حوارات المجلة

حوار مع الناقد التونسي الأستاذ الدكتور فوزي الزمرلي

حاوره: ساسي جبيل

الأستـاذ الدّكتور فوزي الزمرلي عضو اتّحاد الكتّاب التونسيّين وأستاذ الأدب الحديث بالجامعة التونسيّة وعضو فريق البحث في الأدب المغاربي بكليّة الآداب بمنوبة…

* * * * *

*دكتـور فوزي الزمرلي، أصدرت كتابا بعنوان “شعريّة الرواية العربيّة”، وقصدت بالشعريّة العبارة الأجنبيّة (Poetics)، رغم أنّها تُعرف في المغرب العربي بالإنشائيّة. فهل هذا الاختيار يعبّر عن موقف من مصطلح “الإنشائيّة”، أم هي رغبة في مخاطبة المتلقّي بالمشرق الذي تعوّد على هذا المصطلح ؟

-اختار بعض الدارسين العرب تعريب العبارة الأجنبيّة (Poetics) بالشعريّة، وفضّل بعضهم الآخر تعريبها بالإنشائيّة. ورغم أنّ هذين المصطلحين رائجان في بحوثنا، فإنّهما لا يدلاّن بصورة دقيقة على معنى العبارة اليونانيّة Poiésis التي وقعت ترجمتها في اللسان الإنقليزي بعبارة Poetics. ذلك أنّ عبارة Poiésis تدلّ في مستوى أوّل محدود على الشعر وتدلّ في مستوى ثان أشمل على الخلق الأدبيّ. وقد استعملها أرسطو (ARISTOTE) في كتابه الشهير الموسوم بـ (La poétique) بالمعنى الثاني عندما جوّد النظر في الآثار الأدبيّة الرائجة في عصره ليستخلص منها القوانين العامّة المتحكّمة في تشكيل أدبيّتها.

ومن هنا يمكن اعتبار عبارة “إنشائيّة” مناسبة للمعنى الرئيسيّ الذي قصده أرسطو في ذلك الكتاب الذي وقعت ترجمة عنوانه حديثا بـ”فنّ الشعر”. غير أنّ الحقل الدلاليّ لتلك العبارة في اللغة العربيّة لا يتعلّق بالإبداع بقدر ما يتعلّق بعمليّة التدرّب على التحرير. فالإنشاء -حسب المعجم الوسيط- هو “فنّ يعلّم به جمع المعاني والتأليف بينها وتنسيقها، ثمّ التعبير عنها بعبارة أدبيّة بليغة”.

أمّا عبارة “شعريّة”، فإنّها تتميّز بإحالتها صوتيّا ومعجميّا على المعنى الأوّل الذي تدلّ عليه العبارة اليونانيّة Poiésis، وإشارتها إلى المعنى الثاني الشامل الذي تدلّ عليه تلك العبارة اليونانيّة، نظرا إلى أنّنا نستعملها استعمالا اصطلاحيّـا دالاّ على تلك العبارة الأجنبيّة المخصوصة، مثلما وقع استعمال عبارة “رواية” لتعريب عبارة ( Roman) الفرنسيّة أو عبارة (Novel) الإنجليزيّة. ذلك أنّ عبارة رواية المتداولة في النقد الحديث عبارة اصطلاحيّة أيضا، لا علاقة لها بأيّ وجه من الوجوه بالحقل الدلاليّ المعجميّ الذي تحيل عليه في العربيّة.

ومن هنا فضّلنـا استعمال عبارة “شعريّة” لتعريب عبارة Poésis اليونانيّة أو Poétique الفرنسيّة أو Poetics الإنجليزيّة، وأشرنـا إلى أنّنا نعتبرها بديلا من عبارة الإنشائيّة التي مال إليها قسم من النقّاد العرب، لأنّها تحيل على الحقل الدلاليّ المتّصل بتلك العبارة الأجنبيّة وتصرف النظر عن عمليّة التدرّب على التحرير التي توحي بها عبارة “الإنشائيّة”.

ونحن لم نسع إلى وضع مصطلح ثالث، قد يكون أدقّ من المصطلحين الرائجين، لنقلّص من ظاهرة تشتّت المصطلحات في بحوثنا، وخاصّة لأنّ عبارة “شعريّة” هي العبارة الشائعة في البحوث العربيّة.

غير أنّ الخلل الفادح الذي لاحظنـاه في بعض البحوث النقدية العربيّة لا يتمثّل في استعمال عبارة إنشائيّة بدل عبارة شعريّة، وإنّما يتجلّى ذلك الخلل في استعمال عبارة شعريّة في بحوث لا صلة لها بذلك الحقل. وممّا زاد الأمر فداحة خلط قسم من الدارسين العرب بين الشعريّة بالمعنى الذي أشرنا إليه والشاعريّة المتعلّقة رأسا بخصوصيّة الخطاب الشعريّ.

فالشعريّة تتعلّق بمتون السرد تعلّقها بالمسرح والشعر، ممّا يجيز لنا الحديث عن شعريّة المقامة أو النادرة أو الرواية على سبيل المثال، والحديث عن شعريّة المسرحيّة وعن شعريّة القصائد الشعريّة أيضـا. أمّا عبارة الشاعريّة التي تعني la Poéticité في اللسان الفرنسيّ، فليس لها أيّة صلة بمسألة العلاقات الظاهرة والخفيّة التي ينسجها النصّ المفرد مع غيره من النصوص نسجا يترجم عن درجة أدبيّته، وإنّما تتعلّق بخصوصيّة الخطاب الشعري الذي قد تستعير الفنون النثريّة قسما من وجوهه.

* * * * *

لا بدّ لمخابر البحث الفتيّة في الجامعات العربيّة من الانفتاح بعضها على بعض

* إذا كان الأمر على هذه الدرجة من الدقّة فما هو الحلّ الذي تقترحونه للحدّ من فوضى المصطلحات في العالم العربيّ؟

– لا بدّ في تقديرنا من وضع المقابل الأجنبيّ للمصطلحات التي نستعملها في بحوثنا، وضبط دلالاتها بوجه دقيق لنتجنّب اللّبس ونخلّص خطابنا النقديّ وخطابنا التنظيريّ من فوضى المصطلحات، لأنّ تلك الظاهرة أضعفت قسما كبيرا من دعائم البحوث العربيّة.

وبما أنّ المجامع اللغويّة العربيّة عاجزة عن التحكّم في وضع المصطلحات وترويجها في الإبّان، فإنّنا نرى في حرص الجامعيّين التونسيّين على توحيد المصطلحات وتكريسها في رسائلهم ودروسهم وبحوثهم مسلكا قويما إلى تجنّب الإفراط في تعميق الفوضى السائدة في هذا المجال. ولا بدّ لمخابر البحث الفتيّة في الجامعات العربيّة من الانفتاح بعضها على بعض والاعتناء بوضع المصطلحات وضبط دلالاتها وتعريبها تمهيدا لتوحيدها في جميع البلدان العربيّة، لأنّ الاختلاف في هذه المسألة كثيرا ما تولّد عن تلقّف المصطلحات الأجنبيّة والتسرّع في تعريبها واستعمالها، من دون بذل الجهد الكافي للتنقيب عن جذورها وحصر حقولها الدلاليّة الدقيقة وانتقاء العبارات العربيّة المناسبة لها.

* * * * *

اعتبرنا أنّ البشير خريّف حرص على تحقيق الصدق الفنيّ في تلك الرواية لأنّه أحسن التأليف بين مستواها التاريخيّ ومستواها الخيالي

* تحدّثتم في كتابكم “الكتابة القصصيّة عند البشير خريّف” عن الصدق الفنّي في رسم الشخصيّـة الروائيّة في رواية “برق الليل”. فهل أنّ الصدق الفنيّ في الرواية التاريخيّة هو محاولة محاكاة الشخصيّة الورقيّة للشخصيّة الآدميّة الحيّة التي عاشت في ذلك التاريخ؟ أم أنّكم تقصدون به “الإيهام بالواقعيّة”؟ وهل ينحصر دور الرواية في جعل القارئ يصدّق ؟

– جرت أحداث رواية “برق الليل” بتونس خلال السنة التي استنجد فيها السلطان الحسن الحفصي بالإسبان لينتزع عرشه من قبضة خير الدين بربروس فمهّد سبيل الإمبراطور شارلكان إلى إخراج الأتراك من تونس وفرض حمايته عليها وتفجير أحقاده على سكّانها.

وبما أنّ تلك الرواية انفتحت على أحداث تاريخيّة وعلى أحداث خياليّة واحتفلت بشخصيّات تاريخيّة حقيقيّة وبشخصيّات خياليّة، فإنّ هذا يثبت أنّ البشير خريّف اعتمد كتب التاريخ والأخبار والمناقب وزار المتاحف والأحياء العتيقة ليرسم ملامح الأطر الجغرافيّة والتاريخيّة التي دارت بها الأحداث ويُحدّد الخصائص الاجتماعيّة والثقافيّة التي ميّزت المجتمع التونسي خلال القرن السادس عشر، ويُوفّق بين الوفاء للتاريخ وإنشاء عالم روائيّ مشاكل للعالم الذي كشفت عنه المصادر المتعلّقة بتلك المرحلة التاريخيّة.

وقد قلّص البشير خريّف أدوار الشخصيّات التاريخيّة ليحافظ على سماتها الأساسيّة الثابتة، وأسند الأدوار الرئيسيّة إلى شخصيّات خياليّة، وطوّع أدواته القصصيّة ليجعل أفعال تلك الشخصيّات وأقوالها وعقليّاتها مرتبطة بالفضاءات التي جرت بها الأحداث. وقد وظّف -فضلا عن ذلك- لغة الحوار ليدعم تلك المقاصد، وفتح لغة السرد على الدخيل من التركيّة والإسبانيّة واللاتينيّة وخلّصها من الدخيل الفرنسيّ والإيطالي، لأنّ اللغة العربيّة في تونس لم تنفتح على ذلك الدخيل خلال القرن السادس عشر.

وقد اعتبرنا أنّ البشير خريّف حرص على تحقيق الصدق الفنيّ في تلك الرواية لأنّه أحسن التأليف بين مستواها التاريخيّ ومستواها الخيالي،ّ وربط عالمها بتلك الفترة التاريخيّة، وأوهم بأنّ جميع شخصيّاتها شخصيّات حقيقيّة عاشت في تلك الأطر الجغرافيّة التاريخيّة نفسها.

ومسألة الصدق والتصديق في الرواية محكومة بالميثاق الروائي. ذلك أنّ الروائيّ، يؤكّد بذلك الميثاق أنّ العالم الذي أنشأه عالم قصصيّ خيالي،ّ ويتفنّن مع ذلك في رسم الأطر الجغرافيّة التاريخيّة وفي تصوير أفعال الشخصيّات ونقل أقوالها وسبر بواطنها، من دون اضطرار إلى تحديد مصادر علمه. ورغم أنّ الميثاق الروائيّ يحمل القارئ على التسليم بأنّ النصّ المتعلّق بذلك الميثاق ينتمي إلى الحكي التخييليّ، فإنّه ينخرط في لعبة الإيهام انخراطا. ذلك أنّه يمعن النظر في الفضاءات التي جرت بها الأحداث وفي قسمات الشخصيّات ويرصد حركة الأحداث وينفعل بتوتّر الحبكة ويحرص على معرفة المصير الذي ستؤول إليه الشخصيّات ولا يطعن في سعة علم الراوي. بل إنّ عيون الروايات كثيرا ما تُشكّل مصدرا من مصادر ثقافته وعاملا من العوامل الملوّنة لنظرته إلى الوجود.

وليس من شكّ في أنّ تأثير الروايات يختلف باختلاف طبقات القرّاء وطبقات الروائيّين في الآن نفسه. غير أنّ أعلام الروائيّين يُؤثّرون في قرّائهم المختصّين تأثيرا، لأنّ أولئك القرّاء يقفون على أنّ تلك العوالم الروائيّة الخياليّة ذات عمق دلالي وكثافة أدبيّة، نظرا إلى قدرتهم على الاهتداء إلى القوانين المؤسّسة لها والرؤى المتحكّمة فيها والعناصر المشكّلة لأدبيّتها.

وبفضل ذلك أفلح أعلام الرواية في إنشاء عوالم خياليّة لا تقلّ عن الواقع المعيش شمولا وتأثيرا وإقناعا. ومن هنا نفهم إقرار الفيلسوف الألماني أنجلس Angels بأنّ روايات بلزاك Balzac تكشف عن واقع المجتمع البرجوازي الغربي كشفا لا نظير له في مؤلّفات علماء الاقتصاد، وذهاب السيميائي الإيطالي أنبارتو إيكو Umberto Eco إلى أنّ النقّـاد الذين أرادوا معرفة ما يمثّله غياب نابليون بالنسبة إلى جيل كامل قد رجعوا -في الغالب- إلى رواية الأحمر والأسود لستندال أو إلى روايات شبيهة بها، لأنّها بدت لهم أكثر فائدة من المصنّفات التاريخيّة الضخمة.

* * * * *

نهضت الرواية العربيّة على خصائص جنس أدبيّ دخيل

*اهتممتم في قسم من بحوثكم بعلاقة الرواية العربيّة بالتراث السرديّ، وأبرزتم الإشكاليّات الناجمة عن تلك العلاقة. فهل لكم أن تذكروا لنا -بإيجاز- بعض جوانب تلك الإشكالية ؟

– لقد نهضت الرواية العربيّة على خصائص جنس أدبيّ دخيل، واحتفلت بفنيّات سرديّة مستعارة، وتلوّنت في أطوارها الأولى بألوان المذاهب الرومنسيّة والواقعيّة والطبيعيّة والوجوديّة التي نشأت في الغرب فانحصرت نسبتها العربيّة في استعمال اللّسان العربي، وتعلّق محتوياتها بهموم شخصيّات عربيّة في الغالب. ممّا جعل بعض الدارسين الغربيّين الذين اطّلعوا على روايات عربيّة مترجمة يذهبون إلى أنّها مماثلة لرواياتهم تمام المماثلة، من حيث اتجاهاتها الأدبيّة وتقنيّاتها السرديّة.

ولذلك تمرّد روّاد التجريب على أنماط الرواية الكلاسيكيّة السائدة في الأدب العربيّ، وأعرب نجيب محفوظ عن توقه إلى تلوين شكل الرواية العربيّة بلون محليّ بقوله “أنا حاليّـا لا يثير أعصابي إلاّ التقليد (…) لأنّه لا يجب أن يكون الموضوع فقط محلّيّا. ولكنّ الشكل أيضا. يوم أن نحقّق هذا يمكن القول عندئذ إنّنا قدّمنا أدبا عربيّا صحيحا إلى العالم” (نجيب محفوظ يتذكّر، دار المسيرة، 1980). ونحن نذهب إلى أنّ تسليم طائفة كبيرة من الروائيّين العرب بتلك الحقيقة قد تأثّـر بانتشار شهرة أدباء أمريكيا اللاّتينيّة وغيرهم من أدباء القارّات المنسيّة الذين جذّروا أدبهم في محليّته تجذيرا، وأنشأوا عوالم حكائيّة مدهشة نقلت إليهم مشغل الرواية بكلّّ جدارة.

ولكن، رغم أنّ انفتاح الرواية على التراث السرديّ المتنوّع يمثّل عمليّة عسيرة، ويولّد بالضرورة أشكالا روائيّة هجينة متنوّعة المشارب، فإنّ الإشكال الرئيسيّ الذي يُواجه روّاد التأصيل يكمن في قلّة اطّلاعهم على ذلك التراث وعجزهم عن تبيّن صميم خطابه وتحديد خصائصه الأجناسيّة. ومرجع ذلك أنّ تراثنـا السرديّ المخطوط الذي هُمّش قسم هامّ منه طوال قرون لم يُطبع كلّه. أمّا التراث السرديّ الشفويّ الذي مازال بعضه متداولا في الأرياف والقرى فقد انقطع تداوله في المدن… فضلا عن عزوف الدارسين والمنظّرين عن مقاربة ذلك التراث مقاربة سرديّة، وربطه بسياقات نشأته وتغيّره، واستخلاص خصائصه الفنّيّة، وتعميق النظر في مقاصد واضعيه ورُواته.

ومن هنا اضطر بعض أعلام الرواية العربيّة إلى التعويل على أنفسهم لانتخاب مدوّنة تراثيّة معيّنة، واستخلاص خصائصها الشكليّة والدلاليّة، وتطويعها للاضطلاع بوظائف أجناسيّة مصاحبة للوظائف الأجناسيّة المؤسّسة للجنس الروائيّ الذي توسّلوا به لإنشـاء رواية عربيّة مختلفة عن أنماط الرواية السائدة اختلافا ينطق بنسبتها العربيّة. أمّا الروائيّون العرب الذين ركنوا إلى السهولة في تعاملهم مع التراث، فإنّ أعمالهم تعرّت من الأدبيّة كليّا.

وقد تجلّى لنا أنّ روّاد تأصيل الرواية العربيّة الذين استعاضوا عن إنشاء عوالم روائيّة منتمية إلى الجنس الروائي الصافي بتجويد النظر في التراث لاستخلاص أساليبه الطريفة واستنطاق المسكوت عنه والتعمّق في محلّيتهم قد نهجوا ذلك المنهج لتنشيط ذاكرة القارئ العربيّ بالدرجة الأولى، وشدّ اهتمامه إلى عوالمهم الروائيّة بواسطة التراث المشترك بينهم، وتجنّب محاكاة الرواية الجديدة الأجنبيّة، الغريبة عن ذائقـة مجموعات هامّة من قرّائهم العرب.

وعلى ذلك النحو سار – مثلا- الروائيّ إبراهيم الكوني الذي اشتقّ من عالم “التوارق ” البكر عوالمه السرديّة ليحتفل فيها بما يختزنه فضاء الصحراء من أخبار وأساطير ومعتقدات تكشف عن عمق البيئة التي نشأ فيها وثرائها، وتثبت خصوصيّة كتابته الروائيّة. أمّا إبراهيم الدرغوثي فقد توسّل بالاقتباس والمعارضة والنسخ والمناقلات الشكليّة والدلاليّة ليربط عوالمه الروائيّة بالتراث السرديّ، ويبرز انخراطه في المنزع التجريبيّ الذي حرص أعلامه على توظيف التراث لإظهار خصوصيّات كتابتهم الروائيّة وتجذيرها في محليّتها.

غير أنّ احتفال قسم من التراث السردي بالكرامات والخرافات والأساطير التي خفتت أصواتها في المدينة، وقلّ تداول معجمها، وزُهد الحضر في الاستناد إليها، قد عقّد خطاب بعض الروايات المنفتحة على ذلك التراث تعقيدا نفّر منها النقّاد العرب، وصرف القرّاء عنها، رغم قوّة تجذّرها في محلّيتها، وتميّز خصائصها الأجناسيّة.

* * * * *

الروايات التأصيليّة التي تعلّقت بأجناس أدبيّة لا علم للقارئ الأجنبيّ بها

* كيف تقوّمون إذن تقبّل الروايات العربيّة المنفتحة على التراث في العالم الغربيّ ؟.

-ليس من شكّ عندنا في أنّ أعلام الرواية العربية التأصيلية قد هدفوا بكلّ تلك الجهود إلى تحقيق إضافة نوعيّة إلى الجنس الروائي الذي أصبح جنسا أدبيّا عالميّا للتخلّص من وصمة التقليد، واتّباع السبيل الكفيل في تقديرهم بإيصالهم إلى باب الكونيّة.

ولهذا، فإنّنا نذهب إلى أنّ الروايات التأصيليّة التي انفتحت على حكايات ألف ليلة وليلة وعلى حكايات كليلة ودمنة أو غيرها من عيون التراث المترجمة إلى اللّغات الأجنبيّة والرائجة في الأدب العالمي قد تجد تقبّلا مرضيّا، عندما تقع ترجمتها. أمّا الروايات التأصيليّة التي تعلّقت بأجناس أدبيّة لا علم للقارئ الأجنبيّ بها، ولا بخصائصها النوعيّة، فإنّها لا يمكن أن تحظى بتقبّل مرضيّ. خاصة أنّ أهميّة الروايات المنفتحة على التراث السرديّ تكمن في كثافة خصائصها الأجناسيّة الناتجة عن تفاعل أجناس مميّزة للأدب العربيّ بجنس مميّز للأدب الغربيّ، وفي كثافتها الدلاليّة الناتجة عن توسّل أصحابها بعمليّة التطريس التي تفضي إلى اندساس النصوص التراثيّة في أنسجة النصوص الروائيّة اندساسا يجعل القارئ يقرأ النصوص الجديدة في ضوء النصوص القديمة، ويهتدي بفضل المحاكاة والمناقلات إلى المقاصد الفكريّة والجماليّة التي هدف الروائيّون إلي تحقيقها، ممّا يثبت أنّ تلك العلاقة تكثّف الخصائص الأجناسيّة في الروايات التأصيليّة وتُثري دلالاتها. ومن ثمّ، فإنّ القارئ الملمّ بالتراث الذي تعلّقت به الروايات التأصيليّـة هو المُؤهّل لإدراك كثافة خصائصهـا الأجناسيّة وثرائها الدلاليّ. أمّا القارئ الذي يجهل تلك النصوص التراثيّة، فإنّ الروايات العربيّة التي انفتحت على تراثهـا تفقد في نظره أهمّ خصوصيّاتها.

* * * * *

الروايات التأصيليّة اتّخذت التراث موضوعا للتخييل

* ما هو إذن مكمن الثراء في الروايات العربيّة المنفتحة على التراث؟

– لقد اعتبرنا العلاقة بين الرواية العربيّة والتراث السرديّ علاقة ثريّة ومعقّدة في الآن نفسه. ذلك أنّ الروايات التأصيليّة اتّخذت التراث موضوعا للتخييل، وتوسّلت بطرائق عديدة لتوظيف التراث وصياغة خطابها المخصوص فأثرت عناصرها الأجناسيّة، وبلورت دلالاتها بأساليب طريفة، وفتحت مسلكا أساسيّا من مسالك التجريب. وقد توصّلت بفضل جهود بعض أعلامها إلى الاتّسام شكلا ومحتوى بسمات تبرهن على صحّة نسبتها العربيّة، وتثبت أنها حقّقت إضافة نوعيّة إلى مدوّنة الجنس الروائي الذي أصبح جنسا أدبيّا عالميّا.

ويمكن أن نحيل على بعض أعمال محمود المسعدي وإبراهيم الدرغوثي وفرج الحوار من تونس وعلى بعض روايات نجيب محفوظ وجمال الغيطاني من مصر وعلى بعض روايات واسيني الأعرج من الجزائر وعلى جلّ روايات إبراهيم الكوني من ليبيـا وعلى بعض روايات محمد عزالدين التازي من المغرب وعلى بعض أعمال الطيب صالح من السودان وعلى روايات إيميل حبيبي من فلسطين لنلفت الانتباه إلى انتشار تلك النزعة في جلّ البلدان العربيّة وتسارع نسقها.

إلاّ أنّ الإشكاليات التي أشرنا إلى بعضها تنمّ عن عسر هذا المسلك، وتكشف عن المخاطر التي تهدّد روّاده، وتبرز ضرورة إسهام الدارسين والمحقّقين والمنظِّرين في معاضدة جهود الروائيّين العرب الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على تحمّل أعباء لا طاقة لهم بها.

* * * * *

كشفت لنا مواقف النقّاد من رواية “بندرشاه” عن خطورة نزعة تأصيل الرواية العربيّة

* أصدر الأديب السوداني الطيّب صالح رواية بعنوان “بندر شاه” بعد أن أصدر رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” التي دلّت على رسوخ قدمه في الحقل الروائيّ. ومع ذلك، فإنّ النقّـاد العرب أعرضوا عن رواية “بندرشاه” المنفتحة على التراث الشعبي إعراضا غريبـا. وحسب علمي، فأنتم الناقد الوحيد الذي نوّه بقيمة تلك الرواية وأبرز طرافة علاقتها بالتراث. وإذا كانت تلك الرواية هامّة فلماذا تواصل عزوف النقّاد عنها ؟

– لقد أعرض روّاد التجريب عن الجنس الروائيّ الصافي وأمعنوا في فتح متون رواياتهم على الفنون الجميلة وعلى الأجناس الأدبيّة وغير الأدبيّة المتاخمة لها أو البعيدة عنها، ونزعوا إلى توظيف أنماط تخاطبيّة شتّى لبلورة قضاياهم بطرائق طريفة، وإثراء أجناسيّة أعمالهم، ونحت خصوصيّاتهم نحتا. غير أنّ بعض النقّاد العرب لم يتفطّنوا إلى القوانين التي تحكّمت في عيون الروايات التجريبيّة ولم يفهموا خصائص شعريّتها فزعموا أنّها تمرّدت على جنسها الأدبيّ وعلى مسألة الأجناس الأدبيّة برمّتها، وادّعوا أنّ نظريّة الأجناس الأدبيّة لم تعد صالحة لمقاربتها. وبتلك الأحكام الغريبة طمسوا خصائص الكثير من الروايات التجريبيّة الطريفة وشوّهوا صميم خطابها.

وقد كشفت لنا مواقف النقّاد من رواية “بندرشاه” عن خطورة نزعة تأصيل الرواية العربيّة، وأكّدت لنا عجز طائفة من النقّاد العرب عن مقاربة الروايات العربيّة التي انفتحت على التراث السرديّ الذي احتفل بالخرافات والأساطير والكرامات وامتزج فيه الواقعي بالعجائبي. كما لاحظنا أنّ النقّاد قد نوّهوا برواية موسم الهجرة إلى الشمال واعتبروا مؤلّفها من عباقرة الرواية العربيّة، ثمّ أعرضوا عن رواية “بندرشاه” في جزءيها لتصوّرهم أنّها منقطعة الصلة بالرواية الأولى. ونحن نزعم أنّ تلك الروايات الثلاث تمثّل ثلاثيّة مترابطة أشدّ ما يكون الترابط.

وقد لاحظنا أنّ الطيب صالح ذكر في جلّ حواراته الأدبيّة أنّ القضيّة الأساسيّة في “موسم الهجرة إلى الشمال” هي قضيّة الراوي، وأكّد أنّ مصطفى سعيد لا يمثّل إلاّ جانبا من جوانب تلك القضيّـة، وأشار إلى قيمة رواية بندرشاه التي نشرها في جزءين، وفضّلها – أحيانا – على رواية “موسم الهجرة إلى الشّمـال”. ورغم ذلك فإنّ النقّـاد عزلوا تلك الرواية عن رواية “بندرشـاه” بجزءيهـا الموسومين بـ “ضوء البيت” و”مريود”، وركّزوا اهتمامهم على شخصيّـة مصطفى سعيد تركيزا حجب عنهم تعلّق تلك الروايات الثلاث بمشكلة الراوي التي تفجّرت إثر اتّصاله بمصطفى سعيد في قرية ود حامد السودانية.

ومن أجل هذا زهـد القرّاء في روايتي “ضوء البيت” و”مريود” زهدا خيّب أمـل الطيب صالح في نقّـاده، ونفّـره من الكتابة القصصيّـة برمّتهـا منذ ربع قرن، رغم أنّ رواية “بندرشاه” قد أبانت عن أنّ راويهـا الظاهر الملقّـب بمحيميد هو الذي شارك في أحداث “موسم الهجرة إلى الشمال” صحبة جدّه الحاج أحمد ورفاق طفولته وصباه، واضطلع بدور الرواية بضمير المتكلّم، وأثبت أنّه رجـع نهائيّـا إلى قريتـه بعد أن خاب أمله في المدينة.

وقد بدا لنا أنّ الطيب صالح فتح رواية “بندرشاه” على التراث الشعبيّ السودانيّ الكاشف عن الاعتقاد في الأوليـاء وكراماتهم ليلوّنها بلون مخصوص يُظهر أصالتها ويُثبت متانة علاقاتها بالكرامات. ذلك أنّ ذهاب بعض سكّان قرية “ودحامد” إلى أنّ التحوّل الذي تمرّ به قريتهم يُبشّر بالخير يُعرب عن اقتناعهم بأنّ المصالحة بين أجيالها لا يمكن أن تكون إلاّ معجزة من معجزات الشيخ الحنين.

وفي ضوء هذا يتجلّى لنا أنّ المؤلف توسّل بمرويّـات تراثيّة شعبيّة انفتح فيها المعقول على اللامعقول وامتزجت فيها الحقيقة بالخيال ليُظهر إيمان بعض سكّان “ودحامد” بمعجزات الأولياء وشك بعضهم الآخر فيها، ويترجم عن اقتناع المتصوّفين بأنّ المجاهدة الصوفيّة سبيل إلى الحقيقة المطلقة وطعن فئة أخرى من سكّان القرية في أقوالهم. ومن ثمّ امتزج نسيج بندرشاه بأنسجة المرويّات التراثيّة الشعبيّة، وتلوّن بلون الكرامات تلوّنـا كثّف رموزها وهشّم نظامها الزمانيّ وحجب دلالاتها عن القارئ العربيّ والقارئ الأجنبيّ في الآن نفسه.

وينبغي ألاّ تُغرينـا مواقف النقـاد بالحطّ من قيمة رواية بندرشاه، ولا بتفضيل روايتيْ “عرس الزين” و”موسم الهجرة إلى الشمال” عليها، نظرا إلى عمق قضاياها وطرافة بنيتها، وخاصّة لأنّ الآثار التي تُرضي رغبات قرّائهـا لا تكون بالضرورة آثارا جيّدة. ومن أجل هذا كلّه نذهب إلى أنّ مواقف النقّاد من تلك الرواية تمثّل دليلا آخر على أنّ أزمة الرواية العربيّة ليست أزمة إبداع وإنّمـا هي أزمة نقد وتنظير بالدرجة الأولى.

* * * * *

نعتبر أنّ التصنيف الأجناسيّ ليس عمليّة شكليّة

*إذا كانت عودة الرواية العربيّة إلى التراث السرديّ تمثّل -حسب رأيكم- مسلكا من أهمّ مسالكها الرئيسيّة، فلماذا ألحّ محمود المسعدي على مضمون كتابه الشهير الموسوم بـ”حدّث أبو هريرة قال” ولم يكترث بالإشارة إلى أنّه حاول أن يُسهم به في تأصيل الرواية العربيّة؟

– إنّ تفرّع نزعة التجريب وتبلور مسألة تأصيل الرواية العربية واتّساع حقول البحوث الشعريّة منذ سبعينات القرن العشرين قد أضفت على قضيّة الأجناس الأدبية أهمّية لا عهد لمحمود المسعدي بها عندما أنشأ كتاب “حدث أبو هريرة قال” أو عندما تحدّث عن خصائصه. وكان ذلك من الأسباب التي جعلته يعتبر التصنيفات الأجناسية عملية شكلية منقطعة الصّلة بصميم آثاره، ولا يكترث بالفروق بين مذاهب الأدب، لأنّها لا تكون في تقديره “إلاّ فروعا لشجرة واحدة أو جداول لنهر واحد. والشجرة ـ أو النهر ـ هي الإنسانيّة”، رغم تعقّد تلك المذاهب واختلافها بعضها عن بعض وتأثيرها الواضح في مضامين الآثار الأدبيّة وتقنيّاتهـا.

ومن أجل هذا، فإنّنـا نقدّر أنّ ميل محمود المسعدي إلى التقليل من شأن الأجناس والاتجاهات الأدبيّة، ونفي الفروق الجوهريّة بينها يهدف بالأساس إلى لفت انتباه القرّاء إلى تعلّق آثاره بالرّوح الإنسانيّة، على غرار الأدب الغربيّ والأدب اليونانيّ، نظرا إلى إيمانه بأنّ “أحسن تعريف للأدب باعتبار جماع وظيفته هو أنّه العبارة الشّاملة عن الإنسان في كليّة حياته الباطنة : أي في حياته الفكريّة، في حياته الخياليّة، في حياته التصوّريّة، في حياته الشعوريّة، في حياته العاطفيّة”.

ونحن نعتبر أنّ التصنيف الأجناسيّ ليس عمليّة شكليّة بقدر ما هو مسلك قويم إلى تحديد أدبيّة النصوص الإبداعيّة واستخلاص دلالاتها وإظهار قيمتها. فلا جدوى من إنماء النصوص الأدبيّة إلى النصوص المنخرطة في أجناس معيّنة، ما لم تهدف تلك العمليّة بالأساس إلى تمهيد السبيل إلى قراءتها في ضوء تلك الطبقة للوقوف على علاقاتها بعناصرها الأجناسيّة، وإظهار وجوه عدولها عن خصوصياتها، وتحديد إضافاتها النوعيّة إلى عيون الآثار المنتمية إلى تلك الأجناس الأدبيّة، كما هو الشأن عند تحديد أغراض القصائد لقراءتها في ضوء طبقات القصائد المنتمية إلى تلك الأغراض بالذّات.

ولا شكّ في أنّ إشارات محمود المسعدي في عتبات “حدث أبو هريرة قال” إلى ارتباط متنه السرديّ بالحكي التخييليّ والحكي الحقيقيّ، وصمته عن تحديد جنسه الأدبيّ تنطق بميله إلى تكييف أفـق انتظار القرّاء لحملهم على مقاربة نصّه السردي من الزاوية التي يفضّلها هو نفسه : أي من الزاوية التي تنير مضمونه، وتظهر تميّزه من الرواية الغربية وأحاديث الأدب العربي القديم. غير أنّ بنود المواثيق الصريحة والضمنيّة التي تخلـّلت تلك العتبات لا تدلّ بالضرورة على خصوصيّة “حدّث أبو هريرة قال” الأجناسيّة، بما أنّ من المؤلّفين من يعلن عن مقصديّة أجناسيّة معيّنة ويعجز عن تحقيقهـا فيطعن فيها قسم من الدّارسين ويربطون أثره بجنس لا صلة له بتلك المقصديّة، ويذهب قسم آخر منهم في تصنيف ذلك الأثر نفسه مذاهب شتّى. بل إنّ ذلك الأمر كثيرا ما يتفاقم عندما تخترق الآثار الأدبيّة حدود أجناسها لتوسّع حقولها. ولهذا ألحّ عدد من أعلام الشعريّة على إبراز دور المدوّنات التي تشكّل آفاق انتظار القرّاء في تحديد ملامح الأجناس الأدبيّة وتصنيف النصوص ليدلّوا على عامل رئيسيّ من عوامل تعقّد تلك المسألة.

وإذا ما جوّدنا النظر في أجناسيّة كتاب حدّث أبو هريرة قال لاحظنا أنّ الجوانب الشكليّة المتمثّلة في إقامة تلك الأحاديث على أسانيد ومتون منفصلة ظاهريّا بعضها عن بعض، وتنويع أسماء رواتها ومزج النثر بالشعر ومعارضة أسلوب القرآن قد أسهمت في ربط ذلك الكتاب بالتراث السرديّ العربيّ، من دون أن تسفر عن إدراجه في طبقة النصوص التي تضمّ أخبار الأدب العربي القديم. ورغم هذا، فإنّ إعراض محمود المسعدي عن إقامة نصّه السرديّ على الأركان الرّئيسيّة التي تنهض عليها طبقة النصوص المنخرطة في جنس الخبر الأدبي التراثيّ قد غذّت ذلك النصّ بكثافة أجناسيّة أبانت عن خصوصيّته. ومن هنا يتّضح لنا أنّ نهوض كتاب “حدّث أبو هريرة قال” على الأركان الرئيسيّة التي تنهض عليها طبقة النصوص الروائيّة يُثبت أنّه قد مثّل خصائص الجنس الرّوائي ليندرج في حقل ذلك الجنس الأدبي الدخيل على الأدب العربي الحديث، وحوّله بطريقة تظهر حرص كاتبه على تأصيله في تراثه.

وذهابنا إلى أنّ ذلك كتاب ينتمي إلى الجنس الروائيّ لا يعني أنّنا نحدّد بذلك جميع مستوياته الشكليّة والأسلوبيّة والدّلاليّة، وإنّما يعني أنّه مثّل العناصر الأساسيّة المشتركة بين طبقة النصوص الروائيّة، وحمل عناصر الأجناس الأخرى على الاضطلاع بوظائف مصاحبة لوظائف العناصر الروائيّة المؤسّسة، بما أنّ تحديد الجنس الأدبي لنصّ من النصوص ينطلق من اعتباره عملا تواصليّا شاملا أو وحدة سرديّة كبرى، بقطع النظر عن عناصره الشكليّة الفرعيّة.

* * * * *

نزعم أنّ نظرة محمود المسعدي إلى مسالك السرد العربيّ في عصره قد أثـّرت في تشكيل نصّ “حدّث أبو هريرة قال”

* كيف تبدو لكم -إذن- علاقة كتاب “حدّث أبو هريرة قال” باتجاهات السرد في فترة تأليف ذلك الكتاب؟

– إنّ كتاب “حدّث أبو هريرة قال” يقع في منطقة متاخمة للمنظومتين السرديّتين السائدتين في فترة تأليفه، إذ أنّ محمود المسعدي أعرض عن تيّار إحياء التراث السرديّ العربيّ الشائع في عصره، لأنّ ذلك التيّار يجسّم مظهرا من مظاهر التقليد العقيمة التي ثار عليها ونبذها نبذا. ورغم أنّه اطّلع على فنون السرد في الأدب الغربيّ ونوّه ببعض أعلامها، فإنّه رفض الانضمام إلى قافلة الأدباء العرب الذين ألّفوا روايات باللغة العربيّة محاكية في اتّجاهاتها الأدبيّة وتقنيّاتها السرديّة للرواية الغربيّة، لأنّ تلك النزعة – أيضا – تمثّل في نظره وجها من وجوه التقليد، ولا تبرز خصوصيّة الأدب العربيّ. وقد بلور موقفه من ذينك التيّارين بقوله : “إنّنا لا نزال متشبثين بطريقتين كلتاهما خاطئة فاشلة : إحداهما طريقة الرجعة إلى الوراء والالتجـاء إلى الماضي الجامد اليابس، وثانيتهما طريقة الاندماج في الغير والاكتساء بالمستعار من لباسه والتنفّس بأنفاسه والحياة عالة عليه كحياة طفيليّات النبات. وفي كلتا الحالتين تعطيل للكيان الذّاتي ومنع للحضرة في التاريخ”.

ومن أجل هذا، فإنّنا نزعم أنّ نظرة محمود المسعدي إلى مسالك السرد العربيّ في عصره قد أثـّرت في تشكيل نصّ “حدّث أبو هريرة قال” على النحو الذي أشرنا إليه، وقادته بعد ذلك إلى نفي انتمائه إلى جنس الخبر الأدبيّ وجنس الرواية الدخيل على الأدب العربيّ، ليصرف نظر القرّاء عن ضمّه إلى منظومة من المنظومتين اللتين عبّر عن نفوره منهما.

* * * * *

لا جدال في أنّ صنع الله إبراهيم من أبرز روّاد التجريب الروائيّ

* ذكرت أنّ بعض روّاد التجريب الروائي في العالم العربيّ لم يلتفتوا إلى التراث السرديّ، وإنّما وظّفوا تقنيات شائعة لدى الروائيّين الأجانب، إيمانا منهم بقدرتهم على الإسهام في تجديد الجنس الروائيّ الذي أصبح جنسا أدبيّا عالميّا، من دون أن يحطّ ذلك من قيمة أعمالهم. فما هي حسب رأيكم خصوصيّة الكتابة الروائيّة لدى صنع الله إبراهيم الذي يُعتبر من روّاد تلك النزعة؟

– لا جدال في أنّ صنع الله إبراهيم من أبرز روّاد التجريب الروائيّ في العالم العربيّ، نظرا إلى انخراطه في تلك النزعة في جميع رواياته، وإمعانه في تعميق مسلكه التجريبيّ وتنويع وجوهه تنويعا دالاّ على أنّ التجريب ينهض لديه على تجاوز متواصل للسائد من الأنماط والنماذج الروائيّة.

وقد أظهر اطّلاعه على تميّز الجنس الروائيّ وعلى تجدّده بفضل توظيف الفنون الجميلة واستيعاب الأجناس الأدبيّة المجاورة له واحتضان الأجناس غير الأدبيّة. واستغلّ كلّ ذلك لتجديد كتابته الروائيّة تجديدا يُمتع القرّاء من ناحية ويُثبت من ناحية أخرى تمكّنه من إكساب خطابه الروائيّ كثافة تعبيريّة جديدة. وذلك جليّ في رواياته الشهيرة الموسومة بـ”بيروت، بيروت” و”نجمة أغسطس” و”ذات” و”شرف” و”وردة” و”أمريكا نالي”. تلك الروايات التي أعرض فيها عن البنية الهرميّة المميّزة بالجنس الروائيّ الكلاسيكيّ، مفضّلا توظيف الرواية لطرق كبريات القضايا التي تشغله، وبلورة مواقفه الإيديولوجيّة بتقنيّات جديدة تحقّق له مقاصده. وبذلك برهن على تأثّره بالاتّجـاه الموسوم بـ”الأحداث الطارئة” (The happening) الذي ظهر في ستّينات وسبعينات القرن الماضي في أمريكا وقام على تبنّي ما يحدث وتحطيم الحواجز بين الفنّ والحياة، من دون استناد واضح إلى برنامج سرديّ مسبّق. وقد صرّح بذلك في حواراته وشهاداته ليُشير إلى قدرته على تجديد الرواية العربيّة بتوظيف بعض خصائص ذلك الجنس الأدبيّ الكونيّ.

* * * * *

أدرك الروائيّون الغربيّون، منذ مطلع القرن العشرين، أهميّة الكولاج

* هل يُمكن لكم توضيح هذه الفكرة باعتماد بعض الشواهد ؟

– يكفينا دليلا على ذلك توظيف صنع الله إبراهيم القصاصات الصحفيّة في رواية “ذات” ليستعيض عن مشاكلة الواقع بفتح عالمه الروائيّ على واقع حقيقيّ تميّز بالبشاعة والقهر والخداع، بحثا منه عن طريقة جديدة لإبراز موقفه من الواقع العربيّ، وتوقا إلى إقامة علاقة طريفة بين الجنس الروائيّ الناهض على التخييل والواقع المعيش. ولتلك الظاهرة صلة واضحة بتقنية الإلصاق (Collage) التي وظّفها الفنانون التكعيبيّون في الرسم والنحت وعمّقتها الحركة الدادائيّة التي اعتُبرت حركة مضادّة للفنّ (Anti-Art). فقد توسّل كلّ من بيكاسو وبراك بالكولاج لإلصاق أوراق ملوّنة وشرائط من قماش وقطع معدنيّة وغيرها من الموادّ المتنافرة لإنشاء لوحات زيتيّة ونحوت مخصوصة تُبرز الوحدة القويّة بين الجانب الفنيّ والجانب الواقعيّ. وإثر ذلك عمّقت الحركة الدادائيّة تلك الظاهرة لتكسّر الحاجز القائم بين الفنّ والواقع.

وقد أدرك الروائيّون الغربيّون، منذ مطلع القرن العشرين، أهميّة الكولاج فاستغلّوا قدرة الجنس الروائيّ على استيعاب الأجناس الأخرى وتطويع الفنون الجميلة لتجديد تقنيّاته، ووظّفوا الإلصاق لإقحام عناصر لا صلة لها بالأدب التخييليّ ولا بالجنس الروائيّ الكلاسيكيّ في عوالمهم السرديّة، ممّا أفضى إلى تسرّب تلك التقنية إلى الحقل الأدبيّ.

وليس من شكّ في أنّ صنع الله إبراهيم اطّلع على الروايات الأجنبيّة التي وظّفت الكولاج ومال إلى النسج على منوالها، إذ أنّ فصول الحكي الحقيقيّ تتميّز من فصول الحكي التخييليّ بتدمير الإيهام بتصوير الواقع وتُقدّم الحقيقة عارية بصورة مجرّدة في الظاهر. بل إنّ الحيّز الكبير الذي احتلّته القصاصات الصحفيّة في رواية “ذات” يشهد بإفراط المؤلّف في التوسّل بالكولاج والتعويل على تلك التقنية لتحقيق مقاصده الفنيّة والدلاليّة بصورة تُثبت انخراطه في نزعة التجريب. وعلى ذلك الأساس لفت الانتباه إلى أنّ عالمه الروائيّ ليس عالما مشاكلا للواقع، وإنّما هو عالم اتّحد فيه التخييل بالواقع وتعدّدت الأصوات في غضونه تعدّدا.

ولمّا كان صنع الله إبراهيم قد رتّب محتويات كلّ فصل من فصول القصاصات ترتيبا لفت انتباه القارئ إلى جوانب مخصوصة، وأقام بين تلك الفصول وفصول الحكي التخييليّ علاقات عميقة، فإنّ ذلك يُثبت توسّله بتقنية الكولاج وتقنية التركيب (Montage) المميّزة للفنّ السينمائي ليُجدّد تقنيّاته السرديّة ويُبلور قضاياه بصورة تُوهم بتجرّده. ذلك أنّ الإلصاق الخالص هو ضرب من التضمين الذي لا يخضع لعمليّات تنويع وإعادة وتحوير، مثلما يتجلّى ذلك في الرسم والنحت. أمّا التركيب فهو تصرّف في القصاصات الصحفيّة على غرار تصرّف السينما في اللقطات المنفصل بعضها عن بعض وذلك بإعادتها كاملة أو ناقصة وتقديمها على ألسنة عدّة أطراف وتوزيعها توزيعا خاصّا في فصول تخلّلت فصول الحكي التخييليّ.

ونتيجة لذلك أسهمت القصاصات الصحفيّة في بلورة دلالات رواية “ذات”، رغم تشتّت تلك القصاصات وتبعثرها، إذ كشفت عن سلبيّات مجتمع معيّن وفساد ساسته وتدهور قيمه ومعاناة طبقاته الوسطى والفقيرة وشدّت انتبـاه القرّاء إلى العلاقات التي نسجتها فصول القصاصات مع فصول الحكي التخييليّ.

ومن ثمّ اتّضح لنا أنّ صنع الله إبراهيم كثّف حضور القصاصات في روايته واستعمل تقنيتيْ الكولاج والمونتاج استعمالا ترجم عن خصوصيّة كتابته الروائيّة وأبان عن تميّز قضاياه وأساليبه من أنماط القضايا والأساليب المستعملة في الروايات السائدة لدى العرب ولدى الأجانب على حدّ السواء.

* * * * *

فقد وظّف بيرم في مذكّراته المنشورة بتونس خصائص الأقصوصة والمقامة وأدب الطبائع.

* صدر لكم عن دار الجنوب كتاب بعنوان : بيرم التونسي: مذكّراتي (المجموعة الكاملة). ونحن نعرف أنّ مذكّرات بيرم صدرت في طبعات كثيرة قبل صدور كتابكم. فما الذي يضيفه عملكم ؟ وهل وجدتم أثناء بحثكم عن هذه المذكّرات نصوصا لم تُنشر من قبل ؟ !

وما قصّة هذا الكتاب ؟ ولماذا الآن فقط ؟ !

– أنفق بيرم التونسي ثلاث عشرة سنة من حياته منفيّا في فرنسا، ثمّ قدم إلى تونس سنة 1932 ليتولّى رئاسة تحرير جريدة (الزمان). وعندها ألّف مذكّرات “مرسيليا” ومذكّرة بعنوان “في باريس” ونشرها كلّها على صفحات تلك الجريدة ممضاة بإمضاء سائح، وتكتّم فيها على ألوان الشقاء التي كابدها في فرنسا. وبعد استفحال أزمته مع خصومه وانفصاله عن أسرة الزمان أصدر جريدته الخاصّة الموسومة بـ “الشباب” وبها نشر مجموعة من مذكّرات المنفى التي ألّفها بفرنسا. ولمّا أوقفت السلطات السياسيّة تلك الجريدة انتقل بيرم إلى جريدة السردوك وبها نشر حلقتيْن أخيرتين من مذكّرات المنفى.

وعندما قارنّا نصوص تلك المذكّرات بمحتويات الكتب التي شرعت في نشرها منذ فجر الستينات اتّضح لنا أنّ الشركة التونسيّة للنشر والتوزيع جمعت في الكتاب الموسوم بـ”مذكّرات بيرم التونسي في المنفى” قسما من المذكّرات التي نشرها بيرم بجريدة الزمان وقسما من المذكّرات المنشورة بجريدة الشباب، ورتّبتها استنادا إلى تاريخ تدوين الفصل الأوّل من مذكّرات المنفى، بدل المحافظة على تواريخ النشر. وتصرّفت في العناوين الفرعيّة وأهملت بعض الحلقات المنشورة بالزمان والسردوك وأسقطت عدّة فقرات من النصّ الأصليّ. وقد أعادت الدار التونسيّة للنشر والتوزيع طبع ذلك الكتاب نفسه عدّة مرّات من دون أن تتدارك كلّ ذلك النقص. ورغم هذا، فإنّ المكتبة العصريّة ببيروت تولّت نشر نصّ الشركة التونسيّة للنشر والتوزيع بحذافيره -أي بعيوبه- وحجبت عملية النسخ بإسقاط الهوامش ووسم تلك الفصول بـ”الصفحات الضائعة في تونس”.

ومن أجل هذا جمعنا النصّ الأصليّ لمذكّرات بيرم المنشورة بتونس بالرجوع إلى رصيد المكتبة الوطنيّة، وتمكّنا من العثور على نسخة مفقودة من جريدة الزمان محتوية على مذكّرة “مرسيليا2”. وقد حرصنا على إثبات النصّ الأصليّ لجميع تلك المذكّرات وترتيبها بحسب تواريخ نشرها بالصحف التونسيّة، ثمّ ضممنا إليها المذكّرات التي دوّنها بيرم بمدينة حلوان قبيل وفاته: تلك المذكّرات التي صدرت بلبنان ضمن كتاب بعنوان “مذكّراتي والديوان الأوّل”.

والحقّ أنّ فكرة جمع مذكّرات بيرم التونسي ودراستها قد خامرتنا عندما لاحظنا أنّ الفنون الأدبيّة التي أذاعت شهرة بيرم في العالم العربي كلّه قد طمست قيمة مذكّراته، وخاصّة لأنّ الدارسين رجعوا إلى قسم منها لرسم سيرة حياته، ظنّا منهم أنّها وثيقة دقيقة يمكن الاطمئنان إليها كلّ الاطمئنان. فضلا عن أنّ غفلتهم عن دور المتلقّي في تشكيل خطاب تلك المذكّرات قد حجب عنهم أسباب اختلاف حلقاتها الثلاث.

وعندما تولينا نشر تلك المذكّرات بدار الجنوب فضّلنا أن نسمها بـ”مذكّراتي” لأنّ ذلك العنوان الذي خصّ به بيرم الحلقة الأخيرة من مذكّراته يمكن أن يدلّ على محتويات بقيّة الحلقات. ونحن نعتبر مذكّراته المنشورة بالصحف التونسيّة من أهمّ الآثار الدالّة على عمق تجاربه الحياتيّة وتنوّع مهاراته الأدبيّة وتمكّنه من التفنّن في الوصف الساخر وفي تنويع أساليب الفكاهة. وليس من شكّ في أنّ اهتداءه إلى طاقة جنس المذكّرات على استيعاب خصائص الأجناس الأدبيّة المجاورة له والقصيّة عنه قد مكّنه من تطويع ذلك الجنس الأدبيّ لتحقيق مقاصده الفكريّة والجماليّة، وإقامة الدليل على أنّه خليفة موليير (Molière) في عصره.

فقد وظّف بيرم في مذكّراته المنشورة بتونس خصائص الأقصوصة والمقامة وأدب الطبائع، وتوسّل بفنيّات المقالة التي احتفل بها في صحفه، وعارض بعض الأشعار القديمة، وفتح فضاء تلك المذكّرات على متناصّ شعريّ. كما أنّه لوّن أسلوب قسم من أقسامها بلون هزليّ معرب عن مرحه، وطبع قسما آخر منها بطابع ساخر يرشح مرارة فكثّف -بذلك- أدبيّتها وأثرى شعريتها إثراء.

ورغم أنّ بيرم التونسي قدّم شهادات مقتضبة عن حياته الخاصّة، إثر عودته إلى مصر، فإنّ المذكّرات التي ألّفها قُبيل وفاته تمثّل أهمّ أثر مكمّل لنصوص مذكّراته المنشورة بتونس، نظرا إلى إلمامها بمراحل حياته واحتفالها بالقضايا الجوهريّة التي شغلت فكره واتّسامها بقتامة مفصحة عن الكآبة التي نغّصت الطور الأخير من حياته.

* * * * *

وينبغي على القارئ أن يجوّد النظر في تلك النصوص المصاحبة ليتمكّن من الاهتداء إلى العلاقات الخفيّة التي تربطها بالمتون السرديّة المتّصلة بها.

* أنعمتم النظر طويلا في “عتبات” النصوص الروائيّة واعتبرتموها مفاتيح هذه الأعمال. حسب رأيكم لماذا ظلّ هذا المبحث مغيّبا -إلى حدّ ما- في النقد العربي الحديث؟ !

– إنّ شبكة العناوين والشواهد والإهداءات والتمهيدات والهوامش الحافّة بالمتون السرديّة تمثّل قسما هامّا من العتبات المنفتحة على تلك المتون. ويمكن أن نضيف إليها أحاديث القصّاصين عن تجاربهم الإبداعية وعن مواقفهم الفكريّة وسير حيواتهم، نظرا إلى اضطلاع قسم كبير منها بوظائف نصيّة مصاحبة للمتون السرديّة. ونحن نرى أنّ حلقات تلك الشبكة قد تداخلت في الروايات التي تنحو منحى رمزيّا، وخاصّة في الروايات التي ينطوي خطابها على طبقات من الدلالات الدقيقة. ويكفي أن نشير في هذا المقام إلى رواية “حدّث أبو هريرة قال” لمحمود المسعدي ورواية “بندرشاه” للطيّب صالح وجلّ روايات واسيني الأعرج.

وينبغي على القارئ أن يجوّد النظر في تلك النصوص المصاحبة ليتمكّن من الاهتداء إلى العلاقات الخفيّة التي تربطها بالمتون السرديّة المتّصلة بها، لأنّ القصّاصين يتوسّلون بتلك النصوص المصاحبة لتوجيه القرّاء إلى تأويل آثارهم تأويلا مناسبا لمقاصدهم، وإرشادهم إلى المنافذ المنيرة لخصائصها الجماليّة والدلاليّة.

والحقّ أنّ النقّـاد قد زهدوا فترة طويلة في تلك النصوص المصاحبة ودعوا إلى مقاربة النصوص الأدبيّة مقاربة محايثة لتجنّب ظاهرة الإفراط في التعويل على تلك المصاحبات عند تأويل النصوص الأدبيّة والحطّ من نزعة الإسقاط التي لوّنت قسما هامّا من البحوث النقديّة التقليديّة. غير أنّ اعتناء بعض المتخصّصين في حقل الشعريّة بتلك العناصر النصيّة المصاحبة وتعمّقهم في تحليلها وتصنيفها واستخلاص خصائصها قد أظهر أنّ العلاقة النصيّة المصاحبة تمثّل إحدى العلاقات التي تنهض عليها شعريّة النصوص الإبداعيّة. بل إنّ اعتناء الدارسين بالعناوين باعتبارها فرعا من العتبات قد ولّد علما مخصوصا موسوما بـ “علم العنونة”.

ويبدو أنّ إعراض النقّاد العرب عن هذه المسألة ناجم -من ناحية- عن ثورتهم على النقّاد الكلاسيكيّين الذين اتّخذوا حيوات الأدباء وأقوالهم مطيّة لتحليل أعمالهم الإبداعيّة وتأويل دلالاتها، ومترجم من ناحية أخرى عن قلّة اطّلاعهم على البحوث الشعريّة التي تعمّقت في دراسة المصاحبات النصيّة تعمّقا، ونبّهت إلى ضرورة فصلها عن صميم الخطاب الأدبيّ والاستناد إليها باعتبارها عتبات منفتحة على المتون المتعلّقة بها. ونحن نقدّر أنّ النقّاد الذين أعرضوا عن تلك العلاقة إعراضهم عن بقيّة علاقات التعالي النصّي التي تشكّل موضوع الشعريّة، بحجّة أنّ المقاربات المناسبة للأدب الغربيّ لا تناسب الأدب العربيّ قد برهنوا على جهلهم بأنّ الشعريّة تستنطق القوانين التي تنهض عليها النصوص الأدبيّة وترصد أدبيّتهـا بقطع النظر عن اللغة التي تكتب بها تلك النصوص.

* * * * *

 نقدّر أنّ رجاء الصانع تفطّنت بصورة بديهيّة إلى الأهميّة القصوى التي تضطلع بها العناوين في إثـارة فضول القرّاء.

* قدّمت الروائيّة السعوديّة رجاء الصانع “شهادة” بالمجمع الثقافيّ بإمارة “أبو ظبي”. وبما أنّكم حضرتم تلك الجلسة فما هو تقييمكم لتلك الشهادة ؟

-إنّ السيّد حارب الظاهريّ، رئيس اتّحاد كتّاب وأدباء الإمارات، قد أحسن صنعا بدعوة رجاء الصانع لتقديم شهادة بالمجمع الثقافي، نظرا إلى أنّ تلك الأديبة استطاعت بروايتها الموسومة بـ”بنات الرياض” أن تُثير ضجّة إعلاميّـة حولها وتدفع عددا وافرا من النقّـاد والصحفيّين إلى إبداء آراء متباينـة، ممّا أسهم في انتشار تلك الرواية بسرعة فاقت سرعة انتشار الكثير من عيون الروايات العربيّة.

وتلك الشهادة تندرج في باب العتبات، لأنّ من العتبات ما يتمثّل في النصوص الحافّة بالمتون الروائيّة، ومنهـا ما يتمثّل في الحوارات واللقاءات الأدبيّة والكتابات المختلفة التي يُعرب الروائيّـون في غضونها عن مكوّنات ثقافتهم وعوامل تأليف أعمالهـم ومواقفهم من نقّادهم. وقد كشفت رجاء الصانع في تلك الشهادة عن أنّ تجربة حياتها بالجامعة قد بذرت البذرة الرئيسيّة لتأليف روايتهـا، وأبانت عن ثقافتها الروائيّـة العميقة ودلّت على تأثير صورة المتلقّي في تشكيل تقنيّاتها الروائيّة، وبرهنت على ذكائها في اختيار عنوان روايتها وتفطّنهـا إلى الأسباب التي أسفرت عن تباين المواقف منهـا. وبذلك شكّلت شهادتها عتبة أساسيّة من العتبات التي انفتحت على متنها الروائيّ انفتاحا يُبشّـر بسعة الآفـاق الروائيّـة التي ستحلّق فيها أعمالهـا اللاحقة.

ونحن نقدّر أنّ رجاء الصانع تفطّنت بصورة بديهيّة إلى الأهميّة القصوى التي تضطلع بها العناوين في إثـارة فضول القرّاء وإغرائهـم بالتهافت على كتب معيّنة. ذلك أنّ عنوان روايتهـا قد يُوهم قرّاءها في الجزيرة العربيّة بالدرجة الأولى وخاصّة منهم جيل الشباب، بأنّ المتن الذي دوّنته فتـاة سعوديّة سيكشف لهم عن عالم “سرّي” يُرضي حبّ اطّلاعهـم الطبيعيّ. وقد دلّ رواج تلك الرواية ومواقف تلك الطبقة من القرّاء منها على أنّ العنوان حقّـق تلك الغاية تحقيقـا.

وقد صرّحت المؤلّفة في شهادتها بأنّ تلك الطبقة من القرّاء ليست متعوّدة على قراءة الروايات، وليست لها ثقافة أدبيّة تُمكّنها من تمييز الحكي التخييليّ من الحكي الحقيقيّ تمييزا واضحا. ومن ثمّ تلقّى بعضهم تلك الرواية على أنّهـا ترجمة ذاتيّة وتلقّاها بعضهم الآخر باعتبارهـا مذكّرات أو نصّا سوسيولوجيّـا، بينما وقف النقّاد المختصّون على طرافة قضايا تلك الرواية وحلّلوا خصوصيّاتها الفنيّة ودلّوا على مقاصد المؤلّفة.

ولمّا كانت رجاء الصانع واعية بأنّ من قرّائها من سيحاول استنطاق نصّهـا للتجسّس على شخصيّتها، فإنّها وزّعت الأدوار النسائيّة على عدّة فتيات لتتكتّم على حياتها الخاصّة، وتُخيّب آمال أولئك القرّاء فنوّعت بتلك الطريقة عدد الأصوات في عالمها الروائيّ وأكسبته طابعا حواريّا بارزا.

وبذلك بدت المؤلّفة أعمق إلماما بآليّات العمليّة الإبداعيّة من أولئك القـرّاء ومن بعض النقّاد الذي حاوروها خلال تلك الجلسة. ذلك أنّها أدركت تمام الإدراك أنّ المؤلّف يتقمّص دور راو عندما يضطلع بإنشاء نصّ سرديّ تخييليّ، وعن ذلك الدور تصدر جميع محتويات نصّه السرديّ. ورغم أنّ رؤية المؤلّف تؤثّـر بوجه من الوجوه، في رؤية الراوي فمن الخطأ الذريع البحث عن التطابق بين المؤلف والراوي وشخصيّة من الشخصيّات في “بنات الرياض”، إذ أنّ ذلك لا يجوز إلاّ في الآثار المنتمية إلى فن الترجمة الذاتية.

وقد تفطّنت رجاء الصانع إلى أنّ انشغال القرّاء في منطقتها بروايتها فاق انشغال القرّاء في المشرق والمغرب بها. ذلك أنّ الرواية التي ألّفتها المرأة في تلك البلدان العربية قد تطوّرت تطوّرا، وبلغت أسقفا لا تقلّ ارتفاعـا عن أسقف الرواية التي ألّفها الرجل. ومن أجل ذلك لم تفقد اتّزانهـا، وإنّما أدركت ضرورة اعتنائها مستقبلا بإنشاء روايات جديدة في مستوى عملها السابق لتبرهن على جدارتها بالمنزلة التي احتلّتها، وتُحافظ على وهـج الأضواء التي أنارت صورتها، ولا تتسبّب في الإلقـاء بنفسها في عتمة النسيان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق