قراءات ودراسات

” هكذا أقسم الجسد”: بوح أنثوي يكسر جدار الصمت

ويحلق في سماء الإبداع القصصي:

بقلم الناقد: الحسين أيت بها

هي مبدعة حقيقية تشق طريقها بتأن و تؤدد، تراقص الكلمات رقصا، فنطرب معها ونحس بعمق الكلمات وصداها تستهوي قلوبنا و تتصل بأسماعنا بوضوح. صوت أنثوي جزائري يخترق القلب قبل الأسماع، ويستهوي النفوس الحالمة، وقصص لها طابع سردي خاص تتخذ من أحزان الماضي أحلاما وخيالات لاستشراف المستقبل و تخطي الحاضر الممزق في أحواله.

“هكذا أقسم الجسد”، تعبير عن بوح شاعري لا نهاية له، هكذا إذن أعلن الجسد أن يهرب من قيوده، وأن يتحرر من سجنه، و يتخلص من وحدته وانعزاله، فيكون المخلص الوحيد هو الخيال الخصب الذي تجعل الذات حرة طليقة. تتغنى بالحب وتجعله نبراس حياتها، يدفئ الروح ويخلق عالما من الوداعة و اللطافة وحب الحياة، تبدو كلماتها الموسيقية الرنانة معزوفة من الحب تستمر بلا انقطاع أو نهاية كشلال من البوح يكسر رتابة الصمت.

بوح متواصل تنفخ فيه الأستاذة نبيلة روح الإبداع القصصي الخالص، لتسافر بنا عبر روحها مخلفة وراءها جسدها النحيل، ليقدم لنا الولاء والحب والوفاء. أنظر إليها وهي تقول مثلا؛
” لقد أقسم الجسد على الوفاء بطريقته، وسلك طريق الموت، لكن فناءه فتح باب الخلود أمامي” ص: 68

وفي كلماتها الشاعرية، تختفي معاناة كبيرة تكشف عن ماض مليئ بالذكريات السيئة، فتعجز أحيانا عن البوح والتعبير كما حدث في قصتها: القصيدة الخرساء، حينما قالت:” لكن .. رغما عني وعنك يشرق الماضي بمآسيه… لا تزال الكلمات محبوسة بين أحبالي الصوتية، غائرة في جبي العميق حيث لايظهر منها غير الصمت..”. ص: 73

تتوزع النص كلمات تعبر عن حقل الصمت وتحمل دلالات تعبر عن هدوء الفضاء الذي تخلقه الساردة، فتتقاطر هذه الكلمات تباعا: الصمت، الوحدة، السكون، السكينة، الخبو، التلاشي، الخرس، الخرساء، الصوت المحبوس، الكلمة الخائنة، الفراغ.
كلها كلمات جاءت محملة بمعاني تدل على صعوبة البوح والتعبير عن الواقع، وصعوبة الحكي الذي تتخذه الساردة مهربا لها من ماضيها وذكرياتها المأساوية، كسبيل للمقاومة والرفض والتحدي والسمو على الوضع الراهن.

ختاما فالمجموعة القصصية ” هكذا أقسم الجسد”، للقاصة المبدعة نبيلة عبودي، صرخة أنثوية تخترق جدار الصمت لتعبر عن ذاتها وتتخذ السرد كمعبر للترويح عن النفس، وهو سرد ماتع يأسرك لأول وهلة ويجعلك تلتهم القصص التهاما لتقف بنفسك على جمالية اللغة والأسلوب وصدق التعبير وصفائه، وهي واحدة من المؤلفات التي سيكون لها صدى طيب إن شاء الله في هذا البلد الحبيب” الجزائر”.

” هكذا أقسم الجسد” قصص سباعيات، نبيلة عبودي، دار فضاءات الأردن 2019.

* المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق