قراءات ودراسات

موعد نادر مع الذات

"أدب الاعتراف" في الثقافة العربية

عبدالمالك أشهبون*

كثيرا ما استوقفنا السؤال الملح والمحرج حول عدم شيوع “أدب الاعتراف” في ثقافتنا العربية، وهذا ما يفسر الفتور الكبير في إيلاء هذا الموضوع ما يستحقه من العناية والتركيز، من قبل الباحثين العرب، فما المقصود بـ”أدب الاعتراف”؟ يمكننا تعريف “أدب الاعتراف” بأنه فن من فنون الحكي الشخصي، شأنه شأن السيرة أو اليوميات أو المذكرات، إلخ. وعدا كونه يدخل في نطاق الأدب الشخصي، بما لهذا اللفظ من مدلول اصطلاحي حرفي (اعترافات)؛ فهو امتياز لا تحتكره فقط طبقة من طبقات المجتمع، بل هو مفتوح على كل شرائح المجتمع قاطبة، وفي مختلف مراحل العمر.

السياق نتحدث عن أدب الاعتراف يتبادر إلى الذهن، للوهلة الأولى، كتاب جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) بعنوان “الاعترافات” (Les Confessions)، وهو الكتاب الجريء الذي سعى من خلاله صاحبه إلى تقديم تجاربه في الحياة للناس، فلما واتته الفرصة، اهتبلها بجرأة غير مسبوقة، حيث نزع عنه قناع الخوف والحشمة والخجل، وانتهج أسلوبا آخر غير أسلوب التزييف أو التضليل في عرض الوقائع والأحداث، «وساق الحديث صريحا واضحا، واعترف بالسرقة والانحراف لينبه الآباء إلى العوامل التي قد تدفع بالأبناء إلى جادة الصواب».([1])

***

بما أن لحظة الاعتراف هي بمثابة موعد نادر مع الذكريات، حيث تتوقف عقارب الزمن، فإذا بكل دقيقة في تقليب صفحات هذا الماضي، قد تكون مضيئة أو مظلمة، أو فيها من الغبش ما يحول دون الرؤية التامة إلى سيرة المعترف الهاربة،([2]) تستوقفه تلك الذكريات، ويسترجعها، ليستحضر منها ما يُمتع القارئ ويفيده من جهة، وما يرتقي به إلى مرحلة من مراحل التطهير الذاتي في مكاشفة الذات من جهة أخرى.

ومن ثمّ فالحديث عن “أدب الاعتراف” بطعم عربي، اليوم، يقتضي من صاحبه ذلك الفعل الجريء، ولحظات من التردد والارتباك والحيرة، ترتعد فيها الأصابع وهي تخط الجمل الأولى في رحلة استكشاف حقيقة الذات التي يراد لها أن تتعرى أمام الآخر.

فحين يصير الطريق نحو مكاشفة الذات خيارا وجوديا، وتغدو الاعترافات لتكتسي طعم الهدف المبتغى، فلا تلكؤ ولا نفاق ولا تدليس؛ حينها يكون المعترف قد سلك معراج السالكين نحو سدرة منتهى الكلام، حيث لا يهم صوت القطيع وهمهماتهم، ولا السرب واتجاهه، بل تهم تغريدة عصفور فوق نافذة منسية، تذكرنا بأننا ما أحوجنا إلى فقه الإنصات لذبذبات الحقيقة. وهنا دعونا نتساءل:

ـ أليس أدب الاعتراف هو فعل إيجابي متفاعل مع الواقع، ينبش في مكامن الخلل من أجل التغيير والتطوير؟

ربما لأسباب تمتُّ بصلة إلى طبيعة الموضوع الذي يصنف في مجال التابوهات، والتي ما زالت تحط بكلكلها الثقيل على عاتق الثقافة العربية برمتها، وذلك في سياق ثقافي واجتماعي وسياسي عربي لا يمتلك تقاليد الاعتراف، أو آداب الإنصات، والأحرى أن يمنح لمنتجي الرأسمال الرمزي الأهمية الاجتماعية المميزة التي يحوزها في أوطان أخرى.

ولقد بات من المألوف أن الكلام في موضوعات الجنس والدين والسياسة، لا تزال في بلداننا العربية محظورة بهذه النسبة أو تلك. فإذا كانت هذه الإكراهات تطول بعض الكتابات التي يصرح أصحابها -علنا- بأنها تندرج في نطاق الخيال (روايات، قصص، مسرحيات…)، فما بالك إذا جاء الكلام في صيغة “اعترافات” من دون رتوش ولا زيف ولا زعم أو افتعال!؟

من هنا يغدو أدب الاعتراف مغامرة محفوفة بالقيل والقال؛ لأنه من المفروض في صاحبه أن يتميز بمنسوب عال من الجرأة والجسارة وتسمية الأسماء بمسمياتها الحقيقية، ما دامت وظيفة فن الاعتراف، في الأصل كما تقرها تقاليد المسيحية، تتمثل في التطهير عن طريق الاعتراف.

وقد كان جان جاك روسو واضحا حين أقرَّ أن اعترافاته تعمل -لا محالة- على تصوير جوانب الحياة لشخصيات لها صيتها ووزنها في المجتمع، وهي تحكي أطوارا من سيرتها، فهي تشرح الحياة الاجتماعية التي نشأت فيها، وتشرح إشكاليات مجتمعية نما في حضنها المعترف وترعرع، وهذا ما يساعد القارئ في الوصول إلى المثل العليا، واستخلاص الدروس والعبر من تلك الاعترافات.

ومن هذا المنطلق، فإن ما سيعترف به المعترف يجب أن يكون حقيقة ثابتة لكي يتعلم منها الآخرون، لا مجال فيها للزيف أو النفاق أو الخجل؛ لأن ما سيحكيه لنا المعترف، في سياق كلي، هو بمثابة سيرة حياة إنسانية، والحياة الإنسانية لا وجود فيها لما هو مطلق، ومثالي، بل هناك سيرة على شكل أحداثٍ مترابطة، وصراعاتٍ وتوتراتٍ ومواقفَ وإحباطاتٍ، ستعيش في قلوب القراء مدى الحياة، إن توفرت في تلك السيرة الوعثاء على مقتضيات أدب الاعتراف الحقيقية.

غير أن ما نسجله في هذا المقام، هو غياب أدب الاعتراف في الثقافة العربية ما هو إلا علامة من علامات الحكم على قيمة تجارب من كانت لهم الحظوة والمكانة، من ذوي الشأن الرفيع في بلداننا العربية من سياسيين وفاعلين ومبدعين، لأن ما هو موجود من تلك “الاعترافات”، لا يعدو أن يكون تأملات في الماضي دون أن يرتقي إلى مرتبة أدب الاعتراف، لا لشيء إلا لأن هؤلاء السياسيين -على سبيل المثال- يضبطون توقيت اعترافاتهم بمناسبات محددة ولغايات معينة، من هنا فالاعتراف السياسي غير الاعتراف الكنسي، أقول هذا لأني أحد الذين لا يصدقون السياسيين العرب في ما يقدمون عليه من اعترافات، وذلك لعدة أسباب من أهمها:

غياب التربية النقدية
لا مناص من التأكيد على أن أدب الاعتراف حينما يصل إلى مستويات من الصدق وقول الحقيقة والجهر بالأخطاء، سيكون مرجعية لكل باحث أو مهتم بالشأن السياسي، لأن تلك الاعترافات ليست صفحات مراقب أو شاهد، بل هي صفحات فاعل ومؤثر، لعب دورا متميزا في مسيرة وطنه.

غير أن أولائك الفاعلين السياسيين، بغض النظر عن وضعيتهم، أو مراتبهم داخل تلك الأحزاب، غالبا ما يكذبون بصدد سرد سيرهم، كما لو أنهم غير مجبولين على فضيلة الاعتراف، فتكون النتيجة فشلا ذريعا في امتحان كرسي الاعتراف؛ لأن الأجوبة التي يقدمونها عن كل سؤال عادة ما تكون جوابا عن كل شيء، إلا عن حقيقة شخصياتهم، وجوهر أدوارهم، ولب مواقفهم من قضايا المجتمع في تطوره في هذا القطر العربي أو ذاك، وهنا تحضرني قولة مارتن لوثر كنج مخاطبا رجالات السياسة، منتقدا غياب فضيلة الاعتراف في أدبياتهم «فأنت لست فقط محاسبا على ما تقول، بل محاسب أيضا على ما لم تقل حين كان لا بدّ أن تقوله»، من هنا تكون مسؤولية السياسي في الاعتراف، والجهر بالحقيقة، مضاعفة.

وما يتبادر إلى الذهن، هو أن السبب في فشل رجل السياسة في امتحان “كرسي الاعتراف”، هو طبيعة التربية الحزبية التي ترسخ لدى السياسي انفصاما في الشخصية، فهي تعلي من شأن مقولة “النقد والنقد الذاتي” في أدبيات هذا الحزب من جهة، لكنها تغرس فيه بذور الكذب والنفاق والزيف من جهة أخرى، والذي يتجلى في شعار “الغاية تبرر الوسيلة”، وهذا ما تجليه لنا اعترافات بعض رجال السياسة في بلادنا، التي لا تعدو أن تكون عبارة عن مزاعم وادعاءات يلبس أصحابها أقنعة تحول دون ممارسة فضيلة الاعتراف، ربما لأن ثقافة الحزب ترسخ لدى السياسي مبدأ الامتثال لأطروحة الحزب، وتمجيد مساره، وتعظيم إنجازاته، وأي خروج عن «العناصر» تكون له آثار وخيمة على مستقبل الحزب. لهذا السبب لم نتعود من رجالات السياسة في بلادنا كتابة سيرهم الذاتية، وبالأحرى الاعتراف بآرائهم ونقدهم أو ممارستهم النقد الذاتي من دون رتوش أو تزييف.

فما يخرج من أفواه العرب من اعترافات لا يعدو إلا أن يكون مثل الجبل الجليدي المنغرس في البحر لا تطل منه سوى القمة المتضائلة، أما الجذر الأعظم فثاو في العمق. من هنا ينصح بعض الظرفاء على أن قراءة اعترافات الساسة العرب، يجب أن تكون قراءة بالمقلوب، أو البحث بين السطور عن مكامن الكذب.

والحقيقة أن العديد من كتاب السيرة من الفاعلين السياسيين لجأوا في الغالب -في تقديري- إلى الاحتماء بالمتخيل، حتى يغطوا على الكثير من أسرارهم، حين أدرجوا نصوصهم في نطاق “السيرة- الرواية”، وهو إيحاء قوي بأن الكاتب لا يتعهد بقول كل الحقيقة، فينتقي من حياته ما يريد من الأحداث، ويغيّب أحداثا أخرى، وينسقها تنسيقا خاصا يناسب مقاصده.

هكذا نكون أمام سيرٍ ذاتية باردة بلا انفعال وتوتر، فيها نصيب كبير من التزويق الأخلاقي المفتعل. سير ذاتية شبيهة بسير العلماء والفقهاء ممن يحاولون الظهور بمظهر ملائكي في مجتمع إنساني تسوده قيم الصراع والتدافع والغواية. وقد سبق للبلاغي المعروف محمد العمري في أحد تدويناته على الفيسبوك أن أكد «أن الاعترافات هي مِلح السيرة الذاتية، والملح يؤخذ بمقدار»، فلا طعم ولا مذاق لعمل سير- ذاتي يخلو من الملح، ولكن حذار من أن يُرَشَّ الملح مرتين!

أما الروائي الجزائري فيعزو غياب ثقافة الاعتراف في الحقل الأدبي العربي إلى هيمنة «ثقافة الخوف من “الحقيقة”، وفي الوقت نفسه هي دلالة على تفشي ثقافة “النفاق” التي تصادر “حرية القول” الفردي أو على الأقل لا تستسيغها».([3]) ففرض رقابة على الذات، يفقد السيرة القدرة على الإقناع، أما التعرّي غير الوظيفي، فيخرج السيرة إلى الهامش، حيث يحتفل بها جمهور خاص، ولا يمكن كتابة سيرة ذاتية دون أخذ مسافة من الذات.

مقابل “أدب الاعتراف” ترسخ أدب التفاخر والتظاهر والنفاق، وغابت مبادئ النقد والنقد الذاتي من مفردات سير السياسيين العرب، سواء تعلق الأمر في اعترافاتهم أو سيرهم الذاتية أو مذكراتهم… ولكأن ممارسة هذه الفضيلة، تشعر السياسي العربي باهتزاز عرشه وانحسار تألقه وانقشاع الهالة التي أسبغها على نفسه…

وبناء على ما سبق، خلص الروائي أمين الزاوي إلى أن «الكتّاب العرب والمغاربيون بشكل عام يخافون من كتابة سيرهم الذاتية، يخاف الكاتب العربي من رؤية وجهه الحقيقي في المرآة، مرآة الصدق، لأن المرآة تعيد إليه ملامحه الحقيقية بما فيها من قبح وجمال وشجاعة وضعف ونبل ونذالة».([4])

ولا أقسى على هؤلاء أن يكشف القارئ القناع عن أصحاب الألاعيب السياسية وأصحاب المهرجانات، ذوي البطون المنتفخة، والسجائر الكوبية، والبدلات التي تلبس على أكثر من وجه، أصحاب كل عهد وكل زمان، أصحاب المهمات المشبوهة، أصحاب السعادة وأصحاب التعاسة وأصحاب الماضي المجهول.

انطلاقا من هذا الوضع السوسيوـ ثقافي لم يتجرأ كبار السياسيين على كتابة اعترافاتهم، فمنهم من رحل، ومنهم من اعتزل دون أن يجد سبيلا إلى ممارسة فضيلة الاعتراف، أما رجال السياسة الممارسون فغارقون في النفاق بأخمص أقدامهم.

وعندما نتأمل مليا هذا الموضوع الشائك، نجد أن الغاية من ترسيخ ثقافة الاعتراف، هو تشجيع السياسي على امتلاك قيمة الجرأة على الاعتراف بأخطائه، لأن ذلك يمنحه القدرة على ممارسة عمليات التصويب، والتجديد الذاتي، والقضاء على جوانب الانحراف في ممارسته السياسية، دون عقدة نقص، من خلال تحديد مواطن الإصابة، والقصور، ومعرفة أسباب التقصير ورسم سبل الخروج منه، وتقويمه، وهو ما يؤهل السياسي، أيضا، لامتلاك القدرة على تقويم الماضي (التاريخ)، وبيان جوانب الانحراف والاستقامة، والخطأ والصواب فيه.

هيمنة سلطة التابوهات
أدب الاعتراف ليس وليد شرط تاريخي بعينه، بل هو تقاليد عريقة، يحتضنها في البداية فضاء الأسرة (البيت)، وتنتقل بعدها إلى فضاء المؤسسات التعليمية (المدرسة)، والمؤسسات الجمعوية، ومنها إلى الحياة الخاصة والعامة لكل من له الرغبة في البوح والاعتراف.

فبما أننا لم نتعلم لا في الأسرة ولا في المدرسة ولا في الحزب ثقافة الاعتراف؛ فإن ما سيكتبه كتابنا في هذا المجال، سيكون -لا محالة- جدّ متواضع، وهو يدفعنا إلى طرح السؤال التالي:

ـ لماذا حين نقارن ما ينتج من “أدب اعتراف” في الغرب، مع ما يكتب بلغتنا نجد العدد هزيلا جدا؟

يعتقد الروائي الجزائري أمين الزاوي بأن مجتمعا ثقافيا تطغى فيه ثقافة “التوبة” بمفهومها الديني ولا يؤمن بثقافة “الاعتراف” هو مجتمع ثقافي يبحث عن “الطهارة” الخارجية ويبحث أيضا عن “غسيل للماضي” الذاتي والجماعي، «وبالتالي تجنب النبش فيه أو الحديث عنه بكل جروحه وأفراحه وأخطائه وأعطابه، بالتالي فهذا المجتمع ثقافيا وأدبيا غير متصالح وغير متسامح مع فن السيرة الذاتية التي تشترط الصدق والجرأة في شيطانيتها وملائكيتها على السواء».([5])

فمن خلال هيمنة ثقافة الستر والتخفي والحشمة، تعوَّد الإنسان العربي أن يعيش فرديته مخاتلة لا مجاهرة (“وإذا ابتليتم فاستتروا”)، يمارسها سرقة لا انتزاعا، ويظل يعيش ممارستها كخطيئة لا كحق طبيعي.

أما مردّ ذلك فإلى التربية السلطوية الزجرية التي يتلقاها الفرد في محيط مسيج بالممنوعات والمحرمات، وهي تربية لا تنمي الاستعداد للمجابهة والمواجهة بقدر ما تشجع على المراوغة والتحايل والكذب. لأن فردا ينشأ داخل هذا الحصار المشدد، «سيتعلم منذ الصغر التفنن في طرق المراوغة والمخاتلة ومحاولات بلوغ إرضاء الرغبات سرا، في الوقت الذي يسعى فيه إلى الظهور بمظهر النموذج المنضبط لقواعد السلوك المرضية التي توفر عليه العقاب وتجلب له المكافأة».([6])

من هنا يبدو الإنسان العربي ميالا إلى التغطية والتستر، وإلى المكابرة وإخفاء ما لا ينسجم مع التيار العام، والقفز على ما قد ينال من سمعته أخلاقيا، وينقص من قيمته اجتماعيا. فأدب الاعتراف الذي يعلي من شأو البوح غير منتشر على نطاق واسع في ثقافتنا العربية، بسبب عدم توفر شجاعة المواجهة مع الآخر؛ إذ أن معظم الكتاب يحجمون في الكشف عن حياتهم السرية، ربما لما في ذلك من صدمة للأقارب والمعارف والقراء معا، لذا نرى أن هذا النوع من الكتابات في عالمنا العربي لم يبلغه إلا عدد نادر من الأدباء العرب، وأول رواده: محمد شكري في روايته الشهيرة “الخبز الحافي”، وهي الرواية التي ظلت ممنوعة ردحا من الزمن في معظم الأقطار العربية، لما فيها من كشف صادم للحياة السرية للأديب.

ويمكن القول: إن سلطة الأقانيم الثلاثة (الدين والجنس والسياسة) حالت دون خوض الإنسان العربي في مجموعة من القضايا التي ظلت من النمط المسكوت عنه، من هنا جاءت أعمال بعض الذين غامروا في الكتابة في هذا المضمار باهتة، وبلغة خشبية، لا تسمن ولا تغني من جوع معرفي أو فكري أو سياسي أو تربوي.

وإذا كان يصعب على المبدع الاقتراب من هذه الأقانيم الثلاثة المحرمة في الرواية أو الشعر، فكيف ستكون حالته في “أدب الاعتراف” حيث تكون شهادة الإدانة ثابتة، وكافية لتسليم عنقه صاحب الاعتراف إلى مقصلة المجتمع والسلطات المسؤولة؛ وذلك لأن السرد في أدب الاعتراف يكون بضمير المتكلم.

وهنا يجد الكاتب العربي نفسه إزاء موقفين أحلاهما دون مستوى “أدب الاعتراف”، فإمّا السكوت عن المسكوت عنه، وهنا يصير السكوت جبنا أدبيا وثقافيا وسياسيا سائدا في مجتمعنا في ممارسة فضيلة النقد والنقد الذاتي، وإما أن يكتب “سيرة ذاتية” ناقصة ومطعونا في صدقها، من هنا نجد رواج الكثير من الكتابات التي يقدمها لنا أصحابها على أنها “سيرة ذاتيةـ روائية”، وذلك للتحايل على ذلك الهامش من الحرية، الذي تتيحه السيرة- الرواية، بدل الاعتراف الذي يكون فيه المرء أكثر حرصا على أن تكون مفردات هذا النوع الأدبي حاضرة بقوة، لا أن يتم التحايل عليها.

***

ما أقسى أن يحكم علينا التاريخ بألّا نكون الجوهر، وبأن نكون دائما في مقام من يجمِّلُ صورته، وبهذا الصنيع يظل الفرد العربي ظلا لقيمة البوح السامية، وظلا للمشاعر الحقيقية تجاه الذات، بل وظلا لذاك الآخر الذي يحرّم علينا أن نكون كما نحن؛ في المظهر كما في الجوهر.

فمتى سنتعوّد على سماع نهايات كتابات تتضمن اعترافات صريحة وواضحة ومن دون رتوش، يقول أصحابها في نهاية كتاباتهم “ها هي اعترافاتي كتبتها عارية.. حتى إذا رويتُها لكم توقفتُ عن لوم نفسي، وتطهرتُ من أدران الذات الأمارة بالسوء؟!”

إشارات
[1] – حلمي مراد من مقدمة كتاب “اعترافات جان جاك روسو” لجان جاك روسو، ترجمة حلمي مراد، دار البشير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق ـ بيروت، 1998، ص:6.

[2] – لا بد من التنبيه إلى أننا نفضل مصطلح «البوح» أكثر من مصطلح «الاعتراف»، فالاعتراف -كما هو متداول- يعود إلى المرجعية القانونية الجنائية أحيانا، والمرجعية المسيحية أحيانا أخرى، وفي الحالتين يصدر المفهوم عن خطأ مرتكب يقتضي الاعتراف، في حين لا يصدر البوح عن مثل تينك المرجعيتين؛ لأن فعل البوح، يخص كل من مرّ بتجربة ما أو محنة أو ابتلاء ما ويرغب في أن يعترف بما مرّ به.

[3] – أمين الزاوي: “التابوه الرابع أمام الكاتب العربي.. الخوف من كتابة السيرة الذاتية”، مجلة “الإمارات الثقافية”، العدد 54، مارس، 2017، ص:54.

[4] – المرجع نفسه، ص:54.

[5] – المرجع نفسه، ص:56.

[6] – عبدالسلام مصباح: “عن السيرة الذاتية في الكتابة العربية”، مجلة :”الكرمل”، العدد 61، خريف 1999، ص:113.

 
كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق