قراءات ودراسات

مقاربة نقدية في رواية “البحاري”

لمحمد عبدالله الهادي

 بقلم / مجدي جعفر

( 1 )
تكاد تكون ” جزيرة مطاوع “، قرية الكاتب هي نقطة الارتكاز أو نقطة الانطلاق للكاتب، ويتمحور حولها إنتاج الكاتب الأدبي، واحتفى بها مكانا وبشرا، وهي بالفعل قرية تكاد تختزل مصر والمصريين على مر التاريخ والزمان، فيعيش على أرضها فلاحين وبدو، فلاحين من أصقاع وأرجاء شتى نزحوا إليها، واقاموا واستقروا فيها، وبدو من قبائل مختلفة، ويصف تربتها الرملية وتلالها الأثرية، تلك التلال التي احتفى بها في معظم أعماله، ولا يمكن لدارس أدب الكاتب أن يغفل التلال، والأساطير التي انطلقت من هذه التلال : النداهة والعفاريت وأبو رجل مسلوخة، وهي من زمن الفراعنة، والكاتب يوليها اهتماما خاصا، في رواياته وقصصه القصيرة، والشيخ مطاوع الذي أخذت الجزيرة اسمه، عالجه الكاتب هو الآخر في الكثير من إبداعاته القصصية والروائية وخاصة روايتيّ ” ضباب الفجر ” و ” الأحلام تتداعى ” واصطحبه أيضا مع التلال في الثلاثية ” ليالي الرقص في الجزيرة “، ويحتفي أهل القرية به سنويا في مولد، والمولد كظاهرة شعبية احتفى به الكاتب، واحتل مساحة واسعة من إبداعه، ولعل المهتمين بالفلكلور والدراسات الشعبية يتوقفوا عند ظاهرة مولد ” سيدي مطاوع ” الذي قدمه محمد عبدالله الهادي بفرادة وعبقرية، وأزعم أن ” التلال الأثرية ” و “سيدي مطاوع ” كظاهرتين في أدبه، عزف عليهما الكاتب نغمات كثيرة ومتنوعة في معظم أعماله، ونظر إليهما من كل الجوانب، وأحاط بهما إحاطة شاملة وكاملة، وعالجهما موضوعيا وفنيا.
وكما احتفى الكاتب بقريته جزيرة مطاوع، يحتفي بالعزب التي تتبع الجزيرة، ويستعين بالراوي / الحكاء الشعبي، ليروي لنا حكايات وحكايات عن القرية وعن العزب التابعة للقرية ونشاتها.
( 2 )
مصر هبة النيل :
لم يكن ” هيرودوت ” مغاليا أومبالغا عندما قال هذه العبارة، والتي راحت تجري في أوردة وشرايين المصريين جيلا وراء جيل، حتى جاءت أجيال تكتفي بترديد هذه العبارة باللسان، فالنيل كان مقدسا وله إلها، فأدرك المصري منذ القدم بأنه شريان الحياة، فحافظ عليه، وسيّر الحملات حتى منابعه لتحميه، من التعدي ومن التلوث ومن العبث به وبمائه، وليضمن تدفق الماء إليه،….
هل كان الريس الهادي بطل رواية البحاري محموما حينما صرخ باكيا وقال لسعد افندي إنه لما نظر للماء في ترعة بهجت وجد سطحها مزدحما برءوس آدمية مقطوعة، رءوس تنز رقابها المقطوعة الدم!!
وهل كان موسى الكوابري هو الاخر محموما عندما قال مرتعدا أنه لما حفن الماء بكفه، كان الماء أحمر قانيا يسيل بين أصابعه، وسطح الماء مغطى برءوس آدمية، يسيل الماء من أعناقها الذبيحة، ويصبغ الماء بلونه القاني، رءوس تنظر له بعيون ميتة، رءوس لا تستقر على حال، بل تتقلب فى دوامات الماء الأحمر بالنهر …
هل ما رآه البحاري ومن قبله زميله موسى الكوابري هو هذيان حمى وكوابيس أم صرخة تحذير؟!
هل العفاريت والجنيات والنداهات التي تسكن ماء النيل هي السبب في الحالة التي وصل إليها الكوابري والهادي كما روج البعض؟!
اليقين الذي لايقبل للشك، هو وجود عفاريت وجنيات يعبثن بماء النيل، ونحن نعرفها، وطال صمتنا، وقبل أن تتحقق نبوءة الكاتب التي جاءت على لسان الريس الهادي وزميله الكوابري، علينا أن نتحرك، وبأسرع ما يمكن لإنقاذ شريان الحياة، هل يستطيع أحد بعد عشرات الألوف من السنين من جريان النيل على أرض مصر أن يتخيل توقفه عن الجريان؟ هل يستطيع أحد أن يتخيل مصر بلا نيل؟.
هذه أول رواية أقرأها تحتفي بالنيل وبعمال وموظفي النيل، واختار الكاتب شخصية الميزني أو البحاري بطلا للرواية، وهو الذي يراقب ماء الترع، ويمنع التعدي عليها، ويبلغ مناسيب الماء أولا بأول لهندسة الري بالبندر، وهو الذي يمسك الماء ويحبسه عن هذه الترعة ليطلقه في تلك الترعة ليومين أو أكثر، ثم يعاود إمساكه وحبسه عن تلك ليطلقه في الأخرى، الماء يوزع بالعدل والقسطاس على الفلاحين وبالدور، ووفقا لدفاتر وزارة الري، والبحاري العامل البسيط هو القائم على هذه المهمة الجليلة، فمن الماء كل شيء حي، فأي شرف عظيم يناله هذا البحاري الذي كنت أجهله وأجهل دوره، فجاء محمد عبدالله الهادي، ليقدمه لنا ومن خلاله نتلمس النيل والترع والأرض المنزرعة والفلاحين، وكأنه يعيد اكتشاف الأشياء من خلاله من جديد.
( 3 )
أهم الموضوعات والقضايا التي تثيرها الرواية :

1 – الاحتفاء بالنيل شريان الحياة في مصر، والاحتفاء بصغار العاملين بالنيل مثل البحاري.
2 – العلاقة بين البدو والفلاحين، وعادات وتقاليد القبائل البدوية، وسلوكيات الفلاحين.
3 – رصد ظاهرة الرق والعبودية، وبقاياها في المجتمع المصري.
4 – العلاقة بين المسلم والمسيحي، وبعض أسباب الفتنة الطائفية.
5 – ثورة يوليو وطموحات قيادتها في تغيير المجتمع المصري.
6 – هزيمة يونيو الساحقة وأثرها النفسي على الجنود والجماهير.
7 – وضع المرأة في المجتمع الريفي البدوي الذكوري.
8 – العلاقة بين القرية والمدينة.
9 – نظام السخرة وعمال التراحيل.
10 – لمحات من حرب الاستنزاف.
11 – الاغتراب عن موطن النشأة والغربة الداخلية.
( 4 )
الراوي كحيلة فنية:
الراوي / الحكاء الشعبي لجأ إليه الكاتب كحيلة فنية، لتبرير اللامعقول من شطط وخرافات وأساطير تأتي على لسان الراوي، والكاتب يتدخل أحيانا في عمل الراوي، لينزل به وبالقارئ إلى أرض الواقع بعد أن حلق الراوي بخياله بعيدا، وأحيانا يتداخل ويختلط صوت الراوي الشعبي بصوت الكاتب نفسه، و ” أم سعدون ” خير مثال على ذلك.
” أم سعدون إمرأة من الزمن القديم ” .. إذن هي محاطة بهالات من الأساطير والخرافات، وستنال على لسان الراوي قدرا منها، مثل حكايات جنيات الترع والمصارف، أو نداهة التلال أو عفاريت الجبانة.
يقول الراوي :
( أم سعدون لا أحد يعرف اسمها الحقيقي، كانت إمرأة وحيدة لأبوين يعملان بالرعي بالجزيرة، أبوان ماتا مبكرين بأمراض مجهولة.
كان الأبوان مقطوعين من شجرة، لا أهل ولا أقارب، ولا خلان. تركاها هي البنت الوحيدة مع كل ثروتها، قطيع صغير من الماعز والأغنام.)
والكاتب يتدخل في عمل الراوي، فيقول محتجا عليه ومصححا له :
( المعلومة السابقة، ربما ليست دقيقة مائة في المائة، ربما قصد الراوي إضفاء أبعاد إنسانية يثير بها عاطفة المتلقين مع بطلة القصة، كاليتم والوحدة )
وفي حكي وسرد ماتع وجدل رائع ما بين الكاتب والراوي، تدور قصة ” أم سعدون “.
يقول الراوي :
( كانت أم سعدون – بعد رحيل أبويها – تنتقل بدوابها، من مكان لآخر، حيثما يوجد المرعى والماء، كانت تحمل معها متاعها القليل، الخيمة والملابس والطعام، على حمار هزيل وحيد أيضا حيثما ذهبت “
وهذه الصورة التي يرسمها الراوي للبنت البدوية اليتيمة أم سعدون، يتدخل فيها الكاتب:
( لاحظ أيضا أن الحمار وحيد مع قطيع من الغنم، أعتقد أن الراوي نسى أن يذكر أن للقطيع كلبا وحيدا يحميه من الذئاب )
وهنا تأتي فطنة وفراسة وخبرة الكاتب، وما بين صوت الراوي وصوت الكاتب، وتداخل الصوتين أحيانا تأتي القصة، يقول الراوي :
( يا سادة يا كرام : إن ” أم سعدون ” لا تعود للجزيرة – موطنها الأصلي – إلا في فصل الشتاء، عندما يشتد البرد، وتهطل الأمطار مدرارا )
تقول الحكاية والعهدة على الراوي :
( أنها في تجوالها في المناطق القريبة من الجزيرة، كانت قد انتقلت بقطيعها وحمارها وخيمتها، لهذه البقعة – المسماه باسمها الآن. كانت هذه البقعة – وقتئذ – أرضا بكرا جرداء، مرتفعة قليلا، لا يسكنها أحد من الناس. تراب أرضها عفير ناعم، لكنه خصب، مليء بالحشائش والشجيرات القزمة الصغيرة يتوسطها بئر متسع للماء العذب ).
وعلى هذه البقعة نشأت عزبة ” أم سعدون “.
( 5 )
الشخصيات الروائية :
يعني محمد عبدالله الهادي برسم شخصياته الروائية عناية بالغة، وهو يكتب عن شخصيات يعرفها، واقترب منها، خبرها، وسبر غورها واستكن جوهرها، يكتب عن الفلاحين، وعن البدو بجزيرة مطاوع، قرية الكاتب الآثيرة، والتي درج فيها، وقضى سنواته الأولى بها، فخلدها بثلاثيته البديعة ( ليالي الرقص في الجزيرة )، وصدر منها الرواية الأولى ( العبد )، والرواية الثانية وهي التي محل قراءتنا الآن : ( البحاري ) والرواية الثالثة قيد الطبع والنشر بالهيئة العامة للكتاب، وهي روايات متصلة، منفصلة.
ولا يتوقف الكاتب على رسم شخصياته من الخارج فقط، بل يغوص داخل الشخصية كاشفا عن أحوالها النفسية والفكرية، ولا يهمل أيضا البُعد الاجتماعي للشخصية، وحركة الشخصية في محيطها الاجتماعي.
1 – الريس الهادي.
وشخصية الريس الهادي والذي يُسمى بالبحاري، سنرى كيف قدمه لنا الكاتب وفقا للأبعاد الثلاثة للشخصية الإنسانية؟
يستهل الكاتب روايته بالوصف الخارجي لبطل النص من خلال صورة فوتوغرافية ” أبيض وأسود ” وجاءت أقرب إلى اللوحة التشكيلية.
( الريس الهادي، البحاري القديم، واقف تحت شعاع الشمس أمام كوبري الميزانية، جلبابه سابغ على قوامه النحيف حتى حذاء قدميه، يده الشمال تتدلى جانبه، على رأسه طاقية صوفية، ووجهه مبتسم، تمسك كفه اليمنى بخطاف حديدي طويل مغروس طرفه بالأرض وله مقبضان على شكل دائرتين، كل دائرة بحجم الكف، دائرة في المقدمة والأخرى في المنتصف. )
وهذه الصورة كاشفة عن المظهرالأنيق للريس الهادي من جانب، وعن وظيفته وبعض مهامها من جانب آخر، ويسهب الكاتب في وصف الخطاف ليقرب القارئ من عمل ووظيفة الريس، ويصور الشخصية من خلال لقطات بارعة، وهي في حالة حركة وفعل :
( يقود دراجته الفيليبس العتيقة حتى كوبري الميزانية عند مدخل الجزيرة هناك، يوقفها مائلة على حائط الكوبري الإسمنتي. )..
ومن العادات السيئة التي تأتي عرضا، ويرصدها الكاتب، ملقيا الضوء عليها، قيام بعض الفلاحين بإلقاء الحيوانات النافقة بالترع، فتقتحم الرائحة أنف الريس الهادي، وتهتاج معدته، ويبدأ في التعامل مع هذا الحيوان النافق، وهو سلوك غير حضاري ومرفوض تماما.
وعمل البحاري الرئيس :
(يعود لفم الميزانية ويمارس عمله، يرى مناسيب الماء وارتفاعها، على المقياس الرخامي الأبيض، القائم في مقدمة المنفذ على عمود من الحجارة، يخطو ويكرر نفس الشيء خلف الميزانية )
( في نوتة صغيرة يسجل مناسيب الماء بالقلم الكوبيا الأزرق بخطه الرقعة الجميل. بعد أن يحدد اليوم وتاريخه .. )..
ويقوم بتبليغ مناسيب الماء لإدارة الري بالمدينة يوميا وفي مواعيد محددة صباحا.
ويصف الكاتب الريس الهادي مرة أخرى مسهبا في مظهره الخارجي :
( على رأسه يقف الطربوش القاني المائل بزاوية مضبوطة وزر طويل، جلبابه الكشمير الغالي المكوي مضبوط ومنسدل على قامته، ينتعل بقدميه الحذاء بني الجلد برقبة لها رقعة مطاطية من الجانبين .. )..
والمظهر الخارجي للريس الهادي أحدث مفارقة بديعة، فمهندس الري عندما رآه بهذا المظهر الأنيق، ظنه من علية القوم، وخف بنفسه إلى استقباله، وبالغ في الترحيب به، فهذا المظهر لايتناسب أبدا مع وظيفة ميزني أو بحاري وهذه الوظيفة لا تحتاج أصلا إلى مؤهلات خاصة سواء في التعليم أو المظهر أو .. أو ..ولكن العجب يزول والمفارقة تنجلي عندما يكشف لنا الكاتب أنه ابنا لعمدة، وكان يحمله في طفولته عشرات الخفر والخدم، ويدللونه بما يليق بنجل عمدتهم، عمدة قرية محلة زياد بالغربية، وبعد فشله في التعليم، وعن طريق أسرة النحاس باشا التي تربط بينهما أواصر وعلاقات نسب وصداقة وحب، يتم التوسط للهادي للعمل في هندسة الري بمديرية الشرقية، ونصحه زميله موسى الكوابري، نصيحة المحب المخلص بأن يتخلى عن هذا الزي الراقي، وأن يلبس ملابس بسيطة مثلهم، ملابس تصلح للماء والطين والتراب على ترع شرق الدلتا، واستجاب الهادي لنصيحة زميله، وليكون مثلهم، وكثرت تنقلاته بين قرى وترع مختلفة في كافة أنحاء المحافظة، حتى أن أبناء عائلته في محلة زياد توقفوا عن زيارته بعد أن اختلطت عليهم أسماء القرى والترع الشرقاوية التي ينتقل إليها البحاري من حين إلى آخر.
وينقل لنا الكاتب بخبرة ووعي الكثير عن وظيفة البحاري :
( أدوار الري في دفاتر الجزيرة القديمة أدوار منتظمة المواعيد. معتمدة وتحت حماية قانونية بعقود شرف لا يمكن تخطيها من عامد. وإلا طارت فيها رقاب وسالت فيها على الأرض دماء )
ويستمد البحاري أهميته وقوته من وظيفته المرتبطة بنهر النيل، شريان الحياة :
( النبات روح حية كروح البني آدم، له نفس معزة الإنسان، هذا يقين سائد بين أهل الجزيرة لا يقبل أي مناقشة ).
وهناك بعض النباتات تحتاج إلى الماء أكثر من غيرها :
( أحواض الأرز في الغيطان غير بقية أحواض الغيطان الأخرى ) .. ( الأرز محصول متفرد في حاجته للماء، وغمره، ويعلو أحواضه، ويغطي سطحها ) .. ( عطش الأرز غير عطش كل النباتات المزروعة، غير نبات القطن الجيزة أو أعواد الذرة الشامية التي تجاوره في نفس الحوض ).
إذن أصعب أيام الفلاح ومعاناته، هي أيام زراعة الأرز، فماء النيل الذي يجري في شق ترعة بهجت لمدة أربعة أيام فقط، وهي أيام العمالة، وتدخل بعد ذلك في دور البطالة، وهي غير كافية لغمر الأرز بالماء، فالريس الهادي يقفل الأبواب الحديدية ليغلق الماء ويحوله لترعة أخرى لأجل فلاحين آخرين ينتظرون دورهم في الري، فالماء يوزع كحصص بالعدل والقسطاس بين مساحات الأرض في موسم زراعة الأرز والذي يشتد الطلب عليه.
2- سعد أفندي :
موظف السنترال بالجزيرة، وهو يمثل شريحة كبيرة من موظفي الحكومة، وخاصة من أبناء المدن، الذين تلقي بهم القوى العاملة في مجاهل قرى نائية، يضيقون بها ذرعا في البداية، وحينما يقارنون بين الحياة في تلك القرى المنسية ومنها قرية جزيرة مطاوع التي انتفل للعمل بها سعد أفندي، وبين مدينة الزقازيق التي جاء منها، فتكون المقارنة ظالمة، وكأن المقارنة بين الحيوات الصاخبة في المدن والتي تضج بالحركة والحياة والسكون والموات في القرى، وسعد أفندي :
(هو نسخة مكررة من موظفي الحكومة، المهم أن تكون جثته موجودة في موضع العمل– حتى لو تناهى إلى سمع الهادي شخيره المنتظم .. ).
والريس الهادي يذهب صباح كل يوم إلى السنترال ليبلغ مناسيب الماء إلى هندسة الري، ويجد سعد أفندي يغط في شخيره، ويأبى الريس الهادي أن يوقظه، ويذهب بنفسه ليتصل بهندسة الري، وسعد أفندي هو موظف حكومة في مواجهة موظف حكومة آخر وهو الريس الهادي :
( البحاري رجل ملتزم بمتطلبات حياتية يومية، لا يبدد راتبه على المزاج والمظهر مثله، بل يصرفه حتى آخر قرش على أسرته، وزوجته وولديه الذين يرعاهما بالمدارس. هو أحيانا ككل موظفي بر مصر، يضيق به الحال، تشح النقود في جيبه، ولا يستطيع الوفاء بكل المتطلبات فيلجأ للاقتراض، أو الشراء بالدين، خاصة في الأيام الأخيرة من الشهر.)
وسعد أفندي موظف السنترال على النقيض من الريس الهادي، فهو شاب أعذب ابن بنادر، لايقيم وزنا لأحد، يضرب الدنيا ” بصرمة قديمة ” بتعبير الكاتب، لا شيء يعجبه، ولا شيء يهمه، ينفق راتبه على المظهر والملبس والمأكل و .. و ..وتكثر الشكاوى ضده من الحاج عبدالبديع أمين الاتحاد الاشتراكي، وسعد أفندي يسعد بهذه الشكاوى، فربما تكون سببا في نقله من هذه القرية المنسية إلى فضاء المدينة الرحب، وهو لم يفلح في التعليم، ولم يحصل على الشهادة الإعدادية رغم ادعائه بحصوله عليها، ولولا اسرته الكبيرة، وأقربائه المهمين لما حصل على هذه الوظيفة التي جاءت بالوساطة.
و.. ( السنترال يخدم بالضبط عشرين تليفونا منزليا عند كبار العائلات في الجزيرة والقرى المحيطة : الشافعي وجزيرة النص والوهابية وأم سعدون وغيرها. معظمها تم تركيبه ليست لحاجة بل للمباهاة والتفاخر. نادرا ما يأتي أحد ليطلب مكالمة أو ليكتب تلغرافا أو صاحب تليفون يبلغ عن عطل تليفون )
( إذا فكرت جهة حكومية أو رسمية ما في ارسال تلغراف أو إشارة مهمة للجمعية الزراعية أو لأمين الاتحاد الاشتراكي أو لناظر المدرسة عبر السنترال، فإن عليهم أن يتذرعوا بالصبر وهم يفعلون ذلك. أن يكرروا محاولات الاتصال والنداء عدة مرات .. ).
3– أم سعدون :
وهي من أجمل الشخصيات التي رسمها الكاتب، مستعينا بالمخيلة الشعبية وما يختزن فيها من خرافات وأساطير، مستعينا بالراوي الشعبي، وبتداخل الأصوات، صوت الراوي بخياله وخرافاته وأساطيره، وصوت الكاتب الذي يحاكي الواقع المعاش، ومع بواكير تفتح وعي البنت البدوية بتغيرات جسدها، وحلمها بالفارس الذي سيأتي ممتطيا صهوة جواده ليخطفها، ويروي جسدها المتعطش، ويهدهد نفسها التواقة إلى الحب، وهي في وحدتها، مع أغنامها، يصفها الكاتب، ويمعن في وصف جسدها، والحالة النفسية التي هي عليها وهي جالسة عند البئر، تحلم بالفارس الذي يختطفها، وكما في القصص الشعبية والاساطير، تفاجأ، وقبل أن تقوم من مكانها، بفارس يأتي على فرس أبيض، هو الذي داعب خيالها، وشغل تفكيرها، هو هو برسمه وسمته الذي أخذ في تلك اللحظة بمجامع قلبها، الذي تلجلج في صدرها، وكأنه الشاطر الذي سقط عليها من الحواديت.
يقول الراوي :
( هتف يطمئنها. عندما رأى حيرتها وخوفها :
” يا فتاة البئر .. لا تخافي .. أنا غريب .. أمضي بحصاني في بلاد الله وبين خلق الله .. أطلب الراحة وأنا في طريقي للشمال “.
” ماغريب إلا الشيطان .. أهلا وسهلا بك يا غريب “
ويتدخل الكاتب في قصة الحب الجميلة، والتي أخذ فيها الراوي بتلابيب المستمعين / المتلقين، وتدخل الكاتب بمكر شديد، ليلفت أنظارنا إلى المسكوت عنه في القصة، ويخبرنا بالفروق الجوهرية بين القصة الشعبية الشفاهية، والقصة الفنية اليوم، فالكاتب لا ينسى أنه ينتج عملا لقارئ، والقارئ غير المستمع، والشفاهي غير الكتابي، ولكل خصائصه وجمالياته، يقول الكاتب، وكأنه يقدم لنا بحثا أو دراسة نقدية في هذه المسالة ، يقول الكاتب هذه المرة ممتدحا الراوي، والراوي هنا هو الكاتب نفسه، يقول الكاتب :
( لم يقل لنا الراوي يا سادة يا كرام :
متى أكل الفارس الغريب من خبزها الذي أعدته له، متى شرب من لبن دوابها التي حلبته؟ كم من الوقت مكث معها هو وحصانه في بقعة أرضها؟ أو متى أحبها أو متى قبلها وامتص رحيق شفتيها؟ أو متى طلب يدها للحلال على سنة الله ورسوله؟ ولا كيف عقد قرانه عليها؟ ومن كان وليها أو من هما شاهدا عقدها؟ ولا متى قطف رمانها وذاق حلو عسلها؟ وكيف أخذها على حصانه المجنح وطار بها في الفضاء الرحب؟ .. )
( ترك الحكاية بأحداثها الغامضة، مؤهلة لكافة الاحتمالات التي تبدعها قريحة البشر، كانه يقدم لنا رواية حديثة من روايات القرن العشرين، أو ربما أراد تجاوز أحداث لا يليق أن يعرفها الأحفاد عن جدتهم الأولى، هل الراوي الأصلي للحكاية هو من ابتسر وأمسك، أو أنه أحد الرواة الذين جاءوا بعد ذلك عبر تاريخ الحكاية؟ )
إذن الراوي / الكاتب كان عليه ووفقا للتطور التاريخي والفني أن يخلص الحكاية/ القصة من اللغو والثرثرة، وأن يسعى إلى التكثيف والاختزال، ويترك فضاءات واسعة للمستمع / القارئ / المتلقي، لإعمال عقله، وشحذ خياله، لملء هذه الفراغات، فالنقد الحديث يدعو إلى احترام القارئ، وضرورة مشاركته في انتاج النص، وهذا ما يقول به ” رولان بارت ” وغيره من النقاد.
يقول الراوي :
( تعلقت بردائه تعلق الزوجة المحبة والعاشقة، تستبقيه، عندما وضع قدمه في الركاب قافزا فوق الحصان. قالت :
” لا تتركني يا فارسي الحبيب .. خذني معك يا سعدون .. سأرحل معك بقطيعي .. رزقي ورزقك على الله “
قال لها :
” إن شاء الله راجع يا زوجتي الجميلة .. انتظري ولا تقلقي .. لا تبرحي مكانك مهما طالت غيبتي حتى أعود ” )
يقول الكاتب :
( عرفنا في لحظة الفراق من الحكاية، هكذا أراد الراوي، أن الفارس اسمه سعدون )
ومضى الفارس ممتطيا صهوة حصانه، صوب الشمال، وترك الراوي / الكاتب النهاية مفتوحة، هل كان الفارس في طريقه إلى الجهاد أو اللحاق بتجريدة أو حملة من حملات الوالي؟
كل الاحتمالات واردة
يقول الراوي :
( إنها وضعت بعد تسعة أشهر بالتمام، وليدها، وحيدة دون مساعدة من أحد، وأنها غسلته بماء البئر، وأنها وضعته في مهده بخيمتها، وأنها أسمته ” سعدون ” )
يقول الراوي :
( قررت أم سعدون من يومها، ألا تغادر المكان المجاور للبئر وفاء لوعدها، طالما كانت حية ترزق، انتظارا لعودة الفارس ” سعدون ” كي يرى ابنه ” سعدون ” )
هل انتهت القصة؟ ابدا القصة مستمرة، يقول الراوي :
( كبر سعدون كما يكبر أطفال الحكايات.
صار شابا يافعا، هجر مهنة أمه الرعي، واتجه للأرض العفية التي تحيط به، وتنادي عافيته، راح يصلحها قطعة بعد قطعة، يزرعها مستعينا بماء البئر بعد أن أقام شادوفا عليه، وأعطته الأرض زرعها )
4- شخصية المحقق :
قدم الكاتب شخصية المحقق القانوني في دواوين الحكومة، بصورة واقعية للغاية، ورغم كثرة الشخصيات بالرواية، لا يمكن إغفال شخصية المحقق التي قدمها الكاتب، فكل شكوى في المؤسسات الحكومية لابد أن يُحقق فيها، وفقا للقانون، والوصول إلى نتيجة للتحقيق، و ” سعد أفندي ” موظف السنترال تكثر الشكاوي ضده، مما يضطر المحقق أن يشد الرحال إليه في تلك القرية النائية، ويعاني في طريقه إليها من القطار البطيء المتهالك، ومن المشي على قدمية مسافات طويلة، حتى تتورم قدماه، ولكنها أصبحت بسبب كثرة الشكاوي ضد سعد أفندي رحلة معتادة وروتينية، وكذلك أصبح التحقيق روتينيا وآليا، ويقدم الكاتب العلاقة التي تنشأ بين المحقق والموظف، وهو لا يقدم مشهد سينمائي للمحقق بقدر ما يقدم مشهد من الواقع المعاش في الدواوين الحكومية.
( يفتح الرجل حقيبته. يخرج أوراقه واقلامه. بعد أن يرفع نظارة القراءة على أرنبة أنفه، يطل بعينيه من فوق عدستيها المقعرتين. يمسك كوب الشاي، يشرب شفطة، ثم يبسط أمامه عريضة الشكوى ويقرأ، يقول :
اسمع يا سيدي )
ويقرأ المحقق عليه مضمون الشكوى بسرعة، لا يتوقف عند المقدمات والعبارات المحفوظة المتكررة، أحيانا يجتاز بعض الأسطر والعبارات غير المهمة، و .. و ..
هذا الوصف الدقيق للمحقق، والوصف الدقيق أيضا للتحقيق ذاته، يعكس وعي الكاتب، بشخصية محقق الشئون القانونية بالدولة :
( ينهمك المحقق في كتابة الديباجة الأولى التي يحفظها ويكررها مع كل محضر، ثم يسأله حسب الاتهامات الواردة بالشكوى، السؤال الأول، ولا ينتظر منه إجابة. بل يجيب هو على نفسه بصوت عال، وهو مستغرق في الكتابة بسرعة، بخط غالبا لا يُقرأ، بل يحتاج لخبير خطوط لفك طلاسمه، ثم يرفع رأسه، ويتزود يشفطة شاي أخرى بصوت مسموع )
ومثل هذه الشكاوي يتم حفظها، لأنها غالبا شكاوى كيدية، وأقصى عقوبة وقعت على سعد أفندي هي عقوبة ” لفت النظر ” وهي عقوبة قانونية لا يصاحبها خصم أي مليم من الراتب، وهذا هو الأهم بالنسبة لسعد أفندي أو أي موظف، فالراتب هزيل وأي اقتطاع منه يؤثر حتما على معيشة الموظف.
5 – بلتاجي :
ويصف لنا الكاتب مظهره من الخارج :
( يرتدي جلبابا فلاحيا نظيفا، المدعمة فتحات صدره وأكمامه وذيله بالقواطين السوداء المتينة، والجلباب الذي يسقط على قوامه الطويل بمهابة، ويترقص بحواف ذيله على فردتي البلغة بقدميه بلونهما السمني النظيف، ورأسه المرفوعة بطاقية صوفية بنية محاطة بعمامة بيضاء استانبولي، ملفوفة عدة لفات في دائرة عظيمة، تتهدل شراشيبها اللطيفة على وجهه البرونزي المنبسط بابتسامة، وأنف قائم يعلو شارب مهذب يحيط به وجه حليق، والذي تعتمد يده اليمنى على عصا مرنة من الخيزران، يهزها كلما راح أو جاء.. )
هذا الوصف الظاهري لبلتاجي عامل السنترال يذكرنا بوصف الكاتب للريس الهادي، وكيف يستخدم تقنبة المفارقة التصويرية بمهارة ليثري بها فنه السردي.
6 – الحاج عبدالبديع :
يرسم الكاتب شخصية الحاج عبدالبديع من خلال الحركة والفعل، يصوره وهو يعمل في محيطه الاجتماعي، فهو أمين الاتحاد الاشتراكي بالقرية، ويتسم بالفاعلية والإيجابية، ويؤمن بالثورة وبمبادئها وبزعيمها وقائدها جمال عبدالناصر، يجيد القراءة والكتابة، معظم أهل القرية من البدو والفلاحين يثقون به، فلا يُغلق له باب، ولا يتردد في البيع من دكانه لأهل القرية بالأجل، وهو من سعى لفتح مكتب بريد بالجزيرة، والسنترال، وهو وراء كل الخدمات بالجزيرة، وكلمته نافذة في فض الخلافات والمنازعات التي تنشب بين ناس الجزيرة، ويقضي مصالحهم. والحاج عبدالبديع يكاد يكون هو الوحيد من دون لجنة العشرين المؤمن بالعمل العام، فاللجنة لم تجتمع غير مرة واحدة، وبعدها بدأت الخلافات، فكل يرى نفسه أحق بالأمانة أو على الأقل رئيس لجنة ..
( كان الحاج عبدالبديع موقنا، أن التشكيل من الأساس مصاب بالعوار والنقص. بذور فنائه تكمن في تشكيله القبلي والعائلي. من كل عائلة كبيرة أو قبيلة تم اختيار شيخها أو عميدها. الشيوخ بطبعهم شيوخ. لا يقبلون أن يتولى أمرهم. أو يرأسهم شيخ آخر. حتى ولو كان الحاج عبدالبديع الوحيد بينهم. الذي يجيد القراءة والكتابة بطلاقة. وحتى مع يقينهم – وإن لم يقروا بذلك – بأنه الأكثر حيوية ونشاطا، في خدمة الجزيرة. يصفونه بأنه رجل عملي. لا يكف عن الحركة. وإن أعجزته الحركة. أرسل شكاويه وعرائضه لكل الدنيا لكي يسمعوا صوت جزيرته. الأهم صلته بكبار المسئولين في المركز والمديرية والعاصمة، لتذليل كثير من المصاعب. ).
7 – أم عبدالله ( زوجة الريس الهادي ).8 – صفية ( بنت بلتاجي ). 9 – العبد. 10 – لطيفة ( زوجة العبد ) . 11– طلعت ( الابن الأكبر للعبد ). 12– مغنم ( جندي ابن العبد ). 13– فضة ( بنت العبد ). 14 – عويضة ( المحروق ).15 – العم أبو زيد. 16 – شكري القبطي. 17– جميل ( ابن شكري ). 18– العليان ( علي أبو جريدة وعلي أبو عثمان ) 19– الوصيفي. 20 – سعيد عجوة. 21 – رتيبة. 22 – الصول سمير. 23 – الشيخ اسماعيل ( شيخ الكُتّاب ). 24 – علي أبو عطية ( صاحب السوق ). 25 – أم نصير ( زوجة علي أبو عطية ). 26 – نصير ( سمكري سيارات ). 27 – جمالات ( الراعية ). 28 – حماد ( والد جمالات ). 29 – حسن ( ابن الشيخ سعدون وعاشق جمالات ). 30 – شفيق عازر ( تاجر الجمال القبطي وصديق العبد) 31 – شيرين ( ابنة شفيق عازر والتي هربت مع طلعت ابن العبد). 32 – محمود رضوان ( الأخ الأكبر لأم عبدالله ويعمل معاونا في مصنع الحديد والصلب بأبي زعبل).33 – أحمد محمود رضوان. 34 – محمد محمود رضوان. 35 – عديلة ( زوجة محمود رضوان السكندرية ). 36 – عبدالنور ( تاجر جمال سوداني ). 37 – إدريس ( تاجر جمال سوداني ). وعشرات الشخصيات الأخرى
وباستقراء ودراسة شخصيات الهادي نخلص إلى الآتي :
1 – تنوع الشخصيات، وثراءها، فقدم لنا في الرواية شخصية الفلاح، وشخصية البدوي، وشخصية الموظف، وشخصية العبد، والعمدة، والبك، والهانم، والرجل والشاب والطفل، والمرأة والفتاة والصبية، والجندي، والضابط، والسياسي، والمسلم، والمسيحي، والصعيدي، والسوداني، والسيناوي، فالرواية تعج بعشرات الشخصيات، منها الشخصيات السوية، ومنهاغير السوية.
2 – أبعاد الشخصيات واضحة في ذهن الكاتب، فيكتب عن أشخاص خبرها ودرسها دراسة وافية، متسلحا بإلمامه العميق بعلوم المنطق وعلم النفس والفلسفة والخبرة الحياتية من خلال معايشته الكاملة لشخصياته.
3 – شخصياته تنبض بالحياة، وتضج بالحركة، وسلوكياتها وتصرفاتها تأتي طبيعية ومنطقية وفقا للأبعاد الثلاثة للشخصية ( المظهر الخارجي – الحالة النفسية – الحالة الاجتماعية ).
4 – لم نرصد للكاتب تدخلات تُذكر في حركة وتصرفات شخصياته، فيتركها تتحرك وتتصرف بكامل حريتها وفقا لأسلوب تفكيرها وعلى حسب حالتها النفسية والمزاجية.
5 – معظم شخصياته لا يقدمها دفعة واحدة، بل يقدمها على دفعات، وقد تستمر بعض الشخصيات حتى لو كانت هامشية على مدى وامتداد الرواية.
( 6 )
العلاقة بين القرية والمدينة ::
ظلت العلاقة بين الجزيرة والعالم الخارجي، تكاد تكون معدومة، والجزيرة شبه معزولة، والتواصل مع الخارج في أضيق الحدود وللضرورة، حتى جاءت ثورة يوليو، فكان لها الفضل في كسر هذه العزلة، والعلاقة بين المدينة والقرية، يلخصها الكاتب في عزبة ” الساعاتي ” والتي جاءت في سياق الرواية كقصة قصيرة رمزية، تشير ولو من طرف خفي إلى علاقة القرية بالمدينة، فالساعاتي الذي بهره أعيان القرى الذين يترددون على محله بالمنصورة، ليقتنون الساعات الباهظة الثمن للتباهي بها غالبا، يسعى ليكون واحد منهم، فهو يعشق الأرض والزرع والطبيعة البكر، ويمضي وراء حلمه، ويبيع محل الساعات، ويشتري أرضا في حضن الجزيرة، ويبني بيتا أنيقا وسط المزروعات ويستأجر الفلاحين بالجزيرة ليعاونوه في فلاحة الأرض وزراعتها، ولكن أولاده يأبوا أن يتركوا نيل المنصورة، ويرفضون الإقامة معه، ويذهبون إليه كسياح يقضون معه يوما أو يومين ويعودون محملين بالطيور والخبز والبيض الألبان والزبد والسمن والقشطة، ويتركونه وحيدا، والقرية في نظر أهل المدينة، خادمة لهم، وعندما حضرت المنية الساعاتي، باع الأولاد الأرض، فهم لا يستطيعون الحياة في هذا الموات والسكون في الريف..
وهكذا ماتت او انتهت عزبة الساعاتي التي ولدت كحلم وتلاشت بسرعة، لأنها لا تملك مقومات البقاء، وكأن المدينة لا تستطيع الحياة في القرية، فإذا كان هذا حال أولاد الساعاتي ابن مدينة المنصورة، فهل لسعد أفندي ابن مدينة الزقازيق أن يتأقلم مع القرية، وهو ابن المدينة الصاخبة التي لا تنام، هل تستطيع الجزيرة أن تحتويه، ويجد نفسه فيها؟
( شارعهم بكفر النحال، بنت الجيران والحب الأول، شارع البوستة التجاري القديم. وشارع المنتزه الواسع بمنتزهاته الخضراء، كورنيش نيل بحر مويس التاريخي، تتهادى قوارب صغيرة على صفحة مائه بالعشاق والمحبين والأصدقاء، تتناثر على شاطئيه عربات الترمس الذهبي، وعربات البطاطا الحلوة، وكيزان الذرة المشوية حالا أمام باعة يفترشون الأرض، المقاعد الأسمنتية التي شيدتها البلدية بامتداد الشاطئ مزدحمة بأسر تبغي النزهة في نسيم وهواء العصر، رواد سينما مصر وسينما سلمى من الشباب، عشاق أفلام عبدالحليم حافظ وفاتن حمامة وزهرة العلا وزبيدة ثروت ولبنى عبدالعزيز، يتجمعون لحفلات السادسة أو التاسعة المسائية، ميدان عرابي الشهير، زعيم الفلاحين يمتطي صهوة حصانه، شاهرا سيفه، تل بسطة بتلالها وآثارها، معبد الإله باستيت المحطم بزلزال قديم، وصورة القط الشهير الجالس على مؤخرته انتباه يصنع أحداثا وهمية في هذه الأماكن الحميمة، تنبت على شفتيه بسمة واهنة وهمهمة خفيفة ).
( 7 )
المفارقة التصويرية كحيلة فنية :
والمفارقة التصويرية يلجأ إليها محمدعبدالله الهادي كحيلة فنية ليبرز التناقض بين طرفين متقابلين، ليرسم الشخصية أو يوضح الحدث، وقد يتسع التناقض ( المفارقة التصويرية ) عند محمد عبدالله الهادي لأكثر من ذلك، وتقوم بدور فاعل في بناء نصه.
المفارقة الأولي : الريس الهادي بملبسه الأنيق في أول مقابلة له مع مهندس الري، يظنه المهندس واحد من المهمين، ويتعامل معه على هذا الأساس، ولكن المفارقة تأتي لتقلب ذلك رأسا على عقب، عندما يكتشف المهندس أنه لا يعدو أن يكون عاملا كبحاري!
المفارقة الثانية : ملبس بلتاجي الأنيق، ويعتقد سعد أفندي بأنه العمدة وقد جاء ليستقبله، ولكن المفارقة تحدث عندما يكتشف سعد أفندي أنه العامل بالسنترال.
المفارقة الثالثة : العليان ( أبو جريدة وأبو عثمان ).
” أبو جريدة ” قصير، مكير، قليل الكلام، و ” أبو عثمان ” طويل وعقله خفيف ولا يكف عن الثرثرة ويعاني من لعثمة في لسانه، إذن نحن أمام نموذجين متناقضين، و ” أبو عثمان ” لا يحسن التصرف ودائما ما يقع في الخطأ بسبب الإندفاع أحيانا وبحسن النية أحيانا أخرى، وغالبا ما كان ” أبو جريده ” هو من ينقذه ويتدخل لتبرير أخطائه، وعندما يقنعه ” أبو جريدة ” بأن يذهبا لري أرضهما بالليل في غفلة من البحاري ومهندس الري وبالمخالفة للقانون، وكان ” أبو عثمان ” في حالة خوف ورعب شديدين، بينما ” أبو جريدة ” يبدو ثابتا وغير خائف، ويتفاجئا ببوكس الري يضبطهما متلبسين بالجريمة، فالمفروض ووفقا لشخصية كل منهما أن الذي يجري ويهرب هو ” أبو عثمان ” ولكن المفارقة أن الذي يهرب هو ” أبو جريدة ” ويتوارى في غيط الأذرة!! ولأن المفارقة في هذا المشهد مركبة، فعندما يمسكون بأبي عثمان متلبسا وبينما هو خائفا مرتعدا يسألونه عن اسمه، فيجيبهم : علي أبو جريدة!
ومثل هذه المفارقات كان لها حضورها القوي في التعريف بشخصية البحاري، وبشخصية بلتاجي، والعليان وغيرهم والكشف عن الكثير من جوانب شخصية كل منهم، والقارئ / المتلقي التي رسمت المفارقة ابتسامة على شفتيه، تجعل للشخصية حضورها القوي.
( 8 )
البدو والفلاحين :
وتأتي قصة ( الراعية والفلاح ) من القصص التي لا تقل جمالا ولا روعة عن قصة ” أم سعدون ) فالولد حسن ابن الشيخ سعدون وقع في حب وهوى البنت ” جمالات ” الراعية، والبنت بادلته الحب بحب والهوى بهوى، ولجأت البنت كما لجأ الولد إلى كل الحيل والوسائل المشروعة ليتوجا حبهما بالزواج، ولكنهما يصطدمان بعادات وتقاليد متوارثة، فالأب حماد يحبسها في الدار ويعذبها، ويزوجها لرجل مُسن في بلاد بعيدة!!.
وقصة العبد ولطيفة، والكاتب عنون روايته الأولى باسم ” العبد “، فكيف لأسرة عربية أن تزوج ابنتها الأرملة لعبد، حتى لو كانت تعشقه، ويتسلق دارها في ظلام الليل كقرد!، العبد ولطيفة فرا بحبهما، وهربا في ظلام الليل ليرى حبهما النور، فهما كانا أكثر إيجابية من جمالات وحسن.
وبلتاجي الذي ينتمي إلى إحدى القبائل العربية الكثيرة بالجزيرة، ويعمل بوظيفة عامل بالسنترال، يرصد الكاتب من خلاله بعض من أفكار وسلوكيات وعادات البدو، فالقبائل العربية بالجزيرة تعتبر العمل بمثل هذه النوعية من العمل نقصان لكرامتها، وفقدان لهيبتها، فالقبائل العربية بالجزيرة لم تزل ترى في مهن وحرف السمكري والنجار والحداد والقهوجي والعربجي والبناء وغيرها .. مهن يدوية وضيعة، لا تليق بالسيد العربي، الذي ينبغي أن يوظف هؤلاء لخدمته.
ولذلك ترى بلتاجي يهرب من السنترال، ويحاول ألآ يضبطه أحدا من أهل الجزيرة متلبسا بهذا العمل المشين، ويحاول أن يتوارى عن الأعين التي ترصده، فيتخير وقت الضحى أو قبل الظهيرة بقليل ليذهب إلى السنترال ..
( في المبنى الصغير، يبدأ بالعمل الأصعب، يتناول فوطة بالية مبللة يمسح بها سطح الحاجز الخشبي العريض من الغبار المتراكم عليه من هواء الجزيرة، ينظف أرضية المكتب على عجل من التراب وأعقاب السجائر والأوراق المبعثرة المهملة، ويتخلص منها بعيدا عن المكتب. )
وكأن هذه الطقوس البسيطة كفيلة من وجهة نظره، على إثبات حضوره اليومي لدي الحكومة، أو ممثلها الرسمي ” سعد أفندي ” ، طقوس من وجهة نظره، تحلل ما يتقاضاه من جنيهات قليلة، أول كل شهر كراتب.
( 9 )
لوحات تشكيلية :
الكاتب يرسم بالكلمات بعض اللوحات التشكيلية، منها :
1 – سوق القرية.2 – الكُتّاب.3 – لعبة السيجة.4– رقصة الريدية.5 – المسحراتي.
6 – المقهى. 7 – القرية تحت المطر في فصل الشتاء. 8 – الجنازة الرمزية بالجزيرة في وداع عبدالناصر. 9 – ليالي الرقص بالجزيرة ( في مناسبات الزواج أو عودة الغائب أو المواسم والأعياد ). 10 – طقس سبوع المولود. 11 – طقوس الزواج. 12 – طقوس الدفن.
( 10 )
2 – الجانب المعلوماتي :
يهتم الكاتب بالجانب المعلوماتي، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر :
1- ( إكياد ) وهي قرية أم عبدالله زوجة الريس الهادي:
( أسسته قبيلة أولاد إكياد الغتاورة إبان الدولة الفاطمية .. ).
2 – القطة :
( عرف فيما بعد أن القطة / البسة .. الإله ” باستيت ” كان معبودا مقدسا في شرق الدلتا في زمن الفراعنة ).
3 – الزقازيق :
( التي تحقق وجودها برغبة محمد علي باشا الكبير لتوسيع دائرة العمران بمديرية الشرقية. بعد أن توسع في إنشاء ترع الري ومصارف الصرف وزيادة الضرائب على الفلاحين.
أسرة ” الزقزوقي ” التي تستمد منها المدينة اسمها كانت تقيم مكانها في المنطقة المجاورة للقناطر التسعة على بحر مويس قبل قدوم محمد علي باشا. والخريطة التي رسمها علماء الحملة الفرنسية، سنة 1880م ورد بها اسم الزقازيق محرفا ” زجزي ” )
4 – الجزيرة :
( الجزيرة تاريخها موغل في القدم حتى الفراعنة أبناء الأسرة السادسة والعشرون، الذين عاشوا هنا عند التلال الأثرية، وتركوا شيئا من أنفسهم هناك في جوفها، يغري اللصوص حتى اليوم بنبش ترابها في الليالي المظلمة. )
5 – مصرف بحر البقر : حُفر كمصرف للصرف الزراعي عام 1914م، ويبلغ طوله ( 190 كم )، يمر بخمس محافظات من القاهرة حتى بحيرة المنزلة، قررت الحكومة في أوائل السبعينيات قرارها الخطير : تحويله لاستقبال الصرف الصحي لمدينة القاهرة الكبرى، حلت به اللعنة بعد هذا القرار.
6 – الصالحية : قرية كبيرة شيدها الملك الصالح نجم الدين على أنقاض ” سقط ” الفرعونية بالقرب من ” إيثام ” على مشارف صحراء فاقوس، التي كان يسكنها بدو العرب ” ساشو “.
7 – المدينة المسماه باسم كنية شاعر بني هديل ” أبو كبير “.
8 – قدم الكاتب معلومات مهمة عن الجمال القادمة من السودان، وأنواعها، وأهم أسواقها، كما قدم معلومات أيضا عن الصقور وأنواعها، واصطيادها، وتدريبها، ورواج تجارتها في دول الخليج العربي.
9 – ويقدم ملمحا تاريخيا عن العبيد، وتجارة الرق.
(11)
الحكم والأمثال الشعبية :
1 – ” من يسأل لا يتوه ” تفصيح للمثل العامي ” اللي يسأل ما يتوهش “.
2 – ” الغائب حجته معه ” تفصيح للمثل العامي ” الغايب حجته معاه “
3- ما غريب إلا الشيطان. 4 – المضطر يركب الصغب. 5 – بصلة المحب خروف.
6 – حصيرة الليل واسعة. 7– الصمت حكمة. 8 – وجهها يقطع الخميرة من البيت.
9 – ياما جاب الغراب لأمه. 10 – ما غريب إلا الشيطان.11 – ما يحسد المال إلا أصحابه.
12- كرسوع في الرمل ولا فدان من طين.13 – لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع.
14 – شر البلية ما يضحك.15 – اكسر للبنت ضلعا .. يطلع لها أربعة وعشرون ضلعا.
16 – يزيد البلل طينا. 17– يا خبر بفلوس .. بكره يكون ببلاش.
18 – اعتبر البساط أحمدي .. تفصيح للمثل : خللي البساط أحمدي.
19 – يا دار ما دخلك شر. 20 – العروس للعريس .. والجري للمتاعيس.
21 – احييني النهارده وموتني بكره.
22 – الفلوس عملت للهيش كرش .. وجعلت له عند الناس مقدار .. بعد ما كان اسمه بكير أسموه الناس الحاج بكار. 23 – من عمل النسوان تجارته ..يا خسارته.
24 – ربك يمهل ولا يهمل.25 – جبنا سيرة القط .. جه ينط. 25 – المكتوب ليس منه هروب. 26 – الدم عمره ما يبقى ميه.
( 12 )
موروثات من العادات والتقاليد:
1 – وجع العيون يُعالج بتعليق خرزة زرقاء بطاقية الرأس تتدلى جانب العين الحمراء للطفل، أو قطرات لبنية دافئة من ثدي مرضعة في العين الموجوعة.
(13 )
الوصف :
قد يستغرق الوصف لدي الكاتب صفحات، وهو في كل الأحوال وصف ماتع وبديع، فالكاتب من الوصافين الكبار، ويملك عين لاقطة، ولديه الخبرة والمعرفة بالموصوف ، شارعا كان أو إنسانا، حيوانا أو طيرا أو حتى جمادا، ومساحة الوصف في الرواية كبيرة، ربما تفوق مساحة السرد، فانظر إليه وهو يصف السنترال ” مكتب التليفون والتلغراف ” بجزيرة مطاوع، الذي بناه الحاج عبدالبديع على أرض تخصه، بالقرب من دكانه ومكتب البريد، وأجره لمصلحة التليفونات، هذا السنترال .. ص ص 90 – 92
وننقل جمل قليلة من وصفه للقرية :
( أكواخ طينية واطئة، وأعشاش من الحطب وأعواد الذرة الجافة مبعثرة بعشوائية، وخيام متسخة، … ) ..
: ( تتأمل بخوف ودهشة مفردات البلد المتسع كثوب فضفاض على ساكنيه القلائل، ترى أشباحا يظهرون فجأة هنا أو هناك ثم يختفون، ترى حيوانات وطيورا أليفة طليقة كأنها بلا صاحب. حمير شاردة وكلاب وماعز وأغنام ودجاجات وأرانب تمضي وتقفز بين الدور بلا قيود ) .
النساء: متشحات بالسواد، الأطفال : أطفال حفاة، بوجوه معفرة بالتراب، يرتدي معظمهم أسمالا قديمة على اللحم وبلا سراويل. ودهشة الأطفال عند مشاهدتهم للسيارة التي تنقل ” عفش ” الريس الهادي، وينادونها بالحلزونة.
( وجاء الجيران من البدو والفلاحين يرحبون بالأسرة الجديدة، نسوة بملابس سوداء، تبرق أعينهن الواسعة، من وراء براقع تغطي الوجوه، تزدان بعملات معدنية قديمة لها صليل جميل، بمعاصمهن البنايل الفضية وبأرجلهن الخلاخل والحجل، يحملن اللبن الرائب و ” الدبدوب ” خبز بدوي للأسرة الجديدة، وأقبلت أسرة العمدة الزوجة والأولاد والبنات يرحبون بأسرة البحاري الجديدة.
( 14 )
المعارضات القصصية والروائية :
محمد عبدالله الهادي واحد من الذين كتبوا هذا اللون، فقام بمعارضة قصة يوسف إدريس ” أكان لا بد يا لي لي أن تضيئي النور ” بقصة ” أكان لابد يا عبدالعال أن تبص لي “
وفي هذه الرواية البديعة يقوم بمعارضة رواية ثروت أباظة ” شيء من الخوف ” والتي تحولت إلى فيلم سينمائي شهير بطولة شادية ومحمود مرسي.
والمعارضات عرفناها في الشعر، والمعارضة لغة : عارض الشخص بالمسير أي سار ومشي حياله أو بمحاذاته .. ( أنظر لسان العرب ).
والمعارضة اصطلاحا : نظم شعر موافق لشعر آخر في موضوع معين حيث يلتزم نظم الشعر الأخرى في قافيته وبحره وموضوعه التزاما تاما يحرص فيه الشاعرعلى مضاهاة الشاعر الآخر المعارض في شعره إن لم يتفوق عليه.
ومعارضات كاتبنا بحاجة إلى أن توضع تحت مجهر النقد.
القصة دارت أحداثها في موضعين، الموضع الأول في القطار حيث يحكي الفلاح لسعد أفندي قصة عويضة ( المحروق )، والموضع الثاني في السينما، حيث تعرض السينما إعادة لفيلم شيء من الخوف ويشاهده للمرة الثانية مع صفية زوجته ويداعبها بأن أحداث الفيلم دارت بالقرب من الجزيرة، وصفية غير مصدقة لسعد أفندي وتظنه يمزح، وتروح تبكي وهي تردد أغنية شادية في الفيلم.. القصة تبرز قدرة الكاتب على سرد الحكاية والتي جاءت على لسان فلاح، وتصويره للفلاح وهو يحكي تصويرا رائعا، فالكاتب لا يهمل أبدا البُعد الحكائي للقصة، وهذا ما يجعل القارئ / المستمع مشدودا إليه، وأعمال الكاتب القصصية والروائية ترفعه إلى مصاف الحكائين الكبار، وأكاد أزعم أن محمد عبدالله الهادي يتربع على عرش الحكائين اليوم، بعد رحيل آخر الحكائين العظام خيري شلبي.
هل يحق لنا أن نقابل عزبة المحروق للهادي بقرية الدهاشنة لثروت أباظة؟، ونقابل بطل عزبة المحروق ببطل الدهاشنة؟، وزمن هذا بزمن ذاك، والفعل بالفعل، ورد الفعل عند أهل كل قرية، ونقارب البدايات هنا والبدايات هناك، والنهايات هنا والنهايات هناك، والصراع هنا والصراع هناك، و .. و .. ونقابل كل عناصر العمل القصصي الفني والموضوعي لقصة المحروق وقصة عتريس، لعلنا نقارب هذا مسقبلا.
( 15 )
الحرب :
هزيمة يونيو كانت قاسية على المصريين، وعندما وقعت الحرب، لم يكن لأهل القرية من وسيلة غير راديو الحاج عبدالبديع، الذي يضعه على شرفة الدكان، ليتحلق الناس حوله، ويتابعون أخبار الحرب، والبيانات الكاذبة، وتذكروا ابني الجزيرة، سعيد عجوة ومصيلحي، وانتشرت الاشاعات بأن الجندي سعيد عجوة هرب من وحدته العسكرية أثناء الحرب واختبأ في دور أهله!!.
وقعت الهزيمة ساحقة ومدوية.
( احتلت اسرائيل في أيام قليلة الضفة الغربية والجولان وقطاع غزة وصحراء سيناء.
أعلنت الجزائر والعراق واليمن والسودان والأردن حالة الحرب مع إسرائيل.
أوقفت الكويت والسعودية والعراق وليبيا تصدير نفطها إلى أمريكا وبريطانيا وألمانيا الغربية.
أعلن جمال عبدالناصر التنحي وتحمله المسئولية عن النكسة ).
وتفاجأ أهل الجزيرة بابلاغ أهل الجندي سعيد عجوة بنبأ استشهاده.
( بكته الجزيرة بحرّ الدمع حزنا وندما على إشاعة نالت من سمعة أهله ).
وأما مصيلحي الذي بكته زوجته ( رتيبة ) عاد مع المنسحبين العائدين. ماشيا مئات الكيلوات حتى تورمت قدماه، ويصف الكاتب حال الجندي المنسحب والمنهزم وهو حال كل جنودنا :
( التزم مصيلحي الصمت. لم يقل شيئا. أو بمعنى آخر لم يكن لديه شيئا يقوله. كل الأمور بالنسبة له غير واضحة. تائهة. مبعثرة، غير مفهومة، متورمة في رأسه مثل قدميه ).
( مشى أكثر من مائتي كيلو متر بين الكثبان الرملية، والأرض الصحراوية الجافة، أعطاه البدو الطعام والماء وملابس مدنية يتخفى فيها ).
( 16 )
حروب الاستنزاف :
الطائرات الإسرائيلية تضرب مصنع أبي زعبل للحديد والصلب بقنابل النابالم والقنابل الموقوتة التي ألقتها بغزارة، وأسفرت عن استشهاد ( 70 ) عاملا، وإصابة ( 69 ) آخرين، واحتراق المصنع بالكامل. وحمدت السيدة أم عبدالله ربها على نجاة أخاها الأكبر محمود رضوان وولديه، فولده الأصغر أحمد كان يعمل أمام فرن الصلب لحظة القصف، وأصيب بذراعه أثناء الغارة، وتم اسعافه في المستشفى وخرج، وولده الأكبر محمد كان بالبيت أثناء الغارة منتظرا موعد ورديته بالمصنع.
الرئيس عبدالناصر يعلن بأنه يدرس الرد على هذه الغارة بطريقة أعنف وأشرس، وكرد فعل وبشيء من التحدي تم إعادة بناء المصنع وتشغيله في زمن قياسي وبإنتاجية أكبر وبجودة أعلى.
وكنت أتمنى أن يمنح الكاتب لهذه الحرب مساحة أكبر، ولا تقل عن المساحة التي أفردها للهزيمة، فشهدت معارك حرب الاستنزاف من 1/7 / 1967م وحتى 7 / 8 / 1970م بطولات رائعة، تمكنت قواتنا خلالها من إدارة أعنف المعارك، استنزفت خلالها وعلى مدى ثلاث سنوات متصلة القوات الاسرائيلية، وأحدثت بها خسائر هائلة في الآرواح والأسلحة والمعدات.
( 17 )
بذور الفتنة الطائفية :
العلاقة بين المسلم والمسيحي تبرز في أجل صورها في علاقة محمود الجمال ( العبد ) والمعلم شفيق عازر، فأسرة المعلم شفيق هي الأقرب إلى أسرة العبد، وأسرة العبد تدين لأسرة المعلم شفيق بالولاء، ولا تنكر معروفه، وحُسن صنيعه معهم.
( هذه الأسرة القبطبة هي كل أهلهم منذ أن اتخذوا الصعيد موطنا، انقطعت صلاتهم بذي القربى منذ خلفا الجزيرة بلا رحمة ذات يوم بعيد، ثم إن العبد ولطيفة مدينان بدين عظيم للمعلم شفيق، كونه أول من استقبلهما في الوليدية، أول من قدم لهما يد المساعدة، ” العبد ” لا ينسى أنه تعلم على يديه تجارة الجمال، التي لم يكن يفقه فيها شيئا، وقبل به شريكا له اسم محمود حماد الجمال بين تجار السوق، بعد أن كان عاملا عنده، الجمال الحكيمة التي أحبها، هي التي وحدتهما في أسرة واحدة، كوجهي عملة، أحدهما مسلم بصورة محمود الجمال/ العبد، والأخرى مسيحي بصورة شفيق عازر القبطي .. ).
ولكن طلعت ابن العبد، أحب شيرين ابنة المعلم شفيق القبطي، والبنت بادلته الحب بحب والهوى بهوى، وفرا بحبهما، وهربا في بلاد الله الواسعة، من قال ليبيا ومن قال السودان، وبهروبهما هبت العاصفة على الوليدية بأسيوط، فأسيوط فمصر كلها، إنه الحب أو العشق المحرم، قساوسة ورجال دين ونيابة وبوليس وسين وجيم، عاصفة لم تهدأ ولن تهذأ إلا بعودة البنت المخطوبة لابن عمها المحامي، ولم تعد، ويبدو أنها لن تعود في القريب العاجل، …
انهارت صداقة العبد والمعلم شفيق، وحل بدلا منها العداء، تم تصفية الشراكة بين الشريكين، ومضيا في طريقين متعاكسين.
( 18 )
نظام السخرة وعمال التراحيل :
أفرد الكاتب مساحة لعمال التراحيل راصدا لحياتهم وسلوكياتهم وعملهم ..
( فوجئت الجزيرة بهجوم مباغت من جيش جرار على حدودها الغربية. جيش راجل في طابور طويل .. أفرغ القطار الفرنساوي ” الديزل ” أفراده على المحطة .. اجتازوا الصوفية في طابور ناحية جزيرة مطاوع ..، .. ، جيش يمضي في صف طويل ، لكنه يبدو كجيوش الرق القادمة من جنوب القارة السوداء عبر درب الأربعين ..)
ويصفهم الكاتب :
( أجساد ضامرة متعبة تحت أسمال بالية، ووجوه كالحة عصفت بها الرياح الباردة فجففت ملامحها وتشابهت سحنها، بعضهم حفاة بأقدام مشققة، يحملون نعالهم القديمة تحت أباطهم، تحمل أيديهم أشياء غامضة ملفوفة في صرر من القماش القديم، أو سلالا ومقاطف متسخة معلقة من حواملها بالسواعد الضامرة، أنزل البعض من على الأكتاف فأسا أو جاروف .. )
فهؤلاء جاءوا لتطهير ترعة بهجت، ويصفهم وهم يعملون ، ومأكلهم، والأغاني التي يتصبرون بها على العمل الشاق، وفقرهم المدقع، وسلوكهم غير المتحضر، فهم في تصرقاتهم أقرب إلى الغوغاء والهمج، وعلاقاتهم بالسماء تكاد تكون مقطوعة، ويرصد سوء استخدامهم لمراحيض الجامع، وعدم درايتهم بالصلاة الصحيحة، فهم أقرب إلى الأرض.
ويقدم الكاتب سردا تاريخيا لآباء وأجداد هؤلاء :
( في عام 1859م جمع الوالي ” سعيد باشا ” بالسخرة أكثر من مليون عامل من أجداد هؤلاء لحفر قناة السويس. مليون عامل مصري مات منهم أثناء الحفر أكثر من ( 120 ) ألف عامل. شركة ديلسيبس كانت تؤجر العامل حسب عمره من قرش إلى ثلاثة قروش في اليوم، والتزمت الشركة، من باب الإنسانية والرحمة – بتقديم الخبز المقدد أو الجراية للعمال )
( كانت الزقازيق في الماضي تضم معسكرا كبيرا لهؤلاء التعساء، كانو يُربطون بالحبال من أيديهم اليسرى، ويحمل كل منهم في يده اليمنى قلة ماء وكيسا من الخبز الجاف، ويساقون في طابور طويل سيرا على الأقدام أربعة أيام عبر التل الكبير حتى منطقة القناة ).
( 19 )
الأسلوب :
يبدو أسلوب محمد عبدالله الهادي سهلا، ولكنها السهولة التي تأتي من معاناة الكاتب في اختيار وانتقاء الألفاظ الدالة والمناسبة، ووضعها في عبارات وجمل فنية صحيحة وبديعة، هي السهولة التي قال عنها العقاد: السهولة التي لا تاتي إلا بصعوبة ومشقة، وهذا يعرف بأسلوب ( السهل الممتنع ).

( 20 )
الحوار :
أعتقد أن الحوار من العناصر المهمة في الرواية، ونسبة الحوار في الرواية بالنسبة للسرد نسبة جيدة، وهذا من شأنه أن يقضي على برودة ورتابة السرد، رغم حيويته وتدفقه عند الكاتب، ولكن الحوار قد يريح القارئ ويدفع عنه الشعور والاحساس بالملل، ويساهم بنسبة كبيرة في رسم الشخصية، فالشخصية لا تبدو واضحة أمام القارئ إلا إذا تحدثت، فالحوار يكشف للقارئ عن تفكيرها، ويكشف أيضا عن نمط تفكير الشخصية، وحالتها النفسية، ويدفع بالحدث للأمام، ويعززه، وينميه.
( 21 )

أنسنة الطيور والجماد والحيوان :
ربما يكون كاتبنا واحد من القلائل الذي ينوب عن الطير أو الحيوان أو حتى الجماد مسقطا الحالة النفسية للشخصية الإنسانية على هذه الطيور أو الجمادات، كما فعل مثلا مع أم عبدالله، التي تعاني من الغربة في الجزيرة في أيامها وشهورها الأولى، وتنقلاتها مع زوجها وأولادها مع الترع والمصارف، وباعدت الأيام والسنون بينها وبين أهلها، وكلما غلبها الشوق والحنين إلى أهلها تتعلق بصوت طائر أو حركة قطة، وكأنها البشارة.
( يرسل لها طائرا صغيرا جميلا، طائرا في حجم قبضة اليد لا أكثر، يرفرف بجناحيه الصغيرين رفرفة سريعة، كأنها الرعشة في الوضع عالقا في الفضاء، ثابتا في الفراغ في محيط عينيها، كأنه يستعرض مهارته الفائقة في الرقص أمامها، وهو يزقزق زقزقات عالية، جميلة، مرحة.
تهتف بتهلل، وهي تبتسم :
” الزقزيقة بتزقزق يا اولاد” )
وكأنها إشارة خفية لها، تخبر بعدها ولديها عبدالله والسيد، بأن أقاربها الذين طالت غيبتهم، ولم يعودوا يسألون عنهم، سيأتوا للزيارة !!
( أحيانا أخرى، يرسل لها الله قطة الدار، تراها وهي تخمش بمخالبها الحصيرة الملفوفة المسنودة على الجدار، بجوار الباب بالقرب من زير الماء، تقول وهي تشير للقطة بيقين وحسم : ” جي لنا ضيف يا اولاد ” )
وهكذا يسير محمد عبدالله الهادي في تعامله مع الطيور والحيوانات، وتناوله الإنساني لها، باسقاط الحالة النفسية لشخصياته عليها، و قد نتذكر ” هانز كريستيان أندرسن ” أفضل من كتب عن الجماد، وقصصه المعروفة عن أدوات المطبخ، وتصرفاتها، وأحاديثها، ورأي الحلة في المغرفة، ورأي المغرفة في الملعقة، وحديث الموقد، واحتجاج صندوق القمامة على تعريض زملائه به، الذي يقرأ قصص هذا الكاتب لايمكن أن يدخل مطبخ بيته إلا ويشعر أن كل شيء فيه قد نبض بالحياة أمامه.
أبدع كاتبنا في تصوير الحيوانات والطيور والمزروعات، وأفرد فصلا كاملا بالرواية للكلب أو الجرو وفصلا آخر للصقر، ولنري كيف صورهما، أو أنسنهما.
( كان الجرو لطيفا، بشكل أغراه، أن يعجل بعقد أواصر صداقة ومحبة معه، حمله بين ذراعيه، فاستكان بينهما، مسد شعره الناعم بكفه عدة مرات بحنو، لفّ ردهة السنترال يهدهده، كأنه أم رءوم تهدهد رضيعها الحبيب لينام في أيامه الأولى، تأمل عينيه الحزينتين، وأنفه الأسود الصغير كثمرة زيتون، وضعه على سطح الحاجز الخشبي بحرص، أحضر له من حجرته طعاما من طعامه وراح يؤكله ويشربه ).
هل وضع هذا الجرو وهو في زريبة بلتاجي يختلف عن وضعه في هذا المكان الحكومي ( السنترال )، هل حالة الجرو المزاجية والنفسية وهو في رعاية بلتاجي هي نفس الحالة وهو في رعاية سعد أفندي؟
الكاتب على وعي شديد بهذه المسألة، فالجرو أكل من خبز وجبن وحلاوة وسالمون سعد أفندي، وشرب من مائه، فشتان ما بين وضعه عند سعد أفندي ووضعه عند بلتاجي.
( أخذته النشوى، صار يجري على الحاجز الخشبي سعيدا بحياته الجديدة ذهابا وعودة وهو يهوهو هوهوات صغيرة ضاحكة تعبر عن سعادته، …. )
وهل حال ووضع الصقر الحر الطليق هو حال الصقر المقيد الأسير؟
مرزوق الصياد ضن عليه النهر بالسمك، وبينما جلس ينعي حظه العاثر إذ به يسمع غقغقة مبحوحة كالصوصوة فيها شكوى واستغاثة ونداء وحزن.
( دقق النظر بين الأفرع والأوراق يبحث عن مصدرها، رأى طائرا جميلا بمنقار حاد، وعينين نافذتين، ينظر له باستجداء ..) .. ( دقق النظر في الطائر البني الفاتح بريشه المرقش ببقع سوداء داكنة. رأى شبكة صغيرة من خيوط بلا ستيكية. تعتقل مخالب رجله ك ” أنشوطة ” معلقة بأحد أفرع الشجرة، تعيقه عن الطيران ).
هكذا يصور الحال التعس للصقر الأسير، ويصور بمهارة حالة الصقر المكبل.
( 22 )
التاريخ الشعبي :
الكاتب يشير إلى أنه يكتب التاريخ الشعبي، الذي يختلف عن التاريخ الرسمي، فتلاميذ المدارس لايعرفون العبد ولا يعرفون تاريخه.
( هم يدرسون كتب التاريخ الرسمي في حصص التاريخ، الكتب المنقحة والمعلبة والمصاغة بحرفية، والتي تخلو من تاريخ العبد وأمثاله ).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق