قراءات ودراسات

السرد الذاتي وشعرية اللغة في رواية (تواشيح الورد)

أ.د. سمير الخليل
هيمن أسلوب (السرد الذاتي) على مجمل مساحة رواية القاصة الجزائرية (منى بشلم) الموسومة بـ(تواشيح الورد) إذ أخذت المرأة الساردة دورها في السرد الحكائي بضمير (الأنا) وليس غريباً أن نجد (ياء) المتكلم تطغى في مثل ذلك السرد لكونه يحيل على الذات مباشرة ويقصر المسافة الفاصلة بين الساردة والشخصية المحورية، يشير د. عبد الملك مرتاض إلى خصائص ضمير المتكلم في السرد الذاتي نختار منها:

أنّ ضمير المتكلم يقرب القارئ من العمل السردي ويجعله أكثر التصاقاً به موهماً إياه أن الكاتب فعلاً هو إحدى الشخصيات التي ينهض عليها النص الحكائي وإنّ هذا الضمير يحيل على الذات في حين أنَّ ضمر الغائب يحيل على الموضوع بمعنى أنّ (الأنا) مرجعيته جوانية في حين أن (الهو) مرجعيته برانية، وليس سواءً ضمير يسرد ذاته وآخر يحكي سواءه، ضمير منطلقه من الداخل نحو الداخل طوراً ومن الداخل نحو الخارج طوراً آخر، وضمير منطلقه من الخارج نحو الخارج طوراً ومن الخارج نحو الداخل طوراً.. إنَّ ضمير المتكلم أكثر تحكماً من ضمير الغائب في مجاهل النفس وغايات الروح، إذ إن ضمير السرد المناجاتي الذي يستطيع التوغل إلى أعماق النفس البشرية فيعريها بصدق ويكشف عن نواياها ويقدمها إلى القارئ كما هي لا كما يجب أن تكون ().

يعدّ السرد الذاتي أحد أساليب السرد الفاعلة في العمل السردي في مواجهة ما يسمى بأسلوب (السرد الموضوعي) الذي يقدّم بضمير الغائب أو المخاطب أحياناً، وهناك الأسلوب المختلط الذي يتراوح بين الأسلوبين المذكورين، وما يهمنا أنّ الذات المبدعة في رواية (تواشيح الورد) هي في الأصل أنثى فستنكشف لنا أنماط مساهماتها المختلفة التي تصل إلى سرد أنثوي شعري رقيق ذي نظرة أنثوية للذات والعالم.

تقوم المرأة (شهد) الشخصية المحورية في الرواية بدور الساردة للحكاية على لسانها بسرد ذاتي مهيمن يأخذ الرجل دور المروي له والمتلقي لسردها وتساؤلاتها، ولعلّ تبادل الأدوار في ذلك السرد يساعد في الكشف عن ذات الشخصية المركزية (شهد) وطبيعة تفكيرها ولغتها وهمومها الأنثوية وشكّها القاتل، ونمط علاقتها بالرجل، وفي ظني أنّ الروائية (منى بشلم) قد خلقت شخصية (شهد) على نمط مزاجها وشخصيتها ومنظومتها الفكرية فهي: (مؤمنة بالله إيماناً مطلقاً) و(نزيهة) و(مخلصة) و(تمجد الحياة الزوجية وتقدسها)، وذات (مروءة وخلق رفيع) إذ تماهت معها لكونها تحمل منظومة القيم تلك، مكونة (منحوتة شعرية)() من ذات مؤنثة غطت فضاء النص السردي برمته بما تحمله من قيم نبيلة نقية وإخلاص لذاتها فضلاً عن شك مدمر، ولكن لا يمكن أن نعدّ الرواية سيرية أبداً وإذا كان لابدّ من تصنيف فهي (رواية شخصية) لا (رواية حدث)، ورواية الشخصية هي الرواية التي يدور ” مدارها على تطور شخصية رئيسية ولكن هذه الشخصية الرئيسية بعيدة عن شخصية المؤلف بعداً يمنعها أن نعتبرها صورة منه… لاختلاف قصة حياة شخصيتها الرئيسية عن سيرة مؤلفها” () .

تقول الساردة (شهد) ” غادرتها غبت أياماً لانشغال حلّ متسارعاً بأيامي الخاويات إلاّ من حلم برجل لم يعد يعرف عني أكثر من رسم الوجه، فإذا هي تطرق بابي… قالت القهوة أولاً… جالستها فخبرتني أنه حضر للمدرسة ، والشوق خالت جرّه إليها قسراً غير أن الكلمات حملت إليها غير ما رسم الخيال، جاء يخبرها أنه بي راغب زوجة، إني امرأة مثلى، إني الجمال والنسب والخلق” () ، فحديث الشخصية هنا لايمكن أن يتماهى بسيرة حياة الكاتبة مطلقاً وهو حديث حول حب صديقتها (إيناس) لرجل تمنت أن يكون زوجاً لها فخاب ظنها وخذلها في رغبته بالزواج من (شهد) صديقتها بدلاً عنها مما يحمل نذر الشرّ التي تترك أثرها في نفس إيناس بالتأكيد وهو ما سنكتشفه لاحقاً.

رواية (تواشيح الورد) ذات حدث نمطي مألوف، وعلى الرغم من أن (الرجل/ المرأة) هما قطباها الأساسيان بيد أننا نلحظ أنّ النصوص السردية فيها تحمل إشارات مجازية ذات محمول دلالي اجتماعي تربط علاقة المرأة بالرجل في إطار ثيمة اجتماعية تعالج مشكلات الحياة الزوجية – من وجهة نظر المرأة- وأثر الغيرة ومن ثم الشك وتمزق ذات المرأة حدّ التخبط، فالحدث ليس استثنائياً أعني زواج (شهد) من (يحي) الذي كان على صلة ما بصديقتها (إيناس) كونه طبيبها الذي تراجعه لمعالجة ورم في ثديها، ومن ثمّ نموّ بذور الشك بسبب تلك الصديقة التي تخبرها أن (يحي) زوجها يعاشرها سرّاً في أثناء دوامه المسائي في المستشفى، “سنة من الذي يسميه يحي حبنا ولا أجد له اسماً إنه أقوى من الأسماء، بل اللغة ذاتها كنت مجرد ونوجه العتبة يبتسم قلبي، يرفرف فرح على المحيا، لا أدرك له سبباً كنت أعيشه إحساساً أحلى من كل أحلامي… إلى أن تقطعت أوردة الأمان برنة هاتف… كانت صديقة الأيام الخوالي، اتصلت إيناس تخبرني أن زوجي يحي يواعدها، تقول ما هي إلاّ أيام ويهدم ذكرى جمعتني به، ليقيم حياة جديدة حياة من حرية وانطلاق… لم أجد ما أرد به ضحكت من قولها، إنه يصوم النهار ويقوم الليل، هل يهدرها لأجل إيناس؟!! لست بالجميلة ليخضعه جمالك، جاء الرد من عندها حاداً كما ألفته، ليس الجمال ما يخضع” () ، ومن هنا انطلق الشك المدمر مثل صندوق (بانادورا)، وبذلك تنفلت الذات الأنثوية في مواجهة (الخيانة الزوجية) استناداً إلى رواية صديقتها (فقط) ومن دون مصارحة زوجها، وتبدأ معاناة (شهد) وتأثرها وآلامها من ذلك الفعل غير المسند بالحقيقة وتتآكلها الهواجس وتحوّلها إلى امرأة شبه مجنونة وهي ترقب زوجها عن طريق الاتصال بصديقتها التي تقص عليها ما يدور بينها من ممارسات للحب، ولم تسأل زوجها ولو مرّة واحدة لمعرفة صدق (إيناس) ونياتها المبيتّة واخلاص (يحي) لها، وتدور عجلة الرواية في هذا الحدث المألوف بسرد ذاتي ينقل إلينا ما يتلاطم في أعماق (شهد) من تمزق نفسي وتخبط لا حدود له ، “فالصديقة لم تكف عن الاتصال بي وإعلامي بأمر الحب الناشئ بينها وبين زوجي، وكنت أراقبه وأفتش عن ظروف الخيانة بين نظراته والعبارات، ولا أكشف السرّ ولا ينكشف، حتى جاء يوم حملت لي فيه نبأ، صدّقه قول يحي، هي تقول أنهما شرعاً يعيشان الحب لمسات ناعمة وقبلات حارّة وأنه بعد أيام سيحضر للمبيت عندها” () .

قلت إنّ الحدث من مألوف الواقع ولكن القيمة الكامنة في هذه الرواية هي تداعيات الحدث وما تركه من آثار مؤذية مدمرة أوصلت (شهد) إلى الطلاق ومن ثم السجن، وهي تداعيات يمكن أن لا تقع لو عادت (شهد) إلى رشدها وتعاملت مع الموقف بذكاء وتأنٍ ولكن الواقع النفسي للمرأة يلح على تعقد الحدث ونتائجه الوخيمة، فالكاتبة (منى بشلم) تحاول أن توضح أنّ فكرة الفشل في صياغة علاقات عاطفية ناجحة له أثره في تصاعد وتيرة الخيبات الوجدانية مما يولد خراباً في أعماق الروح ولا سيما الذات الأنثوية، وفي الوقت نفسه تريد أن تقول إنّ فشل المرأة عاطفياً يولد خراباً مدمراً في روحها مما يؤدي إلى هيمنة الرجل عليها وإشعارها بالضعف والشفقة عليها .

تهيمن الساردة الشخصية (شهد) على بنية النص السردي، فتبث خيوط شباكها على ثنايا النص وهي تستخدم (ضمير المتكلم) وهذا الضمير يمنحها فرصة التماهي مع مرويها مما يوهم بواقعية السرد المتخيل، ومن الملاحظ أن السرد الذاتي بضمير المتكلم ” يجعل السارد ذاتياً بشكل مطرّد سواء بضمائر التلفظ وعائدية الأفعال والمظاهر السردية اللسانية الأخرى” ()، تقول الساردة متحدثة عن مناسبة زواجها بـ(يحي) : “حملت الحلوى زينة فرحتي إلى المدرسة، إلى إيناس والمدير هو [المدير] سألني ماذا لو اكتشفت يوماً أنه يخونك؟، لا تهدري القلب لرجل واحد فأنت أكثر من امرأة .. قاطعته لا تقلق إنّه مسلم، حرّم الإسلام عليه خيانتي أليس الإسلام حقاً، إنه يشبه البراءة التي تتكور بين الروح والجسد… أنا كنت أحدثه عن صلواتي، عن إيناس وتعليمها الصلاة والصيام، لتعين أحدانا الأخرى فلا تنغمس في لجّة اللذة من هذه الدنيا” ().

فمن الممكن للمرأة عن طريق السرد الذاتي أن تعطي صورة للعالم الخارجي من خلال اجتراح الذات، ولكن رؤيتها لعالمها “رؤية متشظية يسكنها السلبي في العلاقة مع الآخر القوي أو الذي ينظر إليه كقوي، يشملها لدى المرأة الإحباط من مؤسسات الشأن العام، وإن كانت تجمع بين الخاص بجزئياته والعام بفضائه العمومي.. حيث تلتقي المشاكل الكبرى بالأجوبة الأساسية لخلق علاقة حميمية بين الإبداع الأدبي [السردي] بوظيفته الاجتماعية ، ولكن تبقى مسحة الحزن على ضياع الذات واضحة تستصرخ الذات المفزوعة من الواقع المخيف بزمنه وضبابية وجوده”() .

إنَّ الساردة (شهد) تعبر عن العالم من خلال الخاص، وهذا يؤيد الرأي الذي يقول أنَّ المرأة تنطلق من الذات ثم تعرّج بعد ذلك إلى العالم الخارجي فحضور الساردة الأنثى أتاح للقاصة الاندماج معها إلى حد ما بوصفها علامة أساسية على الهوية الأنثوية، فمارست البوح الذاتي عبر الالتحام بالنص ثم لفظته إلى العالم الخارجي لنجد تدهور حالة الواقع الذي يعيش حالة من الخراب تقف بالمجتمع على حافة الخطر.

فالخطاب الذي يرسله السارد وهو على مسافة مما يقوله إلى متلق آخر مباشر (شخصية) أو غير مباشر (مروي له) في الخطاب الروائي بكامله كما نلحظه في سرد (شهد) في هذه الرواية، إذ تروي الأحداث مرّة بضمير المتكلم كما هو شائع في السرد الذاتي على الأغلب لكونها مشاركة بالأحداث ومحدودة العلم لاسيما فيما يتعلق بخيانة زوجها وبمواقف أخرى ورطتها بمتاعب لا حصر لها، وقد تروي الساردة شهد بضمير الغائب أيضاً ولكن أسلوب السرد الذاتي هو المهيمن كما أشرنا، تقول الساردة المشاركة: “هو ذا الحب إذن لا أكثر من كلمات منذ البدء أنا أعيش مع رجل لا يتقن إلاّ الكلمات، لا يفهم لغة الفؤاد، الحب لا يخدع ولا يخون.. ربما من اليوم الأول لم نكن أكثر من كذبة ، عشت الوهم وحدي، يوماً لم تكن الوفاء ببساطة أنا.. أنا كنت الغباء وما أزال وربما سأظل إلى الأبد” ().

فالرواية استعانت بضمير المتكلم لتكشف عن خوالج الذات وارهاصاتها، والكاتبة في (تواشيح الورد) قادتنا إلى حكايات الحب ذات الرومانسية المكتئبة فضلاً عن وصف معاناة المرأة في الحب وما يعقبه من شك مدمّر يذهب بكل جماليات الحياة وفي كل ذلك تكون الساردة في إطار (تبئير داخلي) عبر ساردٍ يكون في الأغلب أحد شخوص الرواية بسرد الأحداث برؤية داخلية إمّا بضمير المتكلم أو الغائب حيث تتوافق البؤرة مع شخصية تصير حينها الذات الخيالية لكل الإدراكات بما فيها الإدراكات التي تهمها هي نفسها بصفتها موضوعاً، ويشير جنيت إلى أن التبئير الداخلي يتحقق في الحكاية ذات المونولوج لأنها الصيغة الأمثل كي تعبر الشخصية عن ذاتها بحوار داخلي مباشر من دون تدخل السارد ().

فالساردة تتساوى في معرفتها للأحداث مع الشخصية لأنّ الساردة والشخصية المحورية هما شخص واحد وهو ما اعتمدته الكاتبة في روايتها (تواشيح الورد) إذ إنَّ الشخصية المركزية (شهد) هي من تدور الأحداث حولها ومنها يصدر السرد بما يشبه البوح الاعتراضي في أحيان كثيرة، تقول الساردة والشخصية (شهد): “صدقت إيناس حتى توالت أمواجاً هائجات على الفؤاد كل يوم أقتني بطاقات التعبئة وكل ليلة أهاتفها فتروي لي ما جرى بينهما أو تضع الهاتف قرب فراشها الدنس وتتركني أمزق أوتار الهوى بقبلات اسمعها ولا أحسها قبلات هاجرت من الجسد العفيف إلى هذه الـ… التي كانت أمس الرفيقة” ()، يطالعنا في النص السابق المنظور الذاتي لـ(شهد) وهي تتحدث عن ذاتها ضمن منظور ذاتي يكشف وعيها وإظهار مشاعرها الباطنية، فالكاتبة تحاول أن تطرح على الأنثى عبر مرويها رؤية أكثر اتساعاً في قضايا الحب والشك والخيانة عبر مضمون فيه اليقين الذي يخترق حجب الظلام الكامن في ذات المرأة وهي تبني على الشك شكاً ودماراً عاطفياً تريد من المرأة أن تتحرر من عنف الشك والتقولات وسلطة الانفعالات، فهي تطرح تقنياتها الروائية من أجل تحقيق الوعي بالذات وكشف أقنعة الزيف والخداع التي تؤدي بالحياة العاطفية للمرأة، وتظهر الرواية جانباً من انبهار المرأة المؤمنة المحافظة بالحياة الزوجية والزواج المقدس، تقول الساردة (شهد): “يجدني أدعي الاستغراق في المنام ولا يزعزعه عني ولا يوقظني واستغنى عني ما عاد مهماً وجودي، أنها التمرينات الأولى للطلاق، تقول صديقتي (إيناس): إنه العد التنازلي للفرقة” ().

يتضح مما سبق أن (الساردة/ الشخصية) تمتلك القدرة على النفاذ إلى أعماق ذات الأنثى العاشقة المؤمنة بقدسية الحياة الزوجية، إذ ركزت ضوءها على دواخلها لتكشف معاناتها على نحو دقيق وهي تسبر أغوارها وكل ما يدور فيها من تساؤلات وأفكار تجاه (الآخر/ زوجها) أعني (يحي) في هذه الرواية .

 

المونولوج والمناجاة :
يظهر الحوار الداخلي أو (الفردي) (المونولوج) في أماكن كثيرة من الرواية وتصحبه مناجاة صوفية نقية الروح منبعثة من طبيعة (شهد) التي ترى في الله منقذاً وملاذاً آمناً حينما يحاصرها الزمن والأحداث والمعاناة النفسية، “وفي هذا النوع من الحوار يتحول نمط الحوار من حوار تناوبي يدور بين شخصين أو أكثر إلى حوار يعبّر عن حياة الشخصية الباطنية، وقد ارتبط هذا النوع من الحوار بروايات تيار الوعي التي تعتمد (المونولوج) بشكل كبير في التعبير عن أفكار الشخصيات ومحتواها النفسي” () .

فالمونولوج تقنية سردية يستعملها القاص في روايته بغية تقديم المحتوى النفسي للشخصية وما يحتمل في أعماقها، ويتمثل في حوار الذات مع نفسها كاشفاً انفعالات الشخصية وهواجسها وما يظهر من تدفق ذهني في حوارها الداخلي، ونلحظ ذلك في مواضع كثيرة من حوار الشخصية (شهد) مع ذاتها، تقول محدثة (يحي) زوجها والعودة إلى نفسها “لماذا يحي.. أنا ما أزال أحبك، ما أزال أحلم بالعودة إليك.. هل أحزمها الحقائق أم تنتظر مني حزمها، تراك تطلب يوماً أم تطرد، لا أقدر على رسم الوجه الثاني لك، أنا حقاً لا أقدر.. مريرة مخالب الخيانة بين مفاصل النفس، مريرة لا تتخيلها يحي، أنت لا تعرف معنى أن تعشق حتى تحمى الذات منك وتنسى الأنا، أنا أحببتك حتى نسيت اسمي وآمالي وصرت الحلم والأمل، وغاية المنى بسمتك ” يحي ما عادت الحياة تساوي أكثر من بسمة رضا على شفاهك، انتهى الحب وانقضى عهد كان للرضا..” ().

كشف الحوار الداخلي بصيغتيه (المخاطب والمتكلم) عن الشعور بالأسى والتمزق النفسي وفقدان الاستقرار الذهني والحيرة في تحديد يقين الحب في نفس زوجها وهي تتهمه باللامبالاة وعدم الشعور بها فشهد هي المرسل والمرسل إليه لأنّ (يحي) لا يعلم بهذا الكلام وليس حاضراً في السرد إنما هو (مونولوج) يحيل إلى أن الذات في حالة تمزق وتدفق تعبيري عمّا يجول فيها، إذ تحولت الشخصية (شهد) ملمحاً رئيساً في هذا السرد الذي شكل (المونولوج) بناءه ، فـ(الساردة/ الشخصية) في النص السابق استعانت بالحوار الداخلي لتسلط الضوء على فكرها الباطني كونه الأسلوب المناسب للتعبير عن البعد النفسي فصرحت بما لا تستطيع الجهر به بحوار داخلي تنفس عن مكبوتها بافتراض أن (يحي) يسمعها ، ويختلط (المونولوج) بالمناجاة للذات الإلهية في تعبير (شهد) عن رغبتها في إزالة الشك والارتكان إلى برد اليقين ولكن هيهات فقد عصفت بها الظنون تقول: “عليّ أن اتعلم محو كل صوت من خارج جدران بيتي، إنه إثبات براءته، يحي لا يعرف شيئاً عنها، وعن قصتها وإلا ما فكر في الطفل.. الطفل رباط، الطفل التزام.. في داخلي.. القلب العاشق شرع يستغيث بالله ربّاه اسعفني صبراً يا رب..” () .

فالنص يرفع الحجب عن عواطف الشخصية (شهد) ومشاعرها تجاه زوجها وما يتناوبها من قلق واطمئنان تقنع به نفسها ولكن موجة الشك أقوى من كل ذلك لأن مجرى الأحداث يظهر فيما بعد أن ظن (شهد) بخيانة زوجها كان خاطئاً مما سبب لها شيئاً من تأنيب الضمير والنقمة على صديقتها (إيناس) ومديرها السابق (كمال) وغيرهما ولكن كيف ستضمد جراحه بعد أن اتهمته بذلك!.

المناجاة أسلوب من أساليب الحوار الداخلي يختلط معه أحياناً إذ تنزع فيه الذات نزوعاً ذاتياً خالصاً يقدم الشخصية الروائية وهواجسها في حالة تنظيم؛ فإذا كان (المونولوج) هو حديث الشخصية مع نفسها بشكل فردي وصامت فالمناجاة هي صوت الشخصية الموجه إلى الله ولغيره بصوت عالٍ لا خوف من اكتشافه ويمكن أن يسمعه الآخرون بعلم الشخصية نفسها ورغبتها أحياناً، ونلحظ شيوع مثل هذه المناجاة في هذه الرواية على لسان الشخصية شهد انسجاماً مع إيمانها بالله وتمسكها بالغيبيات ونقاء سريرتها، تقول: “يا الله.. يا رحمن.. يا رحيم، يا جبار السماوات والأرض برحمتك استغيث، اللهم إني لا اسألك رد القضاء ولكني اسألك اللطف فيه، ربي هب لنا من لدنك صبيا، فإنك تقدر ، ولا أقدر ربيّ يا حبيبي يا مولاي وخالقي.. أنت خلقتني ولم أك شيئا.. رب هب لنا من كرم فضلك طفلاً.. ولو طفلاً واحداً، معجزة من عندك كما كان نبيك يحيى، ربّي ولى زمن المعجزات لكنك الثابت لا تغيرك السنون، مالك الملك تهب رحمتك لمن تشاء، يا الله برحمتك استغيث.. يا رب” () .

تنتاب الشخصية (شهد) حالة صوفية غيبية مؤثرة بعد أن عرضا نفسيهما على الطبيب لبيان قدرتهما على الانجاب وتبين أن (يحي) زوجها هو من لم يكن قادراً على ذلك لعقمه فلم تجد سوى الله تتشبث به وهي المؤمنة المخلصة لزوجها الطاهرة القلب المتمزقة النفس بسبب الشك الذي زرعته صديقتها إيناس في نفسها، تعود مرّة أخرى إلى مناجاة الله: “يا الله .. أنت السيد أنت الكريم وأنا عند بابك اطلب رحمتك وأثق بكرمك، ما كان على زوجي أن يقلق، ليس لبشر أن يقنط من رحمة الرحمن…” () .

وعلى الرغم من أن بعض ألفاظ مناجاة هذا الدعاء ذات صلة بالتناص مع الأدعية المتداولة ولكنّ الأغلب هو من قدرات الكاتبة على لسان الساردة، وقد تأتي المناجاة للحبيب أو لغيره لكن المهيمن في مناجاة هذه الرواية هي للذات الإلهية انسجاماً مع معتقدات (شهد) وروحها النقية، فهي بعد أن فقدت الثقة بالآخرين لم تشعر بالراحة والاطمئنان إلاّ بمناجاة خالقها بصوت مسموع افتراضاً لأنها الأداة السردية التي اتخذتها الساردة لبيان ما يعتمل في نفس الشخصية من أجل دفع الحدث إلى أمام *.

وفي مونولوج مشوب بالمناجاة إلى الله وإلى الحبيب أن تستطيع إقناع (حبيبها/ زوجها) (يحي) أن الطفل الذي تحمله هو طفلة، تقول : “الليلة استخارة، ومع تباشير الإصباح قصدت إليه، الشوق يسوقني والرغبة الأقوى كانت في رؤية وجه الحبيب أن أملأ فجوات مشرعة المصراعين بالنفس لتلك التقاسيم البهية، الزيارة لن تكون للمتعة ولا للتحديق شهد، الزيارة لأعلمه أني أحمل طفلاً وأنه تحديداً طفلة، فهل يصدق أم يحرق الحواس جميعها ويتناثر رماد الفؤاد، فلا أقدر على لملمة الأشتات.. يحي.. ما تزال الحبيب في قلبي.. وما عدت الطليقة في حياتك..” ().

كان هذا الحوار المشوب بالمناجاة للتخفيف عن بعض الآلام فهي تحلم بالعودة لزوجها الذي أحبته وأخلصت له وفقدته بسبب الشك المدمر الذي انتابها، والكاتبة بذلك جعلت هذه التقنية السردية لمعرفة التداعيات النفسية الداخلية للشخصية (شهد) داخل العمل الروائي ليتسنى لنا معرفة السلوكيات التي تندرج في النص.

اعتمدت الروائية في هذا النوع من التقنيات أعني (الحوار الداخلي أو المونولوج) على اضطراب توازن الشخصية بما أحدثه الشك بخيانة زوجها، وكشفت عن نظرة (شهد) إلى الحب وإلى من تحب فيصف سلوكها الخارجي النابع عمّا يضطرب في أعماقها مع أنها امرأة مؤمنة متدينة تتمنى أن تعيش عمراً أجمل من الواقع المعيش ولكنها لم تكتشف زيف الواقع المحيط بها إلاّ بعد فوات الأوان، وكانت الكاتبة موفقة في الكشف عن محتوى شخصيات الرواية مما جعل المتلقي يعيش جو الاضطرابات النفسية التي تعيشها شخصية (شهد) المحورية في الرواية.

شعرية اللغة السردية :
تعدّ الشعرية السمة الغالبة في لغة السرد عند الكاتبة (منى بشلم) فهي تمزج بين الفضاء الشعري والفضاء السردي، إذ تفتقت روايتها (تواشيح الورد) عن لغة ذات تكثيف مجازي (تشبيهي واستعاري تشخيصي وكنائي) فضلاً عن توظيف النغمة والنبرة الإيقاعية مع القدرة على تضمين الكلام الكثير من الإيحاء والإيماء الذي تتصف به لغة الشعر عموماً والرمزي على وجه الخصوص، وذلك يجعل بنية الرواية تتصف بالمرونة الدلالية لانسيابيتها ولعلّ ميزة لغة الرواية التي تقف عندها تعود إلى هذا الجانب وتوفر سمات خاصة تتمثل في “كثافة اللغة الرمزية والانزياحات والصور الفنية.. بما يشير بشكل أو بآخر إلى انفتاح الذات الساردة [فضلاً عن] نمو في شعرية اللغة وشبه سكون في حركية السرد الروائي ولاسيما في سياقات الوصف الساكن في المكان والزمان” ().

فشعرية اللغة في الرواية تعدّ خاصية أسلوبية بامتياز تتجلى عبر اللغة في مستوياتها التعبيرية، والانزياح باللغة عن مستواها المعياري المحايد إلى مستوى آخر جمالي فني، إذ تعدّ الانزياحات الأدبية في النص السردي تجسيداً حياً للشعرية، ولعلّ تميز الكاتبة ضمن حيز النص الأدبي السردي تقترن إلى حدٍّ كبير بفرادة الأسلوب المتتبع متجاوزاً بذلك الأسلوب المألوف أو الشائع إلى الأسلوب المغاير “حيث يتجاوز السياق الشعري سياجه ويتداخل مع سياج النثر فيغرس فيه شيئاً من شفراته” ()، فقد هيمنت اللغة الشعرية على مفاصل كتابة الرواية وهي تصور العلاقة الرومانسية بين الرجل والمرأة في صور أدبية بليغة فيها أنوثة الأسلوب ومتعة المتلقي.

يشير تودوروف إلى “أن العمل الأدبي مصنوع من كلمات كما يقول أي ناقد يسعى إلى التعرف على قيمة اللغة في الأدب، ولكن العمل الأدبي هو في ذلك لا يختلف عن أي ملفوظ لساني ليس مصنوعاً من كلمات بل مصنوع من جمل والجمل تنتسب إلى سجلات مختلفة من سجلات الكلام”()، فالعمل الأدبي استخدام غير عادي للغة يقوم على سجلات مختلفة في الكلام وهذا الاختلاف اللغوي يكسب العمل قيمة فنية والكاتب يسعى إلى بناء التعالق اللغوي كي يحصل على زوايا مختلفة ذات مكسب فني وجمالي أي المهم هي الطريقة التي تقدم بها الأحداث وليس المهم ما يروى من أحداث، فاللغة الشعرية هي المادة التي يبنى بها العمل الأدبي والتي تتجلى من خلال الانزياحات التي تتمظهر في النص والتي “يمكن أن تعين على قراءته قراءة استبطانية تبتعد عن القراءة السطحية والهامشية.. لغة مثيرة تستطيع أن تمارس سلطة على القارئ من خلال عنصري المفاجأة والدهشة” ()، فالروائية (منى بشلم) جسدت الذات النسوية في انتاج الشكل الروائي وأسلوبيته، وكان للمرأة دورها الفاعل في إنشاء نصها السردي الجمالي عبر تشكيل الذات والعالم وفق رؤية تخص تجربتها وسبرها لأعماق ذاتها، إذ تقترب اللغة من طبيعتها الأنثوية الشعرية المتوترة وهي “تثور على منطق اللغة الرتيب لتخلق عالمها الخاص” ()، فاللغة الشعرية هي لغة توليد وابتكار شعرية العتبات تشكل اللغة الشعرية في رواية (تواشيح الورد) المهيمن الأسلوبي الأوفر ظهوراً في كل صفحاتها، فهي خاصية أسلوبية بامتياز تتجلى عبر اللغة في مستوياتها التعبيرية، وتبدأ من العنوان العتبة انتهاءً بآخر صفحاتها مروراً بالإهداء، وتعدّ الانزياحات الأسلوبية في النص السردي تجسيداً حياً للشعرية بجماليات أدائها الفني على أن تبقى بنسبة مقبولة ولكن الكاتبة (منى بشلم) جعلت لغة سردها أقرب إلى قصيدة شعر، وكانت اللغة الشعرية حاضرة فيها على مستوى البناء الكلي، فثمة علاقة بين اللغة الشعرية والسرد القصصي أو الروائي، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ الحداثة الروائية هي حداثة شعرية أيضاً، يقول ناصر يعقوب في ذلك : “فتحت وطأة الحداثة الشعرية الفكاك من أسر الرواية التقليدية … إذا ساد مفهوم خاص لشعرية الرواية يتحدد في شعرية اللغة” ()، وإذا كانت الشعرية خاصية فنية جمالية فخصوصية أدب المرأة ينبثق من هذا المعنى الإبداعي، عبر السعي إلى اكتشاف مكامن البوح وسر أغوار الذات الأنثوية بلغة مميزة.

تعدّ عتبات الرواية أحد مكونات النص السردي ومجال تحقق أدبية النص بوصفها نصوصاً موازية، فهي تشكل قمة هرم النص الروائي وتندرج بقية المكونات في سلم ترتيب الأهمية حسب تمظهراتها وأبعادها الدلالية، وفي هذه الرواية تبحث الكاتبة همّا يحقق الاستماع والإنصات لا إلى الحدث ونمطية السرد إنما إلى تفرد لغتها الشعرية المنسجمة مع ذاتها الأنثوية، تنشئ ابتداء من العتبات تواصلاً مباشراً مع المتلقي بما يحقق للنص شعريته، إذ تمارس العتبة نوعاً من الإحالة المجازية التي تفصل بين مستويين عالم السرد المتخيل ومستوى الواقع خارج عالم السرد وصلته بالمتلقي، تنير روايتها بعتبات كاشفة تلتقط منها دلالات المتن، وتقود (العتبة/ العنوان) القارئ إلى الرواية إذ تمثل ” أول دخول ميداني إلى أرض النص ومتنه الكتابي” ()، فالتركيب اللغوي للعتبة هو الذي يقود ضمنياً نحو الجوهري، لأن كل عتبة ما هي إلا خطاب ذو محمول دلالي حاف حينما تصاغ شعرياً، فتمد تميز عنوان الرواية بشعرية تشخيصية رومانسية جميلة (تواشيح الورد) بجعل الورد له تواشيحه الخاصة وتراتيله المعطرة الملونة الرقيقة، والعنوان صدى لمنزع الشخصية الرومانسية (شهد) المؤمنة الرقيقة العذبة ذات القلب الجميل وليس غريباً أن نجد الورد يتردد كثيراً في الرواية مشبهاً به القلب والحب والإنسان، فالعنوان بشاعريته يفتح آفاق المتلقي نحو تأويلات متعددة قد تحددها قراءة الرواية إذ تهيء عتبة العنوان متعة التلقي والدعوة داخل النص عن تلك المتعة فضلاً عن أن العنوان مرجع يتضمن علامة وتكثيف للمعنى بحيث تريد الكاتبة هنا أن تثبت مقصدية روايتها لأننا أمام رسالة مكثفة أو باث قصدي توجهه الروائية إلى القراء بوصفه عقداً شعرياً بينها وبينهم بما يحيل إلى حسّها الأنثوي، فبنية العنوان تتكون من مفردة مضافة وهي جزء من جملة مفترضة نحوياً، (تواشيح الورد) إذ صارت التواشيح فكرة مضافة إلى الورد، فالتواشيح مفردة نكرة تدل على الانفتاح الذي يحدده المضاف إليه وكأنما هناك “فعل أسطرة.. يشتغل على كونه السيميائي اشتغالاً مزدوجاً يبدأ من داخله العميق وضخه بالتعددية الدلالية وينتهي الى الانفتاح على مناطق الجسد النصي ليغذيها باشعاعاته الدلالية ذات الحمولة المكثفة دائمة الرفد”()، فالتواشيح صوت مرتبط بزمن يحيل إلى الماضي والحاضر الأمر الذي يعني موت بعض من ذلك الزمن بتلفظه للتواشيح، إذ لم يعد للزمن معنى بانتهاء التواشيح وكلاهما إلى زوال التواشيح والورد .

يصبح العنوان بمضافه التنكيري يحيل إلى انفتاح تلك التواشيح على دلالات منسجمة وماضي الشخصية امتداداً لحاضرها المزري الفاقد للراحة والاطمئنان واليقين بإضافة (الورد) وهذا العنوان يؤسس دلالة منسجمة الصلة بالمتن بل هو محور المجرى السردي، والرواية تقدم تطورات موقف الشخصية وخسرانها لحياتها بسبب جحيم الآخرين مثل الورد تماماً يذبل عند القطف مع أن الشخصية هي امرأة تشبه كثيراً من النساء في معاناتها تلك ولا فرق بينها وبين من يتآكلها الشك فيقضي على جمالية حياتها الزوجية وحبها الكبير .

أمّا عتبتا الاستهلال والإهداء فقد جاءتا شعريتين بامتياز وتحيلان إلى فعل (الغياب) وآثاره في نفس الكاتبة، يبدأ الاستهلال ” إلى روح راحت قبل أن ترى جواهرها تتفتح، قبل أن تشتم عبير الإشراقة الأولى، وقبل حتى أن تعرف أني أدركتها تلك الحروف التي كانت تبدو هاربة متوارية” ، ويبدو أن هذا الاستهلال هو إهداء خاص بلا عنوان لابتدائه بـ”إلى روح راحت…” بمعنى هي تقدم عملها لتلك الروح الغائبة التي تمنت أن ترى القاصة وهي تحقق منجزها الإبداعي ولكن فعل الغياب جعلها لا تعرف أنَّ الكاتبة أدركت الكتابة وحققت الأمل بالهيمنة على الحروف التي صاغت الإبداع الروائي وحققت ذاتها.

لايخفى أن الاستهلال والإهداء قد صيغا بلغة شعرية رقيقة منفتحة الدلالة بمجازيتها الفنية، فالجواهر التي تفتحت هي المنجز الروائي أو ابداع الكاتبة وهي في طريقها إلى الشهرة ، وملاحقة الحروف الهاربة تشخيص جميل يدل على جهد الكاتبة وحرصها وهي تدرك تلك الحروف المتوارية بعد غياب المخاطب، وجاءت صياغة الإهداء شعرية مؤثرة ” إليها سندي مذ تفتحت ورود الفؤاد، أمي ، أبي.. إلى كل من أحبّ هذه الروح”، فتفتح ورود الفؤاد تحيل شعرياً إلى طفولة الكاتبة الرقيقة العبقة بالمحبة والحنان برعاية أبويها، ثم انتقال من الخاص إلى العام المنفتح على الجميع الذي يرى في روح لكاتبة ما يشي بالمحبة والود إذ ساوت بين سند أبويها طفلة ورعاية محبيها امرأة كاتبة عبقة بالإنسانية .

صار الإهداء عتبة من عتبات الدخول إلى النص السردي أو الأدبي عموماً يتيح للكاتب قدراً من الحرية في تحديد جهة المهدي إليه وممارسة كتابية تفصح عن مشاعره وعواطفه وحبه بل قد نطلع على بعض خصوصيات الكاتب في الإهداء الذي يتنوع بين الصلة الأسرية أو الأصدقاء أو شخصية مشهورة أو الوطن… الخ، وهو – أي الإهداء- يخرج عن المتخيل السردي في الرواية أو العمل الأدبي ويجير لشخص الكاتب (المؤلف) بالتأكيد وفي إهداء (منى بشلم) في رواية (تواشيح الورد) ما يوحي بإحدى الخصوصيات (إليها سندي: أمي، أبي)، ويحيل إلى (شهد) الشخصية المحورية التي عاشت بلا سند (أُسري) فلم نرَ أبا أو أمّا وجّها حياتها أو شاركاها همومها فكأننا نلحظ حواراً بين الذات الكاتبة والتجسد الفني للمرأة في الرواية، لذا فقد شكل الإهداء “بوابة حميمية دافئة من بوابات النص الأدبي”()، وكأن الكاتبة أرادت أن تقول لأنَّ أمي وأبي أسنداني صرت على هذه الشاكلة من الإبداع والشهرة في حين عاشت (شهد) بلا سند نجد حياتها ضائعة وهنا صار الإهداء علامة سيميائية إلى الشخصية المركزية في الرواية (شهد) التي لم نعرف شيئاً من حضور لأبويها في كل الرواية.

 

شعرية المشابهة :
تمتزج (شعرية المشابهة) في مفهومنا بين فني (التشبيه) و(الاستعارة) بوجهيها (التشخيصي والتجسيمي) لكونها بنية تشبيهية في النظر إليها مجازياً، وقد يتداخل الفنان في النص السردي لدى الكاتبة (منى بشلم) فتحتوي العبارة الشعرية على طرف تشبيهي وآخر استعاري بامتزاج شفيف وجميل، إذ تعد اللغة واحدة من توسلات الذات في إعلان أفكارها حيال وجودها الحياتي وعلى الرغم من حتمية السمة الاتصالية للغة فإنها في متون النصوص الأدبية تأخذ بعداً فنياً لماهيتها وهي خارج المتن النصي، الأمر الذي يجعلها علامة نصية وخاصية بنائية داخل منظومة النص التعبيرية، وتطرح رواية (تواشيح الورد) خاصية فنية في شعرية النص السردي إذ ما يميز لغتها الشعرية أنها “لغة توليد وابتكار لغة هدم وبناء وعلى جدل العلاقة بينهما تتوقد بنية نسقها الخاص” ().

وسواء أكان الكاتب رجلاً أم امرأة فأننا ننظر إلى السمة الشعرية في اللغة على أنها “انتهاك لقوانين العادة ينتج عنه تحويل اللغة من كونها انعكاساً للعالم أو تعبيراً عنه أو موقفاً منه إلى أن تكون هي نفسها عالماً آخر، وربما بديلاً عن ذلك العالم”()، ومن المؤشرات المهمة التي تحيل إلى شعرية النص الأدبي حضور الصور التشبيهية المفردة والمركبة ، بالأداة أو بدونها بهدف الوصول إلى الاستغراق في وصف العالم الخارجي ودواخل النفس، وهذا الاستغراق يؤدي إلى معانٍ متعددة كوصف الشخصية أو التعبير عن وجهة النظر الخاصة بالساردة، إذ يضيف التشبيه للأشياء جمالية فنية ويجعلها أكثر متعة ودلالة وذلك يعود إلى قدرة التشبيه على “الجمع بين ما يكون متعدداً متبايناً في الوجود الخارجي الذي يستعمله منتج الخطاب حين يروم التعبير عن شيء لا يتحصل إلاّ بهذه الوسيلة ليزداد معنى الشيء قوة وجمالاً”()، وقد ينفتح التشبيه إلى جوانب تشخيصية في إطار شعرية المشابهة كما قلنا.

يحتفي السرد في رواية (تواشيح الورد) بشعرية التشبيه بالأداة أو بغيرها من أجل نقل وجهات نظر الشخصيات برؤية منفتحة دلالياً، إذ تنقل الشخصية الرئيسة (شهد) وجهة نظر صديقتها (إيناس) بلغة شعرية المشابهة: قالت إني شفق من غسق العمر، وإني وردة نداها نبض الفؤاد.. وإني – قالت – المستقبل من عمرها الآتي وصدقت وصدقتها، جادلت النفس وما جادلتها، وحاصرت نار الهوى قلبي..”() .

وبغض النظر عن تشابه أصوات الشخصيات في هذه الرواية إذ لم نجد فواصل بين كل شخصية وأخرى في صياغة لغتها ، فالجميع تهيمن على لغتهم نزعة الشعرية، والتشبيهات التي أطلقتها (إيناس) لوصف علاقتها بشهد تنم عن طيب قلب الأخيرة وثقتها بما قالت صديقتها مصدقة كل حرف وكل وصف مما يحيل إلى رومانسية الشخصية وعاطفيتها الرقيقة، فتشبيه إيناس لشهد بأنها (شفق من غسق العمر) و(وردة نداها نبض الفؤاد) و(المستقبل من عمرها) تنم عن الجمال الروحي لشهد وطيب صلتها بتلك الصديقة، فهي- أي شهد – فسحة النور التي تنير عالم إيناس المائل للظلام واليأس، وهي الرقة والجمال والشذا كالوردة التي تجسد فوقها نبض الفؤاد ليصير ندىً نقياً، بل هي الأمل المشرق في حياة إيناس، نلحظ أن شعرية المشابهة المجازية قد أدت دوراً فاعلاً في النص السردي السابق لإيضاح العلاقة الحميمية بين الساردة وصديقتها وكيف حلَّ الخراب بعد ذلك في نفس إيناس بسبب الغيرة القاتلة، وتنهض بالنص صور شعرية أخرى ذات بعد تشخيصي وتجسيدي كقولها مشخصة النفس (وجادلت النفس وما جادلتها) أو مجسدة تأثير الهوى على قلبها بقولها: (وحاصرت نار الهوى قلبي…) إذ جعلت للهوى ناراً تحاصر قلبها الرقيق.

وتتجلى شعرية المشابهة في سياق آخر عند وصف الشخصية المحورية (شهد) لزوجها وحبيبها وهي تناجيه شوقاً وحباً وولهاً: “ملاكي أنت، وتغريد من جنّة الخلد، وقطع متناثرات من رحمة الرحمن، يا الله متى تأتي يحي.. متى تروي عطش سنوات من الشوق، القلب جمر ولهيب..” () ، فقد عمدت (الشخصية) إلى السرد التشبيهي الوصفي وهي تصف مشاعر الشوق المتدفق حيال زوجها، مقدمة المشبه به على المشبه (ملاكي أنت) لقيمة ذلك في نفسها وعمق ومشاعرها فهي لا تراه إلاّ ملاكاً، وتغريداً من جنّة الخلد وتلك صورة تشبيهية ذهنية إذ لا يمكن أن ندرك التغريد في الجنة إلاّ عن طريق الذهن، بل تجسّد رحمة الرحمن لتتحول إلى قطع متناثرة مشبهة بها (يحي)، ولعلّ في ذلك التعدد التشبيهي ما يحيل إلى عمق الحب والرغبة في الحب عن برد اليقين والنقاء الروحي، ليعينها في محنتها بعد أن فقدت الأمل بمن يحيطون بها بعد افتراقها عنه وبشعرية المشابهة رسمت لنا الساردة صورة قدسية مثالية لذلك الرجل الذي أحبته لأنه النور الأكثر نقاءً في عالمها الملوث.

ونعثر على ايحاءات مؤثرة مبنية بجمل تشبيهية تضج بالألم واللوعة سعت (الساردة/ الشخصية) عبرها إلى محاولة تخطي جراحها تقول: “أنام نوماً كالإغفاءة كالهرب ليتني لا أفيق، لا أريد اشراق فجيعة جديدة على حواف العيون” () .

فالصور التشبيهية تؤدي دوراً فاعلاً في الكشف عن عمق العلاقة العاطفية بين الشخصية وزوجها، هي لا تريد أن تصحو من أحلامها بالحب والعبق العاطفي في اللقاء، تحاول الهرب من الواقع إلى عالم الحلم والشعر وتسعى في سياق ذلك إلى واحة الأمان والسكينة والاطمئنان في ظل الشك المدمر الذي انتابها، ولعلّ في احتفاء المشهد السردي بالتشبيهات التي تعبّر عن معاناة الشخصية ما يحيل إلى أن النص السردي صار “محكياً شعرياً أي أنه لا يخضع للتسلسل ونمو الحدث إنما ينبض بالاشتغال على مهمة تثوير بالارتفاع بها في الوظيفة السردية إلى الجوهر الشعري ” ()، عمق كل ذلك رسم صورة تجسيدية للفجيعة حينما تتحول إلى شيء مشع مشرق بالألم يعمي العينين ويحيط بحوافهما.

وفي نصوص سردية أخرى تتكئ الساردة على بنية المشابهة بصور شعرية ذهنية لوصف الأشخاص والأشياء، حيث يتداخل التشبيه مع التشخيص في شعرية المشابهة، “إنّه يشبه البراءة التي تتكون بين الروح والجسد”()، فتشبيه (يحي) بالبراءة ذهنية بالتأكيد ولكن عمق الصورة التشبيهية اكتمل بتشخيص البراءة وهي تتكون بين الروح والجسد في مسافة لا تدرك إلاّ ذهاناً ومجازاً شعرياً، فانزياح الكلام عن اللغة المعيارية أحال مجازياً إلى ما تشعر به الشخصية حيال حبيبها، إنه الصفاء والنقاء والطهر والجمال والرقة التي تملأ الروح والجسد، أما قول (إيناس) مخاطبة (شهد) في تشفٍ مرٍّ فيدل على صورة ذهنية أيضاً “ستشبهين الضياع الذي كنتُ، يوم اختطفت القلب الذي عشقت” ()، فالمشبه به (الضياع) لا يمكن إدراكه حسياً لأنه مجرد ولكن نرى آثاره المدمرة على الإنسان حينما يتشتت فاقداً محوره، إنه صورة قائمة في سياق تشبيهي لمستقبل غارق بالتشاؤم واليأس والتوعد والانتقام من لون (إيناس) مع أن (شهد) لم تعلم شيئاً ولم تفعل ما يكدّر خاطر صديقتها لأنها لا تعرف أن إيناس كانت تعشق طبيبها (يحي) من طرف واحد، ولكن بنية المشابهة الشعرية تنبئ بضياع سيطول تتحول فيه روح شهد إلى فراشه هائمة خائفة لا تجد لها مستقراً .

واللافت في شعرية التشبيه تكرار المشبه به (الورد، وردة، زهرة) في مجمل ما تصفه الساردة مما يحيل إلى رسوخ رقة الكاتبة (منى) ومحبتها للورد – حسب ظني- إذ لا نجد صعوبة في العثور على التشبيه الموظف للوردة مشبهاً به في نصوص كثيرة من الرواية بل بحضور تلك المفردة من العنوان مروراً بالإهداء انتهاءً بالسرد الوصفي، تقول شهد واصفة زوجها: “أتركه بين يدي ربه.. وعاد القلب وردة، وردة فؤادك يحي، ولا أعرف بم يصف قلبه ، ربما مثلي يقول أنه وردة” ()، وقولها: “جمراً صارت الورود وجمراً صار الجسد” ()، وقولها: “ما يزال العمر زهرة” ()، وقولها: “إني وردة نداها نبض الفؤاد” ()، وقولها: “لترسم الغد وردة كما الفؤاد ورد وفي القلب عهد ووعد” ()، وقولها: “أحببت عفويتها إنها كزهرة تتفتح في كل لحظة” ().

ولا شك أنَّ التشبيه بالوردة من التداوليات الاجتماعية في التعامل اللائق والحضاري بين الناس في أكثر من بلد عربي لدلالتها على الرقة والجمال والعبير والبهجة والحياة، ولكن الزهرة أعمق دلالة لكونها تحيل إلى ثمرة وعطاء جميل، ولعلّ روعة شعرية المشابهة تكمن في الدلالات التي تحيل إليها الوردة أو الزهرة وتداولية شيوعها فلا صعوبة في فهمها والإحالة إليها لوناً وملمساً وعبيراً وجمالاً. ولعلّ توظيف التشخيص والتجسيد في بنية شعرية المشابهة مما يلحظ كثيراً في رواية (تواشيح الورد) لكون اللغة الشعرية هي المهيمن اللافت في السرد الروائي لتلك الرواية مما يحيل إلى أسلوبية شعرية خارقة لنمطية السرد هنا، وتعدّ الانزياحات في أي نص بحثاً حياً لمعيارية اللغة وأداة فاعلة في أدبية النص مما يخلق تواشجاً بين المتلقي وجمالية النص الأدبي، وإنَّ فردية الكتابة ضمن حيز النص الأدبي تقترن بفرادة الأسلوب المتجاوز للمألوف النمطي، وتسهم خصائص متنوعة في تشكيل شعرية النص بوصفها مجموعة عناصر فنية وتفاعلات فكرية ودلالات حافة متنوعة لا جدوى لها في وجودها المجرد .

يتيح السرد بما يبديه من فعالية حكائية في استكناه دلالات النص الروائي وجماليته وثمة أبعاد يتناولها السرد بأسلوب شعري مميز متمثلة بالمضامين الاجتماعية والعاطفية والنفسية كما يتجلى في رواية (تواشيح الورد) إذ تلفت الرواية النظر إلى قدرتها المؤثرة في استبطان الظواهر الاجتماعية، والرواية عموماً “جنس سردي منفتح على العالم وقادر على افتراض بعض عناصره من الفنون والآداب الموازية له وهذا ما جعل منها كتابة شائقة ومثيرة للاهتمام” ()، فالرواية فن أدبي ملتحم بالواقع ومعبر عنه بتشكيل أدبي هي وفاعل جمالياً .

تكمن أهمية شعرية اللغة في هذه الرواية بالتوسع في بنية المشابهة لتحتضن الجانب الأوسع أعني المنحى التشخيصي للجمادات والتجسيد الشعري للمجردات لتسهم في استبطان الذات وحواراتها الفردية التي تصنع دوماً انزياحاً بمفارقة المألوف ناتج عن الاختلاف في تسيير السرد، إذ تقود هذه الاستبطانات الى التحرك الى الامام بالاستباق او العودة الى الماضي بالاسترجاع أو الاستنكار وهذا الاختلاف في كسر النمطية، فالرواية لا تحفل بالأحداث الكبيرة، والحدث الأهم حب شهد لزوجها وخسرانها له في حومة الشك الضاغط ويتداعى هذا الحدث الى نتائج مزرية من خلال الفصول تصل الى حد الانفصال ومن ثم على الطريقة الرومانسية تكتشف الزوجة (شهد) الحقيقة ويتفهم الزوج غيرتها ويعودان الى حياتهما المنسجمة بوجود طفلين توأم هما ثمرة ذلك الحب مع فقدان أمل الزوج بالإنجاب ولكن الله يفعل ما يريد.

تتحقق شعرية اللغة داخل النص السردي الروائي في سياق الاتكاء على شعرية التشخيص كما ذكرنا سابقاً، ونلحظ ذلك في حديث الساردة وهي تعبر عن مشاعرها العاطفية الفياضة حيال حبيبها، بقولها “ثمل الفؤاد عشقاً رشفة بعد رشفة من تقاسيم هذا الوجه الذي عاش بعشقة سراً”()، فالقلب يستأنس بإضافة فعل (الثمالة) عليه وهي إحدى الصفات الانسانية لتعمق مشاعر الحب الطاغية التي تملأ أنفاس الشخصية وهي تتشرب حب حبيبها رشفة بعد رشفة كأنه نبيذ مسكر لذيذ يصل بالقلب حد الثمالة في العشق والهيام، وبتلك الثمالة صار الحب يمنح الشخصية اشراقاً وبهجةً وحياءً ولذةً وسعادة.

تعكس البنية التشخصية بشعرية عالية ما تعجز عنه اللغة السردية حينما يتحول القلب لدى الساردة الى طير يرفرف في حنايا روحها وهي تعبر عن عمق حبها واضطرابها حين تنظر الى حبيبها فضلا عن تشخيص الكلمات بوصفها جمادات ” لم أحسب حساب نظرة حبه التي يوشحني بها كلما تعانقت كلماتنا”() .

فالساردة الشخصية تصف لنا الحب الذي غفلت عن الاحساس به بسبب طغيان نزعة الشك على قلبها إذ صارت الكلمات تتعانق انسجاماً ومحبة وتجانساً في تعابيرهما فضلا عن تجسيد نظرة الحب التي تحولت الى وشاح يلبسه اياها بكل شوق واعجاب.

ليس مبالغة ان قلت ان مقدرة الروائية (منى بشلم) جلية في لغة روايتها عبر شحن نصها السردي بشعرية تشخيصية وتجسيدية تميل إلى الاكتناز إذ لايجد المتلقي صعوبة في العثور على تلك الظاهرة لهيمنتها على طول السرد الروائي، ونلحظ تصويرها للتناقض المؤلم بين الذات والواقع الذي تعيشه في ظل شك مدمر: “عيوني تفتش بين التقاسيم بين العبارات وحتى بين صدق الكلمات عن دليل لإدانته فلا تتعثر بإثارة ولا خطوات مرّ وخلفها” ()، فتوظيف مفردة تفتش واسنادها للعينين وهي تبحث بين صدق الكلمات فيه بعث إنساني للعينين وجعلهما يمارسان فعل التفتيش مثل الإنسان، وكل ذلك يشي بتصوير حالة الشك التي تعيشها الشخصية وهي تركز دائماً على المسافة بين الحقيقة والزيف، وتلك في ظني طريقة في الكتابة فيها تصوير لما سيؤول إليه الحدث، فهي صور استباقية للحدث تعلن عنه بتشكيلات شعرية في إطار صور سردية توحي ولا تقرر.

ولا تحتفي رواية (تواشيح الورد) باللغة الشعرية التشخيصية فقط إنما تتعداها إلى توظيف شعرية التجسيد كونها جزءاً من شعرية المشابهة المختصة بالمجردات حينما تتحول إلى جمادات وذلك ما نلحظه في سياق وصف اللقاء بين (شهد) و(يحي) تقول: “محض صدفة التقيت به.. كان عذباً، كان بطعم الولاء” () فقد عبرت الشخصية عن اعجابها الداخلي وحبها لـ(يحي) بلغة شعرية جميلة ذات بعد تجسيدي يظهر أثر الحب وسطوته على قلب الشخصية وشعورها بعذوبة الحبيب غير أن جعل الولاء له طعم تحيل إلى تجسيد المجرد وتحويله إلى ما يتذوقه الإنسان فالساردة تتذوق طعم العذوبة و(الولاء) وهي تصف مشاعرها تجاه من تحبه بدلالات متشظية .

وقد تلجأ الساردة إلى تجسيد الغضب وتحويله إلى مادة محسوسة تتشقق ويصيبه شرخ مثل أي عنصر مادي ، فنراها تخاطب صديقتها (إيناس) عندما زارت يحي من دون علمها: لمَ فعلت هذا بي؟ لقد صدمت الحواس مني… أقنعها تشقق الغضب من فوق أغلفة اشفاقي البالغ عليها..” () .

تنوعت التجسيدات في النص السردي السابق بأسلوب شعري جميل حينما جعلت الحواس تصدم مثل أي جدار أو كيان مادي والغضب يتشقق والاشفاق له أغلفة كما يغلف الكتاب أو الأشياء الجميلة من الهدايا وغيرها، فاللغة المجازية الشعرية كانت موفقة في خلق بعد دلالي إيحائي أسهم في تعميق ظلال المعاني في لغة السرد الذاتي وفي الوقت نفسه كانت الصور تشكل أفقين هما (أفق المتلقي وافق الكاتبة) وتلك الصور يمكن اكتشاف دلالاتها بيسر عبر السمات الأسلوبية التي تكشف جمالها، “فقراءة العمل الفني قراءة جمالية لا تستقيم ولا تثمر إذا لم ترتكز إلى ذائقة فنية عالية تلم بأسرار الكلام وتستقري لغة الصور وتفض غوامضها وتعالقاتها وتحولاتها” ()، فتجسيد المجردات في النص السابق عبرت بطريقة شعرية عن مشاعر الشخصية وشدّة غضبها الذي لم تستطع إخفاءه مع اشفاقها على مرض صديقتها وألمها له.

وفي نص آخر من الرواية تلجأ الساردة إلى شعرية التجسيد لتعبر في سياقها عن عدم قدرة الشخصية على استيعاب ما قاله (كمال) مدير المدرسة التي كانت بها سابقاً وهو يتحدث عن (يحي) ، فتصف ما حل بها وعدم ردّها بقولها “تشظي الكلام وتمزقت الثقة وتوفيت تلك المودة البالغة التي كنت أحفظها لهذا الرجل” ().

فتمزق الثقة وتشظي الكلام مما يدخل في مجال تجسيد المجرد ويعبّر عن ضياع الشخصية وفقدان تركيزها وهي تعيش موقفاً مع كمال أحدث جرحاً عميقاً في روحها وقد تعاضدت شعرية التجسيد مع شعرية التشخيص التي تمثلت بموت المودّة فتشظي الكلام يحيل إلى ضياع الكلمات وتشتتها على لسان الشخصية وفي ذهنها مما يعكس حالة القلق والحيرة مما قاله كمال مع ثقتها بزوجها، ومما يجمع بين شعريتي التجسيد والتشخيص في إطار بنية المشابهة للتعبير عن مشاعر الأسى التي يخلقها الشك في نفس الشخصية الساردة : ” يلحظ رهبتي.. ويفتح داخل الصدر شقاً من الصدأ يعبث بالنفس.. لكنه ينفلت ويخلق بحراً من الأسى ينزفه القلب سريع الالتهاب، يمتد الحريق حتى النبع.. حتى القلب، أخرجه لعلّه يحرقه أيضاً..” ().

وأنَّ مجرد شعور الشخصية بأن زوجها يعتني بها بدافع الشفقة وليس المودّة والحب يخلف شعوراً جارحاً في أعماقها، عبرت عنه في إطار بنية شعرية تجسيدية رائعة أحالت ما تعاني منه الشخصية من أسى حولته إلى بحر لا حدود له، ولا نريد أن نتوسع في اختيارات أخرى فالرواية حبلى بها من أولها إلى آخرها.

شعرية المجاورة :
تتعلق شعرية المجاورة ببنية التراكيب ذات البعد الرمزي أو الكنائي والتي تتجاوز المستوى الظاهري للتركيب إلى مستوى مجازي هو المعول عليه في النص ولهذا تعدْ بنية المجاورة من أهم أدوات الأسلوب الإيحائي مع حقيقة مظهره، وإذا كانت الكناية مظهراً من مظاهر بنية المجاورة وهي كذلك، غير أن الكناية في البلاغة التقليدية ظل استخدامها يقع في القوالب الجاهزة والمحدودة والاكتفاء باستبدال مفردة بأخرى، ولكنها اليوم “بدأت تتخطى حدودها الضيقة لتصبح بنية شاملة ومعادلاً حسياً خصباً يوازي تجربة الإنسان الشعورية، إنّ مساحة واسعة من أدبنا المعاصر تعتمد في تشكيلها ووسائط تحويلها على بنية المجاورة، ونقصد بالمجاورة أن نقول شيئاً مجاوراً أو مرادفاً لضرورة فنية، أو أن نعمد إلى صنع مشهد تصويري معين لا لنقف عند دلالته المباشرة، وإنما لنتخطاه إلى دلالة أخرى مجاورة” () .

ولم تقف رواية (تواشيح الورد) عند شعرية المشابهة المتمثلة بالبنية التشخيصية والتجسيدية إنما تجاوزتهما إلى شعرية المجاورة في انفتاحها الأسلوبي، عبر التعامل مع مجازات تتجاوز ظاهر التراكيب المباشرة أو التي تدل على حقيقة ظاهرة، لأنها تحيل إلى ما هو أبعد دلالياً من الظاهر بمعنى أن المجاورة تستلزم “بناء مشهد شامل يبوح بالتجربة ويشير إلى الدلالة الخفية”()، فمن شعرية المجاورة في رواية (تواشيح الورد) بعض الصور التي تحيل إلى ما ستؤول إليه الشخصيات الروائية ومنها شخصية إيناس صديقة (الساردة/ الشخصية) شهد وهي تقول: “يوم إلى آخر خلتني استشرف إلى جرف من لهب تسير أقدامها ” () .

نلحظ أن بنية المجاورة المتمثلة بـ”إلى جرف من لهب تسير أقدامها” ذات بعد رمزي يراد به المصير المأساوي الذي ينتظر صديقتها والتي ذهبت إليه بنفسها لتحصد ما زرعته من انحرافات أدت فيما بعد إلى أصابتها بمرض ناتج عن ممارساتها اللاأخلاقية .

إنَّ اللفظة حينما توظف في بنية تركيبية “توظيفاً مجازياً تحيل إلى معنيين الأولى ظاهري غير مقصود (معنى حقيقي) يحيل إلى معنى باطني مقصود أي معنى إيحائي” ()، ويتجلى ذلك في قول الساردة “يحي يخفي الرأس بين كفيّه”().

فالتركيب هنا يوحي بحيرته وألمه ومعاناته وهو يضع كفيه على جانبي رأسه مما أصابه من هم، وكذلك تبدو بنية المجاورة وشعريتها في قول الساردة “ألقي نظرة على بيت يتهالك الغبار على كل شبر منه” ()، ففي مثل هذا التركيب نلحظ أن الإهمال قد هيمن على بيت الزوجية الذي صار متهالكاً بسبب الشك وسوء الظن وهو ما تحيل إليه بنية المجاورة من إيحاءات .

وفي بنية تركيبية تعتمد المجاورة الموحية بدلالة مجازية قول الساردة “سيحيل مع أول عاهر تبتسم له” () فالعبارة لا تحيل إلى ظاهرها بالتأكيد إنما هي توحي بأنّ العلاقة بينهما (الشخصية وزوجها) مهزوزة متداعية لا يمكن الركون إليها فزوجها سيخونها في أول فرصة على ما تدعيه صديقتها إيناس لتقوض حبهما، ومع ذلك فالزوجة ترى فيه زوجاً مستقيماً مؤمناً ورعاً بقولها “ضحكت من قولها.. إنه يصوم النهار ويقوم الليل”()، والعبارة التي اعتمدت المجاورة مما شاع في كتب البلاغة والتي تحيل إلى تقوى الرجل وإخلاصه لبيته وإيمانه بالله وتمسكه بالواجبات الدينية التي لا تسمح له بارتكاب الآثام التي تتهمه بها إيناس ومن ذلك قولها “لا أحد يموت من الوحدة” () كناية رمزية عن قوة الإنسان في مواجهة إهمال الآخرين له أو انفضاض الناس من حوله ومع ذلك سيقاوم الإنسان واقعة وينهض من رماده ويتجاوز واقعة، هذا ما تحيل إليه بنية المجاورة الشعرية، وهناك عبارات كثيرة في الرواية تحتوي شعرية المجاورة لا تخفى على القارئ في مجمل صفحاتها .

وفي الختام نقول إذا كانت شعرية التشخيص والتجسيد تقوم على المعنى المجازي فقط ولا تتحقق إلاّ بالعبور إلى المعنى الثاني القائم على انقاض المعنى الظاهري الأول فإن بنية شعرية المجاورة تتحرك على محورين ، الحقيقة والمجاز، المعنى الظاهري والمعنى الخفي من غير تصادم أو تعارض .

*للدراسة هوامش ومراجع
الجامعة المستنصرية- بغداد/ العراق

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق