ثقافة السرد

كان ملفه جاهزاً منذ سنتين

بشير مفتي

طوال الطريق الطويلة إلى القرية عبر سيارة من نوع “404” الشهيرة في ذلك الوقت السبعيني مع مسافرين آخرين، حشرتُ جسمي النحيف بالقرب من النافذة، وبقيت أتأمل الطريق بمتعة كبيرة. كم هي جميلة السهوب الخضراء التي نمرّ بها! كم هي جميلة الأشجار والجبال وحتى الأودية الصغيرة، رغم شحّ المياه في ذلك الوقت من نهاية الصيف!

كانت السماء زرقاء وصافية، وهواء بارد لطيف يلمس الوجه، كلما فتحت زجاج السيارة كنت أعود إلى الأصل، الجذور، كما لو أنني أقوم بحج إلى المقام الأول الذي نزلت فيه الرسالة، إلى عمق الأشياء وجوهرها.
كلا لم أكن على صورة أبي، فلا تنخدعوا بكلماتي الروحية، فأنا أستحضرها من حين لآخر لأشعر بتلك العلاقة التي فقدتها مع ذاتي، لأجدّد شيئاً انفصل عني أو انقطع، مع أنه ظل حاضراً، ويشرق بداخلي لحظات الشدة والصِعاب، يظهر كالمعدن النفيس الذي مهما تلوّث وغطته التربة الطينية يبقى نفيساً في ذاته العميقة. وفي داخلي كنت أسجّل تلك الاعتراضات الكثيرة، أسمع صوت رجل لا شكل له ولا ملامح يصرخ في وجهي.
“لماذا تكذب على نفسك؟ أنت تغيّرت، صرت شخصاً آخر، علاقتك بالماضي مجرّد توهم حلمي. لم تستطع الصمود، وقبلت بكل ما يفرض عليك، وعليك إذن أن تقبل بالنتيجة. الحياة هكذا إما تخضع أو تواجه، المواجهة لم تكن يوماً سهلة، والشرفاء لم يدعوا يوماً أنهم أقوياء، أو فوق قوة الناس الطبيعية، هم فقط يرفضون عندما يقبل غيرهم.
ولتقل إنك شاب مهما كان الأمر، أنت شاب لن يحاسبك أحد على هفوتك أو ضعفك، ولكن في الشباب تصنع العظمة أو الإخفاق، ينتصر الحق أو الباطل، وعلى الإنسان أن يختار، حتى لو كانت شروط الاختيار منعدمة.
ستقول كما يقول الذين يبحثون عن مبرّرات، لا يوجد في هذه الحياة أبيض وأسود، توجد ألوان أخرى كثيرة، لن تقنعك الفكرة، صحيح الألوان كثيرة، ولكن يوجد لونان أساسيان الخير والشر، وهما الفاصلان، فأيهما تختار، ستختار من خلاله حقيقتك.
سترد كذلك أن أغلب الناس لو أعطيت لهم الفرصة لمالوا نحو الشر، خاصة إذا كان مدعوماً بالمال والجاه والرفاهية. ستقول إنه تبرير مقنع بالنسبة لك، وقبيح بالنسبة للذين يشعرون أنك تصنع مجدك وجاهك ورأسمالك على رقابهم وفوق أكتافهم.
تباً لك أيها الخسيس، تباً لك! لقد بعت نفسك من أجل ماذا؟ لا شيء، فقدت حتى المرأة التي همت بها عشقاً، وكنت تقول لها: “لن أستطيع العيش من دونك”. لم تكن تكذب عليها حينما قلت ذلك، يمكن للإنسان أن يكذب في أشياء كثيرة إلا في مشاعر الحب، إما أن يحب أو لا يحب، الحب أكبر قوة إنسانية لمقاومة الشر، فكيف ستقاوم الشر الذي في نفسك وأنت تعرض حبك للتلاشي والفقد؟ لم تستطع حتى مواجهة ناريمان بالحقيقة، لم تستطع أن تقول الحقيقة لأقرب أصدقائك إليك؛ ذلك أنك جبان، تخشى قول الحقيقة.
أما خالك هذا اللعين فلقد صيّرك بخبثه دون أن تشعر مجرد ألعوبة يفعل بها ما يريد. كيف تقبل على نفسك أن تتزوّج فتاة لا تحبها ولا تحبك؟ وزد على ذلك تمقتك وتحتقرك، وأيضاً حامل من رجل آخر، ولد ستضعه في الدفتر العائلي على أساس أنه ابنك وهو ليس كذلك؟ كيف تستطيع النظر إلى وجهك في المرآة بعدها؟ وماذا ستقول لوجهك إن ظهر لك وجه على المرآة؟ الشيء المؤكد ستصمت كعادتك.
لقد سجنت نفسك في دوامة، دائرة مغلقة، لم يعد لك خيارات، أعطيت خالك المستبد حق التصرّف فيك. صحيح سيفتح لك أبواب النعيم، سيعطيك كل ما ترغب وتريد، سيجعلك شخصية مهمة في البلد، سيجعل الناس يخشونك ويقدّسونك، سيدفعك إلى الأمام، إلى مكان يحلم به نصف الجزائريين، أو معظمهم، ولكن كل هذا ليس بالمجان، سيكون ثمنه خضوعك الكامل له.
ودعك من كلامه الطيب والحنون عن أبوّته المزعومة لك، أنت تعرف أنه لو خُيّر بين ابنته وأنت لاختار ابنته طبعاً، الأمور محسومة في ذهنه، هو أولاً، وعائلته ثانياً، ثم أنت ثالثاً.
ستظل دائماً في المرتبة الثالثة ضمن أولوياته، وستكون اليد التي يضرب بها غيره، مثلما فعل ذلك مع نايث بلقسام، أسقطه من قائمة الفائزين لتأخذ مكانه أنت، كان ملفه جاهزاً داخل درج مكتبه، مثل عشرات الملفات عن ناس آخرين سواء أكانوا نافذين أصدقاء، أم أعداء افتراضيين، أم من شباب المعارضة، لا فرق في عرفه، لا بد أن يكون عنده ملفات الخصوم الحقيقيين أو المتوهمين.
كان ملفه جاهزاً منذ سنتين وينتظر فقط فرصة ليوقع بهذا الحثالة الذي يدعي أن له مواقف نقدية من الحكم. ألم تسمعه يردّد عليك ذلك المثل التعيس “جوع كلبك يتبعك”؟ ألم يكن ينظر إلى هؤلاء الناس البسطاء ككلاب يجب أن تظل جائعة، كي تتبع من يرمي لها قطعة الخبز؟
إن كنت تعرف كل هذا ولم تستيقظ بعد فاعلم أنك من نفس السلالة، اعلم بينك وبين نفسك أنك اخترت الخضوع، واترك والديك في قبرهما يبكيان على ولدهما الذي كان يشبه النور، ثم غاص عميقاً في الظلام حتى لم يعد يظهر من نوره شيء”.

* مقطع من رواية “لعبة السعادة أو الحياة القصيرة لمراد زاهر” الصادرة حديثاً عن منشورات “ضفاف” و”الاختلاف”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق