ثقافة المقال

غابة المحرمات

لا تدخل دون أن تتسلّح بالرّموز

سفيان رجب

لكلّ ثقافة تابوهاتها الخاصة، حتى تلك التي نزعت أثوابها القديمة، وعبرت نهر الحداثة سباحة، ما كادت تحتفي بتجاوز تابوهاتها القديمة حتى انتبهت أنها خلقت تابوهات جديدة من معتقداتها الجديدة. لكن تبقى الفوارق بين ثقافة وأخرى تحددها طرق التعامل مع المتجرّئين على تجاوز تابوهاتها، فإن كانت بعض الثقافات تعاقبهم ماديا بالسجن والنفي والقتل أحيانا، فإنّ بعض الثقافات الأخرى تعاقبهم معنويا بالتجاهل والتهميش والاستنقاص من القيمة الفنية لمنجزهم الأدبيّ.

العقاب الذي تتفق عليه أغلب الثقافات تجاه الكتاب الذين يخترقون تابوهاتها هو مصادرة نصوصهم ومنعها من التداول، وإن استعصى النصّ على المنع والحجب وبرز في ثقافة أخرى، تُجنّد له الأقلام لتردّ عليه وتسخر منه وتحاول إفراغه من معانيه، ويمكننا اليوم أن نقرأ نصوصا تتداول في العالم كلّه، لكن يُمنع تداولها في بلد أو في أمّة ما بسبب أنّ تلك النصوص تمسّ من تابوهاتها.

يمكننا أن نجد مثلا كتاب “قتل أمّة” للأميركي هنري مورغناتو في مكتبات العالم كلّها باستثناء مكتبات تركيا لأنّ الكتاب يتحدث عن زمن السلطان عبدالحميد الثاني وما وقع فيه من مجازر بحقّ الأرمن والمسيحيين، وهذا الموضوع هو تابو في تركيا، وكذلك الشأن بالنسبة إلى رواية “يريفان” لجيلبرت سينويه التي تتحدث عن الموضوع نفسه.

كما يمكننا أن نجد رواية “قصة سربرنيتسا” لإسنام تاليش في كلّ مكتبات العالم باستثناء مكتبات صربيا ومونتنيغرو، لأنّ الرواية تتحدث عن مجازر الصرب في حقّ مسلمي البوسنة والهرسك، وهذا الموضوع هو تابو في صربيا. يمكننا كذلك أن نقرأ رواية “آيات شيطانية” للهندي الإنجليزي سلمان رشدي بكلّ لغات العالم باستثناء اللغات العربية والفارسية والأوردية لأنّ هذا النصّ هتك نصّها المقدس، وهذا الموضوع هو تابو في ثقافة أغلب متكلّمي هذه اللغات.

كثير من النصوص مُنع تداوله لفترة زمنية طويلة وفي بلدان ذات سياسات ليبرالية متفتحة، ولعلّ من أهمّ هذه النصوص رواية “الساعة الخامسة والعشرون” للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو التي منعت في أوروبا سنوات طويلة بسبب فضحها للمجازر التي حدثت في الحرب العالمية الثانية والتي كان سببها جيوش الحلفاء وجيوش المحور معا، وهذا الموضوع بأمانته التاريخية هو تابو عند أوروبا الحديثة التي لا تريد أن تنظر إلى وجهها الشيطاني في المرآة دون مكياج.

قد تُكتب نصوص عفوية بعيدا عن ضجيج التابوهات، لكنها في زمن آخر وفي ثقافة أخرى تكون متورّطة في إثارة تابو ما. حين كُتبت ألف ليلة وليلة زمن المقروئية الشفوية لم تفكر في شروط المقروئية الدينية الأخلاقية التي جاءت بعدها، لذلك فإنّ التابو الذي جاء بعدها حجب منها ما ضايقه فقط.

حين كتب الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم قصيدته “بقرة حاحا النطاحة”، هل كان يفكر أنه يسخر من مقدّس ما؟ أيّ مستمع عربي سينفي هذه التهمة، وسيسخر منها، لكن لو ألقينا هذا السؤال نفسه على شخص هندوسي، فإنّ الإجابة ستكون حتما مختلفة.

لكن هل يمكننا الحديث عن ثقافة دون تابوهات؟.

حتما لن نحصل عن إجابة واحدة لهذا السؤال. فالقارئ الذي نشأ في ثقافة كونية منفتحة على ثقافات العالم سيجيبك: نعم. والقارئ الذي نشأ في ثقافة محافظة منغلقة على نفسها سيجيبك: لا.

إذن فالمسألة تبدو محسومة مع القارئ الأول، فهو يستعمل معايير فنية خالصة ليزن بها العمل الأدبي، ويقيس بها عمقه. أمّا القارئ الثاني فإنه لن يكتفي بهذه المعايير الفنية، سيستعمل معايير من خارج النصّ تكون مصنوعة من تابوهاته، وستكثر الاصطدامات بينه وبين النص الذي لا يعترف بتلك التابوهات، وعادة ما يكون نصا منقولا عن ثقافة أخرى، أو قد يكون صنيع كاتب تجرّأ على تابوهات ثقافته، وفي هذه الحالات تكون ضجة النصّ أكثر دويّا، فالمسألة هنا تتجاوز النص لتلاحق كاتبه.

كثير من الكتّاب يسلّحون نصوصهم بالرّموز قبل دخولهم غابة التابوهات، فيغلقونها أمام المقروئية العامية، وبذلك يتمكّنون من التعبير عن أفكارهم دون توجّس من سدنة التابوهات، إنهم يستعملون سلّم ابن رشد في الصعود إلى أفق المعنى: للعامّة ما للعامّة وللخاصة ما للخاصة. فكرة الرّموز هذه كانت حلا للكاتب وللسلطة الرقيبة معا، فالكاتب لن يضطرّ لختن أفكاره وتحجيمها لأجل ألا تحتكّ بتابوهات ثقافته، والسلطة الرقيبة سيزول عنها الحرج أمام العامّة التي لن تفهم النص المتخفي برموزه، وهي لا تمتلك الأدوات المعرفية لفكّ تلك الرّموز والأحاجي.

لكن كيف خُلقت التابوهات؟ وهل في خرقها تهديد لوجود الإنسان؟ إذا كان الإنسان يعتقد في مقدّس ما ويراه منزّها عن كلّ قول فما خوفه من كلام يحاول المسّ من معتقده؟ وما خوف الإنسان المتدثّر بالقماش من ظهور إنسان عار على خشبة مسرح أو في ظهور عاشقين يتعانقان في فيلم أو في رواية؟

نحن هنا نسأل فقط، ببراءة طفل يسأل والديه عن طريقة مجيئه إلى هذا العالم، فيجيبانه بأمثولة زرقاء عن لقلق ألقى به من مدخنة البيت، وحلّق بعيدا، وحين لا تكون لهما مدخنة في بيتهما ولا تكون لهما مخيلة تطير فيها اللقالق، يجيبانه بصفعة تسكته فورا، وتخلق داخله عقدة نفسية اسمها التابو. إذا كانت المسألة تبدأ بعقدة نفسية، فعلينا إذن أن نطرق باب كوخ الشيخ فرويد، ونطلب منه فانوسا لنعود به إلى غابة الإنسان الأول، ونحاول فهم عقدته النفسية الأولى التي تناسلت منها كلّ هذه التابوهات.

يقول فرويد في كتابه “الطوطم والتابو”، تحديدا في مقالته “التّابو وازدواجية الانفعالات العاطفية”، “تابو هي كلمة من أصل بولينيزي ‘السكان الأوائل في أستراليا’، نجد صعوبة في ترجمتها، لأننا لم نعد نملك المفهوم الذي تدلّ عليه، لكن ما نفهمه هو أنّ معناها يتشعّب إلى اتجاهين متعاكسين، يعني لنا من جهة: مقدّس، مبارك. ومن جهة أخرى: مدنّس، خطير، محظور. وما يعكس كلمة تابو في البولينيزية كلمة نوا، أي اعتيادي”. ويحاول فرويد توضيح مفهوم التابو، فيستشهد بقولة لعالم النفس التجريبي “فونت”، الذي يقول “إن التابو يشمل جميع العادات الاجتماعية التي تعبّر عن التهيّب من مواضيع معيّنة مرتبطة بتصوّرات عبادية، أو من تصرّفات تتصل بهذه المواضيع”.

نفهم من كلام فرويد وفونت أنّ التابو يرتبط بتشكّل نفسية الإنسان، بمعنى آخر هو مرتبط بوجوده وبتمثّلاته للعالم قديما وحديثا، وعلينا الآن أن نقلب السؤال الذي طرحناه قبل استشارة فرويد، بحيرة الوالدين اللذين سألهما ابنهما: كيف جاء إلى هذا العالم؟ ولم يمتلكا أمثولة فيها لقالق ومدخنة يكفّان بها إلحاحه للفهم.

ما جدوى أن يمسّ الكاتب تابوهات ثقافته؟ وهل شرط الإبداع هو في اختراق هذه التابوهات؟

يقول فرويد في المقالة نفسها “إنّ الشعوب البدائية (يصفها هو بالمتوحشة) لديها موقف ازدواجيّ تجاه محظوراتها التابويّة، ففي لا شعورها ليس هناك ما هو أحبّ إليها من انتهاك هذه المحظورات، إلا أنها تتخوّف من ذلك، وهي لا تتخوّف منه إلا لأنها ترغب فيه، والخوف أقوى من اللّذة”.

يقصد فرويد، أنّ من ينتهك التابو تكون لذّته أقوى من خوفه، ثمّ إنّ الجماعة لا تحسّ بتابوهاتها إلا بوجود من يمسّها، وفي حديث آخر لفرويد يقول فيه “إن من يلمس ‘تابوا’ يصبح هو نفسه ‘تابوا’، لأنه يملك الأهلية الخطيرة لإغراء الآخرين باتباع مثاله، إنه يوقظ داخلهم حسدا: لماذا يُسمح له بفعل ما هو محظور دون الآخرين؟ هو حالة عدوى إذن، ولذلك وجب تجنّبه هو الآخر”.

إن الكتابة التي تلمس التابوهات لن تخرج من لعبة التابوهات، بل إنها تزيد من تثبيتها، إنها تلعب بكرتيْ اللّذة والخوف لا غير. تضع الثانية قبل الأولى، لتنهض الجماعة وتعيد الكرتين في وضعهما الأول، وتضيف تابوا جديدا إلى تابوهاتها، تسمّيه النص الملعون، وتمنعه من دخول مكتباتها الرسمية، بينما تقرؤه في غرفها السرّية كما تفعل مع تابوهاتها الأخرى.

 
شاعر من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق