قراءات ودراسات

التعلم والكتابة في مناخات الإتاحة

أحمد بابكر حمدان

– مقدمة:
قبل عقدين من الزمان لم تكن مفردة «التواصل» مستهلكة بمثل ما هي عليه اليوم، وقد كان لظهور الإنترنت وما تلاه من منتجات اتصال مدعاة لأن تصبح المفردة الأكثر استخدامًا في وسائل «التواصل» نفسها، وفي مجالات عديدة وفي سياقات متباينة. وكان للانفجار المعلوماتي الهائل الذي أحدثه الإنترنت دور مهم في لفت الانتباه إلى التواصل كقيمة اجتماعية وفضاء للمعرفة والتنمية والتمدن.

– التعلم أداة تواصل:
إن التعلم في صورته البسيطة ليس إلا عملية اتصال بين طرفين يجمعهما فضاء اتصالي جيد يساعد في نقل المعلومات أو تبادلها بحسب نوع التعلم وطبيعته. وإن كان لا بد من معلم ومتعلم في العملية التعليمية، فإن أدوات الاتصال وأساليبه المتاحة، يكتسبان أهمية مماثلة للطرفين الأساسيين.

إن التعلم وسيلة تواصل وهمزة وصل بين الأجيال والمعارف، ولو لم يكن ثمة تعلم لانقطع عزف المعرفة وصمت صيتها؛ إذ الإنسان وهو حامل المعارف محدود الأجل ومعرض لمختلف آفات الزمان، وبالتعلم من السابق يكتسب اللاحق جملة المنتج من المعرفة، ويصبح المتعلم أداة وصل لما سبق من المعارف بما يستجد منها. ولعل هذا ما وعاه أصحاب السبق في مجال التعليم والتربية.

– مناخات الإتاحة:
إن الإتاحة ويمكننا التعبير عنها بالحرية، ليست حالة طارئة أو منحة، وليست منة من طرف على آخر.. لكنها، وحسب ما توحيه اللغة نفسها، الحالة الطبيعية المفترضة، والمناخ الصحي الصحيح، وإن كان تناولها عسيرا نظريا، فضلا عن المطالبة بها لفظا، أو الوصول إليها واقعا.

إن الإتاحة كالمناخ.. قوة مشاهدة يبذل الناس كل المتاح للتأقلم معها، بل وتوظيفها ما أمكنهم ذلك. إن عاصفة واحدة ثلجية كانت أو غبارية، كفيلة بتغيير جداول أضخم المطارات وتعطيل مئات الرحلات الجوية مهما كانت أهميتها وأوزانها..

إن دورات الإتاحة أشبه ما تكون بدورات المناخ نفسه؛ يدور ويتقلب ويتنوع لكنه ليس سوى مناخ غير قابل للرفض؛ لأنه هو الحقيقة والقوة والواقع وإن تسامح أو تناءى أو تظاهر بالغياب. ومما يجدر بجيل التقنيات والوسائط ملاحظته وقراءة خلفياته، أن ما صنعته قنوات التواصل الاجتماعي من إتاحات مبهرة غير مسبوقة، لم يكن إلا حلقة بارزة في دورة إتاحات أكبر صنعتها بيئة تعليمية معينة ذات إتاحات أكبر أيضا.. وما تلك البيئة إلا منتجا شرعيا لبيئة اجتماعية أكثر نضجا وأوفر إتاحات وحرية.

إن ما يبقى عادة ليس الطارئ وما أجمل اللغة نفسها حين تنقش على قلبك إيحاء الكلمة قبل أن يدرك العقل معناها. وما دام الطارئ زائلا، فإن ما يبقى ويقيم وينمو هو الطبيعي والملائم لسير الحياة وطبائع الأحياء.

لم يكن لمطوري الخوارزميات والدوال وأنظمة الحاسوب نوايا مبيته لرفد ميدان الإعلام بإتاحات أفضل.. وبنفس القدر لم يجل بخواطر خبراء الكرة ومنظمي اللعبة أن تصبح ميادينها ساحات للبحث عن إتاحات، أو منصات لرسم مواقف اجتماعية وسياسية. إن الإتاحة مناخ طبيعي ونتاج لتراكمية المعرفة، وجودة التواصل.

– محاربة المعرفة:
ويظل المستبد أكثر حرصًا على التجهيل وتغييب الوعي، وتجده أكثر ضراوة في محاربة أدوات المعرفة ومنافذ التنوير. إن تعطيل قنوات الاتصال أو خدمات الإنترنت أو حجب المواقع المعارضة، ليس إلا أمثلة لما يراه المستبد من أخطار التوعية بالكلمة وإن كانت تغريدة عل جدار إلكتروني لا تحمل رشاشًا ولا قنابل يدوية. إن ما يقوم به المستبد من تعسف لا يستهدف من هم اليوم تحت عصا الطاعة، أو تحت رحمة الإغراء بالمال والكراسي الدوارة، وإنما تمتد أنظار إلى تلك الأجنة التي لم تتخلق في أرحامها بعد.

إن المستبد أول أعداء المعرفة المحفزة للوعي، الدافعة إلى الإحساس بالكرامة.. المتجاوزة لأسوار القبيلة والطائفة والحزب والسيد. لكنه يبدو أكثر حماسًا وتفاعلًا مع أدوات التواصل الحديثة ومختلف منتجات العولمة حين تقتصر على مقاطع الرقص وإحراز الأهداف والمصارعة وتوثيق الحياة البرية. أما أن تصبح حاملة لأفكار وناقلة لوعي، فذلك سبب كاف لردعها وتحجيمها وإن أعاد حياة الشعب سنين تقنية، أو حرم أجيالًا من مناظرة رصفائها في مواضع أخرى من الأرض.

إن الدعوة للتجهيل ومحاربة المعرفة لا تتم علنًا بطبيعة السياق، لكنها تستخدم مراكب شتى، من بينها أهل المعرفة أنفسهم بمختلف مجالاتهم وتخصصاتهم ومضاربهم العلمية والمهنية؛ لتحقيق نتائج آكد وأسرع وأبلغ أثرًا.

– الكتابة أداة تعلم وتواصل:
إن مجرد تفكيرك في الكتابة، ورغبتك فيها، يرجح أن تكون الجدارات اللازمة لها متوفرة لديك، وإن كنت بحاجة إلى جهد يحرك ما ركد من مياهك، ويحفزها على الجريان. إن الكتابة والعزف على الورق أو الجدر الاليكترونية، أقرب ما يكون للوحة الماء جاريا من منبع إلى مصب، لكنه في رحلته تلك، يخضر أراض ويحيي مواتا.. ويرسل ألحانه يمنة ويسرة. إن النهر بالرغم من وضوح وجهته، إلا أن ما ينجزه في مساره المبارك، قد تتضاءل أمامه قيمة نقطة النهاية والمصب. إن ما يمنعك عن الانطلاق ككاتب ليس مجرد عوائق تقنية في معظم الأحوال، لكنها بتقديري، حزمة أفكار معطلة، يتطلب تغييرها شيئا من الجهد والحزم. وتلعب الأفكار دور أنظمة التشغيل، وما لم نعمل على مخاطبة الخلل الحقيقي في النظام، فليس من المعقول توقع نتائج مغايرة.

في مراحل سابقة لتصالحنا مع الكتابة، كنا نراها ضربا من الترف الذهني، والتنظير.. وذلك في جملة أفكار وتصورات خاطئة أخرى من بينها أن الكتابة (موهبة) وملكة ليس بالإمكان اكتسابها، ومهارة تتطلب ثقافة واسعة ومعرفة دقيقة باللغة والبلاغة والنحو.

إن الكتابة ليست بكل تلك الأوصاف والآصار.. إنها مجرد نشاط أقرب ما يكون إلى أنشطة التعلم. إن أهم خطوة قد تكون حاسمة في تصحيح ما سبق من تصورات خاطئة عن الكتابة، أن ننظر إليها ضمن صورة كلية لنشاطنا المعرفي؛ لنرى كم هي داعمة ومعززة للتعلم ومعبرة عن جودته..

قبل الانطلاق، لنعمل على تغيير نظرتنا للكتابة، وتصورنا عنها من خلال عدة نقاط:
1- إن الكتابة أداة مهمة لتلخيص من نحصله من معارف ومعلومات، لنضعها في صورة أكثر إجمالا وتركيزا وجمالا أيضا.
2- إننا بحاجة إلى الكتابة في مختلف مراحل التعلم، ابتداء من مرحلة التلقي.. مرورا بالتعليم ونقل المعرفة.. وليس انتهاء باقتراح الافكار ووضع التصورات وتقديم الحلول.

– خاتمة:
في مناخات الإتاحة، يصبح التعلم معززا للتواصل، وتصبح الكتابة أداة للتعلم والتنوير.. أما في المناخات المقابلة، فإن المعرفة جريمة، والكتابة أقصر طريق إلى السجن.
———————
* معلم سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق