ثقافة المقال

حرية التعبير “المراوغ’’ بين ساركوزي وماكرون..

دكتور السيد إبراهيم أحمد

لقد كان لي كتابًا يتعامل مع الإساءات المتكررة والمتواصلة لشخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بعنوان “سيظل رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما أساؤوا”، والغاية من العنوان تتبدى في مدى جهالة تناقضات الغرب وبلادته ومحاولاته التي لن تنتهي بمثل هذه التصرفات التي يتجلى فيها الحقد مداه والكراهية للإسلام والمسلمين، ووقتها كانت القضية المثارة هي الرسوم التي تعبر عن أصحابها لا عن شخص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي تكررت الآن، وقد أظهرت مدى التعامل الفرنسي على المستوى الرئاسي مع هذه الإساءات وتكراريتها حين عبر عنها الرئيس الفرنسي الأسبق “نيكولاى ساركوزي” بالقول: (إن المبالغة في الكاريكاتير مطلوبة أكثر من المبالغة في الرقابة)، وهو الذي منع تداول كتابًا يتحدث عن حياته البائسة، كما مارس ضغوطًا لنزع ملصقات من محطات المترو تتناوله شخصيًا.
نفس الموقف يتكرر مع الرئيس الحالي ماكرون في دفاعه المستميت عن حرية التعبير في الجمهورية الفرنسية، فيقول مدافعا عن الرسوم المسيئة: (إن هذا لا ينطبق على رسوم شارلي إيبدو “الرسوم الكاريكاتورية ليست خطابات كراهية”)، لأته كما يقول عن نفسه: (أنا هنا لحماية هذه الحريات).
لكن ماكرون لم يتحمل تعليقات الرئيس البرازيلي الساخرة من زوجته، ولم يعدها من حرية التعبير، بل استشاط غضبا وتدخل في سيادة بلد آخر حين قال وقد انتفخت أوداجه: (ينبغي أن تشعر جميع نساء البرازيل بالخزي من رئيسهن، الذي يسخر من النساء)، ثم قال: (سخرية الرئيس البرازيلي لا يمكن وصفها إلا بأنها “وقاحة منقطعة النظير”… هذا أمر محزن، إنه أمر محزن له بالمقام الأول وللبرازيليين، وعلى النساء البرازيليات أن يشعرن بالخزي على الأرجح من رئيسهن..لأنني أكن الكثير من التقدير والاحترام لشعب البرازيل، آمل أن يصبح لديهم رئيس أهل للمنصب في القريب العاجل).
وكما قلتُ سابقا عن ساركوزي أقول الآن عن ماكرون من كونه يستخدم حقه كمواطن فرنسى فى الأساس لأن القانون الفرنسي يمنع التعرض للحياة الشخصية للأفراد، ولكن عندما يتعلق الأمر بالإسلام، يحوِّل ذلك إلى (حرية التعبير) دون تفريق بين الحرية والعدوان!
وفي عهد ماكرون المدافع عن حرية التعبير يناقش البرلمان الفرنسي، مشروع قانون أمني جديد يسمح بسجن الأشخاص الذين ينشرون صورًا لرجال الشرطة بهدف إلحاق الضرر بهم، على أنه يجب العلم أن من تقدم بمسوّدة القانون هم نواب حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “الجمهورية إلى الأمام”، ويطالبون بإنزال عقوبة السجن لمدة سنة إضافة إلى غرامة قدرها 45 ألف يورو لمن يقومون بنشر صور ضباط الشرطة “بهدف إيذائهم”.
إن حرية التعبير “المراوغ” كما قلتُ وأقول ليست جديدة على أوروبا التي أزالت ـ بناءً على طلب بعض الحكومات ـ صورًا مسيئة بل فاضحة للرئيس الأمريكي الأسبق “بوش” ونظيره الفرنسي الأسبق “ساركوزى” وملكة بريطانيا “إليزابيث الثانية”، وشخص بابا الفاتيكان، بل حكمت بعض المحاكم الأوروبية بالسجن والغرامة على إحدى الصحف الإسبانية التي صورت “ولي العهد” في رسوم كاريكاتورية ساخرة، وقد بررت المحكمة حكمها هذا بأنها تلقت شكوى من مكتب المدعي العام للدولة وصف فيها تلك الرسوم بأنها: “تشهيرية تستوجب العقاب”.
وهو ما دعا جهات حقوقية فرنسية بانتقاد مشروع القانون الأمني الجديد، وقالت إنه “يهدد حرية التعبير”، كما اعتبرت منظمة العفو الدولية “أمنستي” الحكومة الفرنسية بأنها ليست نصيرة لحرية التعبير، وقد ضاعفت حملتها ـ أي الحكومة الفرنسية ـ المستمرة لتشويه سمعة وملاحقة المسلمين الفرنسيين.
كما اعتبرت المنظمة ما فعلته محكمة فرنسية حين أدانت في عام 2019م رجلين بتهمة “الازدراء” بعد أن أحرقا دُمية تمثل “الرئيس ماكرون” خلال مظاهرة سلمية بأنه خرق لحرية التعبير، كما رأت في القانون الفرنسي الأمني الجديد المقترح، أنه: (من الصعب التوفيق بين هذا التوجه وبين دفاع السلطات الفرنسية الشرس عن حق تصوير النبي محمد في رسوم كاريكاتورية).
(لكن أولئك الذين لا يوافقون على نشر الرسوم الكاريكاتورية لهم الحق أيضًا في التعبير عن مخاوفهم، كما يكفل الحق في حرية التعبير إمكانية انتقاد خيار تصوير الأديان بطرق قد يُنظر إليها على أنها نمطية أو مُسيئة. إنَّ مُعارضة الرسوم الكاريكاتورية لا تجعل المرء “انفصالياً”، أو متعصباً، أو “إسلامياً”). هذا ليس كلامي بل منطوق رأي منظمة العفو الدولية عن حرية التعبير “المراوغ” المطبَّق حاليا في جمهورية فرنسا التي تجسد حرية التعبير وتدافع عنها ضد المسلمين.
واختم بما اختتمت به مقالي في كتابي: الغريب فى الغرب الحر العادل أنهم يثبتون القداسة لمن لا قداسة لهم من البشر، ثم بكل حماقة وجهالة ينزعون القداسة ممن قدسه الله عز وجل بأن اصطفاه واختاره وجعله سيداً للبشر صلى الله عليه وسلم.
لقد أوهمونا أن حرية التعبير مقدسة مطلقة ، ودوخونا فى الانتقال بين المربعين: مُربع حرية التعبير، ومُربع الحرية الشخصية، والفرق بينهما واضح؛ فرسم أى شخصية بشكل ساخر مهما كان منصبه أو مكانته هى حرية تعبير، وتصوير الإنسان على أى وضع دون إذن منه بنشر هو اعتداء على حرية شخصية، ويبارزوننا بانتهاك الحرية الشخصية حين يمس السخرية والتهكم بعض رؤسائهم ـ ومنهم ماكرون ـ بينما يجمدوننا فى المربع الأول “حرية التعبير” حين يمس الأمر شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعظم عند المسلمين من كل شخص عندهم مهما بلغ شأنه.
ولا يتبقى إلا النداء الأخير: أيها الغرب أفق .. فالإسلام الذى تحاربه ليس بعيدًا عنك؛ فهو من زمن بعيد تدرسونه فى جامعاتكم، وأصبح الآن يشكل تجمعات كبيرة كجزر واسعة فى أراضيكم، بل أن جزءًا من شعوبكم صار مسلمًا ويصير، فلا داعى لهذه السخافات التى سحبت من رصيد انبهارنا بكم الكثير، وتزرع العداوة والبغضاء، يا من تصدعون رؤوسنا بدعاوىَ المحبة والسلام، ومن أسف كنتم أنتم مصدر إرهابنا: فمن منَّا الإرهابي، والمراوغ، والمأزوم يا سيد ماكرون؟!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق