ثقافة المقال

الأمازيغية في الأدب

عبد القادر صيد*

فلتنجاوز العتبة الفلكلورية، لندخل في الصميم، فإن الدخول في التفاصيل يجعل من المسألة أمرا تقنيا، ومن شأن التقنيات أن تفرغ كافة الشحنات، وتضع القضية في المحك، ما يدفع القريحة إلى المزيد من التفتح، بعدها مباشرة سنرى الطاقات تتحرر، وتتخلص من مجرد شعارات مشحونة إلى عمل هادف يثري الأدب الوطني وينوّعه، وسترتفع شيئا فشيئا اليد الأجنبية التي تحاول أن تنحرف بالقضية من مسألة هوية، إلى مسألة صراع..

والمؤكد أن المسألتين مختلفتان، وليس حتما وجود وجهين لهوية واحدة هي الجزائر يعني التناحر والنزاع، فالجزائر عظيمة وكبيرة تتحمل أكثر من أوجه، وتستوعب الجميع بغض النظر عن النوايا، لأننا أمام حقوق، والحق يمنح لصاحبه مهما كانت نيته.. وسيأتي اليوم الذي تدرس فيه الأمازيغية في كبرى الجامعات العالمية على أنها إحدى اللغات الإسلامية، كما تدرس التركية والفارسية، وستكون رافدا من روافد الثقافة الإسلامية بغض النظر عن مضمون إبداعاتها، الموافق منها أو المخالف، فقد استوعب الأدب العربي الفكر الشعوبي وغيره، لأن الحكم في ذلك للامتداد الجغرافي..
إن الحبسة الأدبية التي تعيشها البلاد ــاعترفنا بها أو أنكرناهاــ قد يكون أحد أسبابها، عدم الاعتراف الضمني والداخلي فينا لهذا المكون الثقافي، سيساعدنا المضي في هذا الاتجاه على المضي إلى العالمية، فليس المطلوب من الجزائري، والمغاربي عموما أن يكون مشرقيا، و إنما المطلوب أن يكون هو، وقد عبر عن ذلك الصاحب بن عباد حين حصل على نسخة من كتاب “العقد الفريد” لابن عبد ربه بعبارة: “هذه بضاعتنا ردت إلينا”، لامزا ما فيه من ثقافة مشرقية، وربما هذه العبارة لم يقف أمامها أهل منطقتنا طويلا وبتأمل، وما دام قد انطلق المشروع، فإننا نريد له أن يكون راشدا وذاتيا.
غير أنه مما يقلق هو هذا التعسف في تبني هذه الفكرة من قبل فرقة معينة أو منطقة معينة، فهذا الاحتكار لا يساعد في إثراء الأدب الجزائري، ولا يزكّي التلاقح المطلوب، كما قد يخلق صراعا داخل الكتلة الواحدة، مما يحول دون الدفع بالقضية إلى الأمام.
إن الانتقال من هيمنة الثقافة الشفهية في الأدب الأمازيغي إلى الأدب المكتوب هو نقلة نوعية، ولكنها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسلم من نكهة الشفهي، وهو أمر محمود، لأن فقدان هذه النكهة الأمازيغية الأصيلة يفتح المجال أمام ثقافات دخيلة، وسيفتح المجال أمام المخابر المشبوهة طبخ نكهات صناعية بديلة تضر بجسم الأمة..
أتوقع أن يمتد جسر متين بين اللغة العربية والأمازيغية إذا سار المشروع سيرورة عادية، لأن المواطن الذي يقاسم الجغرافيا أولى الناس أن يقاسم الإبداع، فتتم عملية الترجمة المتبادلة بين اللغتين، كما أتصور أن تكون الكتابات الأمازيغية حداثية، لا تبدأ من حيث انتهى الحرف العربي، وأما المحتوى الفكري، فسيذهب بعيدا بحكم الانبهار أمام هذه الأبواب الممنوحة والمفتوحة، ثم سيعتدل شيئا فشيئا ليعود إلى الروح الأمازيغية الأصيلة، هذا عادي في كل تجربة جديدة، وستعود المسألة إلى وضعها الطبيعي، وهي قضية اللغة، وستنقشع الغيوم تلقائيا كلما كثر المنتوج.
دون تنجيم سيظهر أدباء لامعون بحكم الجديد الذي سيعرض على العالم، وستترجم أعمالهم إلى العديد من لغات العالم، وبحكم العولمة، وبحكم شيء آخر هو التشجيع العالمي الذي يرتكز على الفروقات والخصوصيات المميزة، ستمنح أيضا جوائز إقليمية وعالمية، ستتفتح الأفكار لتذوب في العالم الأكبر الذي هو العالم الإنساني، قضايا الإنسان بصفته إنسانا قبل الانتماء والانتساب، والذي هو مادة الأدب وغايته ورسالته.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق