ثقافة السرد

متوالية قصصية يعطيك دودة

عبدالله المتقي

مساء يوم السبت ، ذهبنا لحديقة الألعاب ، كان موقف السيارات مكتظا ، وكانت الحديقة تنغل بالأطفال والآباء والأمهات ، تركا ” اصغيرين ” بين الحكايات والألعاب السحرية، والكراكيز، والفقرات المخصصة للحناء والماكياج ، ثم ذهبا إلى المقهى ، ومن الممكن أن يكونا تبادلا الكثير من الأسئلة والأجوبة وهما في المقهى ، لا .. وضعت نظارتها على الطاولة ، ومدت يدها ، وفيما تشابكت أصابعهم دعته لتناول كأس قهوة أو شاي بنبرة مغناجة ، ثم دخنت سيجارتها بعيدا عن الأولاد ، لأنها تحب كل شيء في الخفاء وبعيدا عن الفضوليين .
اسم مقهى حديقة الألعاب لا يتذكره الآن ، لكنه يذكر أنه كان صغيرا ومفتوحا ، وأنه كان يداعب الولاعة في جيب جاكيتته ، ويذكر على الخصوص أن لسانها انطلق كالعادة في كنس ذهنها من ذلك الرجل الذي يطن في رأسها كل الوقت ، الرجل الذي يشك في هاتفها ، في حقيبتها ، في حذائها وجواربها ، في عدد كلمترات سيارتها ، وحتى ملابسها الداخلية كان يتشممها ككلب بوليسي.
وأضافت بنبرة ساخرة :
– وأحيانا د يشك في ثيابه ، فيقلب طبق ” الشكشوكة”
و… ضحكا حتى كاد الرجل يموت بداخلهما من لسان الحكاية الطويل ، ثم أنهيا فنجانيهما ، وخرجا ضاحكين ولا شيء تحت تسريحتها ، وتحت قبعته سوى طبق الشكشوكة الذي ملأ الصالة وشغل المكنسة الكهربائية .
في سيارتها بدت ” ميساء ” شاردة ، وهي تتابع نشرة الأخبار تذيع خبر تفكيك خلية إرهابية تتكون من عشرة أشخاص لهم ارتباطات بجماعات مسلحة في الغرب الليبي ، كانت تنشط في مجال ترهيب الأسلحة وتنقيل الشباب التونسي للقتال في مناطق التوتر .
وفيما كان ” ميسرة ” يقرأ حزن ” ميساء ” ، فاته جزء كبير من تعليقها حول هذا التفكيك للخلية ، تعليق مصاب بحمى البحث عن معنى هذا القتل المجاني ، دون أن تستطيع القبض على السبب الكامنة خلفه ، واكتفى بتأملها صامتا وهو يشعر بالتذمر والإحباط والقلق من هذه الخلايا لا .. هذه الأكياس من الخراء التي تتطهر بحب الله .
افتعل الصمت ، ربما ، ليتيح لدماغها أن يضخ الكثير من التعليقات ، وحين يتمعن في كلامها ، يرى أن ما قالته ليس بغريب أبدا ، حتى أن تفكيره قاده الى النهاية الدرامية لفرج فودة ، وأنه قال لميساء :” الرصاص هو التعبير العنيف عن منتهى الضعف ” .
وواصل: ” لتتوقعي عمليات إرهابية عاجلا لأخذ الثأر، و قد يقطعون رأسي ، ويحولونك إلى سَبيّة وماكينة لإنتاج النكاح ، كل شيء ممكن من المستحيل”
وعلى الرغم من أنها لم تفتح فلجاتها بكلمة واحدة ، ولم تلتفت للأولاد الغارقين في عوالهم الافتراضية ، فإن اضطرابها كان يشي بأنها فهمت المعنى ، أطرقت تفكر للحظات ، ثم قالت لي بابتسامة ماكرة :
– لم أفهمك

لم يرد عليها ، كان قد دخل في غيمة رمادية ، ولم يعد يعنيه الحديث عن الخلايا وجهاد النكاح ، وكل هذه العوالم المختلطة بالكوميديا والتراجيديا ، ومن الخيانة و العجائبية حتى أنه بدأ يشك في هذا الألاعيب ، لأنه أصبح مقتنعا أن كل ظاهرة تتكرر وتغيب عنها المخارج هي مختلقة في نهاية اللعبة .
ولأن حرارة الصيف كانت مفرطة ، اكتفت بفتح زجاج نافذة السيارة بكامله ، ثم أزرار قميصها من ناحية الصدر ، فبدا له مفترق نهديها الكبيرين ، لم يثر فيه هذا الانفتاح أي شيء ، لأن هذه الأزرار لا تفتح له وحده ، فاكتفى بتعديل جلسته ، والتفرج على المراعي .
بدأت ” ميساء ” تخفف من سرعة السيارة ، وبدأت تخطط للذهاب إلى الشقة ، ولا حاجة لها والأولاد بالآيس كريم ، ولا هم يحزنون ، بدت متوترة ، حتى أنه شم رائحة دخان احتراقها تأتي من ناحيتها.
في المطبخ ، بدت له ” ميساء” كما لو تتخفف من زلزاله الذي هزها في السيارة ، بدت كالعادة تغني مع الأواني ، ليمد يده بقصد مساعدتها في غسل الأطباق لإعداد العشاء ، التفتت نحوه باسمة :
– الله يعطيك دودة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق