ثقافة المقال

تظاهرات من أجل العمل وأخرى من أجل النوم

الشائعات وتطبيق رئاسة الجمهورية

رضا سليمان*
 
منذ عدة أيام وصلتنى على هاتفى إشارة إلى مظاهرات حاشدة فى ألمانيا ومواجهات بين الجماهير والشرطة هناك، تعجبتُ من الخبر، فعلى حد علمى لا مشاكل أو توترات سياسية فى ألمانيا كما أنها لا تعانى شظف العيش كى يخرج أهلها فى تمرد يصل حد المواجهة المباشرة، وهم أناس يعملون بمبدأ الكفاءة ولا مجال هناك لإعلاء مبدأ الوساطة والمحسوبية (على الأقل بنسبة كبيرة جدًا تجعل نسبة انتهاك حقوق أصحاب الكفاءات تكاد تكون معدومة). قد يصحح أحد لى ذات يوم عن نظرتى الخاصة للشعب الألمانى، لأن ما حدث فى اللحظات التالية لوصول هذا الإشعار إلى تليفونى المحمول أكَد نطرتى وعمقها، بطرف اصبعى لامستُ الشاشة كى أشاهد تفاصيل الخبر، بطرف اصبعى انتقلت إلى قلب ألمانيا لأشاهد عبر فيديو مصور ما حدث فى الشارع الألمانى منذ لحظات وكأن تلك الأحداث كانت فى الشارع المجاور وحينما استمعتُ إلى صوتها ذهبتُ لرؤيتها، تقريبًا نفس الوقت المنصرم كى أترك مسكنى وأذهب إلى الشارع الخلفى هو نفس الوقت الذى انتقلت فيه الأحداث من ألمانيا كى تستقر بين يدى وأنا فى مكانى. بالفعل التفاصيل مثيرة والصدام عنيف بشكل يتناسب مع الشخصية الألمانية حادة الطباع أحيانًا، لكن السؤال باقٍ، لماذا يتظاهر الألمان؟ تفاصيل الخبر تؤكد أن التظاهرات حدثت لأن الحكومة فرضت بعض القيود المجتمعية التى تحد من نزول السكان لممارسة تفاصيل حياتهم اليومية وهى قيود طبيعية للحد من انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19).. وكم كانت دهشتى .. مظاهرات ترفض البقاء فى المنزل؟!
لقد جرب الألمان، كما فعل العالم كله، من قبل العزل المجتمعى والبقاء فى المنزل ولأنهم يعرفون أن لمثل تلك الخطوة تبعات كثيرة للغاية وأضرار لا حصر لها، تركوا منازلهم ونزلوا للتعبير عن رفضهم لهذه القرارات وكان الصدام . الخلاصة التى خرجتُ بها هى أن هناك .. فى بقعة ما فى العالم يرفض شعبها قرارات تفرضها عليهم الدولة لأخذ عطلة تقيهم التعرض لانتشار هذا الفيروس اللعين، عمومًا الأمر فى النهاية هو شأن داخلى يخصهم هم فقط، لكن الشاهد مما حدث هناك هو إدراك أبعاد العزل الجسدى والبقاء فى المنازل وأن أضراره ذات شأن يستوجب التظاهر ضده.
تتزايد دهشتى كل يوم وأنا أسمع وأشاهد، فى مجتمعنا، دعوات وأراء مختلفة تحاول دفع الحكومة لاتخاذ قرارات العزل المجتمعى أو الجسدى خوفًا من انتشار فيروس كورونا وللأسف الشديد هى دعوات غير محسوبة تمامًا يطلقها عدد قليل لأهداف خاصة مغلفة بخوف زائف على أبناء هذا المجتمع، ولو كان الهدف هكذا بالفعل لأدرك صاحب هذه الدعوات كم المصائب التى ستهبط على قطاعات كبيرة جدًا من أبناء هذا المجتمع من جراء قرار مثل هذا..!! ولم يتوقف الأمر عند إبداء رأى ومحاولة نشره للاستفادة من خلفه ولو فقط عدم الذهاب إلى العمل (الموظف الحكومى فقط خلف هذه الدعوات والذى قد يرفضها تمامًا إن عَلِمَ أن أجره سيتم تخفيضه مثل موظف القطاع الخاص إن تم فرض الحظر والبقاء فى المنزل) حتى وصل الأمر ببعضهم أن قام بتزوير صورة قرار لرئيس الوزراء بتعليق الدراسة وفرض اجازات رسمية مدفوعة الأجر..!! وهى بالطبع محاولات ممجوجة.
صاحب اتخاذ القرار يدرك أبعاد وتبعات أى قرار، فهو بحكم موقعه، نظرته شاملة ويدرك كافة التفاصيل عبر جهات مختصة توفر له المعلومات الدقيقة، القطاعات المتضررة، وعدد أفرادها، والأسر فى طول البلاد وعرضها، حتى يصل فى النهاية إلى الملايين من عمال القطاع الخاص يتضررون من قرار مثل هذا، وخلفهم ملايين تعيش فى وظائف مبنية على نزول العمال والموظفين والطلبة إلى أعمالهم ودراستهم، فلو نظرنا فى عجالة إلى سيارات نقل الركاب، أصحابها والعاملين عليها وأسرهم، أصحاب المحلات والأكشاك الصغيرة (وأسرهم) والتى يتعامل معها العمال والطلبة فى حال خروجهم اليومى، أصحاب الصناعات الصغيرة التى تمد مثل هذه الأكشاك بالمتطلبات اليومية من صناعات صغيرة من مأكولات ومشروبات .. العمال فى شركات البناء والتشييد .. فى المحلات .. فى المقاهى .. الأندية .. البائع المتجول الذى يفرش فى مكان ما أو الذى يحمل بضاعته لينتقل بها بين الأتوبيسات .. إلخ من مهن تتوقف حياتها مع توقف الحياة التى يسعى البعض إليها لأنه فقط لا يريد أن يذهب إلى عمله كموظف يضمن راتبه فى نهاية الشهر، والغريب أنه من الأصل يذهب ولا يعمل .. !!
مَن يدرك أبعاد قرار مثل هذا سوف يقرر الذهاب إلى العمل وينادى بالخروج وممارسة تفاصيل الحياة مع الأخذ بكافة التدابير الوقائية لمنع انتشار الفيروس. لأن الاهتمام بمثل هذه التدابير الوقائية أسهل وأفضل مئات المرات مما يترتب على فرض قرار تعليق الدراسة وتقليل العمالة فى القطاعات الحكومية والخاصة.
أيها السادة .. هناك شعوب تتظاهر ضد قرار تعليق الحياة .. شعوب محبة للحياة وتعلم أن تعليق الحياة هو مرض لعين .. شعوب تعلن أنها سوف تتخذ كافة التدابير الوقائية لمنع انتشار الفيروس لكنها ترفض الاستسلام، ترفض أن تفقد عدة أسابيع من حياتها إن تم فرض الحظر، بينما لدينا أناس قد يتظاهرون للبقاء فى المنزل، يتظاهرون من أجل النوم..!! أناس يفبركون الأخبار ويزورون الوثائق لإثارة البلبلة ونشر فكرة فرض الحظر وتعليق الدراسة .. أناس لم يلتزم أحدهم يومًا بأى إجراء احترازي ضد هذا الفيروس، ولن يبقى أحدهم فى المنزل بسبب قرارات المنع التى نادى بها.
الأمر بسيط للغاية .. لندع الحياة تسير والجميع يتحرك ويعمل ويحافظ على نفسه وعلى مَن حوله .. ومَن لا يستطيع أو يخشى على نفسه أو على أحد أفراد عائلته فليأخذ قرار يخصه وحده فقط ويقبع فى داره إن أراد، لكن اترك غيرك من الذين لم ولن تعرف كم معاناتهم من قرارات مثل هذه.
وللحد من انتشار الشائعات أتمنى أن نتوقف عن نشر الأخبار لمجرد نشرها قبل التأكد من مصدرها وإن كان يجب فى البداية أن نفكر فى الخبر بعين فاحصة ونزن الأمور بعقل واعٍ، وبديهى أن أبحث عن مصدر الخبر للتأكد .. فقد أصبح متاح اليوم عبر الوسيط الإعلامى الذى تحمله بين يديك أن تصل إلى مصدر الخبر عبر لمسة اصبع تبحث عن الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية .. لرئاسة مجلس الوزراء .. المتحدث الرسمى لرئاسة الجمهورية .. النائب العام .. الصفحات الرسمية للوزارات المختلفة .. بل وصل الأمر إلى وجود تطبيق خاص برئاسة الجمهورية أتابع كافة التفاصيل والأنشطة والقرارات فى الرئاسة لحظة بلحظة على تليفونى وأنا فى أى مكان. تطبيق رئاسة الجمهورية وكل هذه الصفحات الرسمية تم من أجل الحد من انتشار الشائعات فلا تكن أنت حطبًا يشتعل لينشر لهيبها.

 

*روائي مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق