ثقافة السرد

عائشة والشاعر

عادل حنزولي

ألقى على كتفيها ذراعه، صوّب نظراته إلى الأرض وابتسم.. الحزن ما يزال يغمر قلبه، لكنّه عامر بالحبّ أيضا.. تقول له إنّ الرجولة خيار بينما الحبّ قدر. ومثلما تسقي الأمطار أرضنا، كذلك يسقي عطفك قلبي فيزهر داخله الحبّ وينمو..
أحبّك، قالت.
“هل ترى السماء يا قلبي، أمعن النّظر جيّدا في تفاصيلها، هل لها من حدود تدركها.. هل ترى بهاءها وزرقتها، واتساع الملكوت؟ كذلك يتّسع قلبي لك.. لست مجرّد رجل لامرأة عطشى، تنام على حلم حضنك لها ليلا وتغني “لأنّك لم تعرف الحب قبلي..” أنت ذلك البدر المعلّق الذي يتوهّم كلّ من رآه ملكيّته، لكنّك لي يا نجمي الذهبيّ. لي وحدي، لأنّك بين جدران الروح تسكن.” أضافت.
“وأنت يا عائشة، يا وردتي البيضاء النادرة.. يا نغمي الساحر الذي لا يُملّ سماعه، يا قدّيستي وهوى قلبي، ومنتهى رحلتي وقافية أغنيتي.. هل تعرفين كيف تقيمين بين جدران الروح، ويفيض مرحك الطفولي على وجودي المسكون بعبق جنونك فأزهو كشدو الطيور ساعة الفجر.. هل تعرفين ماذا تعني لي ابتسامتك، ورقصك المجنون في ليالينا الدافئة بسحر عينيك.. هل تعرفين كيف أسافر كل ليلة في مدى عينيك الموغل في السكون والغموض.. هل تعرفين كيف ألقي بشراع إبحاري كل يوم عند ضفاف شواطئ حبّك، كبحار يأنس بالموج وينام.. هل تعرفين ذلك الشوق الذي يسكن قلبي ويفيض على جدران كياني فيحرقني توقا إلى لقاءك وأنت معي..” قالها وبكى.
“لم أكن معك..” قالت وصمتت.
“كان قلبي يبحث في التفاصيل الصغيرة عنك، كانت روحي تتوه مني لتسافر إليك، لتجذبك من الكتب والقصص التي تنحت تفاصيل وجودها كما يحفر النحات وجوهه الكثيرة الجميلة دون أن يفكّر لحظة في رسم أحبّ الوجوه إليه، وجه حبيبته.. للنحات عذره، فالربّ هو من نحت وجه حبيبته وهو إذ يعرف أنّه ليس ببراعة الربّ فلا يتجرّأ على النحت.. أمّا أنت فخبرني عذرك يا حبيبي وطبيبي، يا حكيمي ودليلي، كيف لم يتهيأ لموج لفظك أن يرسمني رائعة بين روائعك؟” أضافت مبتسمة في دلال يعرفه.
“كيف لقلم جاف أن يرسم حكاية كالموج تملأها الحياة والاندفاع؟ وأنّى لي بإيقاع يهزّ القارئ والسامع حين أتتبع إيقاع حياة لا يحسن رسم اندفاعها؟ ألم تقولي إن رسم الربّ لا يماثله بهاء رسم الإنسان مهما كان نديّا؟ ألم تعلمي أنّي أغار عليك من قرّائي كما يغار طير على عشّه فيخفيه عن المقل ما استطاع؟ فكيف يا حبيبتي وأنت بين الضلوع وداخل جدران الروح وبين التفاصيل الصغيرة لبصمات وجودي؟ وكيف يا حبيبتي يكون وجودي دون أن أعلّق على تفاصيل حضورك فرحي وقلقي وشجني؟ كيف يا حبيبتي وأنت داخل المقل وداخل ألق العيون.. كيف لي أن أرسم رحلة حولتني من وحش أحمق إلى قدّيس يصلّي للربّ فجرا ويسبّح شكرا لأجل سحر عينيك الآسرتين ليلا!! وماذا عساي أقول وحبّك يأسر هاتان الشفتان عن الكلام بقيود عبق الورد المخمليّة. ويسكر هذا العقل بأفيون الطيبة والسحر والحياة النديّة.. ومتى كنت متّسع الوقت لأرسمك؟ لطالما انشغلت بك عنك فرسمتك رغما عنّي حبّا وأملا وسلاما يسكن قلبي المعلّق بنياط روحك ككوكب وحيد يدور في فلك نجمه المضيء كي يمتلأ دفئا وأنسا مبعدا عن وجوده شبح الحزن والبرد..
هل أرسم لحظاتنا المجنونة نركض على شواطئ البحر في مدننا الحزينة التي اتسعت لتحضن فرحا غريبا عنها؟
أم أرسم تفاصيلنا العفوية الصغيرة من الحب والغيرة والحيرة في زمن يحرس فيه كلاب الحقد جيفهم قبل أن تأكلهم؟
أم أرسمك تتهادين في دلالك الملائكي لتأسري روحي بين ذراعيك إلى الأبد؟
أم أحدّث الناس عن تفاصيلك الخيّرة التي تطوّق رقبتي بالدين لك طول العمر الذي يمضي سريعا مسكونا بزهو لحظات حبك الذي يقتلني ليحييني؟” قال مزهوّا ومسكونا بالوجد كشاعر.
“مسكون دائما بالصمت والغموض حبيبي.. لم تكلّمني كثيرا عن الحبّ لكني رأيته فيك طويلا.. يأسرني ذلك المسار الطويل من الجمال والخير. لكني ككلّ النساء، أحبّ أن يرسمني حبيبي كلّ الوقت قصيدة كالشعراء.. أحبّ أن أرتديك معطفا يقيني برد الشتاء.. أحب فيك زهو المعاني، شجو الأغاني، ويهزّني أن تحملني كطفلة أعياها الشوق والبكاء إلى مدن الأحلام حيث لا زيف ولا كلاب، ولا تافهون حمقى يسرقون قلوب العذارى من مخادعهنّ الدافئة ليلقوا بهنّ إلى مزابل القشّ والدّخان والذباب.. أحبّ صدقك تسافر في عينيّ حلما وتبكي الأيام التي مضت.” قالت كاسرة غروره ومثيرة حيرته، على الرجل أن يفهم دائما أنّ المرأة موجة تحبّ من يروّضها، من يحارب اندفاعها الهادر لينجو ويحيا، من هو مستعدّ على الدوام للقتال من أجل عينيها حتى يهنأ بالإقامة بين أبراجها العالية..
“أعظم الحبّ ما لا يقال.. مسكون بالصمت حبيبي لأني مشغول ببنائك داخلي كبرعم يزهر رويدا رويدا حتى يغدو في القلب دوحة.. مسكون بالصمت كما الشوق كما الحبّ، ولأنّ المدينة كنّست كلّ المغنّين والشعراء ليرتع أهل البلايا وحيدون في رحابها.. مسكون بالصمت لأن هذه المدينة ترسم داخلي تفاصيل جراحها وآذاها، لأن الطيبين حولي ما عادوا طيبين ولأنّك روحي وروحي وروحي ولا عزاء للمتطفلين السذج يتطلعون لحبنا ليلا وينتحبون نهارا كحمقى..” قال منفتحا.
“أحبك فارسمني نجما وغني طويلا يا حبيبي ورفيقي الذي لم يعرف قلبي حبا غيره.” باحت أخيرا، ضمّها إليه كما يحضن العشّ طيرا، ثم غنّى.. وغنّت..

زينب الأخرى
كان عليّ إذن أن أقطع تلك المسافة الطويلة نحو الحياة.. ليس في الأمر ما يزعج. الليالي الطويلة مضت، ذكريات الحقد نامت، والبساتين عادت خضراء.. خضراء مثل وشم جدّتي.. بالأمس التقيت زينب، لم تكن بهيّة كثيرا، النور المشعّ منها على الدوام اختفى، عيناها طافيتان، وقلبها لم يعد مزهرا.. مازالت تتوارى بالخفاء. ضحكتها المجنونة صارت بلا صدى. يا لزينب ويا لأمس.. ألم أقل إنّها مجنونة؟ مجنونة وساذجة..
ضحكت ساخرة. السخرية لا تعني النصر دائما، فقد تشير أحيانا إلى الخبل..
تحبّني؟ قالت.
ثمة أسباب كثيرة تجعلني أفكّر دائما في الرحيل عنك.. أنت يا زينب امرأة بائسة، تكنس أوجاعها فجرا وتغنّي.. لطالما عرفت أنّك قطعة من وهم، الوهم عادة ما يكون لذيذا بما نضفيه عليه من زينة عقولنا.. وكان يمكن للحكاية أن تستمرّ حتى مجيء الصيف، أين يمكن للعصافير أن تبني أعشاشها، وأين يمكن للباعة الجوالين أن يحلموا بربيع بلا زهور كي يتسنى لهم بيع ورودهم الفاسدة..
مازلت لا تعرفني؟ قالت
ضحكت، ما بالأمر سخرية ولكنها بلاغة البؤس يسكن قلبي. أنت مفضوحة ومسكينة كمسخ. كلوحة باهتة الألوان معلقة على جدار المتحف، لم يبق لها من الفخر غير مجد صاحبها لكن لك أن تهنئي بشهرتك.. أما أنا فهذي الأرض تعرفني هذي الأرض تكتبني. ومع ذلك أنا أفكّر دائما في دوسها لأزهاري ولعبثها بأوتاري..
ترددت كثيرا يا زينب. ترددت لأن هذا الجرح يحفر داخلي، يحفر بلا نزف ولا دم. هذا الجرح يحفرني كإيقاع المزمار في ريفنا. ومع ذلك يصحبني إلى حيث أنت..
أنا أعرفك يا زينب أعرفك كما أعرف السحاب في مدينتي، يزوروني ولا يمطر. لكن دعينا منك الآن وفكّري. هل ترين ذلك الصنم الذي صنعته بيدي؟ إنّه يُعبد الآن في مكان آخر.. أشعر أحيانا كثيرة أنّه مقطوع منّي كالذراع. فكّري الآن معي هل يلزمني أن أحدّث الناس عن صنمي؟ ما المشكلة في صنم مصنوع يعبد أو ذراع مقطوع يُسند؟ يجول بين الناس ويبتاع الحلوى لصغاره البعيدين.. هل في الأمر ما يزعج؟ لا شيء يزعجني إطلاقا مادام يفكّر بالغد.
المزعج حقّا يا زينب -واسمعي مني هذا الاعتراف- أنّه خبرني في رسالته الأخيرة بأنّه سيّد المعنى والقدر وأنّه بضربة حظ صار أعلى قدرا من الجميع.. هل يمكن أن تصدقي يا زينب أنّ من صنعت يداك صار سيّدا في مكان آخر متواريا بالخفاء مثلك مُخفيا أنني من صنعته؟ ألست سيّد أسفاره يا زينب؟ ألم يتعلّم على يديّ كيف يحيا وكيف يفكّر وكيف يكون سعيدا وكيف يميّز بين الغنيّ والفقراء الثلاثة وكيف ينام بين حمامة وغراب؟ ما باله إذن يصير غبيّا هكذا؟ أصنم هو أم مسخ..
إذا التقيته يا زينب -وهذا أمر غير ممكن- فخبريه أنّي لازلت أفكّر بأزهاري التي سرقوها، وبالليل الذي لا ينتهي وبشيء آخر بعيد -لا أظنه يفهمه- خبرتني السماء أنّه عن قريب آت. ولا تنسي أن تذكريه أنّنا التقينا يوما وأنّ ذلك الغد لن يكون له بل لأشخاص حقيقيين فقد ملّ هذا العالم الأشخاص الكرتونيين ولم يعد هناك أمل في نجاتهم ولو بالصدفة..

في حضرة الذّكرى
يبدو أخيرا أنّي هنا.. غرفتي، كتبي، كراريس رداءاتي، طاولتي العجوز التي أسمّيها مكتبا مجازا وغرورا. علبة سجائري الرخيصة، القداحة، موقدي الطّيني، قلم قليل الحبر، أوراق، و… بعض الأوهام التي تسكن دماغي منذ عشرين عاما!! عشرون سنة لم تتخلف يوما عن دفع الإيجار ودفع فواتير كهرباء المخ التي تستعملها، ولم تتخلّ ساعة عن المكان الشاغر الواسع الذي تشغله في دماغي الفقير.. ولقد وفرت له بعض أسباب العيش بما تدفعه للفواتير وزادت دخل عقلي طيلة تلك السنوات من منسوب الأمل الكبير.. وهي تحيا.. تحيا كأيّ كائن يتنفّس. لا أدري شيئا بشأن الأكل والشرب لكني أعرف أنّ نسبة من نيكوتين سجائري تصلها بانتظام وكذلك بعض “القرامات” من جرعات الكافيين الكثيرة، بموجب اتفاق ساري المفعول مع دماغي الفقير..
ولذلك يبدو أخيرا أني هنا.. في حضرة فتاة شابة لم تتجاوز من العمر تسع عشرة سنة. وكنت أعرفها منذ عشرين سنة كما أعرف أوهامي حين كان عمر فتاتي لم يزد عن أربعة عشر ربيعا وكانت الحياة مزهرة وشابة كغيمة بيضاء تجول في الكون ولا تمطر.. لم تكبر منذ عشرين عاما ولم يغزو الوهن عظامها وأوصالها مثلي. أربي صورتها كما يربي شاعر قصيدته في ضوء القمر. لم تكبري يا فتاة ولم تغادري أوهامي وأوراقي أنت التي طبعت كلّ مستنداتي بابتسامة حرضت كلّ الفراش على الرقص في صفحاتي فأؤمن أخيرا أنّ رداءاتي جديرة بالإنصات إليها..
أنا هنا أخيرا. وسط الليل ليل الشعراء ومذيع لا إحساس له يخرق مسائي العاطفيّ الجميل بأخبار عن الحرب والقتل وفوضى يصنعها بنك المقت الدولي..
أنا هنا أخيرا أحاول أن أنقذ ما تبقى مني في زحام انشطار المعنى ململما صورتك المشتتة ومستجيرا بالأوهام التي حولك أرجوها أن تبقى عشرين سنة أخرى لترتب بيتها وتعيد ذلك الانطباع الذي شوهته أيدي نضجي الذي لم أرده حتى لا أخسرك بعد أن عرفت أخيرا أنّ الإنسان يكبر وأنّ حياته الطويلة بعض ظلّ وبضع ذكريات..
أعرف الآن جدّا أنّي واهم جدّا وأنّ تلك الأوهام هي الجدار الأخير لي لأحتمي من دوامة تجرفني حيث لا أريد. رغم يقيني بأنني لست إلا بعض حلم لا يخرج عن دائرة الواقع والتاريخ والبعد المأساويّ للحياة، تلك الرقعة الواسعة للعبة شطرنج مشحونة ومتوترة وحكيمة!!
أعرف الآن أنّك مثلي.. لا يفصلك عن الأربعين عدا سنوات قليلة تسرع أيامها في المضيّ غربا. وأعرف يا حلوتي أنّ القطارات تمضي سريعا فلا تركبين منها قطارا ولا تحجزين مقعدا لك كعرائس الفطر الجدد اللواتي أدركن سريعا أن ركوب قطار لا يليق بهنّ أفضل من انتظار قطار يتأخّر ولا يجيء..
أنا أعلم الآن أنّك صرت مثلي بلا وسادة للذكريات وبلا انتظار للشمس، وأنّ الساعات رتيبة وأن أمانيك بعيدة وأنّك على دكّة العزل الاحتياطي.. وأنّك وحيدة كنجم يموت بلا ضوء وبلا طاقة وأنّك كففت أخيرا عن توهم دوران الكواكب. وأنّني كوكب فررت منك حين خفت الضوء وأفقت أخيرا من غفوتي وعرفت يا حلوتي بخمود شمسي، ولم يبق من ناري إلا أطلال وهج ينهض كبركان وينام حزينا كنهر بلا مجرى وقد كفّ أخيرا عن الحلم والغناء كشجرة نفضت أوراقها في الخريف..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق