ثقافة السرد

أرض الملائكة

قدس بن عبد الله*

منذ وصولي إلى هذه المدينة، اعتدت القيام بجولة صباحية في المنتزه القريب من البيت. وضعت حقيبتي فوق المقعد ثمّ جلست، نقاء الهواء منعش على الرغم من برودته التي تصدم بشرة الوجه. أضاف ندى الصباح جمالا على أوراق الأشجار العالية والأعشاب الصغيرة. كان هناك القليل من الضباب، بعد بضع دقائق رأيت إمرأة قادمة صحبة طفل صغير. إستقبلتني بحرارة لأنه لم يكن بعد زائرين آخرين. رفعت وجهي إلى أعلى، لا وجود لأي ضوضاء في هذا المكان متأتية من إزدحام الطرقات و حركة المرور المزعجة للدماغ. سقطت ورقة خضراء على وجهي، أخذتها بين أصابعي، وعروقها كانت واضحة مثل ورقةالحياة التي تمر بسرعة، الطريق الذي نعبره هو موقع من قبل القدر مع وجود بصمة الإنسان تعرقل الرياح مسيره لكن لاأحد يستطيع إيقاف إرادته. إحتفظت بها في حقيبتي كما تحفظ الذكريات و ترسخ في الذاكرة، تغيرت أشياء كثيرة في تفاصيل حياة اللاجئين إثرالإنتقال للعيش في مخيمات صحبة أفرادعائلاتهم. كبيسان طفلة الست السنوات، إستيقظت على صراخ أهالي الحي. حملها والدها مسرعا، محاولا العبور سريعا بين الحطام. حتى إن تجاوز ذلك لم يكن بإستطاعته المرور وسط سحابة الغاز المسيل للدموع. سقط مغشيا عليه والطفلة تبكي من شدة الألم الذي أحست به في رجلها. لا يرى المرء سوى ركام المنازل و دخانا أسودا سائدا على المكان. مرت أشهر قليلة على هذه الأحداث، ما يشهده هذا البلد هو تصفية عرقية ممنهجة. صمت دولي مخزي لا يوحي إلا بالإستهانة بالروح البشرية طفلا كانت أو كهلا. تعلو الأصوات بالتهديد و التنديد ويغيب الفعل الحقيقي الذي من شأنه أن يغير هذا الواقع المرير. التعايش مع هذه الظروف القاسية جعل العائلات تصنع من الدمار قوة. من بينهم بيسان الصغيرة التي كانت تتمنى أن تذهب إلى مدرستها. قاموا بتقسيم الأطفال حسب المستويات ، لم يكن ذلك بالأمر السهل خاصة في فترة الشتاء مع غياب الأغطية و وسائل التدفئة. هم إتخذوا من المعرفة سلاحا ضد القمع ليرفعوا العلم في ساحة المخيم أين جلس التلاميذ مصغين لمدرسيهم. ترعاهم السماء نهارا و تنصت لهم النجوم ليلا و هم متجمعون حول جداتهم اللاتي تروين لهم بطولات أجدادهم. كانت بيسان تجلس في الصف الأول منتبهة تتعلم و تستفسر عن كل ما تجده صعبا. هو فضولها الذي ميزها عن أترابها. أيظن الجند أنهم لو هدموا المدارس سيقتلون الحلم الساكن داخل كل طفل. الحياة تنبع من قلوب مفعمة بالطموح. هي أحلامها الوردية التي ترافقها مذ أقامت في هذا المكان لتجعلها في شوق دائم إلى مسك الكراس و القلم.
عادت بي الذاكرة من حياة المخيّمات إلى المرأة المرافقة للطفل الصغير. نصحت الأم صغيرها بعدم الابتعاد عنها.محظوظ من يحتفظ داخله بطفولته. كان يتجول أحياناً قافزا ويقطف الزهور البرية الصغيرة ويمتطي دراجته أحيانا أخرى. بعد برهة عاد باكيا. كلّ ما لاحظته هو إستعماله للإشارات، لم أسمعه يتكلّم أبدا. من الصعب على الطفل في حالته أن يبذل كل هذا الجهد للتواصل. قبلته أمه لتهدئته فكانت بذلك بطلته الوحيدة التي أشعرته بالأمان و الحماية لتزيد ثقته في نفسه. عندما تنظر إلى ملامح وجهه تلك الإبتسامة البارزة تطغى على كلّ شيء لتعبّر ببساطة عن براءة الأطفال. يتقّدم بدرّاجته كملك في مملكة الملائكة وما تلحظه هو فخره الشديد بأمّه، خاصّة عند وصولهما إلى هذا المكان و مايلحظه من رآهما هو وجود رابطة قوية بينهما لا يمكن تفسيرها. ولكن للأمومة نواميسها التي من شأنها أن تقوّي الروابط بين الأمّ و إبنها.
فلطفها في التعامل معه لم يشعره أبدا بعدم القدرة على الكلام ربّما هو المجتمع من يضع الحواجز أمام إدماج ذوي الحاجيات الخصوصيّة، ربّما يستوجب على الآخر الإنطلاق من حسن إختيار الألفاظ قبل الوصول إلى طرق إدماجهم، قد تكون الإعاقة ساكنة في العقول قبل أن تكون جسديّة. كونهم ينتمون إلى أصحاب الهمم هذا لا يجعل منهم أشخاصا غير كاملين و غير فاعلين. كم من سليم سجين نفسه و عجزه المرسوم في مخيّلته فقط و المرتهن بخوفه. انضمت إلى صغيرها من خلال توجيه دراجته الصغيرة . كل ما يمكنك فعله إذا نظرت إليه هو أن تبتسم له، تلك الكائنات الجميلة لا يمكن أن تؤذي من حولها و إبتسامة منها تنقلك إلى أرض الملائكة حيث لا بصمة لأي بشر يمكن أن يعكّر صفوهم و براءتهم.
لكن ليت جميع الأطفال في أيّ بقعة من هذا العالم يعيشون نفس ظرف هذا الطفل، و ذلك يعدّ من المستحيلات. علّها تلك هي قضيّة أي طفل يقبع تحت براثن الحرب أو أي طفل مسلوب من حقوقه، دمر وطنه وتم تهجيره غصبا عنه و عن عائلته . عله ذلك الأمان المنشود في العالم بأكمله، سيبقى مقصدا لجميع الشعوب، لكن لا ندري متى سينتهي هذا الظلم أم سيبقى هذا مجرد أمل نركض خلفه على أبد الدهور. و ما نتمناه هو أن تشمل أوطاننا نهضة على جميع الأصعدة تمنح للطفل حياة رغدة. كيف السبيل إلى القضاء على كل هذا. نحن في عالم قائم على الخراب. نحن في عالم يهوى تدمير النفوس على تنمية قدرات الإنسان و لو كان الأمر بيدي لأسكنت جميع الأطفال في عالم يخصهم لوحدهم، لا تتداخل فيه سياسات داخلية أو خارجية. هو عالم فرح و مرح لأنهم لأبسط الأشياء أبرياء. ما ذنبهم إن ولدوا في عالم قبيح ينصر الظالم و يصفق للمستبد ما معنى أن يكون الإنسان مسلوب الكرامة ؟ماذا يعني أن يعيش الأطفال شتاتا منذ الصغر ؟ مامعنى أن يكونوا رجالا وهم لايفقهون شيئا، هذه الدنيا أجبرتهم أن يكونوا كذلك متسلحين بالصبر؟ ما معنى أن يفقد آباء أبناهم ويبقوا على يقين بأن ماحدث لهم هو قضاء لشدة إيمانهم و حبهم لأوطانهم وذلك في حد ذاته دفاع عنها عن طريق دماء شهدائه التي مازلت تروي إلى حد يومنا هذا ترابها الغالي.
عاد البطل الصغير إلى أمّه محمّلا بباقة زهور، هذه اللفتة البسيطة تشير إلى إمتنانه لها . فهي تستحق أن تكرّم كغيرها من الأمهات المناضلات. التعاطف مع شخص ما هو إلا شكل من التبادل الصادق لأن أي فرد يمكن أن يعيش نفس أو أسوأ الظروف. لايمكن للمرء أن يتخيّل صراعاتها الداخليّة لمواجهة الأحكام المسبقة للمجتمع. لمن يرى تعلّق هذا الملاك بوالدته، قد يتساءل عن الأب. بادرت المرأة بالحديث عندما إطمأنت إلى وجودي في المقعد بجانبها كنت مسؤولة لوحدي عن تربيته فقد تركني زوجي منذ ولادته، هي ليست في حاجة لأي تبريرأو تفسير في الحقيقة. ثمّ أضافت أنّها تقدمت بطلب الطلاق وغادرت الحي القديم الذي كانت تعيش فيه. وكانت هذه هي طريقتها الوحيدة لوقف العنف الذي يمارس بانتظام ضدها.وبالإضافة إلى ذلك، أرادت أن يكبر طفلها في أسرة متوازنة. تحدثت الأم بحساسية كبيرة كما لو أنها بحاجة إلى شخص لتخفيف الألم عنها. ثم تجاوزت ذلك لتحدّثني عن حفلة ستقام للأطفال في إطار الجمعيّة التي ينشط من خلالها طفلها، هي عبارة عن ورشات عمل سيقودها مجموعة من المتخصصين و سيقدّمها الأطفال بأنفسهم في مجالات متعدّدة. كانت سعادتها لا توصف لأنّها هي بصدد إكتشاف ميولات ولدها. لكن شتّان بين عالمه و عالم بيسان.

 كاتبة من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق