قراءات ودراسات

جمالية التفاصيل في رواية ” حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر “

أ.د عبد الحميد هيمة
ــ تمهيد : يقول صنع الله إبراهيم” المؤرخ الجيد هو الروائي”.. بهذه المقولة التي أردت أن تكون مدخلا لدراسة رواية حوبة و رحلة البحث عن الهدي المنتظر” أبدأ لأقول إن الروائي عز الدين جلاوجي في هذه الرواية يلبس قناع المؤرخ ً ليحفر بعمق في الوقائع التاريخية، بحثاً عن العناصر المنسية والقلقة، والتفاصيل المغيبة في حياة الناس اليومية فترة الاحتلال الفرنسي، و التي لا يلقي لها المؤرخ بالا ولا يهتم بها..

هنا تكمن الجمالية التي نلحظها في رسم ملامح الشخصيات وعرض الأمكنة، و ذكر التفاصيل الدقيقة التي لا نلقي لها بالا أحيانا، وتكمن أيضا قدرة الكاتب على منح الأشياء البسيطة التي تقع كل يوم في حياة الناس كل هذا المعنى و العمق .. لأن النص القوى هو الذي يخاطب وجداننا، و هو الذي يبقى حاضرا دوما في الذاكرة و الوجدان ..

إن رواية “حوبة” رواية تاريخية بامتياز ولكنها لا تكرر التاريخ الرسمي المعروف وإنما تنتقده وتبحث في تفاصيله وجزئياته الصغيرة التي لا يهتم بها المؤرخ، لأن الرواية الناجحة في تقديم التاريخ هي التي لا يتقمص فيها الروائي دور المؤرخ، إنها الرواية التي لا تزاحم الكتابة التاريخية بقدر ما تتعامل مع التاريخ كأرض تزرعها بالحكايات و بالخيال، وهذا مكن طرافتها كما يرى الدكتور محمد القاضي حيث ” يبدع الروائي كونا خياليا روائيا يتكون في آن واحد من عناصر متخيلة و عناصر واقعية، فالتاريخ الحقيقي ماثل في الرواية ممتزج بقصة متخيلة متواشج معها ” (1) و جلاوجي من خلال استلهام أحداث التاريخ يسعى إلى تسليط الضوء على فترة من فترات النضال الوطني ، والمقاومة الشعبية التي لم يهتم بها التاريخ الرسمي حيث تحضر أسماء لشخصيات ثورية و مقاومات غير معروفة في التاريخ الرسمي ولعل الكاتب بذلك يريد ترميم الثغرات المعطوبة لدى المؤرخ والاشتغال على الضفاف المغيبة والمنسية ..، كما يتتبع حياة الناس البسطاء في القرى والمداشر فيرسم عاداتهم وتقاليدهم وممارساتهم اليومية البسيطة، وبذلك استطاع الكاتب أن يجعلنا عبر الرواية نلامس تلك العادات والتقاليد، المحلية للمجتمع الريفي الجزائري، وسيكون تركيزنا في هذه القراءة على جمالية التفاصيل في الرواية من خلال الوصف الذي يحتل أهمية بالغة، والذي يظهر في تمثيل الأشياء، وتصوير الأمكنة، ورسم ملامح الشخصيات ورصد التفاصيل والجزئيات بطريقة إيهامية تشعر المتلقي بأنه يعيش عالم التجربة والواقع لا عالم التخييل. على الرغم من أن كثيرا من أحداث الرواية متخيل، بل إن دور البطولة فيها يسنده لشخصيات متخيلة كثيرة منها : ” العربي الموستاش، وحمامة “، اللذان تجمعهما علاقة حب عفيفة في القرية، و أمام رغبة القايد عباس في الزواج منها عنوة، يقرران الفرار إلى المدينة / سطيف هروبا من ظلم القايد وبطش أعوانه المسلط على رقاب الناس في القرية وفي مدينة سطيف تتطور الرواية وتتشابك الأحداث ـ كما سنرى لاحقا ـ ويؤكد جلاوجي حضور هاجس التاريخ في روايته في قوله ” لطالما تأملت تاريخنا العملاق، متسائلا، كيف نحيا في حدائق مزهرة من الأحداث والوقائع والنماذج الإنسانية العملاقة ثم نعجز أن ننفخ فيها من روح الإبداع فإذا هي فن سوي راق، وكيف يخط أسلافنا تاريخا قل نظيرة في الدنيا، ونعجز أن نكتبه جماليا وفنيا، وهو الذي لو سخرنا له غابات الدنيا أقلاما وأبحرها حبرا ما نفدت كلمات هذا التاريخ، وهو الذي يجب أن يملأ الدنيا لوحات زيتية، ومسرحيات، ودواوين، وأفلاما، وأشرطة، وروايات، تخلد أمجادنا التي شغلنا بها الورى وملأنا الدنا، تسابيحها من حنايا الجزائر ” (2)

و لكنه وإن كان ينطلق من التاريخ والوقائع التاريخية فإنه سرعان ما يحلق في عوالم التخييل، (fiction)، فهو يجمع بين الواقعي و التخييلي، لأن الرواية عمل تخييلي بالأساس، وهذا يؤدي إلى نفي التطابق المرجعي بين أحداث النص، ومعطيات الواقع ومن ثم إلغاء نظرية الانعكاس المباشر التي كانت ترى النص مرآة عاكسة للذات و الواقع من خلال التطابق و التماثل، و هذا ما أشار إليه جلاوجي في أكثر من مناسبة وحققه في أعماله السردية السابقة مثل رواية ” راس المحنة “، و”العشق المقدنس ” وفي الكثير من أعماله المسرحية أيضا.

إن حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر لا تقول التاريخ كما يقول المؤرخ، فذاك ليس مهمتها الأساس، ولكنها تقوله كما يقوله الإبداع، إنها تنفتح على الإنسان في خيره وشره، في حبه وبغضه، في قوته وضعفه، في ظاهره وعمقه، في تعقله وجنونه، في تقواه وعربدته “(3)

 

ـ ملخص الرواية:

أشعلت الرواية فتيلها ومقاومة الشعب تخبو جذوتها وينطفئ لهيبها، وتسري همهمات شخوصها، وتخبو حمحمات خيولها، لا صاغرة ذليلة ولكن مكابرة معاندة، في كل جبهاتها ومع كل قاداتها من البرج حتى بجاية ومن قسنطينة حتى عين توتة وبسكرة، وبقدر ما تخطو الرواية بقوة إلى الأمام في زمن الناس، بقدر ما تغوص في الماضي تستنطق تاريخنا الأمازيغي والعربي معلنة أن هذا المستقبل الذي بدأ يتشكل على أعتاب القرن العشرين إن هو إلا نتاج ذلك الماضي (4)

 

ولذلك فإن ما سيحدث في هذه الرواية ما هو إلا استمرار لحركية الشعب الجزائري الذي لم يستسلم أبدا للمحتل، وقدم التضحيات تلو التضحيات منذ دخول المحتل الغاشم هذه الأرض الطاهرة، ولكنه مر بفترات صمت هي أشبه بالصمت الذي يسبق العاصفة بعد أن تكالب عليه العدو وأعوانه من الجزائريين الذين باعوا ضمائرهم للمحتل.

تصور لنا الرواية الأحداث التي عاشها عرش (أولاد سيدي بوقبة)، أو أولاد سيدي أحمد كما كانوا يسمون أيضا، وهم ينحدرون من سلالة النبي (ص)، قاوموا الاحتلال الفرنسي عام 1833 بمنطقة بجاية بقيادة الشيخ أحمد وتحت زعامة الشيخ الحداد، وبعد استشهاده تولى القيادة ابنه الأكبر (بلقاسم) الذي سار على نهج والده فأعاد بناء الزاوية وجعلها صرحا علميا، ولم يكتف بالزاوية بل أقام قريبا منها (قرابة)، بنى فيها ضريحا لأبيه ليتخذه الجميع مزارا طلبا للخير والبركة، وراحت المخيلة الشعبية تنسج حول هذا الضريح الأساطير ..، و خشيت فرنسا أن تتحول الزاوية من جديد إلى بؤرة للثورة فعملت على استمالة الشيخ بلقاسم ليكون عونا لها وسندا تخدر به الناس، وتقودهم للانصياع لها، و لكنه لم يستجب لها، فوجدت ضالتها في أخيه عمار الذي قتل أخاه، واستولى على زمام الزاوية، ثم راح يخدم أهواءه، ومصالح فرنسا، واضعا يده في يد أولاد النش بقيادة القائد عباس الذي كان قد متن علاقته بفرنسا وأخذ يتوسع على حساب العروش المجاورة ..

يبني عز الدين جلاوجي روايته من خلال تقنية الاسترجاع، استرجاع الزيتوني لأحداث مقتل والده ( بلخير )على يد عرش أولاد النش، الذين وضعوا أيدهم في يد الاحتلال، وأصبحوا أداة في يده للبطش بكل من يجرأ على مناوئة المحتل الفرنسي ” وتراءى له أبوه بلخير ممددا كجذع شجرة عملاق، وقد ضرجته الدماء وشكلت حوله بركا صغيرة،ورفع فيه الأب عينين مليئتين بالحسرة الذابحة يوصيه قائلا: ” أمك وإخوتك أمانة في عنقك “، وأسلم الروح، لكنه قرأ في عينيه غير ذلك، وأكثر من ذلك، وأعمق من ذلك ..” (5)، و تستمر الرواية بتصوير الصراع بين أولاد النش، و أولاد سيدي علي، على الرغم من أنهما ينحدران من جد واحد هو (الحسين المكحالجي)، ولكن بعد موته اختلفوا بين الانصياع لفرنسا أو الاستمرار في محاربتها، ومن هنا أصبح الإخوة أعداء، وغدا أولاد النش وزعيمهم عباس أداة مسلطة على رقاب كل من يرفض الخضوع، و تعاظمت سلطته على كل القبائل بدعم من فرنسا وبعض رجال الدين الذين باعوا ضمائرهم للمستعمر، كما هو حال (عمار) شيخ زاوية أولاد سيدي بوقبة، وأصبح عباس لا يتوانى عن أي عمل لإشباع أطماعه، فيقتل الربح زوجة أخيه خليفة، ويطرد زوجة والده المتوفى (سلافة الرومية) من البيت بعد أن اتهمها بالعهر ليحرم ابنها، من الميراث، ثم هو يسعى للزواج من حمامة، التي كانت تحب ابن عمها العربي، وأمام رفض قبيلة أولاد سيدي علي، هذا الزواج، يسعى القايد عباس إلى اختطافها، إلا أنّ العربي يسارع إلى خطبتها ويهربا معا إلى مدينة سطيف، وهناك يلتقي بسي رابح الذي يساعده على الاستقرار في المدينة ثم يأخذه في جولة في المدينة للتعرف عليها، فيمر بباب بسكرة والسوق والمحكمة والسجن وعين الفوارة وقاعة السينما فاريتي، وأثناء التجوال يدرك العربي حالة الناس المزرية في المدينة إبان الاستعمار، ثم يصحب سي رابح العربي الموستاش كما كان يدعوه إلى قهوة العرب، ليتعرف على أصحابه سي الهادي وحمو أمقران، أما لالة تركية زوجة سي رابح فقد أفاضت بكرمها على ضيفتها حمامة الخجولة بكل لطف.

وهكذا انفتحت آفاق كبيرة للعربي وبدأ حياة جديدة في المدينة وتوطدت علاقته بسي رابح وأصحابه الوطنيين الذين كانوا يجتمعون كل يوم لتصفح الجرائد الوطنية مثل: جريدة ذو الفقار لعمر راسم والإقدام للأمير خالد والشهاب لابن باديس والأمة لنجم شمال إفريقيا، وأخذ وعيه يتعمق بواقع وطنه المحتل من قبل الاستدمار الفرنسي الغاشم، وحقده على هذا المحتل الغاشم يزداد من خلال أحاديث سي رابح عن مقاومات الجزائريين كمقاومة الأمير عبد القادر، وأحمد باي، ولالة فاطمة نسومر، وقمع الفرنسيين لهذه المقاومات وارتكابه لأبشع الجرائم لإخماد جذوة الثورة، كل هدا جعل العربي يتذكر أباه وأخاه محمود الشهيد، وما زاده ذلك الحديث إلا عزما على ضرورة إشعال نار ثورة تأكل الأخضر واليابس.

هناك في سطيف تبدأ الحكاية الأساسية في هذه الرواية، وهي حكاية بداية ظهور الحركة الوطنية في هذه المدينة، وانتشار الوعي السياسي والاجتماعي لدى الجزائريين بضرورة التحرر من الهيمنة الاستعمارية، بدءا بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ثم تأسيس أول فرق الكشافة الإسلامية بقيادة حسان بلخيرد، ثم تشكيل أولى المجموعات السرية التي بدأت تعمل للتحضير للثورة التحريرية، وتنتهي الأحداث بمجازر الثامن ماي 1945 التي انطلقت من سطيف ثم عمت الكثير من مدن الشرق الجزائري، وخاصة مدينتي قالمة وخراطة، وراح ضحيتها أكثر من 45 ألف شهيد …

 

البناء العام للرواية:
فيما يخص البناء العام للرواية، يقسم جلاوجي روايته إلى ثلاثة أقسام، يسمي كل قسم ( بوحا ): البوح الأول: ” آنات الناي الحزين ” من الصفحة 11 إلى الصفحة 134

البوح الثاني: ” عبق الدم و البارود ” من الصفحة 135 إلى الصفحة 279

البوح الثالث: ” النهر المقدس ” من الصفحة 281 إلى الصفحة 556.

و لكن البوح هنا ليس هو بوح الكاتب ، و لكنه بوح حوبه في رحلتها الطويلة بحثا عن المهدي المنتظر، وعلى هذا النحو يبني جلاوجي روايته مستلهما حكايات ألف ليلة و ليلة، و طبعا تحضر شخصية ( شهرزاد )، و لكنها عند جلاوجي تغدو (حوبة )، و هي التي تتولى رواية أحداث الحكاية، و الكاتب يعيد صياغتها في هذا العمل الروائي، فهو إذن متلقي للأحداث، فالأحداث يتلقاها من ( حوبة )، ثم هو يصوغها في شكلها اللغوي ” حوبة هي شهرزادي التي ظلت مدى السنوات الطوال تزرع نفسي القاحلة بحكاياتها الجميلة فتحيل صحرائي إلى جنتين من أحلام و آمال .. لقد قررت أخيرا أن تحكي قصتها لي..، ما أحلى أن أجلس إلى حوبة حبيبتي الساعات والأيام والسنوات لأسمع منها حكايتها.. وانهمرت تحكي.. كما حكت جدتها شهرزاد في سالف العصر و الأوان ” (6)

ويقول الكاتب مخاطبا حوبة ” روايتك للأحداث إبداع، و كتابتي لروايتك إبداع ثان .. ” (7)، بل إن حوبة تغدو قارئة، تقرأ الرواية و تعلق على أسلوبها ” لاحظت أن أسلوبك قد ألبس الحوادث عبقرية ” (8)، و يجيبها الكاتب بأنه ” لا معنى لرواية هزيلة اللغة و الأسلوب ” (9)، فجلاوجي و إن كان يتلقى مادته الحكائية من حوبة، فإنه لا يستغني عن الصياغة الروائية المحكمة، والتخييل الفني، كما أنه وإن كان يوظف بعض الشخصيات التاريخية المعروفة، فإنه يعمد إلى صنع شخصيات جديدة، مما يتيح مجالا أرحب للتخييل و خلق المتعة الفنية.

وهكذا نجد الكاتب يفتتح كل قسم/ بوح من الرواية بوصف مجلس حوبة، ثم يشرع في سرد الأحداث التي ترويها حوبة، بل نجده بدءا من البوح الثاني متعلقا بحوبة تعلق الحبيب بحبيبه، ويعبر شعرا عن شوقه إلى مجالستها والاستماع إلي حديثها، حيث يقول:

ليتنا يا حوبتي وردتان

على سفح صغير تبسمان

تزرعان فيه عطرا و أمل

تشرقان أحلى من شهد العسل

و مساء .. نغرق في يم العناق

نهزأ بالليل و أحلام الفراق (10 )

ليكشف لنا في البوح الأخير أن حوبة ما هي إلا حبيبته التي أحبها من أيام الجامعة و هو يتمنى يوما ما أن يكتب قصة حبهما كما يكتب الآن قصة العربي الموستاش و حمامة.

ـ حوبة رواية التفاصيل:
ما يميز هذه الرواية أنها تركز على عرض التفاصيل الصغيرة في حياة الناس، وجعلها مادة يبني عليها الكاتب عالمه الروائي، حيث يغدو عز الدين جلاوجي، مثل المصور الحاذق الذي يلتقط الصور والمشاهد، مركزا على الجزئيات والتفاصيل الصغيرة التي قد لا يلقي لها الإنسان العادي بالا، وهنا تبرز قدرة الكاتب على تجميع هذه العناصر، والتفاصيل الصغيرة، ثم تنسيقها مكونا منها صورا ومشاهد نابضة بالدلالات والإيحاءات، وتوظيفها ببراعة فائقة في البناء الروائي، وهذا يمنح الشخصيات حيويتها و يعطي للصراع إنسانيته و دراميته الجوهرية.

في بداية الرواية يعرض الكاتب أمامنا مسرح الأحداث مستخدما تقنية الوصف، أي وصف المكان، و وصف الشخصيات بشكل دقيق يجعلنا نندهش لدقة ملاحظته، ولأن الكاتب ينطلق من رؤية خاصة فقد كان يركز في وصفه على ما يدعم هذه الرؤية الخاصة التي تهتم بما هو هامشي وغير معروف في التاريخ الرسمي، إنها على حد تعبير الروائي محمد مفلاح ” تمتلك القدرة على اصطياد التفاصيل … والروائي بفضل خياله الخصب يخرق كل الحدود التي يقف عندها المؤرخ عاجزا ” (11) ويكشف عن أدق التفاصيل في حياة الناس، مما يجعلنا نستمتع بهذا الماضي الذي تحدثنا عنه الرواية، وشخوصه ومفردات حياتهم، لأن جلاوجي يبعث الحياة في هذه الشخصيات التاريخية وهناك فرق كبير بين أن تقرأ سيرة شخص ما، وبين أن تشاهده ينبض بالحياة بين السطور ويعبر عن نفسه بنفسه.

 

تقديم الشخصيات :
يعتمد عز الدين جلاوجي في تقديم شخصياته على طريقة العرض المسرحي ” إذ يعطينا صورة وصفية للشخصيات أولا، فنعرف مسبقا ما ستقوم به ، و تكون أعمال الشخصيات وردود فعلها ناتجة عن هذه الصورة الأصلية …، يقدم لنا السارد كل شخصية على حدة مع الإفراط في ذكر تفاصيلها، و دقائقها بشكل متعمد ” (12)، وتخضر في الرواية شخصيات تاريخية كثيرة مثل: شخصية رائد الإصلاح في الجزائر الإمام عبد الحميد بن باديس، و الشيخ البشير الإبراهيمي، و و الدكتور فرحات عباس، زعم حركة الإدماج في الجزائر، و مؤسس الحركة الكشفية في سطيف حسان بلخيرد، و محمد بوراس، و أحمد باي، و الشيخ المقراني، و لكن الكاتب يذكر هذه الشخصيات بصورة باهتة، و لا يحتفي بها بالشكل المطلوب، بالنظر إلى دورها الخطير و الحاسم في تاريخ الحركة الوطنية، في حين نجده يحتفي بشخصيات متخيلة من صنعه هو مثل: ” العربي موستاش، و حمامة، و سي رابح، و أمقران، و سي الهادي، و سلافة الرومية، و يوسف الروج، و لالة تركية، وريدة المرقومة، و صالح القاوري، و شمعون المونشو، و برال، و فرانكو، و سوزان .. وغيرها من الشخصيات الكثيرة جدا، و لعل في هذا إشارة إلى أن الثورة الجزائرية لم تكن عمل فئة معينة من الناس، و إنما هي عمل شارك فيه كل الجزائريين بمختلف توجهاتهم، و انتماءاتهم الثقافية و الاجتماعية، و السياسية.

ـ طريقة تقديم الشخصيات:
أسلوب جلاوجي في رواية حوبة، يتلخص في التركيز على الشخصيات وحبك المشاهد بعضها فوق بعض بدلا من سرد الوقائع التي لا تنتهي، وكذا إبراز التفاصيل والجزئيات في حياة الشخصيات، وهذا ما يصنع اختلاف الرواية عن التاريخ، فالمؤرخ قد يحتاج إلى سطر واحد للحديث عن شخصية تاريخية ما أما الروائي فقد يحتاج إلى فقرات وصفحات، ومن خلال قراءة الرواية نرى أن السارد اعتمد في تصوير الشخصيات على طريقتين:

1ـ طريقة الوصف المادي الذي يركز على المظاهر الحسية للشخصيات كاللباس، وعلامات الوجه، و تفاصيل الجسد، وكذا الحياة الاجتماعية و الظروف التي تعيش فيها شخصيات الرواية ونحو ذلك ..

2 ـ طريقة التحليل النفسي التي تتعمق في الكشف عن الحياة الداخلية للشخصيات، و تكشف ما تعانيه هذه الشخصيات من حالات نفسية خاصة، و ما تعيشه من ظروف، و تناقضات صارخة انعكست في سلوكياتها، و تصرفاتها المختلفة، أثناء تطور أحداث الرواية،

وعز الدين جلاوجي يركز كثيرا في هذه الرواية على الوصف الخارجي، كما يركّز على التفاصيل الدقيقة من حياة الناس في جوانبها الاجتماعية، والدينية، والسياسية، والأخلاقية، ولذلك فإن حوبة تعد رواية التفاصيل بامتياز.. كما يبدو أن جلاوجي يتمتع بذاكرة قوية جدا مكنته من استحضار كل هذه التفاصيل المتعلقة بحياة الناس في الأرياف والمدن الجزائرية إبان الاحتلال الفرنسي، وقد نشعر أحيانا بكثير من الإطناب، ولكنه إطناب أساسي، وضروري لما يبعثه في نفوس القراء من جاذبية وتشويق للتعرف على مزيد من هذه الأشياء التي اختفت في حياتنا العصرية.

إن أهم ما يميز هذه الرواية إذن أنها تركز على عرض تفاصيل الشخصيات، بحيث تغدو معالمها واضحة و صورها شاخصة للعيان، إلى درجة يتحول فيها هذا الوصف الدقيق للشخصيات إلى إعجاب شديد، و لعل أول ما يلفت الانتباه في هذا المجال أسماء هذه الشخصيات، و التي نلحظ أن الكاتب اختارها بعناية فائقة حتى يكون الاسم مناسبا و منسجما مع الشخصية، و مع الأبعاد و الدلالات التي تحملها الشخصية.

كما نوع في طرق تقديم الشخصيات، أي بالاعتماد على المقياسين اللذين حددهما (فيليب هامون) وهما: المقياس الكمي، و يعني به كمية المعلومات المقدمة بشكل مباشر، و صريح عن الشخصية، كما هي الحال مع شخصية (العربي الموستاش)، و المقياس النوعي، أي مصدر تلك المعلومات المقدمة حول الشخصية، مثل حمامة التي جاء وصفها على لسان إحدى شخصيات الرواية، و هي شخصية العربي الموستاش (13)، و إن كنا نلحظ طغيان الطريقة التقليدية في تقديم الشخصيات حيث يراكم الكاتب أحيانا منذ البداية كثيرا من المعلومات الخاصة بالشخصية.

كما عمد جلاوجي إلى وضع أسماء لشخصياته بغية رسم أفعالها و طبع أحوالها، النفسية بطابع مميز انطلاقا من الاسم الذي تحمله، و هذه ظاهرة تطبع كل الأسماء، حيث يجعل جلاوجي شخصياته تخضع لنسق ثنائي فهناك الشخصيات الخيرة و هناك الشخصيات الشريرة، و بما أن الشخصيات كثيرة جدا في الرواية، فإننا سنركز على الشخصيات الرئيسة في الرواية فقط :

ـ العربي الموستاش:
و هو من الشخصيات الرئيسة في الرواية، حاول جلاوجي منذ البداية أن يغوص في وصف شخصيته من الداخل ليصل إلى الجوهر و العمق الإنساني الذي يميزه، ” الصمت وحده كان كهف العربي يعتكف فيه بعيدا عن ثرثرة الناس، لم يعد يطيق الاستماع إلى ما لا يفيد من الكلام، و لم يعد يطيق أن يبوح للآخرين بجراحاته الدامية، يعتقد الجميع بمن فيهم أخوه الزيتوني أنه لا يبالي بأحد و أن صمته الدائم دليل أنانيته، و هم مخطئون، كان أكثرهم إحساسا بكل ما يحيط به، يحزن للحشرة تموت، و يربأ بنفسه عن ظلم أي مخلوق حتى العقارب و الأفاعي، تعاف نفسه الظلم، و تحتقر الظالمين “، هو شاب من عرش أولاد سيدي علي يشتغل برعي غنم أهله، يحلم باليوم الذي يثأر فيه لوالده بلخير الذي قتله القايد عباس شيخ عرش أولاد النش، كما يحلم بالزواج من ابنة عمه (حمامة) قدمه الكاتب بصورة مباشرة، من خلال الاسم الذي يختصر أهم صفاته و هي الرجولة ممثلة في صفة ( الموسطاش / الشارب )، التي أطلقها عليه الشيخ رابح عندما فر مع حمامة إلى مدينة سطيف، هروبا من القايد عباس الذي كان يريد الزواج من حمامة عنوة و أخذ يدبر لاختطافها، كما أن اسمه يدل على انتمائه العربي الأصيل و هو اسم شائع كثيرا في الجزائر في مقابل ( القاوري ) و تعني به العامة المعمر الأوربي، في مدينة سطيف تتطور الأحداث فيتعرف على كثير من الشخصيات على رأسهم الشيخ رابح صاحب الحمام، الذي آواه و عامله كما لو كان أحد أبنائه، و ساعده في الزواج من حمامة والاستقرار في المدينة، ووجد له عملا في حديقة المعمر (فرانكو)، وهناك يتعرف على سوزان، التي شغفته حبا، وأغرته بجمالها حتى وقع في حبالها، ربما وجدت فيه تعويضا عن زوجها السكير الذي كان ” يكبرها بعشرين سنة، يفيض جشعا لم يترك شيئا لم يستول عليه، الأراضي الشاسعة، قطعان الأغنام التي لا عد لها، البساتين العملاقة، لكنه فشل في الاستيلاء على قلب سوزان، كما فشل في الإنجاب منها “(14)، لكن العربي الموستاش نجح في ذلك، فأحبته بكل جوارحها، وسلمت له قلبها وأنجبت منه طفلة جميلة سماها حورية وربتها زوجته حمامة دون أن تدري بحقيقتها. لم يكن العربي يفرق بين سوزان وحمامة فقد أحبهما معا وكان كثيرا ما يبوح بهذا الحب وهو يعزف على قصبته ويغني:

يا ناس خافوا ربي لا تلوموني

في حبي للرومية و اعذروني

هذي حورية هبطت م الجنة

والا مــ الملايكة فهموني

الوجه مدور كالشمس الضواية

دافي و احنين نارو كواية

قلبي عشقها ما تسيئوا بها الظنة

ما تقولوا عليها شيطان غواية .. (15)

وقد ساعدته سوزان فيما بعد في حبك خيوط الحيلة التي أوقعت بالقايد عباس وخادمه أحميدة، ومكنته من قتلهما شر قتلة، و بذلك ثأر لدم والده، و خلص الناس من شرورهما ….

ـ حمامة ( زوجة العربي الموستاش ):
قدمها الكاتب في البداية بطريقة مباشرة … ثم عن طريق العربي موستاش الذي كان لا يفتئ يذكرها متغزلا بحسنها و جمالها الساخر، الذي جعل القايد عباس يرغب في الزواج منه، و كانت قبل ذلك فارسة أحلام عيوبة، و لذلك لا نستغرب أن تقدم لنا الرواية وصفا مفصلا لحمامة يركز على مواطن الجمال فيها، و أكثر ذلك جاء على لسان العربي الذي نستطيع أن نزعم أنه قدم لنا بورتريه لهذه الشخصية، فالرواية لا تصف حمامة إلا من خلال ما يذكره العربي عنها، فقد كانت بالنسبة له موضوعا للوصف موضوعا للاستذكار كلما خلا بنفسه رفقة قطيع الغنم حيث ينتشي بالعزف على آلة القصبة، ” و تتجاوب معها الجبال و الفجاج فيحس أن الطبيعة جميعا تعزف معه و ترقص له، و يتراقص طيف حمامة في خياله فينطلق مغنيا بشعره:

عندي حمامة ترن في برج عالي

حرقت قلبي و شغلت لي بالي

صوتها لحن مشكل لالي لالي

مشيتها حجلة تثير دلالي

و قلبها حلو كعنقود الدوالي

عينيها سودة مذبالة غيرت أحوالي

و سنها جوهر مرتب يلمع ولالي

نبكي و نوح و نشكي للرب العالي

يا ربي داوي لجراح و اكشف هوالي (16)

و هذا المقطع الشعري في وصف حمامة شعرا يتكرر في الرواية أكثر من مرة حيث نجده في الصفحات 95 و 133، و هذا الوصف نشتم منه رائحة إعجاب الكاتب بشخصياته حيث يفسح المجال دائما لقلمه كي يحلق بعيدا في التصوير إلى حد جعل حبيبته حوبة تشعر بالغيرة من اهتمامه الزائد بالشخصيات النسوية ..، و تحضر في الرواية شخصيات أخرى مثل : القايد عباس ( شيخ عرش أولاد النش )، عمار شيخ ( زاوية أولاد سيدي بوقبة )، سي رابح، سي الهادي، أمقران، سوزان ..

ـ شعرية المكان في الرواية :
يقدم الكاتب أمكنة كثيرة جدا في الرواية، و لكن يمكن تقسيمها إلى مكانين ( الريف و المدينة )، و جلاوجي في تصويره للمكان يعمد إلى نقل التفاصيل الصغيرة و كأنه مصور يمتلك عدسة كاميرا تجعله يقترب من الأشياء البسيطة، و الجزئيات الصغيرة التي يجمعها ثم ينسقها مكونا منها صورا نابضة بالدلالات، مما يجعل المكان يتجاوز وظيفته المألوفة باعتباره إطارا أو حيزا جغرافيا تجري فيه الأحداث ليتحول إلى عنصر هام من عناصر تطور الأحداث، بل إنه يغدو كيانا اجتماعيا يمتلئ بالخبرة الإنسانية، و يمثل خلاصة تجارب الفرد و المجتمع، و بذلك يحتل المكان دور البطولة في الرواية أو يشارك على الأقل مع الشخصيات في صنع أحداث الرواية و تشابك خيوطها، و هنا مكمن الإبداع في هذه الرواية، التي يسلط فيها الضوء على أماكن مهملة في التاريخ، مما يفتح على القارىء أبوابا من التشويق تجعلك تقلب الصفحات دون ملل.

1 ـ شعرية الفضاء الريفي :
نسجل في البداية حضورا واضحا للفضاء الريفي في الرواية، و يبدو أن وصف الفضاء مرتبط بالتداعي النفسي الذي مصدره ذاكرة الكاتب التي تختزن كثيرا من الذكريات التي بقيت عالقة بذاكرته باعتبار أنه ابن الريف، و لذلك فإن الكاتب استطاع أن يرسم لنا كل تفاصيل هذا الريف، بل إننا نشعر أن الريف يسيطر على وجدان الكاتب و شعوره، مما جعل صوره تتداعى أمامه عن طريق الذاكرة، و لذلك منذ البداية يقدم لنا الكاتب مسرح الأحداث و هو عرش أولاد سيدي علي يصف البيوت المتناثرة أمامه و التي كانت أشبه بجمال باركة، جميعها محاط بالحجارة و لبن التراب مغطى بقصب و طين، في إشارة إلى بساطة هذه البيوت، كما استطاع عبر الرواية أن يرسم لنا صورة قريبة جدا لعادات سكان الريف، و تقاليدهم و عاداتهم في حياتهم اليومية، في الملبس و المأكل و الطقوس الدينية، في أفراحهم و أحزانهم و نحو ذلك من هذه العادات التي تعبر عن الهوية.

كما أثث جلاوجي فضاءه الروائي بالأشياء التي تصنع مأساوية النص السردي و تصور معاناة سكان الريف الجزائري أثناء الاحتلال الفرنسي، و لذلك نجده يركز عل كل تفاصيل الحياة الاجتماعية ، و الظروف القاسية التي يعيش فيها الناس، مجسدا أزمات الريف الجزائري الذي عانى أهله كثيرا من الاحتلال، و سياسته القمعية، القائمة على التفقير و الإذلال، و التي لاشك أنها كانت تنمي فيهم روح الثورة، كما فعل أجدادهم من قبل عندما رفضوا الذل و قاوموا المحتل، ويمكن أن ندلل على ذلك بما ورد في البوح الثالث المعنون ” بالنهر المقدس “، عند وصف الكاتب لحال عرش أولاد سيدي علي، و أوضاعهم المعيشية الصعبة كتفشي الجوع، و انتشار الأمراض خاصة بين الأطفال بعد استيلاء المعمرين على كل الأراضي الزراعية و مصادرة جنود الاحتلال لمختلف خيرات البلاد و العباد، يقول الكاتب: ” ظهرت أمامه مجموعة من الصبية، و قد غارت عيونهم و انتفخت بطونهم، جميعهم حفاة عراة بعضهم يستر جلده بخرقة أو خرقتين ” ( 17)

و الملاحظ أن الكاتب يختار من عناصر الفضاء الريفي ما يخدم رؤيته و يعمق الإحساس بالمأساة لدى القارئ، حيث ” مظاهر البؤس و الفاقة صارخة في كل مكان، أرض مجدبة، و أنعام جف منها ماء الحياة، و بشر شعث غبر عراة أو في أسمالهم البالية … يواصل الكاتب على لسان العربي موستاش فعلا كانت المجاعة بعد سنوات الجفاف قد ضربت البلاد كلها، فقد الناس أبسط ضروريات الحياة حتى لجأوا إلى شرب مياه الوديان الآسنة، وأكل النخالة وجذور بعض النباتات، وصارت كسرة الشعير عندهم حلم الأسر الميسورة، أما القمح فقد نسي كثير من الناس طعمه ” (18)

ولعل تركيز الكاتب على فضاء الريف، يكشف لنا أصول الكاتب الريفية فهو يستنطق الذاكرة و ما علق بها من صور البؤس و الفقر، والموت… فالريف إذن هو مسقط رأسه و هو موطنه الذي ألهمه هذا النص الروائي، و لذلك جاء الوصف معبرا عن واقع الريف الجزائري، و واقع ما كنا نحياه جميعا ـ بالنظر إلى الأصول الريفية لغالبية الجزائريين ـ أما المدينة فتأتي كوسيلة للخلاص، و الهروب من هذا الفضاء المتأزم الذي يقهر الإنسان و يجعله يحيا حياة الذل و الهوان المسلط عليه من العدو المحتل لأرضه، و من المتعاونين معه، ممثلا في القايد عباس و عمار شيخ زاوية أولاد سيدي بوقبة، ولكن المفارقة أن المدينة أيضا لا تقل عن الريف في ضغطها و قهرها للشخصيات التي تعاني أيضا في هذا الفضاء الجديد من تسلط المعمرين مثل: فرانكو، و بارال، و شمعون المونشو، و أختم بهذا المشهد على لسان الطاهر:” حين وقف على تل الغربان، تراءت له القرية كسراب بقيعة، حتى جدران الطوب و الحجارة ذبلت، حتى قرابة سيدي علي أفلت، حتى تراب الأرض احترق، لو اندلق عليه البحر لامتصه في لحظات، جال ببصره لم يصل أنفه إلا رائحة الحرائق، و لم يصل سمعه إلا أنين الأرض ” (19)

ومن خلال رسم الفضاء يقدم لنا إطارا واضحا لتطور الأحداث في الرواية، و تغدو هذه الأوضاع المزرية دافعا للثورة

هذا الحضور المكثف لعناصر الفضاء يجعل الفضاء يتحول في الرواية إلى شخصية محورية تسهم في تطور الأحداث، بل إنه يتحول إلى شخصية رئيسة لأنه لولا هذا الضغط الذي مارسه الفضاء الريفي على شخصية العربي موستاش لما تشكلت عقدة النص و لما تطورت الأحداث بهذا الشكل العنيف الذي جعله يختار الفرار إلى المدينة، و هناك يكتشف ظلما أكبر، و وجعا أعمق، مما يعمق لديه الشعور الوطني خاصة بعد تعرفه على شخصيات كانت تحمل الهم الوطني، و تبحث عن سبل التخلص من الاحتلال البغيض مثل: سي رابح، و أمقران …و غيرهما، ثم يقوم بالانتقام من القايد عباس و قتله … و بذلك يحرر عرش أولاد سيدي علي من ظلمه و جبروته.

2 ـ فضاء المدينة و الثورة :
كما رأينا من قبل فإن الانتقال من الريف إلى المدينة شكل منعطفا حاسما في حياة العربي موستاش، حيث اكتشف تناقضات عميقة، و اكتشف البون الشاسع بين المعمرين، و الشعب الجزائري، اكتشف جشع المعمرين، و تسلطهم على البؤساء، و ظلمهم للمساكين، و لعل هذا الذي شجعه في البداية إلى التطلع لإقامة علاقة مع ( سوزان ) زوجة فرانكو، و مضاجعتها للانتقام للنساء الجزائريات اللائي تعرضن للاغتصاب من الجنود الفرنسيين، ثم تحول هذه النزوة إلى عاطفة حب حقيقية، و معاشرة تنتهي بالحمل منه و إنجاب روز لطفلة جميلة ربتها حمامة دون أن تعلم بحقيقتها.

كانت المدينة بالنسبة للعربي عالما جديدا لم يألفه من قبل، و لكن سرعان ما انخرط فيه و اندمج معه، فأصبح ابن المدينة و أخذ يتعرف على كل شيء فيها، على أحياء العرب البائسة، القذرة التي تمتلئ بوجوه يتغشاها الفقر، ثم على أحياء المعمرين و شوارعهم التي فيها منازلهم الفاخرة، و حاناتهم و من الصعب على العرب عبورها، و مع سي رابح تعرف العربي على المسجد و عين الفوارة التي يقف قريبا منها ماسحو الأحذية وهم جزائريون أطفال و كبار يحملون صناديق خشبية، و يطوفون قلب المدينة عل يهوديا أو فرنسيا يتكرم فيدعوهم لمسح حذائه، مقابل أجر زهيد، و ربما لا يدفع لهم إلا السب و الإهانة، كما تعرف على مقهى العرب الذي على الرغم من ضيقه و بساطته كان متنفس الجميع، و تعرف على حمام الصالحين الذي يمتلكه سي رابح، كما تعرف على الكثير من الشخصيات مثل أمقران الحداد، و سي الهادي الشاب المثقف خريج جامع الزيتونة، والذي كان ينشر الوعي بين أبناء المدينة، وتعرف على فرانكو و هو: رجل فرنسي غني جدا استولى على مئات الهكتارات، يشغل الناس فيها كالعبيد، و له داخل مدينة سطيف قصرا فخما، كما له دارة ريفية يقيمها على ضفة وادي بوسلام ، و قد اشتغل عنده العربي و كلفه بالعناية بحديقة قصره، و في قصر فرانكو أحس العربي الموسطاش بالتفاوت الكبير بين الجزائريين الذين يحيون حياة البؤس و الفاقة و المعمرين المحتلين الذين يتنعمون بخيرات البلاد ” يعيش هؤلاء الخنازير في كل هذه الجنان و ننحت نحن لقمة العيش من صخور الجبال و أرض البور.. ” (20)، و لعل كل هذا عمق في نفس العربي كره المعمرين الذين اغتصبوا البلاد، كما عمق لديه مشاعر الثورة ضد المحتل الأجنبي و هو ابن عرش أولاد سيدي علي الذين قاوموا فرنسا قديما لم يرضوا الذل و الهوان يوما.

فضاء المدينة كان بالنسبة للعربي أشبه بالمدرسة أخذ منها الوعي السياسي، الذي جعله منذ البداية ينخرط في صفوف مشروع الحركة الوطنية الذي أخذ ينمو شيئا فشيئا، في الاتجاه الثوري المقاوم للمحتل، و الرافض لفكرة الإدماج و طلب المساواة مع الفرنسيين التي دعا إليها فرحات عباس، وتنتهي الرواية، أو الجزء الأول منها على مشاهد المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها فرنسا في حق الجزائريين الذين خرجوا في سطيف في مسيرة سلمية للمطالبة بالحقوق يوم الاثنين الثامن ماي 1945.

ـ الخاتمة :
1 ـ ختاما نرى أن أهم ما يميز هذه الرواية أنها تركز على عرض التفاصيل الصغيرة في حياة الناس، و جعلها مادة يبني عليها الكاتب عالمه الروائي، حيث يغدو عز الدين جلاوجي، مثل المصور الحاذق الذي يلتقط الصور و المشاهد، مركزا على الجزئيات و التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلقي لها الإنسان العادي بالا، و التي تصنع جمالية الرواية و تحقق شعريتها

2 ـ أسلوب جلاوجي في ” حوبة ” هو التركيز على الشخصيات، و رسم ملامحها، وحبك المشاهد، بعضها مع بعض بدلا من سرد الوقائع التي لا تنتهي.

3 ـ يعتمد عز الدين جلاوجي في تقديم شخصياته على طريقة العرض المسرحي إذ يعطينا صورة وصفية للشخصيات أولا، فنعرف مسبقا ما ستقوم به ، و تكون أعمال الشخصيات وردود فعلها ناتجة عن هذه الصورة الأصلية.

4 ـ تحضر في الرواية شخصيات تاريخية كثيرة، ولكن الكاتب يذكرها بصورة باهتة، و لا يحتفي بها احتفاءه بالشخصيات المتخيلة، ” لأن الرواية عمل تخييلي ـ كما تقول آمنة بلعلى ـ يوهم بالواقع، و لا يعكسه، و إنما يتجاوزه، و يتمثل هذا التجاوز على مستوى الصياغة و بناء الشخصيات و رسم الحدث .. و نحو ذلك .

5 ـ حاول جلاوجي منذ البداية أن يغوص في وصف شخصياته من الداخل ليصل إلى الجوهر و العمق الإنساني الذي يميزها دون الاكتفاء بالوصف الخارجي.

6 ـ استطاع الكاتب أن يرسم لنا كل تفاصيل الفضاء سواء تعلق الأمر بالريف أو المدينة ، إن كنا نشعر أن الريف يسيطر على وجدان الكاتب حيث يقدمه من خلال تقنية التداعي النفسي الذي مصدره ذاكرة الكاتب التي تختزن كثيرا من الذكريات التي تصور معاناة الجزائريين في الريف .

7 ـ و لعل هذا الحضور المكثف لعناصر الفضاء يجعله يتحول في الرواية إلى شخصية محورية تسهم في تطور الأحداث، لأنه لولا هذا الضغط الذي مارسه الفضاء على شخصية العربي الموستاش لما تشكلت عقدة النص و لما تطورت الأحداث بهذا الشكل العنيف، الذي تصوره هذه الرواية، كما كان لسرد التفاصيل دور هام كذلك في بناء الرواية خاصة من خلال الوصف و رسم ملامح الشخصيات، و رصد التفاصيل و الجزئيات التي لا نجدها في كتب التاريخ

*للدراسة هوامش ومصادر
جامعة قاصدي مرباح ـ ورقلة

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق