ثقافة المقال

الشَّارِعُ ثَقَافَـةُ الشُّعُوب

يوسف الباز بلغيث*

هناك ثقافةٌ مُسطَّرَةٌ في الكتبِ تَستَشْعرُها الشُّعوبُ بأحاسيسِ خيالِها، وأخرى مرئيَّةٌ تعيشُها عيانًا!.. وقد قِيلَ إذا أردتَ أن تقيسَ شخصًا فانظرْ إلى مُستواه من خلال ما يُطالع. وقد يجدُ هذا المفهومُ بعضَ النِّسبيَّةِ حالما نعاينُ أمَّةً ما تَدَّعِي تَشَرُّبَها من الثـَّقافةِ، وسلُوكاتُها باتِّجاهٍ مُعاكس؛ وإذا أتينا مجتمعَنا اليومَ نجدُه يعيش تضارُباتٍ جمَّةً، يقفُ المواطنُ حيالَها _في أحايينَ كثيرةٍ_ متقلِّبَ المزاج، مُنْفَصِمَ الشَّخصيَّةِ، سِلْبيَّ العَزْم.

وحتَّى مُؤسَّساتُنا التّربويـَّةُ والقانونيَّةُ أصبحتْ لا تكترثُ _في خِضمِّ هذا الاضطراب_ بما يُفاقِمُ هذه الظَّاهرةَ السِّلبيَّةَ، أو ما يدفعُ إليها.
• إنّني أريدُ أنْ أحيلَ النَّظرَ إلى قضيَّةِ اكْتنازِ شَوارعِنا بتلكَ الزَّماميرِ، والأغاني الهابطةِ، وسِباقاتِ السَّيَّاراتِ المشحُونَةِ بقِلَّةِ الأدَبِ، كُلَّما دَقَّ جرسٌ يَشِي بانْصرافِ طُلاَّبِنا؛ في أوقاتِ الخُروجِ من البيتِ إلى المؤسَّسةِ والعودةِ إليها مُجدَّدًا. والغَريبُ في الأمر أنَّ بعضَ مَنْ يقومُ بهذه الحَركاتِ الطّائشةِ هُم أصحابُ العلاماتِ والرُّتَبِ الأولى في صُفوفِ الدِّراسةِ؛ وحينها يطفُو الاستغرابُ إلى مَداركِ العُقلاءِ حينما تجدُ تفسِيرًا غيرَ مُتجانسٍ لهذهِ المعادلةِ، في توضيحٍ صارخٍ لانفصامٍ نفسيٍّ في مزاجِ شخصيَّةٍ مضطَربةٍ، تحصَّلتْ على أرْفَعِ الدَّرجاتِ في العلم، وانْحَطَّتْ إلى أرْذَلِ المداركِ بسُلوكاتِها غيرِ المسؤولة.
• إنَّ عدمَ اكتراثِ أصحابِ الشَّأنِ( المواطن/الدَّولة) سيزيدُ الظَّاهرةَ تأصُّلاً وصَدَأً، وحينما يصبحُ الأمرُ كذلك؛ ستتفَشَّى، وتأخذُ حيزًا آمنًا لدَى مُجتمعٍ يتداعَى دونَ مناعةٍ للانهيار، وسيتقبَّلُ هذا الوضعَ قَبولاً على مضَضٍ، وقد انفلتتْ سِلسلةُ الحكمةِ من بينِ يديْه؛ وعندما يصلُ “التَّحرُّشُ الجِنْسِيُّ” _على سبيل المثالِ_ أوْجَهُ سنقفُ مكتُوفِي الأيدِي بمَا لحِقَه من آفاتٍ أخرى، سنندمُ حينَ لا ينفعُ ندمٌ أو امْتِعاظ. وإنَّ الشّخصَ الذي تُسوِّلُ له نفسُه مُعاكسةَ بناتِ النّاسِ، وتأخذُه العِزَّةُ والرُّجُولةُ إذا نظرَ أحدُهم مُعاكسًا أختَه لَجَدِيرٌ بأنْ يزورَ مَصحَّةً نفسيَّةً، لِقَبولِه بِالوجْهِ الأوَّل للمُعادلةِ، ورفضِه لِلوجْهِ الثـّاني لها.
• مُجتمعٌ يُسَخِّرُ كلَّ ظروفِ الأوبئَةِ النّفسيَّةِ والأخلاقيَّةِ _ في إطارِ مواطنةٍ تُرقِّعُ ثيابَ المعايشةِ السَّويَّةِ المنشُودة_ وهُو يُجَنِّدُ هيئاتِه لِمُحاربةِ هذه المشكلةِ دونَ اهتمامٍ بالغ. وعندما يأنفُ أولياءُ التّلاميذِ بأنفسِهم دُونَ أخْذِ أيِّ دورٍ في البحثِ عن حُلولٍ ناجعةٍ للمشكلةِ_في غيابِ الرَّادعِ القانونيِّ وقبله الأخلاقيِّ_ سيجدُ الشَّبابُ الواعدُ السَّبيلَ مفتوحةً للقيام بما يشاءُ دونَ اسْتحياءٍ أو خوفٍ.
• إذًا؛ ماذا يُريدُ مجتمعٌ يُواكبُ الحَضارةَ بخُطًى مُتَقَهْقِرَةٍ، و بأخْلاقٍ مشبُوهةٍ، وبِعْلمٍ لا يعرفُ مِنِ اسْمه غيرَ التِّقنيّة..؟! وماذا تبْغِي منظُومةٌ تَعليميَّةٌ من جيلٍ يطمحُ إلى تحقيقِ رغباتِه وفَرْضِ ذاتِه على حسابِ مُقوَّماتِ الحضارة، وهو راضٍ بالقُشور..؟! ولقد باتَ من المؤكَّد أنَّ الشّارعَ أصبحَ عُنْوانَ ثَقافةِ الشُّعوبِ، بما يحملُ دونَ مُواربةٍ طِباعَ أُناسٍ، لسْنا بِحَاجةٍ إلى تقييمِ مستواهُم الفكريَّ، وهُم يَتَمَظْهَرُونَ بسُلوكاتِهم الفجَّةِ على حقيقتِهم، بثقافةٍ يتَنَطَّعُ بها اللِّسانُ، ولا يُؤمِنُ بها القلب.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق