قراءات ودراسات

بلاغة التفاصيل في رواية ” في الجبة لا أحد ” لزهرة ديك

الملخص: حينما نتحدث عن بلاغة التفاصيل في الرواية فإننا نرمي من وراء ذلك إلى قراءة جديدة يتولد منها فهم جديد للعناصر البلاغية المشكلة للخطاب الأدبي – وخصوصا السردي- وتتصل بميدان أرحب هو الأسلوبية بمعناها الوظيفي كما يقول حميد لحمداني..

وتتمحور دراسة بلاغة التفاصيل في الخطاب السردي الروائي حول كل تلك الظواهر البلاغية الجزئية التي يتشكل منها علم البلاغة وإبراز جمالياتها ودلالات ألفاظها وصورها وصيغها من خلال تأملها وتأويلها ولكن بشكل يختلف عن النظريات الحديثة للتلقي كالقراءة والتأويل، فشعرية وبلاغة الرواية لا تكمن فقط في اللغة وبلاغتها إنما تتجسد من خلال شعرية تفاصيلها وجانبها البلاغي أيضا.

تهتم دراسة بلاغة التفاصيل في الرواية بمحاولة الارتقاء بالعلاقة التي تجمع القارئ بالكاتب إلى رتبة الصداقة كما يقول “واين بوث”، والتي لا يمكن أن تتحقق بطرق مباشرة وبتقنيات بلاغية مفضوحة، بل بمحاولة فرض الكاتب عالمه التخييلي على المتلقي، وبهذا تكون هذه الدراسة في بلاغة التفاصيل وشعريتها تنحو منحى بعيدا عن نظريات التلقي والقراءة، وتجعل الكاتب يتحصن بتقنيات الكتابة الروائية وجمالياتها وتمظهراتها التي تؤكد حضور القارئ في ذهن الروائي بعيدا عن الإمكانات الاجتماعية والسيكولوجية التي تعد جوهر نظريات التلقي …إنه رصد تقني لعلاقة الصداقة بين القارئ والكاتب.

ولعل رواية الكاتبة الصحفية زهرة ديك الموسومة بـ: ” في الجبة لا أحد” منهل خصب للتفاصيل الروائية التي تصنع شعرية وبلاغة هذا النوع الروائي، فكانت الإشكالية تدور حول مدى إمكانية الجمع بين البلاغة والرواية في محاولة لتحديد العلاقة بين القارئ والكاتب؟ وعن إمكانية عد البلاغة منطلقا يتجاوز حدود الجملة لبلوغ مستوى الدلالة التي تنتج عن نظام العلاقات بين الجمل في النص السردي؟ وكيفية تجلي هذه التفاصيل بمستوياتها ووظائفها في الرواية ؟ وهل تعد روايات الأزمة ( العشرية السوداء) نوعا روائيا جديدا تقوم دراسته على تحليل النصوص بتمامها بالاستناد إلى منهج بلاغي منفتح لا ينحصر في التحليل البنيوي ولا السيميائي بقوانينه الصارمة ويتجه نحو المقاربة البلاغية التي تنطلق من داخل الإبداع الأدبي وتعنى برصد فنياته وجمالياته بغية الكشف عن جمالياته وإمكاناته التعبيرية.

وللإجابة عن هذه الإشكاليات سنعكف على تقصي واقتفاء هذه الظاهرة وتجلياتها في الرواية الجزائرية التي باتت تشهد تطورات جديرة بالاهتمام ، وذلك باعتماد آليات التحليل والوصف وتشريح النص السردي بالاشتغال بقضية أسلوبية الرواية باعتبارها مركبا كليا.

الرواية الجزائرية في العشرية السوداء :
مرت الجزائر بعد استقلالها بثلاثة عقود بأزمة سياسية كان لها الأثر الواضح في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية وهي الفترة التي وسمت بالعشرية السوداء، والتي اتسمت بظهور تيار جديد في التأليف الأدبي وعلى وجه الخصوص الروائي عرف بالأدب الاستعجالي – والذي يرفضه كتاب هذه الفترة لكونه ينتقص من قيمة الأعمال والأدباء الذين كتبوا في هذه الفترة- أو أدب المحنة والأزمة، لأنه ولد في ظل ظروف سياسية واجتماعية مفاجئة ، حيث تتالت الأحداث وتسارعت بوتيرة لم يعهدها المجتمع الجزائري ، ففرض ذلك ظهور نتاج أدبي يعبر عن هذه الفترة ويصورها ويؤرخ لها ، وقد استطاع العديد من الأدباء إنتاج أعمال روائية تحمل تجربة عميقة تعبر بصدق عن الظروف التي كان يعيشها الجزائريون في تلك الفترة ، كما كان النتاج السردي آنئذ “يؤرخ أيضا للغة التي كتب بها ، كما تؤرخ لنمط الحياة والأحداث والصراعات السياسية وتعيد كتابة التاريخ بتفاصيل كثيرا مايهملها التاريخ نفسه..”() ، وقد برز كتاب عدة إبان هذه الفترة مثل: رشيد بوجدرة، الأعرج واسيني، رشيد ميمون، بشير مفتي، بوعلام صنصال، زرياب بوكفة سعيد مقدم، حكيم ميلود، الخير شوار، ومن النساء شهرزاد زاغر، نصيرة محمدي، حكيمة صبايحي، جميلة زنير،سليمى رحال ، زهرة ديك…إلخ ، وقد عكف هؤلاء الكتاب على مواجهة العنف والصراع الدموي الذي كانت رحاها تدور في الجزائر بالكتابة يعالجون القضايا المأساوية والأليمة التي تمس المجتمع الجزائري بمختلف طبقاته ونزعاته، وقد استأثرت قضايا المثقفين على مضامين هذه الروايات حيث نجدها تصور واقعهم ومعاناتهم ومظاهر مقاومتهم لمصيرهم المحتوم.

ملخص رواية ” في الجبة لا أحد” :
تعد رواية ” في الجبة لا أحد” ثالث عمل روائي للأديبة الصحفية ” زهرة ديك” مع روايتيها ” مع ” بين فكي وطن” و ” قليل من العيب يكفي”.

إن أول مايشد المتلقي في هذه الرواية عنوانها ” في الجبة لا أحد” والذي يحيل في الظاهر على مرجعية صوفية تحيل على المأساة الوطنية في علاقة واضحة مع الصراع الدموي ذي اللبوس العقائدي الذي شهدته الجزائر إبان العشرية السوداء ” فمن خلاله نسترجع ما اصطلح على تسميته بمحنة الحسين بن منصور الحلاج الذي قتل شر قتلة نتيجة لمواقفه الواضحة وهو القائل: مافي الجبة إلا الله ، مختصرا بذلك مذهبه في ” الحلول”، وقد جلبت له مواقفه التصادمية مع عقيدة أهل السنة الويل والهلاك، فأعدم ومن ساعتها تحول عند البعض إلى المثقف ضحية مواقفه، وعند البعض إلى رمز للخارج عن الملة” ()، ولكن المتأمل في تفاصيل الرواية عبر محطاتها يدرك أن بطل الرواية ” السعيد ” لا يمكن أن يكون حلاج هذا العصر، فهو ليس مثقفا ثقافة عالية يشتغل كتقني وحارس في مسرح المدينة، وبالرجوع إلى ملابسات اختيار هذا العنوان وعلاقته بما ذكرناه نجد أنه جاء بمحض الصدفة لأن العنوان الأصلي للرواية كان ” في الجسد لا أحد” إشارة إلى إشكالية الجسد في السرد، وفي روايات العشرية السوداء تحديدا، وقد ورد في الرواية ” جسدي…يا لهذا الجسد يبدو أنه قضية كل الأزمنة، ليتني بلا جسد إنه عاهتي التي تجر علي الوبال ولا حيلة لي في درء الخطر عنه …”() إن مشكلة السعيد الآن هو هذا الجسد الذي يعتبره سبب بلائه هذا الجسد الذي جلب له الوبال والموت فنجد السعيد يخاطب محبوبته: ” أتعرفين ما هي أكبر ورطتنا؟ …هذان الجسدان هذان الرأسان وهذه..التفاحة التي أغرت آدم وأغرتني” )( وأيضا “وأدرك السعيد أن المشكلة الآن في الجسد، هذا الجسد الذي أبى أن يتخلى عنه ويتركه ريثما يستطيع الإفلات من براثن الفناء التي ليس في نيتها التوقف عن الطرق واقتحام جلده… ربي ما ذنبي في هذا الذي يحصل لي؟…إنها ليست خطيئتي إن كان جسدي بهذا الضعف وهذه الهشاشة…هشاشه الديدان الترابية التي يمكن سحقها بمجرد لمسة أصبع…وأدرك عن تجربة أنه لا يوجد أهش وأعجز وأضعف وأفلس وأخدع من الجسم البشري…”() ، هذا وتحمل لفظة الجسد في الرواية دلالات وتمثلات كثيرة فقد تكررت على مدار أحداث الرواية في أغلب محطاتها، أهمها الجسد/الوطن ، فقد امتد الجسد ليتماهى ببعد الوطن ومع كل لفظة جسد نتبين دلالات وتمثلات للوطن سواء في جسد ” السعيد” أو في جسد محبوبته أو في تلك الأجساد المجهولة لشخوص ورد ذكرهم في الرواية، فالجسد يختزل الوطن بامتداده واتساعه بثرواته، بمكوناته بفرحه بمأساته بآلامه، مما يعكس تعالقا بين الجسد والوطن ليجعل من لفظة الجسد بؤرة دلالية ينبثق من خلالها المعنى وتدور حولها الدلالات، فيظهر الوطن ممثلا في الجسد “فالجسد في هذة المدينة هو القضية الأولى، وهو الهاجس الأكبر لديها….الباب لا يزال يطالب بالجسد…الجسد…الجسد…والجسد في هذه المدينة بات الباعث الأول على القلق والسؤال الجوهري الذي أصبح يتوقف علية دوران الكرة الأرضية، وبات موضة هذا العصر البشع والسؤال الخطر الذي لا قبل له ولا بعد هو: كيف يمكن لك الحفاظ على الجسد وإحاطته بكل مايلزم من شروط الأمان والسلامة… وكيف تجبرعلى التخلي عنه ومغادرة حواسه إما بقتلها أو بقتله..”() .

تعبر هذه الفقرة عن معاناة الإنسان الجزائري إبان العشرية السوداء، وخصوصا المثقف، الذي كان يعيش في دوامة الرعب والخوف ينتظر مصيره الوحيد الموت المحتوم، تائها ضائعا وسط خراب الوطن، فأصبح المثقف مهددا بالإنهيار النفسي والجنون، أو الهجرة خارج الوطن،بعد أن صنفته فتاوى الجماعات المثقفة بأنه ملحد، فيظطر للانسحاب من الحياة الاجتماعية فاقدا القرة على ممارسة حياته الطبيعية.

وقد وظفت لفظة المدينة للدلالة على الوطن ككل، فكانت المدينة في هذه الرواية وفي رواية الأزمة عموما فضاء لا يلد إلا الموت، حيث يحيط الدمار والخراب الذي تقترفه الأيادي الآثمة الذين تسمهم الكاتبة بأبناء الدم، والذين حولوا المدينة إلى فضاء تفوح منه رائحة الموت والدم، وفي الحقيقة فرواية الأزمة رثاء للمدينة الوطن لما آلت إليه، فبعد احتلالها من طرف الجماعات الإرهابية استحالت إلى سجن كبير مغلق تضمحل فيه إنسانية الإنسان وتتهاوى قيمته، فأصبحت تعاديه وتتنكر له” ومن الجلي أن هذه المدينة تناصب العداء لجسدي وتزدري عجزه، وغفلته، وسذاجته، فهي لا تتورع عن ترصده أينما ذهب وحيثما وجد، تترصدة بكل ما أوتيت من سلطة ومن “حقرة” وقوانين ودساتير وخطب واجتماعات وقرارات ومؤامرات وكل الطقوس السياسية والاقتصادية والإنسانية التي ترسخ فيه أحاسيس الغربة عن الذات وتكشف له هول المسافة التي تفصله وبين هذا الوطن الذي لايبخل بدور البطل في تحمل مصاعب الفقر والحرمان، وتهنئته على نجاحاته المتتالية في قوة التحمل والصبر والصمت” () . أصبح المثقف يعيش في اغتراب روحي ونفسي واجتماعي ووجداني بفعل تدهور الأوضاع الأمنية في جزائر العشرية السوداء، فتلاشت آماله وتبخرت أحلامه فأصبح يعيش في منفى داخل وطنه:

“وحدة..وحشة…انفرادية…سكون…لاأحد…لاصوت..لاحركة..لاشيء…تلك هي ديموغرافيا عالمه الخاص الذي لايشبهه أي عالم، على كل فـ”السعيد” قرر منذ زمن لم يعد يذكره التوقف عن مقارنة نفسه بأي شخص أو بأي شيء حتى لا ترهقه المسافات وتنهكه الفروق”()، وفي موضع آخر من الرواية نجد جسد الحبيبة يرمز للوطن الذي شارك أبناؤه في خرابه واغتصاب أمنه وثرواته” يالجسدي الشقي بانتظاروعود زائفة ومزاعم كاذبة، ومن يزعمونهم أولياء أمري أو أصحاب القرار تلاعبوا بمهري واستولوا على جهاوي وما ورثته من أجدادي من أراض وثروات وكنوز من ذهب، وكانوا يقولون لي لا تخافي…فكل ثروتك ستعود إليك أضعافا وسنعمل باستثمار أموالك في مشاريع مريحة تدرعليك أرباحا طائلة…وإذا بهم أخذوا كل مالدي وتركوني أنتظر الوهم …ولم أظفر حتى بفستان الفرح الذي أنتظره منذ أربعين سنة، ففي كل مرة أطلبه منهم أن طرزه يتطلب الكثير الكثير من الثروة ومن الوقت، أربعون سنة والفستان مازال بين أيدي الطرازين يموت منهم البعض ويعوضون بآخرين، أجيال متعاقبة على فستاني تطرزه وأبدا لن يجهز ولن أرتديه يوم عرسي كباقي العرائس..هكذا أنا عروس معلقة منذ عشرات السنين..”)) .

فقد تلاشى الماضي واندثر المستقبل وتهشم المستقبل وأصبح “السعيد” بلا زمن بلا تاريخ يلجأ إليه ةيحتمي به من يد العدم المتدلية من السماء تريد قطف حياته، وبكل الماضي الذي أخذ يصر أكثر فأكثر عليه أخذ يدافع مستميتا عن جسده وجسد محبوبته ، عن روحه وأرضه ومدينته، ونجح “السعيد” أخيرا في أن يمنح نفسه زمنا آخر..عالما آخر…ووطنا آخر.

ونحن نقرأ رواية ” في الجبة لا أحد ” نستحضر في أذهاننا نهج كتاب التفاصيل وعلى رأسهم” باتريك موديانو” Patrick Modiano خاصة روايته الشهيرة مستودع الطفولة 1989 والتي حاز بها على جائزة نوبل للآداب العام 2014، حيث نجده يفرد الأهمية للمحسوس على حساب المفهوم، ولا نجد في رواياته إلا انعكاسا لما يريد الروائي.

“موديانو” المعروف بولعه بكتابة التفاصيل من دون مراعاة ترتيبها الزمني، نجده يحرص على تضمين هذه التفاصيل أغلب رواياته، ولعل أغلب الكتاب المولعون بالتفاصيل هم الكتاب الصحفيون وذلك لتأتير مهنة الصحافة على نتاجهم الأدبي، واهتمامهم بالتفاصيل ينحصر في عرض الوصف المكاني والزماني والاهتمام بالجزئيات، واللغة الواضحة السهلة بمستوياتها المتباينة كل ذلك ينعكس على كتاباتهم الأدبية.

وقد اهتم رواد هذا الإتجاه بالعناية بتوظيف التفاصيل الدقيقة والابتعاد عن لغة التكثيف التي يتمتع بها الشعر، وذلك لاعتقادهم أن التفاصيل تشبع فضول الإنسان وتغريه بالبقاء والمتابعة والاستمرار في القراءة، وعقد علاقة صداقة بين المتلقي والنص، وبين المتلقي والنص والمبدع من جهة أخرى، كمااهتموا بوصف تفاصيل الشخصيات من حيث مظهرها الخارجي ومستواها الفكري والاجتماعي، و لغتها، وغالبا ما تكون شخصيات هؤلاء الكتاب من الواقع بعيدا عن عالم الخيال المحض، وتشكل ارتباطا بالواقع من جانب أومن آخر، وهذا ما يغري القارئ ويحمله على المتابعة لأنه يرى نفسه أو أحد مقربيه ممثلا في الرواية، كما أن اهتمامهم بتفاصيل الزمان والمكان يثير شهية القارئ للإقبال على الرواية خاصة في هذا العصر الذي يشهد ثورة في عالم الصورة والسينما والأفلام، فتفاصيل الزمان والمكان توفر على القارئ عناء تخيل اللازمان واللامكان المتواجدة بكثرة في الشعر.

والمتأمل للنتاج الأدبي لزهرة ديك يلحظ طغيان هذا الأسلوب على رواياتها خاصة في الرواية التي بين أيدينا وروايتي ” بين فكي وطن” و ” قليل من العيب يكفي” .

على الرغم من أن رواية ” في الجبة لا أحد” صدرت بعد العشرية السوداء سنة: 2002 أي بعد أن خمدت نار الفتنة في الجزائر، إلا أنها عالجت موضوعا يتصل بالمأساة الوطنية، تحكي الرواية ليلة مرعبة عاشها بطل الرواية “السعيد” والتي أشارت الكاتبة ضمنيا إلى موته ذبحا على يد الجماعات الإرهابية المسلحة التي احتلت المدينة وعاثت فيها قتلا وذبحا واغتيالا لمثقفيها ولكل إنسان يخرج عن قوانينها التي حاكتها أيديهم في ظل الأزمة الوطنية في تسعينات القرن الماضي، كما قدمت صورة ، وهو المثقف المسالم الذي اقتصرت أحلامه “على رغبته في إيجاد وطن لايهم طوله ولا عرضه ولا مساحته وإن كان بحجم قرية صغيرة لا يهمه لون سمائه ولا يعنيه لون عشبه على أن لا يقل عمره عن..بل لا يهم عمره أيضا فالعبرة ليست بمديد عمره حتى لا يكون مريضا بماضيه، بل العبرة بقوة جلذبيته ووفرة حنانه وحرارة وحرارة حضنه شرط أن يكون خاليا من الكواسر ومن جميع الحيوانات المفترسة…”() .

ومادة هذه الرواية ولغتها وبطلها مستوحاة من محنة الوطن، فهي مرآة عاكسة لوضعية المثقف ونظرته لتلك الفترة السوداء، كما تصور الرواية موقف المثقف من القضايا الوطنية السياسية والاجتماعية والثقافية حيث بدا شديد الارتباط به ” إذ يتزايد لديه هذا الإيمان طرديا مع يقينه بأن الأوطان نتعلق بها كلما آلمتنا، ونتشبث بها كلما تنكرت لنا وضيعتنا ونعبدها مهما خذلتنا”()، ذلكم هو موقف ” السعيد” وشعوره نحو وطنه وقد زاد تعلقا بوطنه مذ أصبح هذا الوطن أرضا خصبة للفتنة ومسرحا للقتل.

بلاغة الرواية : البلاغة المتجددة :
البلاغة بحر شاسع متجدد وفي خضم شساعتها وتجددها تتصل بجوانب عديدة تتجاوز الشعر إلى النثر والسرد العربي القديم، وتنفتح على الأدب بمدلوله الإبداعي الحي،وتتداخل مع أبواب النقد والتأمل والتحليل والتأويل، فيما يسمى بالبلاغة الجديدة التي تقوم على دراسة جميع الأنواع الأدبية شعرها ونثرها، قديمها وحديثها باستقصاء الأساليب الفنية المعتمدة فيها والعمل على تحليلها، وتحديد وظائفها الأدبية ومختلف دلالاتها وأبعادها الاجتماعية والإنسانية، والتي تدعو إلى العناية بمكونات الأنواع الأدبية الثابتة كمكون الحدث، مكون الشخصية، مكون الفضاء، مكون الوصف، مكون الرؤية السردية مكون اللغة والأسلوب، وكذا ضرورة الاعتناء بسماتها الفنية والجمالية التي تتسم بعدم ثباتها فيمكن أن تحضر كما يمكن لها أن تغيب عن جسد العمل الأدبي، وتشكل المكونات والسمات مجتمعة ما يسمى بالصورة السردية الموسعة ، أو بلاغة الصورة الرحبة، “وتستمد رحابتها هذه من طبيعة تصورها للخطاب الأدبي، فهي تتعامل مع الأسلوب لا تختزله في مكونات محدودة كما أنها لا تختزل الأدب في الشعر، بل تتعاطى مع جميع الأنواع الأدبية، ولا تنحصر في التصنيف الشكلي للصور البلاغية المتعالية، بل يهمها استشراف ما ينطوي عليه العمل الأدبي من سمات تعتريه منفتحة وكف ما ينطوي عليه من دلالات وقيمم إنسانية ” () ، وهي بذلك تتجاوز القيود والقوانين الصارمة، وتتجه نحو البنية الداخلية للعمل الأدبي، فالبلاغة رؤية جمالية تنبع من داخل النص لكونه يتضمن صورا بلاغية ضمنية تتحدد عبر سياقها النصي والذهني واللغوي والبلاغي، “وهذا يعني أن المحسنات اللفظية والصور البيانية وألوان الخرق الدلالي التي قننتها البلاغة القديمة والحديثة لا تمثل سوى وظيفة من الوظائف المتعددة التي يفرزها الأدب وكشف عنها التحليل البلاغي، إن حدود البلاغة أوسع مما يمكن تقنينه في أبواب ونماذج إنها تتسع لكل الإمكانات التعبيرية وتنفتح على مطلق الصنعات الأدبية وشتى صيغ التصوير وليس لها ضابط سوى وظيفتها الجمالية والإنسانية المتمثلة في تشكيل النص وتعميق الرؤية والاستحواذ على المتلقي واستجلاء القيم الإنسانية، لذا فيمكن إغناء مفهوم البلاغة بالكشف عن علاقات جمالية محتملة بين الصور الأدبية والسياقات التي لم يتم تسخيرها في بلورة مفهوم البلاغة كسياق الجنس الأدبي وسياق القراءة والسياق النصي…وهي بلاغة رحبة تستثمر الذوق والتجربة والتأمل والخبرة الأدبية والحياة في تفسير تركيب الصورة الأدبية ودلالاتها “().

إن الاهتمام بالتفصيل حالة من حالات البلاغة العامة والتي تحدث عنها الناقد” واين بوث”( Wayne Booth ) في كتابه بلاغة الرواية والذي قدم فيه اجتهادا بلاغيا معاصرا يخص الرواية بصفة أساسية ، وقد حصر أبواب البلاغة واجتهاداتها في ثلاث حالات كبرى :

الكون الأدبي: وهي التي تحتفي بالنص الأدبي من حيث هو كون شامل، وهو مفهوم جمالي متعال في كونه يمثل معينا لا يمكن أن يمتح منه إلا صاحب التصور البلاغي الناضج .

بلاغة الهيكل والبناء: وهي التي تهتم بدراسة أو تأمل أو تأويل الظواهر البلاغية للنصوص من حيث طرائق بنائها أو اختلاف أصناف هياكلها أو أساليب تسلسل فصولها أو أحداثها كما أنه قد تحفل بالأجناس الأدبية نفسها من حيث تصنيفاتها وتباين أنواعها وتفريعاتها وتناسل بعضها عن بعض، إنها ليست بلاغة الجزء التفصيلي بقدر ماهي بلاغة التجريد التي تتفنن في اختصار النص الأدبي الواحد إلى مجموعة من النصوص إلى أنظمة نسقية ، أو وحدات وظيفية .
بلاغة التفاصيل : وهي التي تهتم بدراسة أو تأويل الظواهر البلاغية الجزئية من بيان معان و بديع، أو من حيث تتبعها للأطراف المكونة للتشبيه والكناية والاستعارة ، أودراستها للأحوال الجمالية أوالدلالية للألفاظ والصور والصيغ ، ويتم التركيز في دراسة التفصيل البلاغي على الأمثلة البلاغية الجزئية، وأبيات الشواهد الشعرية، والجمل الحكيمة والمتداولة، والأقوال السائرة، والأمثال مثلما هو شائع في كتب النحو والمنطق، أما الاحتفاء بالتصورات الكلية أوالبناء العام للنصوص فلا يكاد يمثل غاية أساسية في هذا الاتجاه وقد تخرج البلاغة أحيانا الى مجال آخر من التفاصيل يختص بمعرفة صدق الراوي، ومراتب الوصف، وأنماط الرواة ().
بلاغة التفاصيل في الرواية :
الرواية هي فن التفاصيل الصغيرة ولا تكتسب الرواية أصالتها إلا من التفاصيل الدقيقة، والتي تخلف علامات والتي تجعلك ” تسمع وتجعلك تشعر، وتجعلك قبل كل شيء ترى بقوة الكلمة المكتوبة ” () وهي تلك التفاصيل التي تحفز الحواس وتخاطبها إنها تفاصيل الشخصيات، والأماكن التي تخلق لدى القارئ خبرة تجعله يفهم ، فأنت حينما تقول أنا أرى فأنت تعني أنك تفهم ، والكاتب الجيد هو من يستخدم التفاصيل ليس للإخبار فقط وإنما للإقناع، ولك أن ترى كيف استهلت الكاتبة روايتها هذه:

“على بعد خمس عمارات وثلاثة دكاكين، ومطعمين، وكشك ومقهى ومسجد، قرر أن يؤمن بحقيقة طالما خانته جرأته على الاعتراف بها في دخيلته، وما إن وصل عند بائع الجرائد المسائية حتى آمن تمام الإيمان بذلك الإحساس الدفين الغامض، الذي ما فتئ يؤكد له أنه فاقد لأية قدرة حقيقية تجعله يشعر بالسكينة والترسخ التنفسي والعاطفي في المحيط الذي نشأ فيه ، ويتزايد لديه هذا الميل طرديا مع يقينه بأن الأوطان نتعلق بها كلما آلمتنا، ونتشبث بها كلما تنكرت لنا وضيعتنا ونعبدها مهما خذلتنا ” () هذا الاستهلال يخاطب حواسنا ويحفزها من خلال المنظر الذي رسمته في بداية الرواية إنها تحيلنا على تفاصيل الحي بعدد عماراته ودكاكينه ومطعميه ومسجده ومقهاه وكشكه، ثم يزداد هذا التحفيز وهذه الإثارة عندما تصوير بيت الشخصية المحورية في الرواية:

” أيكون هذا الوطن قدرا أعمى؟ حتمية لا فكاك منها؟ سارع للاستنجاد من هذا السؤال بفتح أزرار النور في غرف بيته الثلاث، آملا في تبديد العتمة التي تسربت إلى أعماقه والعتمة في البيت التي وجدها رابضة تنتظر قدومه، جلس بهدوء وثقل غير متوقعين من جسده المتعب والذي لم تظهر عليه بعد أمارات سنه ، ومازال يحتفظ باتساق الشباب، إلا أن جبينه يشي بانحسارالشعر عنه بعض الشيء بأنه في نهاية عقده الرابع، وانتحى حافة الكنبة المقاربة لمدخل غرفة الجلوس مؤجلا نزع حذائه وواضعا قربه كيسا به رغيف وشريحة جبن وحبات بيض وما لا يزيد عن حفنتين من الزيتون الأسود ….” () ، إن هذه التفاصيل تشبع فضول المتلقي وتغريه بالبقاء والمتابعة لمعرفة مجريات الأحداث وتطورها، تفاصيل المكان وتفاصيل الشخصية في نفسيتها ومظهرها في مستواها الثقافي، في لغتها وكون الشخصية المحورية في الرواية لها علاقة وطيدة مع الواقع، كما أن التفاصيل في الزمان والمكان تثير المتلقي وتحفزه للإقبال على الرواية، وتتماهى الرواية في تفاصيلها التي تزداد كلما تقدم السرد: ” انتابه نوع من الفرح الفطري وهو يحمد الله على أنه سلم هذا اليوم أيضامن رصاصة قاتلة أوسكين حادة،وأحيانا لاتكون كذلك،تستهدف رأسه قبل أن يصل بيته….فالحياة باتت بطولة منذ أن صارت المدينة تأكل لحم أبنائها حيا ….هذا البيت يشبهني و محتوياته تشاركني نفس المصير وتقاسمني ذات القدروقد يكون لها مزاجي نفسه وطبائعي ذاتها…اتجه في حنو صوب غرفة الجلوس، وانحنى يتمسح على كرسيه العتيق هذا الذي لا يشبهه كرسي في العالم، كأنه يتمسح على ضريح ولي صالح يبتغي بركته…وبدا له في مظهر وقور متجلد زادته لمعة مقعده الدائري وبهتان لون السعف الذي يغلف مقبضيه وحافة ظهره تعلقا به، وشرد وهو يسترجع تاريخا عاشه مع هذا الكرسي العجوز…”()

لا شك أننا نستشف تلك الدقة في وصف المكان بكل عناصره، ووصف الشخصية وصفا دقيقا شاملا، وكأن الكاتبة تمتلك عدسة دقيقة تقربنا من التفاصيل والجزئيات الصغيرة ، والتي تشبه جزئيات الفسيفساء وحصى الصحراء، ويتمثل دور المبدع في القدرة على جمعها وإجادة ترتيبها لتكتمل المشاهد والصور، لتخلق الدهشة بمدى التوظيف والبراعة، ونجد الكاتبة تحفز حواس المتلقي وتستفزها بحشد الصور والتفاصيل والذكريات التي تختلط في رأس البطل فتأتي مبعثرة من غير مراعاة لترتيبها الزمني فقد حرصت الكاتبة على تضمين هذه التفاصيل فبدت كأنها مجموعة من الجزئيات على القارئ وحده أن يردها إلى أصل السرد لتستقيم القراءة وبالتالي الرواية ، إن الحدث المحوري في الرواية يتمثل في قدوم جماعة إرهابية إلى بيت ” السعيد” بطل الرواية بعد منتصف الليل واستمروا في طرق باب بيته بينما تسترسل الكاتبة في وصف السعيد وهو يسترجع تفاصيل حياته ومحطاتها وأحلامه وآماله وخوفه كل ما كان يجول بداخله وما حوله ،كل ذكرياته وإحباطاته كل آماله ونكساته كل نجاحاته وفشله كل ضحكه وعويله كل مأكله وملبسه وعمله ، كل غرامياته وشطحاته ، كل حياته تبدت له اللحظة في شكل آخر مغاير عما كان يراها عليه عندما كان خارج هذا المأزق ، كما مرت بذاكرته أحداث مأساوية مرت بها المدينة والجزائر بصفة عامة فتذكر”السعيد” كل ضحايا المأساة الوطنية من أبناء مدينته ومن أبناء هذا الوطن الذي أصبح يأكل أبناءه ، ومذ أصبح الدم مطر هذا الوطن، ومذ صارت التعاسة مصير هؤلاء الخلق ()

وعلى الرغم من أن زمن الرواية امتد لبعض الوقت من الليل أو ربما للحظات، إلا أنها جاءت حافلة بتفاصيل كثيرة لا حصر لها ، وقد كانت ذاكرة السارد حية وممسكة بجل التفاصيل من لحظة تذكر أحداث بعيدة أو قريبة ، وقد ظل الكاتب على مدار الرواية محافظا على ذاكرة الطفولة والشباب التي تمسك بخيوط التفاصيل الدقيقة فنجده يتذكركل تفصيل ممتد في ذاكرته فيستعيد ذكريات الطفولة وذكريات الشباب قبل زمن المأساة، فنجد هذه الرواية تستغني عن المقويمات الحكائية والقص التقليدي واهتمت بالبحث عن علاقة الأشياء وتمازجها وتقاطعها مع النفس البشرية المتمثلة في شخص”السعيد” بطل الرواية.

تبدو الرواية كمشاهد متفرقة مبعثرة في جسد النص الروائي يسودها اللاترتيب، فنجد الكاتبة تتحدث على”السعيد” وهو في بيته الذي وصفته وصفا دقيقا بكل تفاصيله وجزئياته ومحتوياته، فيما تتخلل هذا المشهد مشاهد أخرى يستحضرها عن المسرح والشارع وذكريات طفولته في بيتهم العائلي مع أمه وأخويه، وعن مغامراته مع السياح الأجانب بحكم وظيفته كدليل سياحي قبل أن تصاب البلاد بالإفلاس ثم الجمود، وكذلك يومياته في المسرح وفي الحافلة التي تقله يوميا إلى مكان العمل وقداعتمدت الكاتبة تقنية الإسترجاع في سرد الأحداث، حيث نجد الكاتبة توقف مجرى تطور الأحداث لتستحضر أحداث ماضية فقد “يعمد المؤلف إلى ترتيب أحداث الرواية اعتماداعلى تصور جمالي يلغي تتابع القصة-التخيل-وتسلسلها التقليدي مستعيضا عنه بالتحريف الزمني الذي لا يلتزم بالتتابع الكرونولوجي الطبيعي بل يتصرف في ترتبها تبعا لغايات فنية يقتضيها البناء الروائي”().

ومن أهم مؤشرات العناية بالتفاصيل في الرواية عرض كل الذكريات المتزاحمة والمتداخلة في ذهن بطل الرواية ، من خلال وصف تلك الرحلة المرعبة في تلك الليلة المشؤومة، فنجد “السعيد” في أوج رعبه وذعره ووصفه لاهتزاز روحه من فكرة الذبح واسترساله في وصف هذا الفعل بعبارات مشحونة بالفزع ينتقل فجأة إلى وصف ولعه بالأحذية الأنيقة وعشقه لها ثم غاص السعيد بذاكرته إلى طفولته التي حرم فيها من الأحذية لأن أباه كان يعدها شيئا من الكماليات وكيف أنه يتشارك مع أخيه الأكبر في نفس الحذاء الذي كان دائما أكبر من مقاس رجليه ، فاحتفظ بعادة شراء الأحذية الأكبر من مقاسة بعد أن كبر وبقي محتفظا بعادة حشو مقدمة الحذاء بورق قديم والتي ورثها من صغره ، ثم واصل السارد وصف الرعب والخوف اللذان يسكنان جسد ‘السعيد” والذي تتخلله مشاهد أخرى فيستحضر صورة حبيبته ووصف إحساسه وكيف شده سحرها وحيويتها ووجهها المشع بهاء ثم يمضي ليستذكر شخصيات وطنية مثقفة اغتيلت على يد الجماعات المسلحة مثل جيلالي اليابس ويوسف السبتي، والفنان الشاب حسني وغيرهم ممن رسم وجوههم بتقنيته المتفردة في الرسم والتصوير تلك التقنية التي أخذها في طفولته عن ساحر هندي، وبرع فيها مثلما برع في الإضاءة المسرحية في مسرح المدينة الذي كان يشتغل فيه تقنيا وحارسا والذي كان هدفا للقتلة ، تمر على مخيلة ” السعيد” كل الذكريات بتفاصيلها فتومض صورة أبيه وأمه العليلة وطليقته إلى جانب صور من عرفهن خلال رحلة عمله دليلا سياحيا، كل تلك الذكريات ازدحمت في رأسه وفي بيته الذي تحول إلى مصيدة قاتلة وأصبح يؤدي وظيفة السجن كما لم يؤديها أي سجن، وفي زمن لا يزيد عن بعض من الليل استعاد السعيد كل حكاياه وذكرياته وأحلامه وهواجسه، وطرق أبناء الدم متواصل على بابه، وهو الذي لم يأبه يوما بوعيدهم وتهديدهم له بالذبح، فوجدت هذه الليلة المشؤومة فرصة للقضاء عليه كما حدث مع شخصيات كثيرة مرت بذاكرته خلال الرواية، وتزدحم الذكريات في رأس “السعيد” ويمتلأ رأسه بالذكريات كما امتلأ بيته بالصور، وكما امتلأ قلبه بالرعب ، وبينها تظهر كيليوبترا ليواجه بها ومعها الموت المحقق، وتظهر كذلك لعبة الشبكة المعلقة التي تحيلنا على ذاكرة السعيد المعلقة، في حين تحيلنا الأشياء المكدسة فيها على الحكايا والأحداث التي تتراكم وتتكدس في ذاكرته، حيث لجأ إلى جوفها واستقر مع محبوبته في جوف الأبدية، دون أن نغفل الإشارة إلى لعبة أخرى هي غرفة “السعيد” التي تكدست فيها اللوحات وبخاصة لوحته المفضلة التي استوحاها من روايات ” لورانس بلوك” فأصبح “السعيد” يفني عليها خوفه ،وينبت أوهامه منها، وهو يمارس الخلق والقتل اقتداء “بلورانس بلوك” حتى أصبح مملكة للقتل”القتل شنقا وذبحا ورفسا وجوعا وشبعا وكرها وحبا واحتقارا وشماتة وتهميشا وإقصاء وعطشا وغباء وذكاء وعلما وجهلا …أقتل بكل ما أوتيت من ضعف، وبكل نا أملك من قوة..بالأسنان أقتل بالأرجل أقتل، وباختصار: لقد صرت إمبراطور القتل” () .

هذا وتنبع قوة هذه الرواية – ومثيلاتها من روايات الأزمة- من قوة مضمونها، إذ تدور أحداث الرواية حول رجل يعيش على بوابة الموت فيستحضر ذاكرته ليقاوم الخوف والرهبة في زمن أصبح فيه الإنسان والدم لا قيمة لهما، وطغى على الرواية تعدد الرواة فنجد الرواية مقسمة إلى مقاطع حيث يسيطر على المقطع الأول ضمير الغائب لتتولى الكاتبة سرد الأحداث، ثم لا يلبث أن يظهر “السعيد” ممسكا بزمام الأحداث ليتسلم سلطة السرد ومقاليده، ثم تشاركه محبوبته كيليوبترا سرد الأحداث يتخلل كل ذلك حوار دار بينهما، إلى جانب الحوار الداخلي المونولوجي.

كما نجد مؤشرا آخر لاعتماد نهج كتاب التفاصيل في مستويات بناء الرواية سواء من ناحية الزمان أو المكان، فالمستوى الزمني يلعب دورا بارزا في بناء النص الروائي، وهو من أهم العناصر المكونة للنصوص السردية، وقد اعتمدت الكاتبة تقنية الاسترجاع الاستذكاري ويتمثل في جعل بطل الرواية سترجع ما مضى من أحداث، فهو يترك سير الأحداث الطبيعي ليقفز نحو الماضي البعيد أو القريب وكأنه يمارس اللعب على الزمن.

إن تقنية الاسترجاع تبني زمن الرواية، والملاحظ أن أغلب الاسترجاعات تختص بالشخصيات التي دارت حولها الأحداث، ففي كل مرة تظهر شخصية في ذاكرة البطل فيتولى الحديث عنها بشكل مفصل مع إبراز كل الجزئيات في الحدث أو في وصف الشخصية ذاتها، وكل ما يحيط بها، إضافة إلى بعض الاسترجاعات التي يسميها “جيرار جينيت” استرجاعات تكميلية والتي تتحدد وظيفتها في سد فجوات قد تظهر في جسد الرواية ، وتتفاوت الاسترجاعات من حيث المساحة التي تحتلها في النص الروائي، فهناك استذكارات تحتل مساحة كبيرة ، فيما تبدو أخرى تشغل مكانا محدودا، لكنها في الأخير تعكس مقدرة كبيرة وبراعة فنية في التحكم في توزيعها دون حشو يقلق النص ويشوه جمالياته، ودون أن تتحول الاسترجاعات الصغيرة إلى تفاصيل عاجزة عن أداء المعنى وبناء عالم النص الدلالي ومن أمثلة ذلك : “..واسترسل مسافرا بخياله إلى تلك الأيام الت أزهق فيها فرحه وغادر جسده إلى الأبد الأمان والإيمان بأي سعادة حقيقية..ورجعت به الذكريات إلى ذلك اليوم الذي دخل فيه مغموما إلى ذلك البيت البسيط العاري إلا من أجساد تعسة منكودة، والخاوي إلا من دولاب طاعن في القدم جعلته قائمته اليمنى الخلفية المنكسرة أعرج، فبدا مائلا قليلا إلى الجهة اليمنى لمدخل الغرفة، وسريرين لا ظهر لهما يحتل كل منهما إحدى زوايا الغرفة الأخرى التي ينام فيها مع أخته وأمه في حين ينام أبوه وأخواه في الغرفة الأولى على البلاط مفترشين حصيرا رق سمكه لكثرة استعماله، وعدد من جلود الخراف هي حصيلة ما تبقى لهم من كباش أضحيات العيد الذي لا يمكن للأب أن يفرط فيها سنويا بالرغم من شدة وطأة الفاقة…تقهره الذكرى لكنه يواصل”() .

هذا إلى جانب اعتماد الزمن الاستشرافي المتمثل في تقنية الاستباق، حيث يتجسد في جملة من التطلعات المستقبلية، ونلمسها في تلك التساؤلات والمخاوف التي يرددها ” السعيد ” بطل الرواية وهو يقف حائرا محاولا الكشف عما ينتظره ومن أمثلته في الرواية: ” مامعنى أن يطرق بابي في مثل هذا الوقت؟ لم يحدث أن طرق باب بيتي في مثل هذه الساعة حتى قبل فرض حظر التجول في المدينة بعد أن احتلتها الجماعات الإجرامية..مامعنى أن يطرق بابي أنا بالذات وفي هذه الليلة بالذات..أهو دوري الليلة أيكونون قد كلفوا بجز رأسي بعد أن وضعوا تحت اسمي في قائمة الغدر سطرا بالدم؟ ولكن لماذا أنا…لماذا أنا؟ هل معنى ذلك أني سأكون ضحية من ضحايا الصرعة الجديدة للقتل؟ “()، كما اعتمدت وتيرة معينة تحكم تنظيم النص من حيث سرعة سير الأحداث ويمكن أن تصنف الحركات السردية الأربع التي تعمل على تنظيم السرعة بالنص الروائي إلى حقلين كبيرين يعمل الحقل الأول على تسريع السرد، فيتم تقليص فترات زمنية كبيرة داخل مساحة نصية قصيرة، ويقوم على تقنيتين هما التلخيص والحذف، فيما ينحو الحقل الثاني اتجاها معاكسا للأول حيث يتولى إبطاء السرد وتعطيله، ويقوم على تقنيتين هما السرد المشهدي والوصف، ولأن المحور الثاني هو ما يحكم تنظيم الرواية التي بين أيدينا سنتحدث عن دور توظيف التفاصيل والجزئيات والوصف في إبطاء السرد وإثراء النص الروائي على الرغم من أن زمن الرواية يمتد لبضع ساعات من الليل، وتعمل تقنية السرد المشهدي على تفصيل الأحداث وتناولها بكل دقائقها، ويتحقق ذلك إذا ما ترك المؤلف الأحداث تعرض نفسها دون أن يتدخل ، وذلك باختيار المواقف المهمة من الرواية وعرضها عرضا مسرحيا مركزا تفصيليا من خلال الاعتماد على الأسلوب المباشر المتمثل في الحوارات التي تدور بين الشخصيات، وهنا يبرز معنى المشهد أو السرد المشهدي في كونه” المقطع الحواري الذي يأتي في كثير من الروايات في تضاعيف السرد، والمشهد في السرد هو أقرب المقاطع الروائية إلى التطابق مع الحوار في القصة” () ، وبوجود الحوار تتبدى وتتكثف لنا الخبايا والتفاصيل الدقيقة والجزئيات والأوصاف التي تفتقد في حالة التلخيص والحذف، وللمشهد قدرة فائقة على إبطاء الزمن مما يتيح الفرصة للشخصيات أن تبرز أكثر، ولمواقفها أن تتجلى لتكسر رتابة الحكي بضمير الغائب، ومن هنا تبرز قدرة القارئ على المساهمة في إنتاج النصوص، والكاتب هو الذي يمنحه هذه الفرصة انطلاقا من البلاغة الجديدة والتي تقدم الحديث عنها وهي بلاغة التفاصيل.

هذا وقد جاءت الرواية ثرية ومفعمة بالحوارات سواء تلك التي تجري بين شخوص الرواية أو الحوار الداخلي المونولوجي الذي كثيرا ما كان يدور في نفس ” السعيد” ومن أمثلته:

الحوار الذي دار بين ” السعيد” و محبوبته .

الحوار الذي دار بين ” السعيد” والمرأة في الحافلة.

الحوار الذي دار بين ” السعيد” وأمه .

الحوار الداخلي الذي نجده طاغيا على الرواية .

ولا يمكن لنا أن نغفل أهمية الوصف في هذه الرواية لما له من دور فعال في إبطاء حركية السرد وقدرته على إبراز التفاصيل فتقنية الوصف تعد من أهم الحركات السردية التي تعمل على تنظيم زمن القص، وضبط إيقاعه والتحكم فيه، وكذا تعطيل الزمن والعمل على إبطائه، وبالعودة إلى الرواية نجد مؤشرات مباشرة تحيلنا على هذه التقنية، على نحو ماورد في الرواية: ” تجربتي مع هذه المرأة كانت ثقيلة ومرهقة، مرهقة حتى الموت…تصوري فهي لاسن لها، لا لون لها، لاصوت لها، ولا رائحة ولا مظهر ولا شعر لها ولا دين …كل شيء فيها مستعار، وكل مايظهر عليها مزيف في كل يوم تتخذ شكلا جديدا وتتقمص شخصية مغايرة..مرة تأتيني بشعر أصفر ومرة بشعر أحمر ومرة أخرى أسود…ونفس الشيء بالنسبة لهندامها وطريقة لبسها، فيوما ترينها طائرة مع هواء آخر صيحة للموضة، متحررة الفكر والجسد والعواطف ويوما تلبس فيه ثوب الخشوع وتتلفع بحجاب التوبة وتضع على وجهه مسحة من الزهد والتقوى..”() .

يسترسل بطل الرواية في وصف هذه المرأة من خلال تحديد لون شعرها المتغير الألوان حسب مزاجها ووصف هندامها وطريقة لبسها معتمدا حاسة البصر، وذلك ما نجده في فقرة أخرى:

“..إلا أنه امرأة من الصنف الذي يثير القلق والفضول أكثر مما تثير شهوة الحب، وبما أنني ممن يستهويهم كل غريب وكل معقد وكل غامض على العموم، انجذبت إليها دون أن أدري كيف وجدتني مشدودا لخصلات شعرها المسبوغة بحمرة الشفق وقت الأصيل، وعينيها اللتين لا تريدان الإفصاح عن لونهما، وبشرتها المنهمكة على اليوم في تغيير صبغتها دونما كلل، فتراها صباحا موردة، وعند الظهر تغلب عليها صفرة شفافة، وفي المساء تكسوها مسحة من البياض العاجز على إخفاء بثور النمش المكدسة على جانبي أنفها مربع الشكل حتى أعالي الخدين…ويتساقط منه الكثير على زنديها الموردتين وكتفيها راشا وسط ظهرها بالبعض منه…”().

إن كل هذه التفاصيل التي وردت في هذه الفقرات لا يمكن تحديدها بهذه الدقة في حالة انعدام ملامسة الرؤية أو الإدراك وهو ما يعرف بـ “معرفة الرؤية”، ومن هنا يتجلى دور تقنية الوصف في إبطاء الزمن وتعطيله.

إضافة إلى تقنية أخرى مهمة تعد من مؤشرات الاعتماد على التفاصيل وهي توظيف الشواهد التاريخية والدينية، ونجد في هذة الرواية توظيف الشواهد التراثية، وهي أهم رافد يتكئ عليه الخطاب الفني المعاصر بصفة عامة والخطاب السردي على وجه التخصيص” فهو جزء من الممارسة النصية لأن أي نص كيفما كان جنسه أو نوعه أو نمطه يدخل في تفاعل واع أو غير واع مع النصوص السابقة عليه أو المعاصرة له، ومن ثمة فهو جزء من العملية الإبداعية” () ، ولأن توظيف التراث في النصوص السردية وفي غيرها مغر وجذاب له وظائف جمالية وفنية عبر استرجاع النص التراثي وتمثل إمكانية استيعابه إشكاليات الراهن ليعبر عنها بأشكال جمالية جديدة، ويتجلى ذلك في هذه الرواية في استحضار بطل الرواية ” السعيد” لبعض النصوص التراثية ، وهو الذي كان يواظب على ارتياد المسرح الذي كان يعشقه كما يعشق الفن والفنانين قبل الأزمة وظل متمسكا بهذا العشق بعدها وقد تعلق قلبه بإحدى الممثلات لجمالها وإتقانها التمثيل على خشبة المسرح خاصة في تأديتها دور كيليوبترا الملكة الفرعونية، والتي تظهر فجأة في مخيلته بينما يواجه الموت المحقق يتصور أنها تزوره في بيته والمدينة تغرق في دمائها، فيدرك ” السعيد” أن لحظات السعادة لا تطول كما كل شيء في هذا الوطن ينتهي نهاية مفجعة، وخاصة قصص العشق “وهنا يستحضر كلمات تلك القصيدة المؤثرة التي كتبها محمد ابن قيطون مخلدا قصة حب عنيفة انتهت بمأساة ككل قصص الحب التي زلزلت أجيالا بأكملها…بطلتها فتاة صحراوية فاتنة الحسن والجمال ماتت عشقا وقهرا فتغنى بها المحبوب في قصيدة رثاء ما زالت الصحاري والجبال والوهاد تردد صداها حتى اليوم…..

…عزوني يا ملاح في رايس البنات

سكنت تحت اللحود ناري مقدية

ياخي أنا ضرير بيا ما بيا

قلبي سافر مع الضامر حيزية

…ولكن لا…لايريد لأحد أن يعزيه في حبه…لا يريد أن يفجع فيه…”()

فاستلهام هذه القصة الشعبية ووظيفها في الرواية لم يكن من قبيل الصدفة، ولا حشوا لا طائل منه وإنما يتوق به السارد إلى إنشاء نص متميز تربطه علاقة تفاعل ووعي بالتراث، وهذا مانجده أيضا في موضع آخر من الرواية حينما نصادف مقطعا من أغنية تراثية :

“وإذا بذاكرته تهدهدها بأغنية عريقة مؤثرة كان كلما سمعها انهمرت دمعات حرى من مقلتيه يقول مطلعها: قولوا لأمي ماتبكيش يا المنفي…والغربة ما تقتلنيش ياالمنفي..ووجد نفسه يدمدم: قولوا لأمي ماتبكيش ياالمنفي…والجزائر ما تقتلنيش ياالمنفي…”() ، ومايلفت انتباهنا أيضا هو تحطيم المنظور اللساني بتوظيف اللهجة العامية إلى جانب العربية في الرواية، فلم تعد اللغة الفصيحة هي اللغة المركزية في المتن الروائي وهو طابع طبع رواية الأزمة بشكل عام ، وغياب صوت الروائي السارد المهيمن، فبرز ذلك التعدد اللغوي والثراء الأسلوبي الذي يحيل على طبيعة وخصوصية المجتمع الجزائري.

والمتمعن في بنية الرواية يجدها مقسمة إلى فصلين، غير أن الفصل الثاني قصير فائض عن الحاجة لأن كل الأحداث مستوفاة في الفصل الأول وهذا من باب إبطاء السرد والعناية بالتفاصيل .

خاتمة:
لقد قام هذا البحث على تقفي وتقصي حالة من حالات البلاغة العامة، وهي بلاغة التفاصيل من خلال تطبيقها على نص روائي ينتمي إلى أدب الأزمة الذي برز في الجزائر إبان العشرية السوداء والمتمثل في رواية ” في الجبة لا أحد” للأديبة ” زهرة ديك” ، واتجهت الدراسة إلى تحليل هذه الرواية انطلاقا من رصد الأساليب الفنية المعتمدة فيها، وتحليلها وتحديد وظائفها الأدبية ، ومختلف دلالاتها وأبعادها الاجتماعية والإنسانية بالتركيز على الشواهد والأمثلة الأدبية، وعلى مدى قدرة الكاتب على توجيه القارئ لما يريد قوله، وعلى قدرته على الإحاطة بالوصف بكل دقائقه وجزئياته وتفاصيله، وكذا أنماط الرواة وتعددها في الرواية، إلى جانب تقنيات عديدة ساهمت في إبطاء السرد وتكثير التفاصيل، وقد كان التوصل لحصر عدة مؤشرات كان لها الدور الرئيس في تثبيت نهج التفاصيل في النص الروائي الذي بين أيدينا وهو نفس اتجاه البلاغة الجديدة، أهمها:

اعتماد التحريف الزمني الذي لا يخضع للتتابع الكرونولوجي الطبيعي، وذلك باللجوء إلى ترتيب أحداث الرواية بالاعتماد على تصور جمالي فني يقتضيها البناء الروائي تكون خاضعة لسلطة المؤلف الذي يداخل بين الأحداث .
إلغاء مبدأ التكثيف وذلك بالإفراط في كتابة التفاصيل والتطرق إلى الجزئيات.
اعتماد تقنية الاسترجاع بإيقاف السير الطبيعي للأحداث والقفز إلى الماضي القريب أوالبعيد واستحضار أحداث ماضية تساهم في بناء الرواية وإثرائها بتفاصيل مهمة تساعد على إبراز رؤية الكاتب.
كذلك الاعتماد على توظيف تقنية الاستباق المتمثلة في جملة من الاستشرافات والتطلعات المستقبلية.
اعتماد وتيرة معينة تحكم تنظيم سرعة النص الروائي وغايتها إبطاء السرد وتعطيله لتوظيف مزيد من التفاصيل وتتجلى في تقنيتين بارزتين هما السرد المشهدي ، والوصف.
اللجوء إلى توظيف الحوار بمختلف أنماطه ومستوياته.
توظيف الشواهد التراثية بعد استرجاعها لتعبر عن إشكاليات الراهن.
تحطيم المنظور اللساني باستخدام اللهجة العامية مع الفصحى.
غياب صوت السارد الروائي المهيمن وجعل السرد متناوبا متداولا بين عدة رواة.

– فضيلة الفاروق: التأريخ لظاهرة التطرف الديني في الرواية الجزائرية المعاصرة، ملتقى القاهرة الثالث للإبداع الروائي العربي 2005، منشورات المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة، 2008، ص:306 .

– الخير شوار: قراءة في رواية في الجبة لا أحد لزهرة ديك، مجلة أصوات الشمال، مجلة عربية ثقافية اجتماعية شاملة بتاريخ:4-7- 2008.

– زهرة ديك : في الجبة لا أحد ، منشورات الاختلاف ، الجزائر، ط:1 ، 2002، ص:59.

– نفسه ، ص: 80.

– نفسه، ص: 26.

– نفسه، ص: 53.

– نفسه، ص: 54.

– نفسه، ص: 10.

– نفسه، ص: 101.

– نفسه، ص: 9.

– زهرة ديك : في الجبة لا أحد، ص: 7.

– محمد مشبال : أسرار النقد الأدبي، مطبعة الخليج العربي، تطوان ، المملكة المغربية ، ط: 1، 2002، ص: 38 – 39 .

– نفسه ، ص: 46 – 47.

– محمد أنقار: بلاغة الرواية – واين بوث نموذجا – مجلة فكر ونقد الثقافية والفكرية الإلكترونية .

– هكذا يصف الأديب جوزيف كونراد أعماله الروائية.

– في الجبة لا أحد ، ص: 7.

– نفسه ، ص: 8 .

– نفسه، ص: 12.

– نفسه، ص:19

– حميد لحميداني: في بنية النص السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط:1 ، 1991، ص: 74.

– في الجبة لا أحد، ص: 51.

– في الجبة لا أحد، ص: 76.

– نفسه، ص:13.

– حميد لحميداني، في بنية النص السردي، ص: 78 .

– في الجبة لا أحد، ص: 61.

– نفسه، ص: 68.

– مجلة الراوي: دورية تعنى بالسرديات العربية، حوار مع سعيد يقطين حول التراث السردي، المملكة العربية السعودية، العدد: 25، سبتمبر2012.

– في الجبة لا أحد ، ص: 34.

– نفسه، ص: 85.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق