ثقافة المقال

“أين محلّ الإسلام من أدبنا؟”

بقلم: بونيني طه

كثير من إخواننا ممّن يشتغلون بالأدب ويتفيّؤون ظلاله الوارفة، لا يقتربون من الدّين، بل يجعلون بينهم وبينه مسافة كذا وكذا…لماذا؟ ربّما يخافون من سلاطين الأدب الغاشمين أن يقفوا أمام شهرتهم، ولا أتكلم عمّن ينبذون الإسلام أصلا! فأولئك لا يُخفون كرههم له، بل يجدون الأدب مطيّة لنفث سمومهم.

أمّا الغرب فلا يجد أفضل من هذا الصِنف من الكتّاب، بل هم في طليعة جنوده، فلا أسهل عند العدوّ من أن يستعمل جنديّا يعيش بين ظهرانينا، نتقبّله كمواطن مثلنا، لكنّه لا يحمل في عقله أفكاراً كأفكارنا!! بل يحمل فكر العدوّ. لأقرب وصف لمثقف كهذا، هو الخلية السرطانية، التي تأخذ كل ملامح الخلية العادية، إلّا الجينات التي تؤهلها لأن تكون من ذلك الجسد!!
 وهنا أُفصّل موضّحا، كي لا يكون المقال مسطّحا مُبسّطا، معمّما، فما إن ورد التعميم، إلّا وجاءت المبالغة وبالتالي الانحراف، بل لنجعل لكلّ مقام مقال. إذا لم يتّصل النصّ، مع الدّين في نقطة تماس، فلا ضير، كأن يكونَ النصّ مختصّا بفكرة ما، كحال الخاطرة أو القصيدة أو القصّة القصيرة، فهي عادة ما تكون مقتضبة، في الزمان والمكان والافكار والأحداث…
 بل حتّى الكتابة في هذه الصنوف، قد تسمحُ باستعمال الرموز الدينية، والعادات والعبادات الإسلامية، إذا شاء الكاتب.

لكن ماذا عن الرواية؟! هنا لا عذر!! 
الصنف الذي أخاطب، هو الذي يتحرّج من إيمانه وإسلامه ويخاف أن يستعمله في نصوصه، خوفا من فزّاعة لا وجود لها…أقول لهؤلاء كلّ قدواتكم من الكتاب الامريكان والأوروبيين واللاتنيين…يوظّفون المسيحية أو غيرها من رموز الأديان في نصوصهم الأدبية، بل يجعلونها محور أعمالهم. خذ دان براون في كتاباته كلّها أو باولو كويلهو الذي يدجّج نصوصه بالمسيحية والبوذية… وهذا شأنه طبعا، بل هي رسالته. 
قد يرى الأديب في استعماله للدّين من عدمه أمرا شخصيا، وهو كذلك. لكنّي أنظر إلى الأمر كرسالةِ كلّ مسلم، أمّا غير المسلم فلا يعنيه الأمر، فلكلٍّ معركته، إمّا أن تستلّ فيها سيف المقاومة الفكرية، أو تبقى طريح فراش الكسل والاستهلاك، فتكون الضحيّة.
 لو رأينا جلّ الكتاب المسيحيين، لألفينا أعمالهم تعجّ بالمعالم المسيحية، ولا تجدهم يتحرّجون في ذلك، ألذلك علاقة مع الرؤية التي ينظرون بها لدين المسيحية، كونه دين سلام؟! لا أرى ذلك، فالإسلام دين سلام ورسوله رسول السلام والإصلاح الأخلاقي والاجتماعي والحضاري، بل قد اقترنت حضارة الإسلام بالإصلاح في كلّ شيء، وكانت سبّاقة فيه… كحماية البيئة والحيوان وحقوق المرأة…وغيرها كثير…
 إنّه التبشير، وهؤلاء الكتّاب المرموقون الذين ينتمون للحضارة الغربية السائدة اليوم، يرون أنّ الأرضية مهيأة اصلا، فالمغلوب مولع بتقليد الغالب، فلِم لا يستغلّون العولمة، وشغفُ العالم، بما في ذلك العرب، بالأنوار التي تأتي من الغرب، لتمرير رسالة المسيحية أو اليهودية أو البوذية أو العبثية أو ما يشاؤون…
 ضرورة استعمال الدّين الإسلامي بكلّ موروثه، في النصوص الأدبية، والأعمال الفنية السينمائية، لهي ضرورة مُلحّة، ضرورةُ إجلاء الغموض ورفع اللُّبس، بل أذهب لحدّ القول: “ضرورة الدّفاع”، عن دينٍ لم يسمح يوما بقطع شجرة، بلهَ قتل النّاس…

 الضرورة تكمن في اللُبس الناجم من التطرف، وما انجرّ عنه من جماعات إرهابية، ارتكبت جرائمها باسم الإسلام، وهو بريء منها. كما نلاحظ تصاعد اليمين المتطرّف في دول أوربا وفي الولايات المتّحدة الأمريكية، وها قد افرزت الانتخابات الأمريكية، بمن يؤمن بأنّ الإسلام خطر. قِس على ذلك، اليمين المتطرف في فرنسا، والنمسا، وهولندا…وهلمّ جرّا. 
صورة الإسلام وموروثه الحضاري، تقلّصت لدى بعض الذهنيات، وهي كثيرة جدّا، على صور داعش. 
 ينقسمُ العالم اليوم بوجهة نظر “الميول إلى الإسلام”، بينَ مُسلمٍ مُحبّ لدينه، وبين مسلمٍ متذبذب، وبين ناقم لا ينتسبُ للإسلام، رغم معرفته بتعاليمه السمحاء، وبين جاهلٍ للإسلام. واستعمال الدّين في الكتابة، إنّما هو تعزيزٌ لنفس المتذبذين من المسلمين، وتعريفٌ لمن لا يعرفونه، كما أنّه ردُّ فعلٍ طبيعي، على أولئك الذين يحاربونه دون هوادة ويَصِمونه بأشنع الأوصاف وهو منها براء.
 فالأديب والفنّان، بوسعهما دخول النفوس الموصدة، على وقع التصفيق والاحترام بل الانبهار، كونَ الفنّ تعبيرٌ فنيّ، يلجُ الصدور بلا مقاومة وهنا تكمنُ الفرصة إذا استغللناها، ويكمنُ الخطر إذا لم نفعل، تاركينَ كلّ الفرص لمن لا يرحمنا.
ولا أقصد بتوظيف الدّين أن نُلبسَ النصّ لحية طويلة، وعباءة قصيرة، لا! بل أقصد الاعتزاز بمعطيات هي متجذرة في مجتمعنا، نلمسها في حياتنا كلّ يوم، وما علينا إلّا كشفها لمن لا يعرفها. فنحن نسمع الأذان كلّ يوم، وندعو الله، ونستغفره، ونخاف الحنث في القسم، ونخاف دخول النار، ونحترم المساجد، ونلتزم الخشوع فيها ساكتين مذعنين للإمام والصلاة…نحترم الأم لأنها تربي ولأن الجنة تحت أقدامها، نساعد النّاس لأنّ الله في حاجة المؤمن إذا كان في حاجة أخيه، ونمقت الفواحش فكانت مجتمعات المسلمين أنظف المجتمعات عرقا وأطهرها نسبا…وكلّ هذا حقيقي موجود بيننا، وما علينا إلّا إظهاره، عارضين صوراً من عظمة الإسلام.
لطالما لاحظتُ استعمال الدّين في أفلام هوليوود، فالهولوكوست (أي المحرقة) ورقة اليهود الرابحة، ولا ينفكّون يخرجونها… وقد أنتجت هذه الحادثة إن صحّت تاريخيا، الآلاف من الأفلام. أذكر فيلم: “عازف البيانو The pianist” كمثال. وقد يميل النّاس لليهود كلّما رأوا فيلما كهذا، رغم أنّه فيلم! وفي الواقع آلاف من الضحايا يقضون جرّاء ممارسات الصهاينة الهمجية…إنّ لهذه الأفلام تأثيرا كبيرا، كونها تمسّ العواطف في جمال فتصيب صميم العقل وسويداء القلب، كشأن الأدب والفنّ كلّه، ولأنّها تنتشر على أوسع نطاق. فالفيلم الهوليودي، ما إن يصدر ويكتب له النّجاح (الفنّي طبعا) إلّا ويصير محطّ الأنظار في العالم كلّه. فيدخل بيوتنا بسهولة، كمادة ترفيهية، لا كمادّة حاملة لإيديولوجيات. وإذا نجح الفيلم، تصير الرواية (الكتاب) الذي صُنع على اساسها الفيلم، ناجحا كروايات ستيفن كينج مثلا. وإذ بها تغزو الأسواق والبيوت، ومعارض الكتاب، ويشتريها القارئ غير المتحصّن بعفوية وحسن نيّة. بينما تخلو كتاباتنا من هذه المقاومة، التي قد تصنع نوعا من المناعة والحصانة الفكرية.

 

*كاتب جزائري

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق