ثقافة السرد

كل هذا الحُب..

مُهداة لكل أمهات ذوي الإحتياجات الخاصّة ..

شهربان معدّي..

لم تكن سماء القاعة تكفي لتحليقها وهي تراقبه وهو يأكل، كان ينظر إليها، بعينين تفيضان امتنانا وسعادة، وهو يمسك الملعقة الفضية، مُصِرّا أن يتناول الطعام اللذيذ من صحنه الفاخر لوحده، بعد أن فشلت كل محاولاتها بأن تطعمه كعادتها، ولكنه رفض وهمهم بصوت رجوليّ خشن، وكأن في عينيه رجاء يكاد ينطق:

– دعيني أحاول يا أمي.. ولو مرة واحدة!

بالرغم أنه تجاوز العشرون ربيعا، وبالرغم من التخلف العقليّ الذي يُعاني منه! وبالرغم من عدم مقدرته على النطق ولو بكلمة واحدة، بعد أن فشلت كل محاولاتها بتعليمه.. ثمة لغة تخُصهما وحدهما، كانا يتحدثان بها، لغة تفوق كل لغات العالم، لغة لم يعرفها سواهما، هي لغة العيون! أليس هناك جبال من الكلمات لا تقول شيئا! وثمة لغة صامتة، تقول كل شيء..

واليوم قررت اصطحابه معها لعرس إحدى قريباتها، وهي نادرا ما أخذته معها للمناسبات والأعراس، ليس خجلا أو خوفا من مجتمع هش زائف لا تروقه إلاّ بهارات المجاملات.. بل خوفا عليه من عيونهم المُتفحّصة، ونظراتهم الرحيمة التي توحي بان الله عزّ وجلّ، تخلّى عنه وعن أمه المسكينة، دون أن يدركون أنها أُمه، نعم “أمه”! وهو صغيرها الغالي “قريد العش”، أو “آخر العنقود” وأليس آخر العنقود أطيبه..!؟

وصدف أنه اليوم، يوم إجازته الأسبوعي، والعرس الذي دُعيت إليه يعود لإحدى قريباتها، وقد وجدت أنه من المناسب أن تأخذه معها، لترفّه عنه قليلا، بعد أسبوع كامل، قضاه في مدرسته الخاصة، التي بالكاد يرى فيها النور..

بعد أن أغتسل كطفلٍ صغير، ألبسته ثوبه البنفسجي الجديد ذو الأزرار الصغيرة والياقة العالية، وسرواله الإليجانت الاسود..

كان يبدو كقطعة حلوى شهية لُفت بأحكام، بعد أن أغرقته بعطر فاخر من زجاجة أخيه الكبير.. وسرّحت له شعره الحرير، وقلَبت غُرته الناعمة إلى الوراء، لتكشف عن جبينه الواسع الأبيض..

وانطلقا للعرس وهما متلاصقين، كأنهما روح واحدة يتقاسمها جسدين..

وكانت سعيدة بطلّته الجميلة، وحضوره المميز، حتى أنه لا يكاد يميز إعاقته أي إنسان لا يعرفهُ!

عندما وصلا، جلست برفقته على أول طاولة شاغرة وجدتها أمامها، متجاهلة عيون المدعوات التي انتابها الدهشة! وكأنها اصطحبت معها كائنا غريبا من كوكب المريخ!

مُدّ الطعام، وتركته يأكل على سجيته، وكما يحلو له، فهو بشر، ويحق له أن يأكل، كما يأكل كل الناس! حتى ولو “أمسك الملعقة بأطراف أصابعه أو سكب المرقة على ثوبه الجديد! أو حتى لو انسكبت ريالته بقدر الأرز!” حيث كانت تمسحها بفوطة ورقية، وتمسح الطعام الذي لطّخ ثوبه الجديد، وتربت على كتفه العريض مرددة:

– على مهلك يا حبيبي، بالصحة والهنا..

نسيت الزمان والمكان، وانشغلت بصغيرها الذي أُغّرمت به، لحد أنها فقدت علاقتها بكل من حولها..

وسرعان ما استيقظت من حلمها الجميل، عندما سمعت خبطة مفاجئة من ملعقة طعام لواحدة من المدعوات اللواتي كن يجلسن على الطاولة المحاذية لطاولتها، خبطة قوية تنِمّ عن شراسة ولؤم! سمِعها كل من حولها، وأدّت إلى كسر صحنها الفاخر، حيث أعلنت بصوت جهوري، وبدون حياء:

– “يا للقرف! يا للقرف! كيف سمحت لنفسها بأن تجلب معها هذا المتخلف المعتوه للعرس!؟ لقد سدّ شهيتنا عن تناول الطعام..!”

ثم قالت لصديقتها التي تجلس بجانبها، وقد خشُن صوتها الناعم، وحجب اللؤم جمالها المُصنّع:

– قولي لها أن تنتقل من هنا حالا، وتحمل رزمتها معها وأشارت بسبابتها للشاب المسترسل في تناول طعامه، والذي لم يفقه شيئا بما يدور حوله، وللوالدة المسكينة التي صفعتها الصدمة، وأذهلتها المُفاجئة!

ولكنها قررت أن لا تسمح لتلك المرأة الملوّنة كالحرباء، والفقيرة من الإنسانية، أن تهدم لها بضربة واحدة، كل شيء، وتفسد سعادة إبنها، الذي جهدت أن تصونهُ بأهداب الروح، من كل العيون التي لا تعرف الإنسانية، والقلوب التي لا تعرف الرحمة!

صحيح أنها لن تنسى رد فعل زوجها الجلف، الذي أعلن على الملأ، بان هذا الولد كدّر صفو عيشه، وما زال يعاتبها حتى هذه الساعة، على رفضها الإذعان لنصيحة الطبيب، عندما اخبرها بعد صورة الأشعة الفوق صوتية، التي أجرتها في احدى المستشفيات، بأن حمَلَها غير مُعافى، وان جنينها سيُعاني من مشاكل مستعصية بعد ولادته، والأجدر بها أن تسقطه! ورغم أنها كانت في شهرها الثالث من الحمل ولكنها رفضت إسقاطه، وصرخت بأعلى صوتها انه روح، والروح حرام قتلها..

وصحيح انه ما زال يعتدي بالضرب على أخوته الكبار وأحيانا يكسّر لها أثاث البيت عندما تثير حفيظته أشياء صغيرة، ولكنه يعود ليلجأ لحضنها كحمل وديع، وتهدأ عاصفة غضبه بنظرة حنونة وضمة دافئة من صدرها الرحيب..

تحولت القطة المُحاصرة لنمر، عندما أدركت أن هذه المرأة المتعجرفة والتي تعتبر نفسها من سيدات المجتمع البارزات، والتي تتعامل مع الحياة، بترف السيدات الحديثات، تُريدها أن تترك طاولتها، برفقة ابنها ال..

هذه المرأة الجوفاء التي لا ترى العالم إلا من خلال اسمنت وزجاج، وايفون وفستان! كانت إحدى صديقات أم العروس المقربات، حيث ردت عليها الوالدة المجروحة، بصرختها العالية، متعمدة أن لا ينتبه ابنها الغالي لملامح وجهها التي تكدرت، ودموعها التيّ تدفقت:

– “هنالك بشر لا يستحقون شيئا، بل لا يستحقون أكثر من الخجل من تصرُفاتهم..!”

وتابعت بإصرار:

– “الذي لا يعجبه أميري الصغير، الذي حل هذا اليوم ضيفا عزيزا على هذا الفرح السعيد، يستطيع أن ينسحب من القاعة! والباب يفوّت جمل..!”

وانحنت على ابنها، تقبله وتسّقيه من معين حبهُا، وتحثّه على الاستمرار بتناول طعامه اللذيذ دون أن يشعر بما يدور حوله، وشعرت بغيمة حب تظللها، عندما نظر إليها، هذه النظرة الوديعة التي ذوبتّها كقطعة سكر.. وجعلتها لا ترى تلك المرأة الوضيعة، التي غادرت القاعة وهي تتعثّر بفُستانها الشفاف، والذي يكشف أكثر ما يستر، برفقة صديقتها التي تًرافقها كظلها..

عندما فرغا من الطعام، خرجا من القاعة، وكانت تتأبط ذراعه، ورأسها مرفوعا إلى الأعلى، إلى الأعلى.. هو فارسها وأميرها، وروح روحها وستبقى له، أوفى حبيبة وأصدق أم.. وكانت لا ترى غير السعادة والرضى ينبض بها كل هذا الحب الذي منحته لصغيرها قريد العش..

*ملاحظة: القصة مُختارة من المجموعة القصصية “دموع لم تسقط..”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق