ثقافة السرد

الرجل العنكبوت

تأليف: دانييل لفانتى بال
ترجمة: أ. محمد سعد صالح – د. عبدالله عبدالعاطي النجار

في وقت مبكر من صباح يوم 23 نوفمبر عام 2011 مات جي تشابا البالغ من العمر 22 عاما ميتة بشعة. إنه المجرم المعروف في الحي الثامن بالعاصمة بودابست باسم الرجل العنكبوت… أسلوبه الفريد في السطو والاقتحام جعله شهيرا وربما أسطوريا في الشوارع والميادين المحيطة. لم تكن تظهر أخبار المزيد والمزيد من محاولات الاقتحام والإمساك به والإفراج عنه في أخبار الشرطة أو في الصحف الشعبية التي تراقبها بنشاط فحسب، بل كانت تنتقل هذه الأخبار وتنتشر من فم إلى فم أيضا. كان يُسمع عنه في كثير من الأحيان قصص جديدة من أفواه الناس الذين يتسكعون أمام المتاجر الصغيرة أو من الأشخاص المصطفين في المتاجر الذين يدخلون في أحاديث مع بعضهم البعض ويختلطون فيما بينهم.
لقد أصبح أسطورة من خلال “قدراته الفائقة”. لم يكن شخصا ذا خلق جيد، ولم يكن من قبيل شخصية روبين هود، ولكن الطريقة التي كان يسرق بها كانت تثير إعجاب الأشخاص البسطاء ومن دونهم. لقد أصبح موضوعا للدردشات. رآه الجميع أو على الأقل عرفوه عبر شخص من الجيران قد رآه بالفعل. وكما هو الحال في مثل هذه الحالات، فقد رويت القصص بمزيد من المبالغة، وبتضخيم أكثر فأكثر، وصار منه بعد وقت قصير، أي من هذا اللص الفريد … إن لم يكن بطلا من الأبطال الشعبيين، فقد صار بطلا خارقا حقيقيا. صار شخصا يُذكر بإجلال وإعجاب غريب ونوع خاص من الاحترام إذا تطرق الحديث إليه.
كان من حسن حظي ذات مرة أن ألتقي به، أو بالأحرى أن أراه أثناء هروب مجنون. كان ذلك في منتصف أكتوبر، وتحديدا في يوم 14 أكتوبر. كنت أتجول هنا وهنالك في الشقة، وقد أدرت التلفاز عدة مرات حينها، بصراحة ربما لم أكن أفعل شيئا … من الراجح أنني كنت أنتظر حتى أشعر بالنعاس أخيرا وأذهب إلى الفراش للنوم. لذلك كنت أسير في الشقة هائما على وجهي ذهابا وإيابا، وفجأة لاحظت أن ضوءا قويا يضيء النافذة من الخارج. ثم لاحظت ذلك مرة أخرى، على فترات زمنية، على نحو متكرر.
لم أكن أتوقع الكثير، ذهبت إلى النافذة، نظرت إلى الخارج، فرأيت اثنين أو ثلاثة من رجال الشرطة يقفون في المنطقة المجاورة التي ليس بها سياج، أحدهم يصطحب كلبا والآخر يمسك بكشاف يدوي قوي، يمشط المكان بلا كلل، متوقفا لبضع لحظات عند النوافذ والشرفات. فتحت النافذة واتكأت عليها مطلا على الخارج. كانوا يصيحون في الأسفل على شخص ما أو يهددون شخصا ما بمختلف أنواع الشتائم. ظهر الجيران الواحد تلو الآخر في النوافذ، ينظرون بفضول وتساؤل إلى الأسفل تارة وإلى بعضهم البعض تارة أخرى. سرعان ما تبين للجميع أن لا أحد يعرف شيئا مؤكدا ولكن يقال أن ثمة سطو ما قد حدث.
ظللنا ننظر لنرى ما إذا كان سيحدث شيء ما، ثم رن الجرس بشكل مطول وبجزع وعنف. بعدها مباشرة، بدأوا في طرق الباب بجزع أكبر، وبعنف أكثر. كان يقف ثلاثة من رجال الشرطة لدى الباب، أبلغوني بشكل قاطع لا يحتمل الرفض أنهم بحاجة إلى تفتيش شقتي لمعرفة ما إذا كان مختبئا عندي. سمحت لهم بالدخول، أخذوا يتجولون في الشقة، باحثين بمصابيحهم اليدوية المضيئة أينما استطاعوا، فتحت باب خزانة الملابس، ونظرت أسفل الحوض، وحتى في سلة الغسيل. لم يجدوا أحدا سواي وانطلقوا بالفعل إلى الشقة التالية، تحدثت أخيرا إلى أحدهم سائلا إياه لِمَ كل هذا. فقاطعني قائلا “الرجل العنكبوت”، ثم أضاف طالبا مني أن أخطرهم على الفور إذا رأيت أي شيء مريب.
بالتأكيد لم يجعلني ذلك أكثر ذكاء، وضعت قهوة على النار ورجعت إلى النافذة لأرى ما إذا كان يحدث شيء ما بالفعل. لم يكد يمر ربع ساعة حتى بدأ صراخ شديد في الأسفل وظهر المزيد والمزيد من أفراد الشرطة، وبدأ المزيد والمزيد من أضواء الكشافات تسطع في جانب المنزل. وبينما كانوا يركزون حول نقطة ما، لاحظت أنا أيضا أن شخصا ما يتنقل بين الشرفات بخفة حركة لا تصدق، ويتنقل من حاجز إلى آخر، ومن حافة نافذة إلى أخرى بحركات جمباز ماهرة. كان جميع الجيران يطلون إلى الخارج عبر النوافذ بالفعل، وعلق الجميع بصوت عالٍ على ما يرى، منهم من بدأ في التصفير، ومنهم من بدأ في الصراخ، ومنهم من صفق أيضا على نحو لا إرادي. توقف هذا الشخص فجأة على إحدى الشرفات، ربما لالتقاط أنفاسه، ونظر من أعلى إلى ما يقرب من دزينة من رجال الشرطة في الأسفل، وابتسم ابتسامة عريضة ثم واصل عرضه لهم.
منذ وقت طويل لم يكن هناك متسع من الوقت للاستمتاع بكل هذا، قفز فجأة إلى أعلى، بمهارة مذهلة مجددا. ظهر في الشرفة التي كان واقفا بها ثلاثة من رجال الشرطة لكنهم لم يجدوا إلا مكانه البارد فقط، فاخذوا يلعنونه. كان فوقهم مباشرة، لكنه لم يبق هناك لوقت طويل. واصل الرجل العنكبوت القفز، وأسرع أفراد الشرطة إلى الشرفة التي قفز إليها، لكن بعد فوات الأوان. استمر الوضع في الدقائق القليلة التالية على هذا النحو، الرجل العنكبوت يصعد ويقفز بين النتوءات والحواف، ورجال الشرطة يركضون وراءه عبر الشقق والطوابق. كادوا يتمكنون من الإمساك به في مرة حينما أمسك أحد رجال الشرطة بسرواله لكنه فك حزامه وترك الشرطي ينزعه إلى أسفل، أما هو فبالتأكيد لم يقع في قبضتهم. استمرت الملاحقة، وكانت مقعدته العارية تظهر على نحو ساخر في أضواء الكشافات، مبتسما في وجه مطارديه الصارخين العاجزين.
في النهاية أمسكوا به بالطبع. أحاطوا به ببطء، وأطلقوا نحوه الفلفل الأحمر، نفدت طرق الفئران التي كان يسلكها، وسلَّم نفسه. ومع ذلك، لم تمر ثلاثة أيام حتى تم إطلاق سراحه مرة أخرى. وبحسب النيابة، فإن الشرطة لم تطلب حبسه حبسا وقائيا على ذمة التحقيق. وقال المتحدث باسم القيادة العامة لشرطة بودابست: “نظرا إلى الوزن الموضوعي للسلوك المرتكب، فإنه يمكن للرجل الدفاع عن نفسه وهو طليق، وكذلك بسبب عدم توفر الشرط القانوني للحبس الاحتياطي”.
لم يستطيع الرجل العنكبوت، الذي أطلق سراحه عدة مرات، التحمل. بعدها بشهر دخل مجددا في عملية جديدة، لكن هذه المرة كانت الأخيرة في مشوار حياته حقا. أثناء التسلق، انزلق على حافة الطابق السابع لمنزل في شارع سيجوني، وسقط من ارتفاع عشرين مترا ومات ميتة بشعة. قالت الخالة ماريكا التي تسكن في هذا المنزل لصحيفة بليك في اليوم التالي: “خرج الساكن المقابل عند الفجر إلى الشرفة للتدخين. حينها رأى أن شخصا ما يتدلى على الحائط بجوار شرفتي. متشبثا بالحائط نظر الرجل العنكبوت إلى الوراء ولاحظ أنهم قد رأوه. ربما استطاعوا النظر إليه وجها لوجه للحظة، ثم قد يكون هذا السارق بالسطو قد أخطأ في شيء ما لأنه ترك الحافة وسقط عميقا في الأسفل”.
وفقًا لمصادر مختلفة غير مؤكدة، يمكن إضافة ما يقرب من اثنتي عشرة عملية اقتحام وسطو تم تنفيذها عبر نافذة مفتوحة أو باب شرفة مفتوح إلى حساب الرجل العنكبوت. في وقت وفاته، كانت شريكة حياته حاملا، ومن المفترض أنها غادرت الحي الثامن وانتقلت للعيش في مكان بعيد.
ــــــــــــ
دانييل لفانتى بال “Pál Dániel Levente”: كاتب وشاعر ومؤلف مسرحي مجري شهير، ترجمت أعماله إلى عدة لغات أجنبية من بينها العربية، منها ديوان “لم نعش سدى” الذي صدر في القاهرة العام الحالي.
ــــــــــــ
أ. محمد سعد صالح: مترجم مصري تخرج في كلية الألسن بالقاهرة قسم اللغة الألمانية والمجرية. كما درس بجامعة إتفوش لوراند الشهيرة بالمجر. لدية بضعة كتب مترجمة صدرت بمصر.
ــــــــــــ
د. عبدالله عبدالعاطي النجار: مؤرخ ومترجم وباحث مصري. له كتب مترجمة منشورة عددها 31، وكتب مؤلفة عددها 14، ولديه مجموعة من الأبحاث العلمية المنشورة بدوريات محكمة وصل عددها حتى الآن 39 بحثا بالعربية والإنجليزية والمجرية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق