ثقافة السرد

الأم والخفافيش

عزالدين جلاوجي*

عدلت من وضعية الوسادة تحت رأسي… مددت ساقي إلى الأمام حتى لامست رجلاي الأرض… تحسست عظام صدري ليس فوقها إلا الجلد… ضغطت عيني بإبهامي وسبابتي… أحسست أنهما قد غارتا أكثر من ذي قبل… زفرت بعمق زفير الصحراء الكبرى… ووضعت يدي تحت قفاي. مر علي زمان حتى أصبحت لا أستطيع أن أنام… يقتلني الأرق…

يقطع عقلي ونفسي… وأحس أني أذوي ببطء… أذبل كما تذبل الزهرة التي منع عنها الماء واجتمعت عليها شمس الهجير وريحها.
تجولت بعيني في بيتنا… رغم ظلام الليل المنتصر على ضوء الشمعة… الجدران تآكلت كجثة بقرة التهمتها الديدان فتساقط لحمها وعظامها… وتعرى السقف من بطانته فظهرت أعواده اليابسة السوداء، وقد اشتد أنينها تحت ثقل الطين والسنين.
حولت بصري إلى الباب على إثر زوبعة ترابية هزته هزا عنيفا حتى تسرب الغبار من بين شقوقه… خشيت أن يضعف عن المقاومة ويسقط فوقي.. ومرت الزوبعة فاستقام الباب مكانه… مددت يدي إلى وجهي ومسحته مما علاه من غبار.
أحسست بحركة فأر خلفي… حملت عصا كانت بجواري وضربته ليبتعد عني… لقد أصبح بيتنا مأوى لكثير من الحشرات الضارة، والعناكب والفئران والخفافيش، بل وحتى العقارب والثعابين، حتى لكأنك تخاله حين تراه متحفا للحشرات.
وقفز سؤال غريب إلى ذهني: ترى ماذا يأكل هذا الفأر اللعين؟ هل تكفيه هذه السرابيل التي نلبسها؟ وهذه الأحلاس التي نفترشها؟ أيمكن للفأر أن يعيش على قرض القماش والحلفاء؟ لعل لهذا الفأر ثأرا قديما عندنا، فهو دائب على الحفر في أساس البيت، كل يوم يظهر له غار جديد، ولعله سيجرؤ ويأكلنا في يوم من الأيام.. ومن يدري؟؟
كانت الريح عاصفا فيها غبار شديد يدخل إلينا عبر شقوق السقف والباب، أما الكوة الصغيرة فقد حشتها أمي بقطعة كبيرة من قماش.
ولفتت نظري ذؤابة الشمعة يتلاعب بها الهواء ذات اليمين وذات الشمال، تتعثر وتقوم وهي فوق الصندوق المنخور في فجوة من البيت تقاوم ظلام الليل الحالك، فلا هو اخمد أنفاسها، ولا هي استطاعت تبديده وسلخه… وراودني في نفسي شك: هل يقوى هذا النور الخافت على الصمود أمام هذا الظلام الذي يكتسح البيت وما حوله؟ لعلها لعبة استهوت الظلام فحدثته نفسه الظالمة أن يبقي على الذؤابة بين الموت والحياة يدفعها دفعا شديدا حتى تكاد تنكفئ وتنطفئ، ثم يجذبها لتستقيم، وما تكاد حتى يعيد معها الكرة.
كان نورها كلما توهج وأضاء انعكس على وجه أمي الشاحب… تأملته بإمعان كأن لم أره منذ خلفت… كان جدارية قديمة مشققة امتزجت على تضاريس وجهها الصفرة والسمرة تفزع الناظرين، كأن أفعى شرهة امتصت كل ما فيه من دم، وأفرغت أوردته من نبض الحياة.
أفزعتني أمي.. لقد كانت أمي هيكلا عظميا في فستانها، وكان وجهها كجمجمة مدببة مسننة… ومزق قلبي الهلع… ألم تفارق أمي الحياة؟ أليست جثة هامدة… ماتت على حين غفلة مني؟… ومددت يدي، وقبل أن ألمسها رأيت بطنها يرتفع قليلا ويهبط وهي تتنفس، فعدت إلى مكاني، وقد كادت روحي تزهق.
كم صمدت أمي أمام الأعاصير العاتية!!.. وبقيت هي هي دائما كنخلة شاهقة.. كسرولة شامخة.. كسنديانة ثابتة.. كالصحراء الكبرى ظاهرها من قبله القحط والجفاف ومن باطنه الرحمة.
تراها مطأطئة في سكينة.
محدقة في الشقوق.
فتحسبها مستكينة
ولكنها في حريق
منذ أن مات أبي بقيت وحدها تدفع عنا ضيم العدى وغوائل الدهر.. تحفظ شرفها وعزتها.. وترفض أن تنحني أمام أي كائن من كان.
كانت تحب أن تحيا في عزة، وأن نكبر أمام عينيها في إباء، وتكبر في جوانحنا وخوالجنا وجوارحنا الرجولة والنخوة، ولا بأس أن تدفع هي مقابل ذلك شبابها ونظارتها.
لقد كانت تحس في أعماقها أننا أمانة الأب في عنقها، ويجب أن تثبت للجميع أن أبانا مازال حيا في أبنائه، وكنا نرى على قسمات وجهها حرقة التحدي والكبرياء… وكنا نرى على محياها لوحات للبطولة والكرامة، وفي عينيها السوداوين لغزا غامضا يدعونا أن نكبر.. أن نشمخر.. وأن نكون كالطود الأشم.
بعد سنوات من وفاة والدي -رحمه الله- جمعتنا أمي في البيت وقالت:
– لعلي الآن قد أديت ما كان واجبا أن أؤديه بعد موت والدكم متأثرا بجراحه العميقة وهو يدفع عنكم ضيم الجيران.. كنتم صغارا، ولم أشأ أن أتزوج رغم كل الإغراءات، ولم أخضع رغم كل الضغوظ… وحفظت لكم عزتكم وكبرياءكم وداركم… واليوم… تعبت… صدقوني لقد تعبت… تعبت.
وأجهشت أمي تبكي.. دموعها الغزيرة الساخنة كانت ترسم على خديها أثلاما عميقة، وتسقط إلى الأرض شلالا هائجا.
كنا نحن الثلاثة نسمع دون أن نرد… رفعت رأسها… مسحت دموعها بيديها النحيفتين المعروقتين وواصلت:
– واليوم ها هو بيتكم لا يحتاج إلا إلى شيء من الإصلاح… وها هي أرضكم رغم الهجير مازالت بكرا ولا تحتاج إلا إلى سواعدكم.
سكتت.. سكتت طويلا… ثم رفعت رأسها… تأملت أخانا الأكبر وقالت:
– أنت البكر… أنت الوارث لأبيك… تزوج… املأ علينا الدار فرحا وحبورا… واضرب في بطن الأرض تغدو جنات معروشات… دونك ولدي.. لا تخيب أملي… لا تخيب أمل أبيك… أعد للشفاه بسمتها… أعد للوجوه نضارتها.
صمت أخي صمتا مخيفا… ثم قام من مكانه… حك شعره الأشعث بأصابعه الطويلة اليابسة… أشاح بوجهه عنا.. وقال:
– لست مستعدا أن أضيع وقتي في هذه الصحراء الخالية، ولا أن أفني عمري في هذه القفار… إني مهاجر إلى أرض الجن والملائكة.. وسأعيش السعادة هناك… أما هذه الأرض فلا أريد منها شيئا.
وخرج دون رجعة… لم تكلمه أمي… كانت صامتة كتمثال متآكل حزين، وكانت تحبس دمعة ترقرقت في عينيها تريد أن تنفلت من بين رموشها وأشفارها، هل يعقل أن يلجأ هذا العاق إلى قتلة أبيه، ومنتهكي حرمة بيته بقطعان خنازيرهم وأبقارهم؟
ومر عامان… وجمعتنا أمي ثانية… كانت العلل قد بدأت تنخر جسدها بشكل ظاهر، وغدت صفصافة تعرت من أوراقها الخضراء، وجفت أغصانها، وكان الرعاة قد بدأوا يغزون أرضنا قالت أمي:
– أجدني مضطرة أن أعيد على مسمعكما نفس الحديث… لم أكن منذ عامين أستطيع أن أتحمل مسؤولية البيت أكثر من يوم واحد، ولكن عقوق أخيكما الأكبر دفعتني كي أبقى في مكاني ولو صورة أمام الأعين… وليت الأمر بقي على حاله… ها هو بيتكم يسقط لبنة فلبنة… ! وها هي أرضكم ينتهك حماها… ! وأنتم غافلون… ولعل الأعداء المتربصين بنا سيبيعوننا كما يباع العبيد.
طأطأت رأسها كأنما تخشى مواصلة الحديث، ثم رفعته نحو أخي الأوسط، وقالت وشفتاها ترتجفان:
– أنت واسطة العقد يا ولدي… ولقد غدوت رجلا… أرني رجولتك، أريد أن أرى فيك أباك، ولا تفعل مثلما فعل…….
ولم تكمل حديثها، إنها تأنف أن تذكر اسمه على شفتيها، ما أشد ما تحتقر أمي الخونة!!
قام واسطة العقد من مكانه دون أن ينطق… خرج أمام البيت ثم عاد ليقول لأمي:
إن لي رأيا آخر غير رأيك.. أنت كبرت وخرفت.. ما نفعل نحن بهذا البيت المتهرئ… ؟ ما نصنع بهذه الأرض القاحلة؟ إن بعضا من جيراننا لهم المال والرجال، ولهم الرغبة في أن يستثمروا هذه الأرض فيحولوها إلى جنات ألفاف، فلنتنازل لهم عن نصفها على أن يعينونا على إصلاح الشطر الثاني.
ورأيت أمي وقد امتقع لونها كأنها تتجرع سما ناقعا، أو كأنها تتلقى طعنة سيف صدئ.. ورأيتها ترفع يديها إلى واسطة العقد مهددة والدموع تغلبها.
لن يدخلوا أرضي إلا على جثتي… أتخون روح أبيك وتسلم أرضا سقاها بالدم والدمع، ومات دونها إلى قتلته…؟ تعسا لك، أغرب عن أوجهنا ودعنا… دعنا نلقى مصيرنا، لأن نموت جوعا خير من أن نبيع أرضنا.
ثنى واسطة العقد عطفه، وولى دبره وقال:
أما قسمتي فأنا حر فيها، وسأستغلها مع من أشاء، أما قسمتكما فافعلا فيها ما تشاءان… استثمراها مع الريح والهجير… وازرعا فيها العقارب والحيات.
وانطلق دون أن ينظر إلى وجهينا، ورأيت أمي تحل عقدة الخمار على رقبتها لقد كادت تختنق.
وبعد عام من ذلك جاءنا نبأ مقتل أخينا الأكبر على يد أصهاره الأعداء، وما كاد يمر عام ثان حتى بدأ أخي الأوسط يقود هجومات كاسحة للاستيلاء على أرضنا، يدفعه إلى ذلك حلفاؤه من رعاة البقر والخنازير، بل إن بعضهم صار يغزو دارنا ليلا ينشر الرعب في قلبي وقلب والدتي.
ومن ذلك اشتد حزن أمي لا أراها إلا مطرقة تفكر، أو باكية تنتحب… ربما كانت تفكر في كيف تقابل والدي حين تلقاه؟ وماذا تقول له حين يسألها عن الدار والأرض، وحين يسألها عن الرجال الذي أنجبتهم له من صلبه؟ وعصفت زوبعة قوية تحركت أمامها ذؤابة الشمعة يمينا وشمالا.. تأرجحت… حاولت أن تثبت مكانها… ثم انطفأت.
أطل من الجدار رأس!… نعم رأس، رأس أدمي مخضب بالدماء… اقشعر بدني… أخرج جلدي أشواكا حادة… كدت أصرخ… زممت فمي بيدي… نظرت إليه… بسملت… حوقلت… على قدر ما كان الرأس مستنيرا أسمر تحيطه هالة وضاءة كان مخيفا… كان الدم الأحمر القاني يغطيه… وضعت يدي على عيني لأتجنب النظر فيه، وسمعته يقول:
– أتخفي وجهك عني…؟ انظر إلي جيدا… أما عرفتني؟
أعرفه!؟ وهل يعرف الناس رأسا بغير جثة؟ أبعدت يدي عن عيني وقلت:
– لا، ما عرفتك سيدي؟
رد علي بثبات.
– وما الذي غربني عنك؟
قلت وقد كساني العرق:
– الدماء التي تغطي وجهك.. امسحها أو دعني أمسحها عنك.
رد علي بنبرة فيها عتاب شديد.
– هل تمسح وسام الشرف من على جسدي؟ تعسا لكم كل الناس قاموا إلا أنتم مازلتم تخافون الدم، أحرى بالقردة والخنازير والبقر أن تستعبدكم.
ثم أردف بصوت الآمر.
– قم يا جبان.
قمت وقد اصطكت أسناني وركبتاي، وقلت متلعثما، وأنا أسند ظهري إلى الجدار:
– من أنت سيدي؟
– ما زلت تسأل يا غبي؟ ما زلت تتجاهلني؟ أنا أبوك… أبوك الذي مات نارا وترك رمادا تذروه الرياح… أبوك الذي مات مضخما بدمائه… ها هو أخوك الأكبر… انظر جيدا… هل تراه؟
وأراني خفاشا أسود نحيفا يحمله من رجليه بسلك معدني وتعجبت!!
– نعم هذا أخوك… أخوك الخائن… وإني لأنتظر الخفاش الثاني… الدم وسام الرجال فاسمح بدمك يرتد إليك عزك وكبرياؤك.
وألجمت عن الكلام.. أحسست بدمي يتجمد في عروقي خوفا ورعبا… جف ريقي فوق شفتي وفي فمي… وبرز في الجدار الآخر رأس آخر… رأس امرأة نحيفة، وقد حلت ظفائرها… وانسدل خمارها على رقبتها.
لم يكن هذا الوجه غريبا علي، ولم أبذل جهدا كبيرا في التعرف عليه، إنه وجه أمي… كانت تبكي وتنتحب حتى أبكتني… وحول أبي اهتمامي إليه، وهو يقول بصوت تردد صداه في بيتنا الضيق.
– لا تبكي… كفكفي دموعك أيتها العظيمة… يا نخلة خضراء في قلب الأتون… لا تبكي… اظفري شعرك… وردي خمارك، وابتسمي ابتسمي كوردة رصعتها جواهر الندى… كمئذنة تقبل النجوم… كجرح شهيد يتضوع دما… لماذا تبكين؟… لماذا تنتحبين؟…
قالت وعيناها تنهمران دمعا:
– أخشى أن ألقاك فتتهمني بالخيانة ويعلم الله ما خنت، وما بدلت، بل حفظتك في عرضك وولدك وحبك، وبقي دمك يتضوع في أنفي روحا وريحانا.
رد وقد افتر ثغره عن ابتسامة عريضة.
– وهذا الذي أريده… لا أريد غيره… وكل رهين بما كسب.
واختفت الصورتان فجأة من أمام بصري… وأظلم كل شيء من حولي… وصدرت عني صرخة اهتزت لها جنبات البيت الضيق، فاستيقظت على إثرها أمي النائمة، وقالت وهي تبلل شفتيها اليابستين بلسانها:
– ما هذه الصرخة ولدي… أهي كوابيس النوم؟ أم كوابيس اليقظة؟
لم أرد على قولها، وبقيت ساكنا كتمثال محطم، حتى هي لزمت الصمت المطبق… وبعد لحظات سمعنا جلبة وصياحا، كأنما جيش يهاجم بيتنا، قالت أمي وهي تجلس:
– ولدي هل تسمع؟
– أجل أماه… إني أسمع.
ثم أردفت في نبرة الخائف، وقد جلست مثلها.
– ما هذا الصياح أماه؟ وما هذه الجلبة؟ إني لم أسمع لهما مثيلا من قبل
صمتت تدور عيناها في محجريهما وقالت:
هؤلاء الأعداء وفي صفهم ذلك الخائن الحقير.
قلت بأسف وهلع:
لو رحلنا منذ أيام لما تعرضنا لخطرهم.
قامت من مكانها كأنها اللبؤة الجريحة… كأنها العواصف العاتية… وأنشبت أظافرها في عنقي، وصرخت في مسمعي:
– ارحل أنت إن شئت… أما أنا فإني هاهنا باقية… هل ترحل النفس عن نفسها؟ هل يرحل الجذع عن جذوره؟ سأسقي بدمائي الفوارة هذه الأرض… وستنبت حرابا وسهاما وسيوفا… وستنبت ورودا وزهورا وثمارا، وستخرج من رحمها من يحميها… ولكن ثق أن اللعنة ستحل عليك كما حلت بأخويك، وستغدو بعدها خفاشا نتنا.
وأشاحت عني بوجهها مغاضبة، لا تحب أن تراني، وتذكرت أخي الأكبر خفاشا في يد أبي… فدفنت رأسي بين ركبتي حتى لا يتكرر المشهد أمامي.
واقتربت الجلبة من البيت… واصطدمت فجأة بالجدار الخلفي لبيتنا كأنها جلمود صخر حطه السيل من عل.
وقفت إثر ذلك على رجلي… فتحت الباب، ودون أن أشعر خرجت فارا بنفسي، لقد ملك الخوف علي أمري، ورحت أعدو بكل قواي تاركا أمي تلقى مصيرها كما لقي أبي مصيره.
وسمعتها من بعيد تصرخ صراخا كالرعد المهول:
– عد أيها الخفاش… عد قبل أن تلحقك لعنة أبيك وبيتك وأرضك… عد أيها الخفاش.
واختلطت بين بصري مشاهد الأرض والبيت وألام والأب والدم والخفافيش، ودون أن أشعر عدت… نعم عدت… كالإعصار عدت… كالرعد الهادر عدت… كأنما كان صوت أمي بلسما لجبني… ترياقا لفزعي.
دلفت الدار… رأيت أمي كأنها اللبؤة ديس عرينها، تدور ذات اليمين وذات الشمال…
أحاط العداة بدارنا… كانوا يقبلون من كل حدب وصوب… يقبلون قطعانا من الذئاب والخنازير والبقر والقردة… ومن حيوانات أعرفها ولا أعرفها.
قلت لأمي وقد زاغ بصري… وبلغ قلبي حنجرتي.
– لا طاقة لنا بهم أماه.
ردت والشرر يتطاير من عينيها.
– أفي نفسك إرادة مقاتلتهم؟
قلت بشيء من التردد.
– عندي الإرادة، ولكن تعوزني الاستطاعة.
ردت علي وقد ابتسمت حتى أشرق وجهها.
– لا تخش.. لا تخش.. حين تريد فإنك تستطيع.. نعم تستطيع.. تحميك أرضك حين تعجر.. هذه وصية أبيك يا صغيري.
ولمحتها تصغي وعيناها تدوران في وجهها قمرين في ليل حالك… مدت سبابتها اليمنى وقالت:
فاسمع ألحان النصر
هاهي ذي الظلمة تداعى
تساقط… تهوى في ذعر
هاهو ذا الطوفان الأسود
يعدو عبر السد الصخري
ثم أشارت بإصبعها إلى موضع داخل الدار
– اضرب هنا الأرض بقبضتك… اضرب… اضرب… اضرب…
جثوت على ركبتي… نظرت إلى السماء، وضربت الأرض بقبضتي… تطاير الغبار حتى ملأ البيت وحجب الرؤية… ورأيت نورا يضيء أمام بصري… حدقت بين يدي… رأيت مهندا مصقولا… اندهشت ونظرت إليه… لقد كاد نوره يذهب ببصري، وجاءني صوت أمي:
– بشراك ولدي هذا السيف لا يظهر للخونة… احمله… احمله هذا سيف الآباء والأجداد… احمله… احمله… تهد به راسيات الجبال… وتهزم به الجيوش اللجبة.
خرجت من البيت وقد غدوت أسدا… كانوا ينسلون من كل حدب وصوب ومن كل فج عميق يأتون… كالجراد يأتون… كحجارة الأودية… كأشواك الأرض النكدة… كعقارب وأفاعي السموم… عيونهم تلتهب كأنها النيران… أنيابهم كأنها نصلات السيوف… أظافرهم كمذاري الحديد الضخمة.
سللت حسامي من غمده… اندفع ضوءه الوهاج نحوهم… أعمى أبصارهم… سمعتهم يعوون… يتصايحون… ضربتهم يمينا ويسارا… راحوا يتساقطون بالعشرات… ورحت أتقدم بثبات، وهم يتراجعون… قد يصيبني أحدهم فيخدشني أو يجرحني، وقد تسيل قطرات من دمي… ولكني كنت المنتصر.
وما هي إلا ساعة من زمن حتى تفرقوا فلولا في القفار والوديان… وعدت أدراجي… وفي نفسي صوت أبي:
– اسمح بدمك يرتد إليك عزك وكبرياؤك.
وفي جوانحي صوت أ مي:
– حين تريد فإنك تستطيع.
كانت أرضي أزهارا وأشجارا وأطيارا… كل قطرة عرق… كل قطرة دم فجرت ينبوعا يسقي نخلا وعنبا وزيتونا وأبا.
ورأيت أمي عروسة في أبهى حليها وحللها، تتهادى كالشمس بين الخمائل والجداول.

*روائي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق