قراءات ودراسات

أدونيس في قراءة للتراث (بين الثابت والمتحول)

قراءة نقدية: الجزء الأول

بقلم: منير مزليني

في لقاء مباشر على شبكة التواصل الاجتماعي مع بعض الشباب الجزائريين المهتمين، صرح المفكر الجدلي الكبير أدونيس مجيبا على سؤال أول طرح عليه يقول: بعد مضي سبعة وعشرين عاما على صدور كتابكم (الثابت والمتحول)، ما هو الثابت والمتحول بالنسبة إليكم ؟
أدونيس: الثابت والمتحول مصطلحان أحببت أن أدرس بهما الموروث الثقافي العربي بمعزل عن النظريات التي كانت آنذاك سائدة، الماركسية أو البنيوية أو ما شابه، لأنني أحببت أو أردت أن أدرس التراث العربي بأدواته ذاتها ومن داخل ذاته، وقلت أن مصطلح الثابت والمتحول يمكن أن يضيف للثقافة العربية أكثر من غيره، ويبدو أن ظني كان في مكانه.
أولا، ليس هناك ثابت في المطلق، وليس هناك متحول باستمرار في المطلق، الثابت في مرحلة قد يتحول ، والمتحول قد يصبح ثابتا .. هذا ما أردت أن أوضحه ، وتبين لي أن الثابت في التراث العربي هو الثقافة التي ارتبطت بالنظام السياسي ، أي ارتبطت بالسلطة ومؤسساتها، وقام هذا الثبات على المفهوم الاسلامي للعالم وللإنسان والمتجسد في الفقه والشرع ، والفقه والشرع يستندان إلى تأويل خاص للإسلام ، سأشرحه فيما بعد. والمتحول هو مجموعة التساؤلات والتحركات والأعمال التي كانت تناقش هذا الثبات وتنتقده حينا وتطالب بتجاوزه حينا آخر، وأحيانا تتخطى النظر إلى العمل وتقوم بثورات والتي كان أشهرها ثورة القرامطة الذين تطرفوا كثيرا في رفض الثابت وألغوا حتى الملكية، لأول مرة في التاريخ الحديث ، من ألفين سنة تلغى الملكية وألغاها ثوار عرب باسم الاسلام أيضا.
هذا الثابت قائم على تأويل خاص للدين، وأظن أن على كل مسلم أن يعيد النظر في هذا التأويل، لأنه جمد الاسلام وأعطاه طابع الثابت والنهائي.
أول عنصر من عناصر هذا التأويل: هو أن محمد خاتم الأنبياء، وأن لا نبي بعده.
العنصر الثاني: الحقائق التي نقلها النبي هي الحقائق الأخيرة التي لا حقائق بعدها.
والشيء الثالث: هو تقسيم العالم إلى مؤمن مسلم وإلى كافر غير مسلم.
والنقطة الرابعة وإذا حللنا بدقة: الله نفسه لم يعد لديه ما يقوله، أي أنه أعطى نبيه الأخير كلمته الخيرة. وهكذا صار العالم مغلقا لا يتغير وقائم على هذه الحقائق الثابتة، وانعكس هذا التأويل على الحياة السياسية وعلى الحياة الثقافية وعلى جميع النشاطات البشرية المتعلقة في المجتمع الاسلامي. ولو كان هذا المعتقد فرديا لما كان هناك نقاش في الموضوع ، لأن الفرد حرّ يؤمن كما يشاء، يجب أن يحترم بوصفه إيمانا فرديا، ويدافع عنه ويصان أيضا، لكن أن يعم هذا التأويل الثبوتي أو الثباتي اليقيني المغلق على مجتمع بكامله وعلى الأفراد واحدا واحدا ، وعلى الثقافة وعلى الفن هذا يناقش، وهذا ما قصدته باختصار بمفهوم الثابت.
قبل الدخول في مناقشة هذا الرأي أو التدقيق في هذه القراءة التأويلية، أريد أن أشير إلى أن النقاش نوعان، هناك من يناقش بموضوعية غايته المعرفة والتطلع إلى الحقيقة، وهناك من يناقش انطلاقا من خطة مرسومة مسبقا أو غاية يريد الوصل إليها، أو بالأحرى جرّ النقاش نحوها، انطلاقا من خلفيات أيديولوجية أو منهجية معينة. والفرق بين هذين الأمرين في غاية الخطورة من الأهمية وجوهري، لأنه قد يكون مفتاح اللغز أو كاشف حقيقة الطرح. فالأمر يشبه الفرق بين من يصطاد السمك في بحر مفتوح مطلق، وبين من يشتري السمك ويرميه في حوض مغلق أو بركة راكدة ويفعل وكأنه يصطاد.
كما ان النقاش يتطلب حوارا موضوعيا هادئا ينشد المنطق العقلي المشترك، على أساس أنه القاسم المشترك بين بني البشر الفرقاء وغير الفرقاء.
ونقطة ثالثة، وهي أن الأمور تناقش وفق قواعدها وقوانينها المنسجمة معها والمتماهية مع طبيعتها، فنحن لا نستطيع أن نقوم بتحليل مباراة لكرة القدم بقواعد كرة السلة مثلا، أو أن نطبق قاعدة الحرارة والبرودة التي تتمدد بموجبها المعادن وتنكمش، على مادة الخشب مثلا، لأنها سوف تعطي نتائج عكسية، على أساس أن الخشب بعكس المعادن فهو ينتفخ أو يتمدد بالبرودة، وينكمش إذا ما تعرض للحرارة.

وبالتالي مناقشة التراث العربي الاسلامي، الذي يتمركز بالأساس حول نص القرآن، يجب أن نناقشه منهجيا وفق قواعده وقوانينه المنبثة منه والمتماهية مع طبيعته، أي مناقشته من الداخل وبأدواته، كما أقر بذلك أدونيس نفسه، لا أن نناقشه بمناهج خارجة عنه ومناقضة لمنطقه، كأن نخضعه للمناهج البنيوية أو التفكيكية أو ما شابه، لأنها في الأصل تقوم على قتل المركز ولا تعترف به، وبالتالي هي تتخذ موقفا مسبقا منه، وإذا ما انزلقنا معها في النقاش بألياتها المنهجية، نوقع أنفسنا في الفخ ، ونكون كمن يوهم نفسه بالصيد في البحر، وهو يصطاد في البركة الراكدة !
النقطة الرابع، وهي ما يتهرب منه معظم المفكرين والفلاسفة ويحاولون تجاوزه، وهي المواجهة بإيمانهم أو عدم إيمانهم بالفكرة المطروحة، لا سيما إذا تعلق الأمر بالدين. وهذا الأمر هو ما يحدث اللبس في الطرح والتناقض في التحليل والنقاش. فيطرح موضوع من زاوية معينة أو وفق أليات منهجية معينة، ثم يقدم أدلة مناقضة لذاك المنهج أو لتلك الزاوية. أو يستغل مفهوما فيوظفه مرة في هذا الاتجاه ومرة في الاتجاه المناقض، وفق ما يخدم غايته الماورائية أو خلفيته الأيديولوجية. هذا النفاق الفكري إن جازت هذه الاستعارة، لا يسمح بالحوار الصريح والمباشر، ويفضي إلى المواربة خلف المصطلحات والتهويمات الفكرية والمراوغات اللغوية.
وحتى لا يكون نقاشنا مجرد كلام انشائي أدبي ، ونظرا لحجم قيمة المناقش وأهمية المناقش فيه، أردت أن تكون هذه القراءة مبنية على أساس منطقي مدقق مبني على نقاط مركزة ومحددة ، وأن لا تنساق وراء الطرح المناقش بالمنظور الذي طرح به ، وانما بمنظور مستقل غير متأثر،نقاش أساسه المنطق وقوامه الدليل البرهاني من جهة والدليل البياني من جهة أخرى. وقد اخترنا التركيز في هذه القراءة على المفهومين أو المصطلحين الذين قامت عليهما هذه القراءة وهما الثابت والمتحول ، وكيفية استعمالها أو توظيفهما، وثالثا النتائج المترتبة عنهما. مع مرافقة كل عنصر من هذه العناصر بقراءة تحليلية أو بنقد للنقد.

قراءة في آليات القراءة:
اعتمد أدونيس كما هو مبين في حواره على مصطلحين أو مفهومين استدمهما من التراث نفسه، في قراءته للتراث العربي الاسلامي، وهما (الثابت) و(المتحول)، فأطلق مفهوم الثابت على التراث، أو على الثقافة المرتبطة بهذا التراث والذي يقصد به الموروث العربي الاسلامي المرتبط بالنص القرآني والحديث من فقه وشرع والمنبثق على تصور خاص أو تأويل خاص انعكس سلبا عليه، وأدى كما يقول إلى جموده وانغلاقه. فيما ربط مفهوم المتحول بتلك الحركات والقراءات النقدية التي حاولت عبر مراحل متعددة نقد هذا التراث وتخطيه ومحاوزه أو الثورة عليه.
وقبل مناقشة لبّ الطرح أردت أن ألفت الانتباه إلا بعض الدلالات اللغوية والرمزية التي استعملها مفكرنا أدونيس لطرح فكرته، وهو أنه استعمل مفهوم الثابت بالمعنى السلبي له (الجمود، الانغلاق) وربطه بالتراث، فيما استعمل مفهوم المتحول بالمعنى الايجابي (المتحرك، المتجاوز، الثائر) وربطها بالحركات النقدية لهذا التراث. فيما أن لهذين المصطلحين قراءات ومعاني متعددة على الجانبين السلبي والايجابي . إضافة إلى أنه بين لنا أنه استلهم مفهوم الثابت من داخل التراث، فيما أنه جاء بالمتحول من خارجه وربطه بالثائرين على التراث و نقاده و مناوئيه. وهذا أيضا يعد ارتباطا ولكن ارتباط بالعلاقة وليس ارتباطا عضويا، وفي ذلك فرق، وهذه لها قراءاتها السميائية وايحاءاتها الدلالية. التي نؤثر على المتلقي وتعطيه انطباع سلبي على التراث (الاسلام)، وبالمقابل تعطي انطباع إيجابي للثائرين عليه.
مع أن الثابت لا يعني بالضرورة الجمود والانغلاق والمحدودية، بل إن هذا هو المفهوم السلبي والسطحي والظاهري له، لأن الثبات غالبا ما يكون للمستقر الرصين الصائب وإلا تخلخل وتحرك وتغير وتحول وهو المفهوم السلبي للمتحول بالمقابل. فنحن حينما نقول أن 1+2=3 فهذه نتيجة ثابتة لأنها صحيحة ولا تقبل التغيير أو التحول رغم قدمها.

قراءة في كيفية طرح الطرح:
وفيما يتعلق بلبّ أو جوهر الطرح، فأدونيس يربط سبب جمود وانغلاق التراث بالتأويلات الخاطئة والمنغلقة لهذا الدين أو التراث، المنبثقة عن الفقه والشرع، والتي تعطي تصورا جامدا ونهائي للحياة وللإنسان، في حين أن الحياة متجددة ومتحركة باستمرار، أو كما يقول : ” هذا الثابت قائم على تأويل خاص للدين، وأظن أن على كل مسلم أن يعيد النظر في هذا التأويل، لأنه جمد الاسلام وأعطاه طابع الثابت والنهائي.”. وقد حصر أدونيس سبب هذا الجمود في أربع نقاط، سبق وأن ذكرناها في جوابه، لكن لابأس أن نعيدها مع قراءة موازية لها وهي:
أولا: (القول بأن محمد خاتم الأنبياء، وأن لا نبي بعده). في حقيقة الأمر هذا القول ليس تأويلا ولا هو رأي الفقهاء، بل هو رأي الشرع نفسه بالنص الصريح والذي لا يقبل الشك أو التأويل. ولا أظن أن أدونيس يجهل ذلك ، مما يجعل قوله بالجمود ينصب على النص ذاته ،وهنا يتغير المفهوم كله، وتتحول القراءة من قراءة التأويل أو (الخطاب الديني) إلى النص أو الدين ذاته. ولا بأس أن نستدل بهذا النص الصريح الوارد ذكره في الآية(40) من سورة الأحزاب:(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) لتكون أبلغ دليل بياني على العنصر الأول الذي ذكره أدونيس .أما فيما يتعلق بالدليل البرهاني، فلا أعتقد أيضا أن أدونيس بذكائه وسعة اطلاعه يجهل بأن الرسالة لا تنتهي بنهاية الرسل، فإذا كان يؤمن ويصدق بأن النصوص الأدبية والشعرية الجيدة لا تموت بموت أصحابها بل تبقى خلدة ومتواصلة بعدهم ، فكيف تموت رسائل الرسل والأنبياء وهي من عند أعظم مبدع وخالق؟!
ثانيا: (الحقائق التي نقلها النبي هي الحقائق الأخيرة التي لا حقائق بعدها.) .. هذه المقولة المبطنة بالكثير من المعاني والدلالات تنتهي إلى فلسفة واحدة وهي القول بتاريخية الأشياء، أي أن كل الأمور تخضع للسيرورة التاريخية وهي عارض فيه، أي أنها منتهية ومتجاوزة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا، هو ما مدى صدقية هذه النظرية ؟ وهل كل الأشياء خاضعة للسيرورة التاريخية، أي أنها عارض ولا يوجد ثابت ولا جوهر؟ إذا ما نظرنا حولنا وتأملنا في قوانين الطبيعة والكون لوجدنا بأنها قديمة قدم هذا الكون، ولكنها لم تتغير ولم تتحول وظلت ثابتة، لأنها من ابداع الخالق، ولأنها كذلك فهي مطلقة وثابتة ، والثبوت هنا لا يعني الجمود و الموت، بل الأصلح والأبقى.
فحينما نقول أن أقرب مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم، فنحن هنا لا نحد من اطلاقية ولا نهائية المستقيم، برغم استعمالنا له في تحديد المسافة بين نقطتين ثابتتين، لأنه في الجوهر والأصل مجموعة من النقاط غير المحدودة واللامتناهية. كذلك هي قوانين الطبيعة من جاذبية ودوران الكواكب في مساراتها الفضائية وغيرها من القوانين الطبيعية والفزيائية، فرغم قدمها فهي ثابتة ولا تقبل التغيير لأنها من وضع (المهندس الأول)، ومن صنع الخالق المطلق، ولأنها كذلك فهي تستمد ثبوتها وصمودها وحقيقتها من حقيقته المطلقة. وكما خلق الله الكون والعالم الفزيائي ووضع له قوانين، كذلك حينما خلق البشر سنّ له شرائع وقوانين يسير وفقها لتكون متماشية مع قوانين الطبيعة والحياة ككل، وإذا ما كانت القوانين الطبيعية والفزيائية بعيدة المنال وصعبة الفهم، رغم طبيعتها المادية والتي يمكن أن تخضع للملاحظة والتجربة، فكيف يسهل فهم وتأويل ما هو معنوي وروحي وانساني؟! وأعتقد أن الخلل يكمن هنا، في كوننا نريد أن نتعرف على الحقائق الانسانية والمعنوية بالأدوات والآليات المادية وهي ليس من طبيعتها، فضلا على أنها لم تستطع بعد أن تحل المسائل المادية الفيزيائية التي تقف امامها في تحدّ دائم ومستمر ! مع أضافة أن الله ميزة الانسان على بقية المخلوقات الطبيعية الأخرى في هذا السياق، وبعد اشراكه معها في الخضوع للقوانين الطبيعية التي لا يمكنه الخروج عليها، وهي غالبا متعلقة بجانبه الجسدي كالتنفس، وسير دورته الدموية، فقد خيره في أخرى متعلقة بأفعاله الارادية وممارساته الحياتية، في قوله أفعل ولا تفعل، فالنهي والحث هنا جاء دليلا على حرية الفعل. كما أن ليست كل الأحكام ثابتة بمعنى لا تقبل التفسير والتأويل بل هناك ما هو متغير ومتجدد ، ودعا الشارع لأن يتجه فيها الانسان لأصحاب الخبرة للسؤال عنها مثل قوله في سور النحل من الآية 43: “.. فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ “.
…/… يتبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “أدونيس في قراءة للتراث (بين الثابت والمتحول)”

  1. الثابت والمتحول لآدونبس كتاب قيم من حيث رصد حركة الفكر الأدبي العربي
    وقد قدم مساهمة كبيرة في سبيل ايقاظ هذا الفكر من سباته.لكن هل يمكن ان نعتبره موازاة مع المشاريع او القراءات الأخري العميقة للفكر العربي مثل اعمال الجابري واركون وغيرهم قدم مشروعا فكريا ؟
    نميل الي قولة المرحوم عابد الجابري ادونيس لم يقدم قراءة فلسفية فكرية لهذا التراث .للثابت والمتحول فيه. انما رايا ورؤية تبسيطية .لاتعتمد علي قوة وعمق وتحليل وترابط الفكر الفلسفي ومنهجه. انها رؤية شاعر تعتمد علي جماليات اللغة وشعريتها .
    ومع اهمية الثابت والمتحول في سياق حركية النقد والفكر الادبي العربي يبقي مع ذالك المشروع الآدونيسي ادبيا بامتياز يتحرك في اطر معرفية ادبية .وحتي وان ارتاد آفاقا فكرية اقتضاها سياقا معينا فليس بالمشروع الذي يصدق عليه انه
    طروحات ونظريات فكرية مثل تلك التي قدمها المرحوم محمد عابد الجابري
    واركون وطيب تيزيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق