ثقافة المقال

الصداقة في مذهب مارك

أحمد بابكر حمدان

– مقدمة:
إن الاتفاق على ضرورة الصداقة وأهميتها يأخذ درجة عالية من التوافق و(التراضي)، رغم أن واقع الصداقات قد لا يعبر عن تلك الاهمية بدرجة كافية. ويصنع واقعنا مساحات واسعة للظن بأن معظم الصداقات القائمة، ما هي إلا تكتيكات مرحلية حذرة، ومحاولات لاقتناص الفرص للانقضاض والسيطرة.

– صداقات إنسوآلية:
في مقابلة أجريتها مع طلاب جامعيين، قال أحدهم: (إن الصداقة قد تنشأ بين الإنسان والآلة كالكومبيوتر مثلًا). وقد اعتبرت الأمر حينها- نقلة كبيرة واختراقًا خطيرًا لأزمة الصداقات التي يعاني منها كثيرون. ولعل أهم ما يميز الصداقة (الإنسوآلية) أن أحد طرفيها سيظل مخلصًا على الدوام، وصبورًا ووفيًا إلى أبعد الحدود، لكن صاحبه الآخر سيظل مفتقرًا لتفاعل إنساني حي ووجوه آدمية، وهذا ما لا توفره الآلة.

– شروط وتعقيد:
يقال “إذا أردت أن تفسد أمرًا ما فأكثر من شروطه”، والصداقة كغيرها من تفاعلاتنا الاجتماعية مرهَقة بقوالب وشروط تثقل رأسها وأقدامها. من ذلك ترجمتنا الحرفية لبعض المعاني الأدبية الرقيقة كقول الإمام الشافعي:
“سلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفًا”

ومن البدهي القول إن توفر كل تلك الشروط مجتمعة – أمرٌ في غاية الصعوبة إضافة إلى إشكالية النسبية التي عادة ما تكتنف المعاني.

– في سياق المعرفة:
يقول علماء (المعلومات) إن جميع ما اخترعه الإنسان من أجهزة وآليات ومعدات، إنما يعتبر امتدادًا لحواسه وقواه الأساسية. بل يرى بعضهم أن (الكتاب) ذاكرة خارجية لمؤلفه باعتباره أداة تحمل معارف تصل بين الماضي والحاضر والمستقبل أيضًا. إن ما يحصل عليه الشخص من معرفة يعد امتدادًا لقدرته على (الوصول) وهي القدرة المنوط بها توسيع رقعة الصداقة. وتتيح المعرفة التاريخية الوصول إلى عصور غابرة، والتعرف على أجيال سابقة في مسيرة الحياة الإنسانية وعقد صداقات معرفية عن بعد مع السابقين مهما بعدوا.

– في سياق الفقر:
في المجتمعات الفقيرة، يعيش الأفراد حالات تحول مستمرة في مستويات الفقر، ودرجات الاكتفاء، ويلقي تغير مراكز الأفراد بظلال كثيفة على مستويات التواصل الداخلي في المجتمع، وتتغير دوائر الأصدقاء غالبًا تبعًا لمستوى الاكتفاء والغنى. وعادة ما يعاني المنتقلون من مربعات الفقر هواجس الخوف من العودة إلى (الحرمان والحاجة) مما يدفعهم إلى تبني سياسات أكثر جفاء تجاه أصدقاء مرحلة الفقر والعوز.

إن ما تعانيه المجتمعات الفقيرة ليس مجرد احتياجها الدائم لرغيف وكساء ودواء، لكن معاناتها تتمدد في أعماق الأفراد صانعة جراحًا نفسية غائرة، تتسبب تاليًا في تشوهات وبثور اجتماعية يتعذر تداركها. ولعل عامة ما يعانيه الفقراء من صعوبات في التواصل، يعود إلى ما يعيشونه من حرمان تبدأ عنده مشكلات حلقية متصلة يغذي بعضها بعضًا.

– في مذهب مارك:
أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في صنع تغييرات مهمة وجذرية في حياتنا، وتغيير أنماط ومفاهيم، منها بالطبع ومن مفهوم “الصداقة”. إن مجرد التواصل الاسفيري بين شخصين في موقع التواصل الازرق، يوصف بالصداقة.. ليتجاوز بذلك كل معيقات الصداقة، ويقفز بفكرته الواسعة تلك، على كل خطوط التوجس الاجتماعي الشائعة في أدبيات التواصل.

في مراحل ثقافية سابقة، شاع الاهتمام بمواصفات الصديق ومتطلبات الصداقة، في خضم التفاعلات الاجتماعية ذات الهرمية والاتجاه الواحد، إلا أن تأثير تلك المرحلة ما يزال مسيطرا إلى حد ما.. ومن مظاهرها عادة (الشكوى) من الأصدقاء، وتمترس كل طرف في خندق فكرته عن الصداقة وتصوره لها.

في التواصل الافتراضي، ارتفعت قيمة (محتوى الصداقة) وموضوعها على حساب المتطلبات والمواصفات والشروط المفترضة في الصديق.. وهذه ناحية في غاية الأهمية لا سيما وأنها تعمل في اتجاه تعزيز التواصل كقيمة منفصلة عن المواصفات الشخصية.. إضافة إلى تعزيزها للمحتوى والمنتجات المعرفية المشتركة. ويعد نمط الصداقة على برامج أو اهتمامات مشتركة من أفضل أنماط الصداقة، وعادة ما يفرز ثنائيات معرفية أو مهنية قد تتطور إلى مجموعات عمل أو مجتمعات معرفة، تلتقي على اهتمامات مشتركة او متقاربة وتعمل على تنميتها باستمرار.

ويمتد تأثير التواصل الاليكتروني، إلى تحجيمه لفرضية الأوزان الاجتماعية من قبيل الجيل والعمر والوظيفة ونحوها من المظاهر الاجتماعية الأخرى.

بعد ستة عشر عاما من إطلاق “الحاج مارك” لموقعه الاجتماعي، أصبحت ثلاثة أجيال تقريبا من مختلف البقاع، أسيرة لكوكبه الأزرق، متماهية مع فلسفته في الصداقة والتواصل. ولم يقتصر التفاعل على الأجيال بمفهومها الأسري فقط، بل تعدى ذلك إلى معناها المعرفي والمهني.
———————–
* معلم سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق