالوريا الرسمية في لبنان… ثمة مسنون كبار يحبون كل ما أكتب…
إذا فكرت كيف يقرؤني هؤلاء جميعًا لا أستطيع الكتابة أصلاً… لذلك أنا عندما أكتب لا أفكر في أحد… أنا لا أفكر إلا في متعتي الخاصة… كيف أستمتع وأنا أكتب… فلاشيء يعنيني خارج النص… وأعتقد أنها الوصفة الوحيدة والأهم التى تجعلك تنجح فى كتابة عمل… إذا فكرت بكسب القراء الأجانب مثلك لمجرّد أنهم حاولوا كسب قارئ أجنبي… لأن الجهد الذي تقوم به لكسب قارئ يجعلك تخسر آخرًا…
كل الكتاب العرب المشهورين فى أوربا خسروا القارئ العربي لأنه ليس بإمكانهم كسب كل القراء… بينما لو كتبوا فقط عن أنفسهم ككتاب أمريكا اللاتينية كانوا حقيقيين، عندما للأسف نظرة تقول أن كل كاتب عربي مخير بين أن يكسب القارئ العربي أو القارئ الأجنبي الأوربي بالذات.

مأساتنا في العالم العربي أنه ليس لنا قدوة في أي شي

* أحلام، الرواية العربية اليوم سحبت البساط من أمام الشعر ديوان العرب، ولكنك تكاد تكونين من أعاد صياغة الأشياء بشكل مختلف فى رواياتك لتكونين الروائية الشعرية أو الروائية الشاعرة… هل يمكن القول أن كتابتك هى ضرب من النثر الشعري السلس ؟
ربما لم أشف من الشعر، نحن جميعا لم نُشف من الشعر، أنا لا أتعدّى على الشعر، الشعر ليس صياغة كلمات جميلة أو انتقاء كلمات موزونة… الشعر هو أسلوب حياة أو نمط… أنا بالنسبة لي شاعرة في الحياة، لا يعنيني أن أكون شاعرة في نّص، ولأنني شاعرة في الحياة من خلال المواقف، أنا لم أخن الشعر وهذا شيء جميل…
ونظرًا لأنني لم أخن الشعر أقول صراحة : أنا لست شاعرة لأن الشعر نتاج يصعب حمله… أنا كاتبة فقط وصريحة جدّا مع نفسي، صارمة فى محاسبة نفسي أخلاقيا بالمفاهيم التي أؤمن بها… وبالتالي هنالك مسائل لا أحب أن أقترفها… أنا أكتب عن أشخاص شرفاء جميلين أخشى عليهم من الانقراض أصلا… حتى أنني أهديت عملي الأخير إلى من بقي من الشرفاء فى هذه الأمة…
أنا لا أقول إنه لم يبق في هذه الأمة شرفاء… جميل أن نمجد هذا النموذج كقدوة ومأساتنا في العالم العربي أنه ليس لنا قدوة في أي شيء حتى بيننا نحن الكتاب… إننا نحتاج إلى كاتب يقول لا… يرفض أن يحضر مؤتمرا، يرفض أن يزور بعض الدّول البوليسية… نحن اليوم نستقوي ببعض… نحن نخون بعضنا البعض …
الحملة التي تعرضت لها مثلا نسبت لي كثيرًا من الصفات الأخرى فكيف تريدون منا أن نبقى واقفين… الصعوبة الآن هي في أن تبقى واقفًا.

أنا أفكر أيضا فى الموت…

* تقولين في أحد نصوصك: كل إنسان عندما يموت يترك رؤوس أقلام على مسودّات… هل تفكرين الآن فى رؤوس أقلام لرواية قادمة بعد هذه الثلاثية الفظيعة؟
أنا أفكر، عندي رواية ما تزال موجودة في ذهني وكتبت نصفها ولكن إن شئت الحقيقة فأنا أفكر أيضا فى الموت…

* هل تفكرين في الموت فعلا ؟
الموت لا بد أن يكون هاجسا إبداعيا ومادمت لست مسكونا بها حس الموت لا يمكنك أن تكتب… الموت كحالة، كتهديد، الموت كرافد إبداعي، الموت مصقلة قد تتحداك و تتحدى نصك في أي لحظة و بالتالي عليك أن تظل فى لهاث دائم حتى لا تترك خلفك – وهذا شيء مرعب – نصّا غير مكتمل…أنا أحب الكتاب المذعورون دائما…
الكاتب المستقر والمستمتع بوقته كأنه يملك الخلود… الخلود نكته… عليك أن تشعر بأن التاريخ يحاسبك فى كل لحظة و عندما أقول التاريخ هو : أنت أين تضع نفسك … ثمة من ليسوا معنيين و يريدون استهلاك النجاح الفوري، أنا أمنيتي أن أختفي… وأمنيتي الحقيقية هي أن أنسحب وأن لا تراني… أن يأتي يوم لا أعطى فيه حتى هذه المقابلة الصحفية… أريد أن أقول أنه لا أريد أن يراني أحد و من أراد أن يراني فليقرأ كتبي…
وبإمكانه أن يتحاور معي فعلا من خلالها… إن كل ما يقال خارج النصّ هو ثرثرة… لقد كتبت إلى حدّ الآن ألف صفحة عدا صفحات المقالات…بالتالي بعد ألف صفحة لا أريد أن أعلق، وحتى لو متّ بعد هذه الثلاثية أكون قد أنجزت وصيّة وأنا مطمئنة، يبقى دائما أن هنالك أشياء تريد أن تقولها ولا وقت لك… أعتقد أنني أصبحت عارية أمام القراء إلى درجة أن الكثيرين يحبونني أو يكرهونني أو يقيمون علاقة بي دون أن يتلقوني… فأنا امرأة مفضوحة جدّا…

ما يزعجني أن كتبي غالية الثمن

* ماذا يزعج أحلام مستغانمى الآن بالذات ؟
ما يزعجني أن كتبي غالية الثمن، أنا ككاتبة وكناشرة مكسبي من الكتاب دولار ونصف ويؤلمني أن القارئ مهما كانت وضعيته الاجتماعية يدفع ثمنا كبيرًا لقاء هذا الحب… إنها جريمة فى حق الكتاب… أتمنى أن أكون موجودة لكنني لا أريد أن يقرأني القارئ العربي على حساب لقمة عيشه، لأن ذلك حرام وعيب عندي… أنا لا أصنع ثرائي من بؤس قرائي وبالمناسبة أؤكد لك أنني سأعود لنشر كتبي ضمن منشورات دار الآداب لأنني لا أريد أن أفهم أن بعثي دار نشر لأكسب…
هناك كتب مزورة تباع بـ 12 دولارًا هي كتب مزورة في رأيي وتفاديا لهذا الالتباس عدت إلى دور النشر من جديد حتى تفهم الحقيقة تماما واضحة المعالم…

زوجي يقول لي دائما : أنت ذكية في الروايات وغبية في الحياة

* شخصيتك في النص هي ليست شخصيّتك في الواقع… يبدو أنك أصبحت تقرئين حسابا لكل كبيرة وصغيرة في حياتك حتى أنك أصبحت تقرئين حسابا لكل شيء… حتى أصبح الأمر بمثابة الخيالات المزعجة التي تفكرين فيها… ماذا حصل لك بالضبط ؟
من فرط الطعنات… أنا امرأة ساذجة… حتى أن زوجي يقول لي دائما : أنت ذكية في الروايات وغبية في الحياة… أنا أطعن دائما لأنني لا أحتاط من شيء… أنا أمية في كل شيء وخاصة في الحسابات… أنا سعيدة بخساراتي لأنه بالخسارات تصنع أدبا لا بالمكاسب ….
أقول لأنني أردّ على ما سمعت… على قراء بسطاء يشترون كتبي بالتقسيط وهذا يؤلمني جدًّا ولا يرفع من شأني بقدر ما يؤذيني ككاتبة… ماذا سأكسب غدًا…؟ ماذا سآخذ معي…؟! إذا كان رفيق الحريري نفسه ترك 8 مليار دولار وذهب… فكيف الحال إذا كنت أنا كاتبة، ماذا سآخذ معي؟ أنا سأترك خلفي…لأنني أعيش من أسمى لا من كتبي…

* كتب الشاعر العربي الكبير نزار قباني على ظهر أحد كتبك كلاما جميلا ناعمًا…ما هي علاقتك بهذا الرّجل ؟
علاقتي به موجودة في موقعي على الانترنت… هذا الكلام كتبه بعد أن صدر كتابي وبالمناسبة توجد شهادة لسهيل إدريس… علاقتي بنزار قباني علاقة جميلة قد أكتبها في رواية وستكون رواية جميلة ولا أريد أن أستهلكها في جملتين لأنه قد لا تفهم تماما… إن علاقتي بنزار قباني علاقة جميلة جدًا، لقد أضعنا بعضنا ثم التقينا… إنها من تلك العلاقات الإنسانية الجميلة التي قد تغذّى عملا إبداعيا…

لا يعنيني النقاد العرب، ولا يعنيني أن ينصفوني

* أحلام… هل أنصفك النقاد العرب ؟
لا يعنيني النقاد العرب، ولا يعنيني أن ينصفوني… نقادي هم قرائي … فعلا وصدقا لا يعنيني… أنا عقّدت النقاد لأنهم أحسّوا أننى لا أحتاجهم… لم أعد أحتاج شيئا غير قرائي… القارئ هو ناقدي، معلني ، مشهري وحتى الصحافة لا أحتاجها بدليل لا أعطى مقابلات صحفية وهذا لا يمنعني من القول إنني تنكرت لجميل الصحافة التي دعمتني، لكنى أقول إن أكثر من هذا كثيرًا… إن نجاحي يعود إلى القارئ، فالقارئ هو الذي يدل القارئ الآخر على كتبي وبالتالي تجاوزت الإعلام وتجاوزت النقاد…
أعود و أقول أنا لا أتنكر لجميلهم أو لخدمتهم لكن لا أريد أن يقال أنى مادة مستهلكة ..؟.. …. هذه المقابلة لو لا معزتك ومعزة تونس وأدرى أن لي أحباء سيسمعوني و سيقرأوني… و الله العظيم لا أتحدث لأنني لست في حاجة لكن في لحظات معينة أريد أن أقول للناس إنني أحبكم وأريد أن أقول لكل من يقرؤني : إنني أحبك وأنا ابنة تونس كما أنني ابنة الجزائر وأن نصفى لا أدرى العمودي أو الأفقي هو تونس.

أقرأ أشياء أخرى غير الروايات

* لا شك أنك تقرئين الكثير من الرويات العالمية ؟
سوف تضحك كثيرًا إن قلت لك الحقيقة… من العيب أن أقول إنني لا أقرأ الروايات… ستفاجأ… لكنني لم أعد استحي من قول الحقيقة… أقرأ أشياء أخرى غير الروايات… لتكتب رواية عليك أن تقرأ أشياء أخرى غير الرواية… كل ما حول الرواية… وهذا لا يعنى بالضرورة أنه ليس هنالك روايات تستهوليني… أنا أقرأ الآن كتبا بالفرنسية أصادفها أو أسمع عنها في برامج… أقرأ كل ما حول الرواية… أقرا الفلسفة… أقرأ التاريخ… أقرأ دواوين الشعر… أقرأ بما يغذى الرواية… لا أتعلم من قراءة العمل الروائي شيئًا إلا إذا وجدت فيه ما يمسني شخصيا ويخطفني من الصفحة الأولى وهذا لا يحدث كثيرًا مع الأسف الشديد.

* ماذا بقى من الجزائر فى ذاكرة أحلام مستغانمى ؟
ما بقى في ذهني سيشاهده الجمهور العربي في مسلسل ذاكرة الجسد الذى ستنتجه قناة أبو ظبى فى رمضان المقبل…عندى أمنية أن أحقق أجمل مسلسل تلفزيونى رمضاني… وسيكون رسالة حب للجزائر… كل ما لم أستطع قوله بالكلمات سوف أصفه بالصورة… سيكون تمجيدًا للجزائر لقسنطينة، لأعراسنا… لأفراحنا… لك تلك الشجون الجميلة… فعلا أمنيتى بعد الآن أن أعمل على إخراج هذا المسلسل في أحسن صورة لأنه من الأشياء التي ستبقي… الآن المشاهد العربي بإمكانك أن تؤثر عليه بالصورة أكثر من الكتاب.

لكل قارئ صورة معينة لبطل أو لشخص ويخاف أن لا يجدها كما هي

* أنت تراهنين كثيرًا على هذا العمل و أشعر أنك متحمسة له بشكل كبير جدًا… ما سر ذلك
نحن نراهن على هذا العمل الذي سيشارك فيه نخب هامة من الممثلين العرب من كل البلدان… أنا متحمسة لـ ذاكرة الجسد التلفزيونية وخائفة… أخاف من الذين أحبوني في ذاكرة الجسد ككتاب وقد نصحوني مرارًا وخصوصا عندما أشترى يوسف شاهين الحقوق لتحويلها إلى فيلم…
قالوا لي نخاف أن تقتلي شيئًا ما فينا… لكل قارئ صورة معينة لبطل أو لشخص ويخاف أن لا يجدها كما هي عندما يتحول الأمر من طور الكتابة إلى طور الصورة… حتى لو أعطيت صورة أجمل فإنني سوف أخيب ظنه… وبالتالي لم يسمحوا لي بأن أعبث بهذه الصورة التي تمتع بها القارئ مكتوبة في الكتاب… وأتمنى لمن قرؤوا الرواية أن يجدوا أبطالهم وشخوصهم بنفس الصورة المرسومة في أذهانهم، بالنسبة للذين قرؤوا الرواية، أما بالنسبة للذين لم يقرؤها أتمنى أن يجدوا فيها ما تمنوا مشاهدته… إنها مشاهد شعرية جميلة بلغة عربية مشتركة وهواجس عربية مشتركة… ونبحث عن أبطال جدد لتصوير هذا العمل حتى لا يكون لهم ذاكرة في ذهن المشاهد… ويكون لهم سوابق فنية.

* تنشرين كتبك للمرة العشرين في الوقت الذي يعجز فيه كثير من الكتاب عن طبعه ثانية لكتاب من ألف نسخة… وفى الوقت الذي تسيطر فيه الصورة والانترنيت في عصر العولمة هذا وفى الوقت الذي أصبح فيه الكتاب آخر الاهتمامات ؟ بم تشعرين إذن ؟
عندما تتجاوز عددًا معينًا من الطبعات تصبح المسألة مجرّد أرقام… مثال طبعت من عابر سرير ما يقارب 50 ألف نسخة في سنة ونصف وما يعادله وأكثر من الطبعات المزورة وأنت تدرى أنني مزورة في مصر، سوريا، الأردن وفلسطين بكميات كبيرة والكتاب بثمن خيالي، وأنا لا أكسب شيئًا من هذه الكتب… المهم أن القارئ يدفع ثمنا غاليًا، فهذه الطبعات تعادل طبعاتي… أنا لا أستطيع أن أراقب الجميع…

على القارئ أن يطاردني…

* ولكن هذا يؤكد أن القارئ يستهلك كتبك بنهم ؟
نحن نتهم القارئ بأنه لا يذهب نحو الكتاب… القارئ عندما يعثر على نص يشبهه يطارده… مشكلتنا أننا عندنا كتاب يطاردون القّراء… إنهم يلقون القبض على قارئ فيطلبون منه أن يقرأهم بالقوة، بينما لا أحب أن أهدى كتبى لأحد، إلا للذين لا يملكون الإمكانيات لشراء كتاب… على القارئ أن يطاردني…
ذات مرة كنت فى الجزائر فأهديت لصديق يملك مكتبة أول نسخة من كتابى عابر سرير … فقال لى هنالك بوليس يأتى كل يوم إلى المكتبة ليسأل هل هناك كتاب جديد لأحلام مستغانمى حتى يتمتع بقراءته… فأعطاه النسخة الأولى… كم جميل أن يطارد بوليس فى الجزائر كتابا بهذا الشكل… عندى حكاية أخرى إذ أعترضنى ذات مرة فى معرض الكتاب رجل وقال لى إن خطيبتى طلبت أن يكون مهرها عابر سرير … لأنها سمعت بالكتاب ولم تقرأه… تصور أن تطلب طالبة من خطيبها أن يكون مهرها إحدى كتبي… فوقعت له الكتاب وأنا مطمئنة على مهره…مؤخرًا جاء شاب وسيم فى الدوحة وهو يحمل كتابى وقال لى وقعى لى على الكتاب بإسم صلاح الدين مؤيد… وأنا بصدد كتابة الإهداء قال لى : هذا الكتاب لأبى وأبى مات… كيف أكتب إهداء لرجل ميت ؟ فقال لى : إن أبى كان يحبك وكان يحلم أن يلتقى بك ونصحنى بأن أقرأ فوضى الحواس فهل بإمكانك أن تهديه كتابك… كيف تهدى كتابا لرجل مات من زمان…

* ألم يتسلل إليك الغرور بعد هذا كلّه ؟
والله العظيم، وأقسم بالمصحف، إن مثل هذه القصص لا تزيدنى غرورًا بقدر ما تزيدنى رعبًا… والله العظيم… لو كنت مغرورة واحد على مليون ما كان سيحبنى القراء بهذا الشكل… أنا الآن أهرب الكرواسون لسائقى من لمجتى الصباحية فى الفندق فأسرقها له… مازلت أريد أن أكون إلى جانب الفقير، السارق والكاتب المبتدئ…

 الكاتب يموت عندما يتضخم الأنا فيه

* هل نجوت من بيئتك؟
لم أنج من بيئتي، لقد بقيت فيّ… بهذه المرأة التى كنتها يوما أكتب… لا أريد أن أدهش المرأة التى كنتها… تلك الفتاة التى كنت… أحلام مستغانمى لا تعنيني… ثمة أحلام مستغانمى وثمة أحلام وأحلام تضحك دائما من أحلام مستغانمي… تضحك لما يحدث لها من أشياء جميلة… هناك مواقف محرجة جدًّا تحصل لى وهى كثيرة لكننى لا أتحملها ككاتبة… جميل أن تكون مبجلاً… لكن ليس على حساب كتاب آخرين لأنك كأنك تعتدى عليهم بشكل أو آخر… ثمة كثيرون أهم مني… الكاتب يموت عندما يتضخم الأنا فيه و يصاب بالغرور… كلام فارغ التكبر… أنت لا يبقى منك شيء فأنت حفنة من الكلمات… وبالتالى عليك أن تتواضع و تذكر نفسك بانك لست شيئًا.
* هل تتصورى أحلام أن فكرتى عنك بدأت تتغير ؟
هذا يسعدنى جدًا إذا أقنعتك وحدك فهذا يكفيني، أنا لست بصدد القيام بحملة أنتخابية لأقنع كل القراء… صدقنى وأنا فى بيروت عندى إمكانيات كبيرة إننى أركب الحافلة مع عامة الناس بما قدره 500 ليرة ثلث دولار وبإمكانى أن أجلب سائقا، لكن هذه المبالغ أتصدق بها وأساعد الناس… وأنا واقفة فى انتظار الحافلة حدث أن تأخرت فأخذت سيارة مشتركة وبدل أن أعطى السائق ألف ليرة أعطيته ألف دولار وحق المصحف …
لماذا ؟ لأنه كان منشغلا بإجراء عملية جراحية على القلب… وبدل أن أعطيه دولارا أعطيته دولاران على سبيل الشفقة ولأنه لم يكن معى راكب ثان… فقال لى : والله العظيم أنا بصدد تجميع الأموال بالدولار لإجراء عملية على القلب وكان يملك ضمانا صحيا وعليه فإنه ملزم بدفع % 15 وقد قال له الطبيب يمكنك أن تموت فى أى لحظة على المقود… كان معى 300 دولار فأعطيته 200 دولار فلما بكى أضفت له 100 دولار أخرى… فلما واصل البكاء طلبت منه أن يعود معى إلى البيت وأعطيته الألف دولار كاملة لاعود إلى المدينة فى سيارة أجرة بـ 500 ليرة…هذا الكلام لا اقوله للمفاخرة، ولكن لأؤكد لك اننى لم أتغير ولن أتغير.

أصدقك القول أننى لا أفاخر بالمثقفين

* ولكنك اسم مدّو اليوم فى الساحة العربية عموما وحتى فى صفوف المثقفين ؟
أصدقك القول أننى لا أفاخر بالمثقفين، أنا أفاخر بالأسرى فى سجن عسقلان، والذين يسرقون الهواتف ليكلموني، أفاخر بمحمود صفدى الذى سرق هاتفا ليهاتفنى وكنت مع خطيبته… هؤلاء الجميلين الذين استنسخوا كتابى فى السجن… هؤلاء أفاخر بهم جدًا قبل غيرهم… عندما يقول لى محمود صفدى الأسير منذ 17 عاما وهو فى إنتظار 10 سنوات أخرى : أحلام نحن ثمانية فى كل زنزانة وأنت تاسعنا… وأنت موجودة معنا… إنها صورة ناطقة أجمل من كل صورى بذلك القليل من الكلام أشعر أننى مقيمة فى السجن مع ناس أو أننى حياتهم، يهرّبون كتبى ويناقشونها فى مجالس… عن أى مثقفين تتحدث ؟؟ أى مجد أريد أكثر من هذا ؟! أقول دائما إن أمنيتى أن لا يرانى أحد… و قد أحقق هذه الأمنية قريبًا… أريد أن أختفى تماما و لا يرى الناس إلا كتبي.الانسانة التى فيّ ستبقى كما هي… لقد مررت بمراحل الفقر ولذلك كلما رأيت عين فقير تنظر لى أستعيد نظرتى الأولى لتلك الاشياء و ذلك الماضي… وعندما أكف عن رؤية الأشياء بتلك الطريقة أعتبر نفسى منتهية.

* هل ندمت على إقتراف بعض الحماقات فى حياتك ؟
حماقاتى جميلة، ولأنها جميلة لم أندم عليها، لم أقترف خطايا أو جرائم، لم أؤذ أحدا وهذا أهم شيء وأريد أن يقال إننى كذلك، أنا لو آذيت أحدا اتعذب أكثر من الانسان الذى أؤذيه… عذابى فعلا سيكون أكبر من عذابه… لأنه كم مؤلم أن تؤذى أحدًا.

* وهل يتسلل الحقد إلى داخلك ؟
سأحكى لك قصة وقعت لى وآلمتني… فكنت أكتب ليلا وكان ثمة فراشات تدخل من النافذة فكانت الفراشات تموت الواحدة تلو الأخرى فتوقفت تماما عن الكتابة بالليل حتى لا تموت الفراشات مجدّدًا… أنا لن أكون شاعرة إذن و لعن الله هذا النص الذى تموت من أجله الفراشات… كيف أكتب وأنا أشتم رائحة أجساد الفراشات وهى تهجم على الضوء… وأنا أكتب صفحة تموت عشرة فراشات… إن شاء الله لا أكتب أية صفحة إذا كان وراء كتابتها ضحايا… هذا دليل على أننى غير قادرة حتى على إيذاء حشرة… لا يرانى أحد فى الليل عندما أقتل هذا الكائن الصغير الغبارى من أجل نص سأنشره فى مجلة… لقد غيرت عاداتى من أجل الفراشات… فأصبحت أكتب بالنهار… أنا لا أقول إننى شاعرة لكننى شاعرة فى كل لحظة… عندما أكف أن أكون شاعرة أحتقر نفسى وأتوقف عن الكتابة… الشعر هو أن لا تؤذى إنسانا، أن لا تصافح مجرما، أن لا تتخلى عن مبادئك، أن لا تساوم، أن لا تزور أنظمة بوليسية حقيرة و أن فيها كتابا مسجونين… أنت تعرف أننى موجودة فى الإمارات لأنه لم يسجن فيها كاتب ولا إنسان بسبب رأي.

اقترفت حماقات عشقية ولن أندم عليها

* لكن هل هناك حماقات عاطفية أخرى اقترفتها أحلام مستغانمى ؟
اقترفت حماقات عشقية ولن أندم عليها قط وأفاخر بها أحيانا رغم… وأحيانا أجنّ وأكتبها وأحيانا أندم لأننى كتبتها… لكن لا بأس.

* إذن لم يتسلل إليك ندم فقط ؟
لا أبدا لم أندم ما دمت قد كتبتها فى نصوص جميلة ماعليش

* هل أنت بلا ذنوب أحلام ؟
بالمفهوم الأخلاقى لا ذنب لي… أنا امراة متدينة وعندى ذنوب ككل البشر.

* ومتى تصابين بحالات الصرع الإبداعية ؟
فى بداية الحب… عندما يولد الحب… فى صاعقة الحب الأولى وفى نهايتها طبعا.

* هل أنت مع البدايات أم مع النهايات ؟
أدبيا مع النهايات لأننا عندما ننتهى من قصة نكتب… عاط
فيا مع البدايات وأنا مع رأى محمود درويش لا أحب من الحب إلا البدايات .البدايات دائما جميلة لكن الأدب تصنعه النهايات وموت الأشياء مع الأسف.

لست قريبة من أحد.

* أنت قريبة من الوجوديين ؟
لا أدري، ولكنى لست قريبة من أحد.

* من أين أنت قريبة إذن ؟
أنا قريبة من جنونى ربما .

* عندما تشعرين بالفشل، كيف يكون ردّ فعلك ؟
يؤلمنى الفشل، ومشكلتى أنه لم يعد من حقى أن أفشل هذه مصيبتى أصلا أنا بالذات، من حقّ أى كاتب عربى أن يفشل إلا أنا لأننى أحاسب، فى أى لحظة سيشكك بى ويتربص بي… والرداءة والفشل والخطأ حق إنساني، ولكن ليس حقا بالنسبة لى أنا بالذات… تصور أننى أفشل فى عملى الرابع سيقولون حتما: انظروا إلى أين وصلت أحلام… لقد ظهرت على حقيقتها وبالتالى من الصعب أن أنشر عملا، و لولا سرعة المجلات حتى المقالات الأسبوعية لن أكتبها قطّ… أنا أندم كثيرا على عدد من المقالات الاسبوعية التى كتبت، لكن الوقت يستهلكنى فأستعجل الكتابة وفى النهاية أقول إنها الصحافة.

* هل ستبقى أعمال أحلام مستغانمى بعدها ؟
سأكون صادقة، ليس بمفهوم الخلود المجد، لا، سأخلد فى قلوب قرائي، سأخلد بمفهوم أننى سأواصل تغيير مفهوم حياة من يقرأنى حتى بعد موتي، المجد لا يعنينى والحياة أجمل من التمثال… لقد مات رفيق الحريرى وصوره الآن فى كل مكان من لبنان… ماذا ستفيده صوره إن كان لا يراها… أنا لا يعنينى المجد لأننى بنيت لنفسى أسطورة… هذا لا يعنى لى شيئا… أنا يعنينى أن تعيش أفكارى وأن أواصل تحريض الناس على الحب والحرية بكل مفاهيمها و حتى الحماقات أيضا و كل شيء.

* بدأت فى الظهور مؤخرًا مع بداية التسعينات تحديدًا، هل تؤمنين بأن كل تجربة إبداعية عليها أن تنضج لتظهر للناس فى أحس صورة ؟!
طبعا، دخول غمار النشر جاء متأخرا نوعا ما… عمل خطير أن تقوم بنشر كتاب وكم أتعجب من سرعة هجوم بعض الكتاب على الناشرين… إن اللحظة التى تنشر فيها عملك يتحول فيها من ملكيتك إلى ملكية غيرك، تصورّ أنه لا يمكنك أن تغير فيه كلمة واحدة… أنا أخاف مثلا من إعادة قراءة كتبى لأننى أصاب بالذعر.

أتبرأ من النصوص التى كتبتها فى شبابي

* هل تتبرئين من بعض نصوصك ؟
نعم أتبرأ من النصوص التى كتبتها فى شبابي، ولكننى أتركها لعمرها.. لقد كتبت أعمالى الأولى وعمرى 18 سنة ولا أريد إعادة نشرها حتى لا تصبح المسألة تجارية لأن فيها إسمي… هى موضوعة على الأنترنيت ومن يريد أن يقرأها فله ذلك، وهى أيضا فى متناول النقاد… ومن يريدون أن يعرفوا كامل مسيرتى الأدبية وكيف نبت قلمى لهم أن يطلعوا عليها.

* كلمة ختام ؟
أحبكم أيها القراء فى الوطن العربي، أحبكم من كل قلبي، أريد من كل واحد يقرؤنى فى هذا الوطن أن يشعر أن لى قرابة به، فى مكان ما فى صفحة ما أتحدث إليه وحده سأكون قد نجحت إن حدث هذا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق