ثقافة السرد

مايسة

قلولي بن ساعد

كانت تنتعل حذاءا ممزقا وفستانا باليا بأكمام شبه متدلية متخذة من ركن قصي في ساحة عمومية مقاما لها تتطلع لصدقات المحسنين إليها أمامها بعض الأواني القديمة والأفرشة الممزقة والثياب الرثة ..الناظر إليها يعتقد أنها غريبة عن الديار لا أحد يعرف كيف تداعت بها الأيام ورمتها مثل خرقة بالية في دياجير الموت والخواء لا سقف يأويها سوى السماء ..حدق فيها محدثي قال مسكينة مايسة لو تعرف قصتها قلت ومن أين لي أن أعرف …

لم أكترث لمايسة كثيرا لأني أحسست بضرورة أن أصيخ السمع بتركيز شديد إلى راوي الحكاية …..

قبل أن تؤول إلى ما هي عليه الآن كانت محط أنظار باعة الشنطة السياسية والمنتخبين المزيفين والتجار واللصوص لقد تغيرت فيها أشياء كثيرة …شرخ كبير حفره معول الزمن والشقاء في أخاديد وجهها وجسدها الهزيل الذي لم يعد ذلك الجسد الذي أعمى في ربيع عمرها المنقضي أطياف شتى من الرجال والوصوليين الذين بذروا من أجلها الأموال التي سطوا عليها من الخزينة العمومية… ذابت كلها بين دبابيس الأرجل الرخوة والصدور البديعة والحفلات الرخيصة في الأمكنة النائية والفضاءات القصية … دخلت المدينة تحمل إثم إغتيال براءتها وعذريتها عندما تعرضت لأبشع إختطاف كانت تقطع الجسر الذي يفصل قريتها إلى شطرين عائدة من بيت عمتها ..أمسك بها أحدهم وكان يغطي وجهه بعمامة سوداء لا تظهر منها سوى عينيه المخيفتين حملها ثم قام برميها داخل سيارة رباعية الدفع محاطة بين أربعة رجال هم أشبه بالوحوش الضارية ..إنتفض أحدهم ثم شرع في وضع قطعة قماش على عينيها وأخرى على فمها ليمنع عنها الرؤية أو الصراخ وطلب النجدة …إستسلمت لقدرها المحتوم …. مرت ساعة أو أكثر ثم سرعان ما وجدت نفسها في مكان هو أشبه بالخندق تجثو عند ركبتي رجل ملتح تتوسل إليه بإخلاء سبيلها قيل لها أنه الأميرنادى على رفاقه قرأ له أحدهم عليها فاتحة الكتاب دون موافقتها ودون صداق أو مهر كأمة أو جارية …قام بجرها إلى جحره تبعته دون مقاومة ..إغتصبها بعنف …ظل يمارس عليها كل رغباته الدفينة وحماقاته المحمومة بوحشية لا حد لها …تمكنت بالكاد بعد أيام من مخادعتهم والفرار مساءا عبر الوهاد والغابات الكثيفة عندما وجدوا أنفسهم في قلب المواجهة لغارة مفاجئة من غارات أفراد الجيش..لعلع فيها الرصاص في الأرجاء وفوق التلال والهضبات الترابية …قطعت مسافة بعيدة حتى أصبحت أكثر اقترابا من جحافل قافلة الجنود المرابطة أسفل الغابة رغم إمارات التعب البادية عليها .. هبوا إليها …هدأوا من روعها ومن الرعب الذي سكنها …قصت عليهم كل شيء منذ لحظة اختطافها من قريتها ….كانت ترد على أسئلتهم بصعوبة بالغة بصوتها المتهدج وبتلكؤ وهي تجيب بما رأت وسمعت منهم …أخبرتهم أيضا أنها ترفض العودة إلى بيت ذويها خشية من الفضيحة ومن بأس ووحشية والدها المتزمت .قاموا بنقلها إلى المستشفى ومنه إلى عيادة طبية لإعادة التأهيل النفسي لها لإزالة وقع الصدمة عنها ..تكفل بمتابعة حالتها النفسية طبيب فرنسي قرر الإقامة في هذه المدينة وفتح عيادة بها إرضاءا لذاكرة والده الجزائري المولد والذي عاش شطرا من حياته بيننا بحثا عن رأس الخيط الذي يربطه بالجذور العربية لوالدته في الحي المسمى “بيرو عرب ” يقال أنه تطوع لملازمة الثوار في جبال بوكحيل وأنه كان صديقا لفرانز فانون وجان سيناك ويتكلم اللغة العربية بطلاقة وناصر الثورة الجزائرية منذ مخاضها الأول وظل متشبثا بهذه الأرض إلى أن غاردرها مع مطلع الإستقلال مجبرا وعندما تماثلت للشفاء أخلوا سبيلها فكرت في البحث عن عمل أو وظيفة تقتات منها لكنها لم تكن تملك مؤهلا أو شهادة تمكنها من العمل في مؤسسة خاصة أو عامة لتحصيل قوتها اليومي سوى شهادة جسدها… وجدت نفسها دون وعي منها وتحت ضغط الحاجة كقشة تائهة لا صدرا تلجأ إليه أو أب أو زوج يحنوا عليها تنتقل من حضن لآخر ..لا تفرق بين تاجر أو مسؤول أو لص كلهم سواسية عندها طالما أنهم يدفعون لها كل ماتريد مقابل أن تتحمل كل قيئهم ومكبوتاتهم التي لا تنتهي ..لم يمض وقت طويل على ترددها على البيوت السرية للمدينة والفضاءات الخاصة فقد كان ذلك الوميض الذي يشع من عينيها والممرات الشائكة لجسدها الماكرة قد استبدت بكل من حولها ..ساق لها القدر كهلا كان يعاني من الوحدة والوحشة في مدينة باردة لا أهل له فيه أو خلان أو صلة قرابة التقطها في ليلة شتوية من شتاءات المدينة الأكثر قسوة وإيلاما للجسد…. تصور في البداية أنها ستقضي معه ليلة حمراء تمنحه فيها كل مايشتهي ثم تنصرف لحالها بعد أن يعوضها عن هذا التعب المضني الذي تعودت عليه كلما دعاها أحد من الرجال لرغبة ممكنة ..تعجب كثيرا عندما رأها فجر اليوم التالي منهمكة تنظف له حجرات البيت بما في ذلك مكتبته الخاصة …أزالت عنها الغبار والتراب ..أعادت توضيبها وترتيب الكتب في الرفوف لتسهل عليه الوصول إلى أي عنوان يريده بطريقة لائقة ودون عناء …حتى ملابسه قامت بغسلها اندهش لهذا السخاء منها وحيويتها فطلب منها البقاء معه في البيت إلى أجل غير مسمى …. وجدها فرصة ثمينة فوضعيته القانونية كلاجيء لا تسمح له إلا بزواج عرفي لقد أحب وتزوج مرة واحدة فقط في حياته عندما وجد نفسه محاطا بعشق إمرأة أخرى من طينة أخرى كان يشعر أن دم مدينته نابلس يجري في عروقها رآها لأول مرة بالصدفة هاربة تبحث عن مكان آمن لكي لا يطالها القصف الأعمى … سألته عن مقر منظمة “الأرنوا “المكلفة بإغاثة اللاجئين …أخذها إلى بيته تنفست الصعداء وهي تلمح من بعيد والدته المقعدة في صدر البيت منذ زمن بعيد بفعل تعرضها لشضايا صاروخ أصابها في رجلها اليمنى تقوم بتنقية الإرز تمهيدا لطهيه .. احتضنتها مثل ابنتها تماما وعندما توقفت غارات القتال لفترة محدودة عادت من حيث جاءت هزت وجدانه المقفر كصحراء خالية وأعلنت عليه الحب …سيطر عليه الهوس والجنون بها ..أسر لولادته بذلك ثم تقدم لخطبتها فصارت زوجته ..هو لم يتركها أو يتخلى عنها لا زالت هناك في نابلس مع والدته وابنتهما الوحيدة تنتظر عودته … الظروف هي التي أجبرته على الرحيل المفاجيء والبحث عن وطن يأويه لم يكن يملك من الوقت الكافي ليأخذ أسرته معه لقد خشي على نفسه من الأسر أو الإغتيال المباشر بعدما قام بتفجير زجاجة معبأة بالمواد القاتلة السريعة الإنفجار داخل حافلة تقل ركابا متوجهين لأداء عيد الفصح اليهودي ..نجى بإعجوبة ….فعل ذلك ردا على الإنتهاكات التي تتعرض لها مدينته ويتعرض لها بنو جلدته ..أقام في أكثر من بلد عربي لفترات مؤقته وكان يشعر بالخوف وبأشياء غريبة وتحركات خفية لم يذق طعم الأمان إلا في بلد الثوار ..في هذه المدينة الهادئة كان يقضي سحابة نهاره بين الطلبة في الثانوية التي يدرس بها مادة الفلسفة وحين يعود إلى البيت يجدها في استقباله وقد هيأت له كل أسباب الراحة ..كان مطمئنا إليها كل الإطمئنان رغم أنها لم تستطع أن تتربع على وجدانه لتحل محل حبه الأول الذي رعته العناية الربانية تحت شموس مدينته الثائرة … كل ما بينهما لم يكن سوى مجرد إستئناس هاديء دون مشاعر سوى الشعور بالشفقة عليها وحاجته إلى دفئها الأنثوي هي أيضا وجدت فيه ما يقيها من التشرد والضياع والتنقل بين البيوت والأمكنة القصية المعزولة بغرابتها وتفاصيل الحياة فيها ومتاهاتها الرمادية وخيالات الخوف والقلق والركض في المجهول التي كانت تسكنها ..منحته كل ما يشتهي أسكنته بؤبؤ عينيها وكانت مستعدة لهدر كل طاقاتها الأنثوية مقابل أن يحتفظ بها وأن تظل في خدمته ولم تكن تعلم ما تخبئه لها الأيام لقد إستيقظت فجأة ودون سابق إنذار على خبر عودته إلى بلده بعد اتفاقية أوسلو التي سمحت له كما لغيره من فلسطيني الشتات بالعودة إلى نابلس وبالعفوعنه ترك لها قليلا من المال قام بإدخاره في البنك وبعض الهدايا من الحلي التي كان يهديها إياها لحظة تطلعه إلى عينيها السوداوين أو يتملى من أعشاب جسدها بلا انتهاء حين يود أن يمارس في حضنها طقوس الموت واللوعة والإشتهاء …بكته كثيرا كما لم تبك أبدا رجلا لا قبله ولا بعده رغم خبرتها الحياة …تمنت لو أنها حملت منه على الأقل كان سيترك لها ما تذكره به …إستسلمت للبكاء ..غسل الدمع مآقي عينيها وبشعور من يتحمل وزر أساها تطلع إليها في لحظة ألم وانسحاب إجباري فرضته ظروف لا قدرة له على مجابهتها أو التردد لم يستطع التحمل كان المشهد تراجيديا بكاها هو أيضا ثم إنصرفت لا تلوي على شيء قبل أن يسلم مفتاح الشقة لإدارة الثانوية ..خمس سنوات قضتها معه في بيت آمن لم تشعرقط بسعادة قبلها لم تجد أمامها من مرفأ ترسوا عليها سفينتها التائهة دون وجهة أو دليل تذكرت صديقتها “عيشة الغناية” التي كثيرا ما كانت عونا لها …يراودها دائما إحساس نحوها بأمومة فقدتها منذ حادثة اختطافها المؤلمة يقال أن عيشة أطلق عليها الناس لقب “الغناية ” لكونها كانت تملك في ريعان شبابها صوتا عذبا وحنجرة ذهبية وذاكرة قوية في حفظ قصائد الشعر الملحون والمدائح الدينية …..هي لا تنسى كيف أعجب بصوتها خليفي أحمد وطلب منها الإنضمام لفرقته الموسيقية حينما زار الجلفة في منتصف السبعينيات وأحيا فيها حفلا كبيرا بدعوة من ضابط عسكري برتبة عقيد بمناسبة زفاف إبنه لكن والدها الميلود رحمه الله رفض ذلك رفضا قاطعا ..شعرت بحرج كبير وهي تعتذر لهذا الفنان الكبير عن فرصة العمر و ما أن توفي والدها حتى هبت للإنضمام لفرقة سي أحمد الأمين وأصبحت واحدة من أعضائها البارزين لا يخلو أي عرس أو فرح من وجودها فيه …كان صوتها العذب القوي يسمع من بعيد وترد صداها جبال حواص تتذكرمايسة كيف عرفتها قبل خمس سنوات عندما كانت تتردد على الحفلات التي تقيمها في فضاءات اللهو والسهر والإستمتاع وقد تبين لها أنها تشفق عليها كثيرا وتخصها بمعاملة خاصة ولا تتردد في إسداء النصيحة لها .. استقبلتها بشوق ولهفة …حكت لها كل شيء .. اقترحت عليها إيداع ما تملك من نقود وحلي في البنك ..لم تنخرط هذه المرة في أجواء السهر والجنون مثلما كانت تفعل قبل ارتباطها بذلك الكهل المشرقي القادم من مدينة الزيتون والأرز والشجر والماء .. .. انكفأت على نفسها واستعاضت عنها حين تشعر ببعض الإختناق أو اللوعة بالتوجه مع صديقتها عيشة إلى البيداء الشاسعة أو إلى بساتين رؤوس العيون للترويح عن نفسها واستنشاق نسمة هواء منعشة …خبر تواجدها وعودتها لبيت صديقتها لم يعد طي النسيان أو الكتمان إنتشر بسرعة البرق.. تناقلته الأفواه الجائعة إلى فحيح نداء الجسد .. كل الذين رأوها أو حاولوا الإقتراب منها خاب مسعاهم كانت تصدهم واحدا بعد الآخر ما عادت لديها الرغبة أو الإستعداد لتقبل أحد أو الخروج معه مهما كان …كانت عيشة تنقل إليها أخبار الذين أشعلت فيهم نيران اللوعة بها وهي صامدة متمسكة بعنادها ..أقسمت لصديقتها أنها في غنى عنهم جميعا دون استثناء ..فجأة لاح في الأفق عاشق جديد لا أحد توقع ظهوره أو رغبته المحمومة كان شيخا تجاوز الستين من عمره بقليل أسمر البشرة .. قيل أنه شخصية مهمة ويمتلك ثقافة دينية واسعة وهو حريص كل الحرص على التقيد والإلتزام بأداء واجباته الشرعية خاصة ما تعلق منها بشهواته ونزواته ونعيم الحياة الزوجية التي يختزلها في حقوقه البيولوجية ولا يتنازل عنها مطلقا و يستدل عليها بماجاء في صحيح مسلم ” أن الرجل وزوجته يثابا على الجماع بما يعادل سبعين صلاة نافلة”..لذلك هو لا يطيق الإكتفاء بزوجة واحدة ويظن نفسه أنه حينما يضيف زوجة أخرى إلى زوجاته الثلاث إنما ليضاعف الأجر والثواب وينال المغفرة رغم أنه لايتردد أحيانا في تناول كؤوس البيرة والويسكي في المناسبات البروتوكولية التي تجمعه بأعضاء البرلمان و” أعيان البلاد ” وكبار المسؤولين الذين صار واحدا منهم يعتمدون عليه في حل النزاعات القبلية ووأد أي احتقان إجتماعي أو إضراب مهني والحيلولة دون خروج أفراد قبيلته عن طاعة السلطان …منذ البداية أعلن عن رغبته في الزواج منها قال لعيشة ستكون زوجة رابعة ببيتها المستقل عن بيوت باقي زوجاته مكرمة مثل أي سيدة بيت فاضلة ترعى شؤون زوجها وتؤدي “واجباتها الشرعية “على أكمل وجه وعندما سألته عيشة يا الحاج أنت لك ثلاث زوجات ما حاجتك لزوجة رابعة إكتفى بالقول لها ” الزين حبوربي ” ..كان يتردد عليهما بين الحين والآخر محملا بالهدايا الكثيرة والأغذية المتنوعة والفواكه المستوردة لإغراءها واستمالتها وجعلها توافق على الإرتباط به ..وكانت عيشة تحاول إقناعها والتأكيد لها أنها ستصير زوجة في رقبة رجل وتحت كفالته وتتخلص سريعا من محنتها القديمة… إنه شيخ مسن نعم ولكنه محترم وسخي وينام على ثروة طائلة ..إحساس مفاجيء وضامر جعلها توافق على هذا العرض السخي لعل شآبيب الرحمة تنزل عليها وتنجب الذكر الذي تمنته طويلا لتتوكأ عليه في أرذل العمر وتمارس أمومتها كباقي النساء …زفت إليه عيشة الخبر واشترطت عليه أن تخرج من عندها كأي عروس وأن يقيم لها عرسا بهيجا …إخترق هذا الشرط طبلة أذنه..تردد في البداية ثم سرعان ما وجد نفسه يذعن لها قدم لها مهرها كاملا ..أقام لها عرسا غنت فيه عيشة مع بعض المغنين الشباب …كان صوتها الرخيم هو الأبرز …تستطيع أن تميزه من مسافة بعيدة بإيقاع البندير والناي الصحراوي ..أكل الفقراء اللحم والمشوي إلى حد التخمة ..كان يشعر بالبون الشاسع بينها وبين زوجاته الثلاث رغم ما مر بها من محن ..منحته كل ما كان يطلب منها ..أخلصت له رغم فارق السن الذي يفصلها عنه …أعطاها كل ما تحتاجه أنثى من رجل فحل يفك شفرات شللها العاطفي ويدفع عنها الوحشة والأذى والوحدة القاتلة منذ الليلة الأولى من زواجها به عندما فاجأها وهو يثب إليها ويطوقها بعضلاته القوية …خيل لها أنها في حضرة شاب في الثلاثين من عمره في وهجه ومضاعفة نشوة الإلتحام بها التي كانت تمتد حتى بزوغ الفجر ليأخذ منها التعب والسهر منتهاه …كان رؤوفا بها ودودا لها ما من حاجة تطلبها منه وإلا وكانت بين يديها .. بنى لها بيتا جديدا بعيدا جدا عن بيت كبرى زوجاته السليطة اللسان أم أبنائه الذكور وقد قام بتحذيرهذه الأخيرة من مغبة الطلاق إن هي كررت تجاوزاتها بحق زوجاته الأخريات خاصة منهن الصغرى وحين لم يطمئن قلبه كتب لها وثيقة يعلن فيها تنازله لها عن المسكن الجديد الذي أقامه وأصى أبنائه الذكور بضرورة الإلتزام بتنفيذ هذا التنازل في حالة الموت لا قدر الله … كان من النوع الذي يفرض رأيه بالقوة لقد عود أبنائه وزوجاته طيلة مسيرته في الحياة أن لا صوت يعلوا فوق صوته وأن قراراته لا تقبل المناقشة أو التردد هو مهاب منهم جميعهم لا يتجرأ أحد من أبنائه أو نسائه على مواجهته أو التفكير في مجرد الإعتراض على نواهيه وأوامره وفي لحظة مستقطعة من الزمن حدث مالم يكن في الحسبان وجدوه ملقى على قارعة الطريق أمام باب سيارته … شهود عيان قالوا أنه كان عائدا من وحدة إنتاج الحليب الكائنة بالمنطقة الصناعية التي يديرها ابنه البكر ..فجأة أوقف سيارته على يمين الطريق أمسك رأسه سقط متأثرا بصداع لم يتبينوا مصدره ..تكفل بعض المحسنين بنقله إلى المستشفى ثم سرعان ما غادر الحياة … كل الذين عرفوه قالوا لقد كان في كامل قواه الصحية والعقلية لم يشتك أبدا من مرض طوال حياته سقط المرحوم مرة واحدة وبشكل مفاجيء ..وصل الخبر إليها وعندما أرادت رؤيته لأخر مرة تعرضت لمعارضة شديدة من إبنه البكر قال لها ” الله يرحمو” ماذا تفعلين به الآن غدا سنشيعه إلى مثواه الأخير… … أنهت ما عليها من عدة ….عاد إليها الإبن البكربعدها منحها فرصة أسبوع واحد لحمل متاعها ومغادرة البيت وعندما ذكرته بالتنازل عن المسكن الذي أوصاه والده المرحوم بتنفيذه … استلم منها النسخة التي معها ثم قام بتمزيقها إربا إربا أمامها شاتما فيها …لم تتحمل وقع الظلم المسلط عليها فقدت السيطرة على أعصابها ..هبت غاضبة إلى المطبخ حملت السكين وأدخلته في بطنه في الوقت كان فيه مستلقيا على ظهره في غفوة داهمته من شدة التعب … مات على إثرها … اختلط الدم ببكائها ..تركته يسبح في دمه ثم خرجت متوجهة إلى مركز الشرطة للتبليغ عن جريمتها …نسي الناس أمرها إلى حين … أدينت بعشرة سنوات سجنا نافذة قضت نصفها بالسجن والنصف الآخر بمستشفى الأمراض العقلية وعندما أطلق سراحها وغادرت السجن وهي أشبه بشبح إمرأة داهمتها حمى الجنون لم تجد سوى أن تتخذ من هذا الركن القصي مأوى لها ……

غير بعيد عنها كان صدى مقطع أغنية ” مايسة يا مايسة مبطوطة ولا مداوسة ولا مزعكينك النساء* ” يرسله مكبر الصوت من مقهى شعبي مجاور إيذانا بإنصرافي وحيرة كبيرة تزج بي في بحر العدم والدهشة والتيه

 

 

* مقطع الأغنية المذكور هو من الفلكلور النايلي

*قاص وناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق