قراءات ودراسات

لماذية الاهتمام بالهوايات

أحمد بابكر حمدان

– مقدمة:
تتطلب برامج تدريب الطلاب وتنمية أنشطتهم وقدراتهم ، توفر أدوات جيدة لاكتشاف مواهبهم وميولهم المعرفية والمنشطية الأخرى، ومن ثم تصميم برامج وأنشطة مناسبة. وبمقدار جودة الأدوات وفاعليتها، وحداثتها، يكون تجاوب الطلاب، وتفاعلهم مع البرامج المقدمة واستفادتهم منها.

ويرجع الاهتمام الكبير بأنشطة تنمية القدرات إلى نشطاء التنمية البشرية وجهودهم المستمرة في التأكيد على أهمية اكتشاف الذات وتنميتها، والتخطيط للأنشطة ووضع الأهداف، إضافة إلى تركيزهم على سلة موضوعات نفسية من قبيل الثقة بالذات والإيجابية والأمل، وربط كل ذلك بالنجاح الشخصي والمؤسسي. وحظيت المدارس بنصيب وافر من أنشطة التنمية البشرية؛ بوصفها مراكز تعلم، ومحاضن تربية ومزارع مستقبل.

وقد مثل نشطاء التدريب في كل بلد على حدة، دور المجسر لعلاقة المدارس والجامعات التقليدية بمؤسسات أخرى ذات تأثير كبير في ساحة الفعل التثقيفي والتربوي، ولم تكن الجهات الإعلامية وحدها من استفاد من عمليات التجسير، بل استفاد منه بدرجة أكبر نشطاء المجتمع وهواة الأعمال الخيرية أيضًا. كتب ناشط في الفضاء التربوي بالسودان: «بغض النظر عن السن والدراسة، كلنا بحاجة إلى تشجيع وتحفيز، لكن الأطفال أكثر حاجة لمن يهتم بهواياتهم ومبادراتهم حتى لو كانت بسيطة في نظرنا». ويضيف: «إن اهتمامنا بهم يعتبر أكبر دافع يصنع الثقة في نفوسهم، ويحفزهم لتحقيق رغباتهم وآمالهم».

– رحلتي مع تنمية الهوايات:
كان نموذج آسك أحدث محطاتي في رحلة الاهتمام بتنمية هوايات الطلاب في المدارس والجامعات، وقد سبقت النموذج عدة مقترحات وتصورات قدمتها في فترات ومؤسسات متعددة. خلال فترة عملي بالمدارس في العاصمة الخرطوم وخارجها، كنت مهتمًا بما يعزز الأنشطة الأكاديمية للطلاب في محيطي الصغير، فكتبت برنامج «إسناد» في صورة مقترح لمساعدة الطالب أكاديميًا، ثم أتبعته بـ«إشراف» وهو مقترح أقل التصاقًا بالتدريس، وأقرب إلى التوجيه والإشراف حسب اسمه. وكتبت تصورًا ثالثًا أطلقت عليه «إبحار» وهو أكثر ابتعادًا عن النبض الأكاديمي، ونسخة موسعة من سابقه، وكان الغرض من المقترح توجيه الطلاب ثقافيًا، والإشراف على أنشطتهم المعرفية وتعزيزها، مما تطلب إعداد ملاحق للتصور الأساسي تتضمن استبانات قوائم وأدلة معرفية للمواد والوجبات المعرفية، بمختلف قوالبها ومذاقاتها. كان «إبحار» مشروعًا أكثر منه برنامجًا مدرسيًا بسيطًا، وقد ساهمت فكرة المشروع رغم عدم اكتماله، في إنتاج البرنامج الجديد «نموذج ASC» وهو أكثر احترافية في التواصل مع مواهب الطلاب وميولاتهم، وقد كتبت أول مقالة تعريفية عن النموذج في مدونات الجزيرة عام 2016، تساءلت فيها عن مدى تأثير النموذج في تعزيز اهتمام الطلاب بهواياتهم، وقد يتطلب قياس ذلك إجراء دراسات ميدانية حسب ما يرى مهتمون.

– اكتشاف هوايات الطلاب:
قد تكون مواقع التواصل في جانبها الاجتماعي فكرة مطورة لما كان يعرف بكراسات التعارف في المدارس المتوسطة والثانوية، وقد كانت في أوانها أداة مهمة للتواصل بين طلاب الصف الواحد، أو بين ذوي الاهتمامات المشتركة.

بتصفح موقع فيبسوك، تجد تفاصيل كراسات تعارفنا إلى درجة التطابق، فمن الاسم واللقب وتاريخ الميلاد ومكانه، إلى الهوايات والأنشطة المعرفية والرياضية والوجبات المفضلة، وصولًا إلى الانتماءات الدينية والسياسية. نشر طالب بجامعة الملك فيصل بإنجمينا في صفحته على الفيس: «كراسة التعارف من مراحل بناء العلاقات مع من حولنا، وتبادل الخبرات والمعلومات والأفكار والاستفادة من تجارب الآخرين».

تربويًّا، يُوجه اهتمام كبير بأدوات التعارف بين الطلاب؛ لدورها في اكتشاف هواياتهم وميولاتهم، ومن ثم توجيهها وتعزيزها بما يتوفر من برامج وأنشطة داخل المؤسسة التعليمية، أو خارجها عبر التواصل مع مختلف الجهات ذات الصلة.

وتتنوع الأنشطة التربوية بالمدارس، وتتعدد أساليبها، وإن كانت مشتركة في هدفها العام بتخريج طالب أكثر معرفة بذاته وقدراته، وذي قدرة على المواءمة بينها وبين اتجاهاته المعرفية والمهنية مستقبلًا. يقول الأستاذ إبراهيم يوسف: “للاهتمام المبكر بهوايات الطلاب وميولهم تأثير جيد في اختياراتهم الدراسية والمهنية مستقبلًا، ونحن بحاجة لمثل هذا الاهتمام الذي يساعدنا في اختيار أفضل ما يناسب قدراتنا وميولنا”. ويقول حسن عبدالله حسب الله، طالب التربية بجامعة كردفان السودانية: «إن ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻌﻤﻞ عادة ما يبحثون عن ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ ﻭﺍلقدرات كاﻟﺘﺨﻄﻴﻂ ﻭﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ، ﺃﻭ ﺣﻞ ﺍﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ﻭﺗﺤﻤﻞ ضغوط العمل، ويفترض في الأنشطة التربوية التركيز ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺪﺭﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻫﺐ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺃﻱ ﺷﻲﺀ آﺧﺮ».

– أنشطة اكثر فاعلية:
وحتى نحقق فاعلية أكبر لأنشطتنا التربوية، لعلنا بحاجة مستمرة إلى:
1- التعرف على ملكاتنا وقدراتنا وهواياتنا، وآلية ذلك أن تستخدم أدوات أكثر جودة وحداثة في اكتشافها، ونستفيد من المتاح من الكتابات ذات الصلة، وبرامج التدريب وتنمية القدرات، وإن كانت لنا ملاحظات وتحفظات على بعضها شكلًا ومحتوى.
2- الاهتمام بالتكامل في تنمية مواهبنا (ذهنية، بدنية، نفسية) عبر أنشطة متنوعة ومتوازنة؛ لصياغة شخصيات متكاملة محبة للحياة والخير والجمال، وذات طموحات معرفية متوازنة.
3- الاتجاه إلى تخصص ودائرة منشطية أصغر في إطار هواياتنا واهتماماتنا نفسها؛ لتحقيق مخرجات ونتائج أكثر جودة. ويتحقق التطور بالتركيز في مجال محدد، ومن ثم توسيع دائرة النشاط والانطلاق إلى فضاءات أكبر.
4- حتى نتقن هواياتنا ونطورها إلى صور مهنية صغيرة أو كبيرة، سنظل بحاجة مستمرة إلى زيادة حساسيتنا تجاه الوقت وعقارب الساعة لإدارة أنشطتنا بفاعلية أفضل.

– أهمية الادوات:
من شأن الأدوات تسريع نجاحات مستخدميها، خاصة إذا كانت قابلة للتطور، وقادرة على تلبية احتياجات جديدة للمستخدمين، كما هو الحال بالنسبة للهاتف الجوال، فقد بدأ كأداة للاتصال الصوتي، لكنه اليوم مدين للإنسان المعاصر بكثير من نجاحاته بعد أن أصبح أداة لها أكثر من عشرة استخدامات متباينة؛ فمن المراسلة النصية والتسجيل والتصوير إلى عمليات التصميم والسداد وتحويل الأموال، تجد الموبايل حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا.

ومحاكاة للمنتج التقني الأسرع تطورًا، أطمح لأن يصبح نموذج ASC أداة قادرة على التناغم مع مختلف الاستخدامات التربوية، تتيح مزيدًا من المساحات لاستخدامات جديدة وباستمرار. ويعد اكتشاف العلاقات بين المفردات مرحلة متقدمة في التعلم والمعرفة، ويفتقر ذلك إلى تفكير وتأمل وجهد ذهني؛ مما يدفع بقدرات المتعلم وينميها. وحسب النموذج فإن أول ما يهدف إلى تحقيقه، تنمية مختلف ملكات المستخدم عبر نافذة الهوايات والأنشطة المفضلة.

– فكرة نموذج ASC:
آسك عبارة عن استمارة تستخدم في اكتشاف مواهب الطلاب وهواياتهم وميولاتهم، وطموحاتهم المستقبلية، وتقوم فكرة النموذج على افتراض أن الأنشطة المفضلة للطالب تمثل أفضل وسيلة لاكتشاف العلاقات المتوفرة بين قدراته وملكاته من ناحية، وطبيعة ميوله الدراسية، وشكل مستقبله المهني أيضًا. ويعرّف النموذج المواهب بأنها (قدرات) للتفريق بينها وبين الهوايات التي يرى النموذج أنها (أنشطة). ويستخدم النموذج إلى جانب اكتشاف الهوايات، في التخطيط لأنشطة الطلاب، وفي المقارنة بين مستوى أنشطتهم في الصف الدراسي، وفي المسابقات والبرامج التنافسية.

ويصنف النموذج مواهب الطلاب إلى ثلاثة أقسام “ذهنية ونفسية وبدنية”، ويأخذ البرنامج منحى جيدًا في الاهتمام بأنشطة جميع الطلاب، بخلاف برامج الموهوبين التي عادة ما تهتم بصفوة تتوفر لديها قدرات نمطية حسب أدوات ومقاييس الذكاء الشائعة. إن الاهتمام بجميع الطلاب، واكتشاف ما لدى كل منهم من ميول منشطية، يسهم في زيادة فاعليتهم ويعزز درجة تواصلهم البيني وارتباطهم بمدارسهم، وتلك نجاحات تربوية جيدة إن تحققت.

ويقسم النموذج هوايات الطلاب إلى أربعة أقسام تستوعب عامة أنشطتهم تقريبًا، وهي (المعرفة والرياضة والعمل والتطوع). في قسم الأنشطة المعرفية المفضلة، يتعرف النموذج على جملة الميول الدراسية للطالب، وتتضمن المواد المدرسية، والثقافية العامة، والبرامج التلفزيونية والإذاعية ونحوها من قوالب المعرفة. وفي الرياضة يتعرف البرنامج على الأنشطة الرياضية المفضلة للطالب متضمنة المشي، وركوب الدراجات، وغيرها من ضروب الرياضات المفيدة. وفي القسمين الثالث والرابع للهوايات يتعرف الطالب باستخدامه للنموذج، على هواياته المهنية والإنتاجية، سواء كان ممارسًا لها بمقابل وأجر، أو متطوعًا.

في الجزء الثالث من النموذج، يتعرف النموذج على طموحات الطلاب، ويرى البعض أن النموذج يركز على الطموحات المهنية بشكل اكبر؛ بوصفها نقطة انطلاق لمختلف النجاحات الاجتماعية والمعرفية التي قد تتحقق مستقبلًا. ويعمل النموذج على مساعدة الطلاب في قراءة العلاقات بين أنشطتهم الفعلية الجارية، ورغباتهم الدراسية والمهنية المستقبلية، لا سيما وأن البرنامج يستهدف طلبة المرحلة الثانوية على وجه التحديد.

– خاتمة:
يعد الاهتمام بعامة هوايات الطلاب وأنشطتهم المفضلة، نقلة مهمة في طبيعة البرامج التعليمية، وتطويرًا مهمًا في ساحة التعليم. وما يقدمه نموذج آسك من ربط بين الجاري من أنشطة الطالب، ومستقبله الدراسي والمهني، خطوة جيدة وتطورًا مهمًا لتوثيق الصلة بين المؤسسات التعليمية، وسوق العمل.
———————-
* معلم سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق