قراءات ودراسات

“صِنَاعَةُ الخِطَابِ الرِّوائِي فِيِ الأَدَبِ الجزائري الحديث” روايةُ “وَطَنٌ مِنْ زُجاجٍ” لياسمينة صالح أنموذجًا

أ. عبد الستار الجامعي

تمهيد: لعلّ ما يُثير قارئ رواية “وَطَنٌ مِنْ زُجَاجٍ” () عدمُ توفّر قراءة نقديّة أدبيّة شافيّة كافية لها. صحيحٌ أنّ الدراسات كانت فيما يخصّ الأدب الروائي الجزائري كثيرة أثمرت جملةً من الآراء والتصوّرات. لكن صحيح كذلك أنّ هذه الدّراسات الكثيرة كانت، في الغالب()،”حكرًا” على الرعيل الأوّل من الروائيين الجزائرييّن..

 لم تكن تُسلطّ الضوء على الأعمال الروائية الحديثة لجيل الشباب خاصة، فتهدف إلى “مُدارستها” دراسةً تتوغّل في تضاعيفها، وتوصّف جماليّات خطابها، فتضفي عليها قيمةً، وتستقصي محاسن خطابها الأدبي المتشكّلة منه.

فهذا كلّه يشكّل مطلبًا لا يزال ينتظر البحث. وفي انتظار ذلك، يقترح بحثُنا الذي نُزمع القيام به من “صِنَاعَةِ الخِطَابِ الرّوائِيِ فِيِ الأَدَبِ الجَزَائِرِي، رِوَايَةُ”وَطَنٌ مِنْ زُجَاجٍ” لياسمينة صالح أنْمُوذَجًا” عنوانًا له. وهو يريد، في أغلب مراحله، أن يثبّت موضوع هذا الخطاب ويزيد من مقبوليّته (Acceptabilité)، ويعمل على التنقيب في مسالكه العميقة؛ البيّنة(Explicite) والمُضمرة (Implicite)على السّواء، واستنباط سماته وأبعاده التداوليّة والدّلالية، وطريقة إخراجه ومقصدياته المتعدّدة.

والباحثُ إذ يُدركُ مدى الصعوبات التي تفتأ تلقاها الروايةُ العربيةُ الحديثةُ والروايةُ العربيةُ الجزائريةُ الحديثةُ من صعوبات مُضاعفة: في الإنتاج وفي القراءة، أي في التلقّي، خاصّة، إلاّ أنّه يعتقد، وثمة مسوغٌ لاعتقاده هذا، بأنّ نصّنا المُختار “وطنٌ من زجاجٍ” لياسمينة صالح، قمينٌ بالدرس والتّمحيص لما فيه من صنعة وبِناءٍ وحبْكة قصصية، ولما يرمي إليه من دلالات وقصود. ولمعرفة هذه الدلالات يجدر بنا، بداية، معرفة قيمة الرواية جنسًا أدبيًّا طموحًا، ومعنى الخطاب المتشكّلة منه ودلالات ذلك كلّه. ما الخطابُ إذن؟ وإذا ما أدركنا أنّ هذا الخطاب “يُبنى بناء المنازل” على حدّ عبارة الناقد المغربي الشّاهد بوشيخي() فهل يجوز لنا التساؤل عن كيفيّة صناعة “ياسمينة صالح” خطابها الروائي بمكوّناته السرديّة المختلف، نعني ههنا: الراوي والمروي والمروي له خاصّة؟ ما مستلزماتها في هذه الصناعة؟ ما العوالم التي أرادت تمثيلها في رحاب هذا الخطاب؟ ثمّ إذا ما اعتبرنا مع الدكتور المغربي “طه بدر” أنّ “المتكلّم ليس مجرّد ذاتٍ ناقلة (كما جهاز الإرسال) إنّما هو ذاتٌ مُبلِّغة، أي ذات لا تقصد ما تُظهر من كلام فقط بل تتجاوزه إلى قصد ما تُبطن فيه()، فهل يجوز لنا أن نسأل حالئذ عن المراد الذي تروم “ياسمينة صالح” تبليغه من وراء ذلك كلّه، والذي يتجاوز بطبيعة الحال، المحتوى الحرفي للرواية؟ وعندئذ ما مرادها من ذلك؟

هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى تُضاف إليها، لا يصحُّ فهمُ الخطاب الرّوائي حتى يصحّ فهمها والإجابة عنها. وسيكون ذلك من زاوية خطابيّة بالأساس من شأنها أن تجعل من هذه الرواية، وجنس الرواية عمومًا، عملاً شعريّا، أي خلقا لغويًّا بالأساس، صار من اللاّزم الاعتراف به، خاصّة بعد تطوّر هذا الجنس المخصوص، وطوّر نفسه طبقًا لحاجات المجتمع الجديدة والمتجدّدة- و”الحاجةُ أمّ التّكثير من الاستعمال، وأمّ التطوير له”()- فزحزح جنس الشعر من عليائه، وبلغ (جنس الرواية) أشدّه المُصطلحي، لأنّه، أي هذا الجنس الأدبي، كان أشدّ التصاقاً بالأرض على حدّ عبارة الناقد الجزائري أبي القاسم سعد الله(). والالتصاق بالأرض يعني ههنا الالتصاق بالنّاس والاحتكاك بهم والقدرة على تمثيل ما يمورُ في عالمهم الهشّ من مآقط وآمال وآلام ومشكلات وهموم وتقديم البراهين عليها والحلول والبدائل لها، تمثيلاً سرديًّا نزيهًا، حتى قيل إنّها هي “ديوان العرب”. وإلى هذا الفهم ذهب الناقدُ العراقي”عبد الله إبراهيم” بقوله: إنّها، فعلاً، ديوانٌ نتلمّسُ فيه ما يُثير الهلع في النّفوس عن الجماعات القبليّة والمذهبيّة والعرقيّة، وهي “ديوان” كاشفٌ للاحتقانات الفردية في مجتمعات تتوهّم بأنّها طاهرة لا يأتيها الإثم على الإطلاق. وإلى كلّ ذلك، خاضت الرواية العربية مغامرة جريئة في تطوير بنياتها السرديّة والأسلوبية، واقترحت لغة جديدة غير اللغة المعيارية التي أصبحت موضوعا للبلاغة التقليدية في القرون الوسطى(). فالباحثُ كان قد أكّد، في كثير من المواضع على وجه العموم، أنّ الأمّة العربيّة ليست أمّةً شعريّة فقط كما توهّم ذلك الغرب إنّما هي، إلى جانب ذلك، أمّةٌ سرديّة برعت في فنّ السرد والرواية. والدّليل على ذلك ظهور هذا الفنّ الروائي باكرًا والوعي به وبأساليبه مجسّدا في رواية “ويْ، إِذَنْ لَسْتُ بإفْرَنجِي”، للكاتب اللبناني خليل الخوري(1836- 1907)، والتي تم إصدارها 1860، وانتزعت الرّيادة في هذا الميدان واُعتبرت أوّل رواية عربيّة يُعترف بها(). وذلك على عكس ما ذهب إليه بعضُ النقّاد من أنّ رواية “زينب” “لمحمد حسين هيكل”، التي أختلف في شأن تاريخ إصدارها فقيل: إنّها في سنة 1912(شكري محمد عيّاد، وسيد حامد النسّاج)، وقيل في سنة 1913(روجر ألن)، وهناك من قال إنّها صدرت في سنة 1914(يحي حقّي، عبد المحسن طه بدر)، ولكنّ محمد حسين هيكل ألمع إلى أنّه قد كتبها فيما بين (1910- 1911)()، هي أوّل رواية عربية على الإطلاق.

الكلماتُ المفاتيحُ: الروايةُ، الوطنُ، الصناعةُ، الخطابُ، المسالكُ، الاستراتيجياتُ.

الخطابُ باعتباره صناعةً:
يُراد بـــ”صناعة الخطاب” البحثَ والتنقيب في مُستلزمات الصّناعة التي اعتمدتها الروائيّة “ياسمينة صالح”، والمسالك التخاطبيّة البيِّنة والمُضمرة التي اتّبعتها، والاستراتيجيات التي مكّنتها من تبليغ رسالتها وإفهامها للمتلقّي على النحو المطلوب. ومن المعلوم أنّ مفهوم الخطاب (Le discours) لا يصحّ أنّ يتّصف بهذه الصفة إلاّ متى توفّرت فيه غايتا الفهم والإفهام اللّتان تضمنان له الاتّساق (Cohérence) والتّماسك (Cohésion): يقوم واضعُ الخطاب (المُتكلّم) بفعل الإفهام، ويقوم الموضوع له هذا الخطاب (السّامع) بفعل الفهم. ومتى توفّرت هاتان الغايتان اللّتان يجري إليهما كلُّ من المُتكلّم والسّامع، دلّ ذلك على أنّ:

المُتكلّمُ بَليغٌ لأنّه أًفْهَمَ
الكلامُ بليغٌ لأنّهُ أفْهَمَ
المُخَاطَبُ بليغٌ لأنّه فَهَمَ ().
وهي مسالك() واستراتيجيّات سرديّة بالأساس. تتجلىّ هذه المسالك والاستراتيجيات، البانية للمعنى، في: الراوي والمروي له والخطاب المروي ذاته وكيفية تشكّله منذ البدء، منذ العتبة، مرورا بالأفضية الزمانيّة والمكانيّة والشخوص التي أثّث بها الراوي- الكاتبة حكْيها وكذا طريقة الصوْغ ولغة الحكْي ذاتها، وهي ههنا لغة متنوّعة، وتحمل في تنوّعها هذا مظاهر وتُشير إلى نوايا وقصود. تُساعد هذه المكوّنات السردية الخاصّة بالخطاب المتلقّيَّ (نعني ههنا القارئ الفعليّ للنص) على تأويل وتخمين واستنطاق ما قد يمور في ذهن الرّاوي لحظة ممارسته لعمليّة الكتابة والاستفادة منه. فإذن التأويل يشكّلُ بدوره جُزءًا من صناعة الخطاب وجانبًا من تركيبه، بل ومسئولاً عن حسن صناعته أيضًا. كما إنّ هذا المنطوق به يتجاوز بدوره حدود بنيته النصيّة. ولا يصحّ إلاّ متى مُكّن لهذا المخاطب الحقّ في التأويل. وقد يوحي كلام الدكتور “محمد عابد الجابري” في كتابه “نحن والتراث” فعلا بذلك. إذ اعتبر الناقدُ أنّ “التأويل صناعةٌ لغويةٌ في جزء منه”(). ولعلّه من حسن الاستطراد أن نذكر أنّ معنى التأويل يرجع – في أصله- إلى “التّصيير”، أي “تصيّير الشيء شيئًا آخر”().

العنوانُ صناعةً:
بما أنّ لكلّ شيء في الخطاب استراتيجيّة ودلالة تُشير إلى صَنْعة وبناء، فإنّ العنوان – باعتباره خطابا تّقديميّا داخل الخطاب- يُشكّل في اعتقادنا لبنةً رئيسة في هذا البناء. ويؤكّد ليو هوك (Leo H. Heok)- وهو أحد مؤسّسي علم العنونة، وتُسمّى أيضا “التترولوجيا” (La TiTrologie) في العصر الحديث، ومِن الغربيّين الأوائل الذين أفردوا للعنوان دراسةً سيميائيّةً مستفيضةً- أنّه ما إن نقبل بالنص موضوعًا للدرس، فإنّ المشكلة الأولى التي تعترضنا، هي تلك التي أشار إليها رولان بارت، “مشكلة من أين نبدأ. وبطبيعة الحال، فإننا نعتقد أنّ الإجابة تكون من العنوان نفسه((. فالعنوان(Le Titre)- الذي كان، فيما سبق من دراسات القرن التاسع عشر، العنصر الأكثر إهمالاً في النص()، وهو أمر يؤسف له – بحسب أ. فاولر(A. Fowler)، نظرا لما للعنوان من أهميّةٍ بالغة في الأدب الحديث()- أصبحت له الآن مع الدّراسات اللّسانيّة خاصّة التي ضاعفت من حضوره ووظائفه- الأولوية الطبيعيّة، والأسبقيّة في الدّرس والتّمحيص على كلّ العناصر الأخرى، المكوّنة لهذا النصّ. ويذهب “ليو هوك” إلى أنّ العنوان نفسه يكتسي قيمة مضاعفة، تجعل منه لا عنصر الاستقبال الأوّل في النص وحسب، إنّما كذلك هو عنصر له سلطة رئيسة على القارئ توجّهه منذ البداية وتتجاوز وظيفته مجرّد التّسمية(). فكيف ذلك؟

ما يُستفاد من عنوان نصّنا المُختار “وطنٌ مِنْ زُجاجٍ” أنّه قد ورد مركبّا من ثلاث مفردات مهمّة ومغرية تشجّع جميعها على التدبّر؛ أوّلهما اسم مفرد ثابت لازم، هو “وطنٌ” هكذا عامّ ونكرة أو عارٍ وغير محدّد، وثانيهما حرف جرّ [مِنْ] وهو يأتي ههنا لبيان الجنس، جنس الوطن وتركيبته؛ أي “الزّجاج” التي هي ثالث مفردات العنوان والتي وردت بدورها خالية من أداةٍ للتعريف. يضطلع “الجنسُ”، جنس الوطن، بمهمّة حصر وتحديد بالأساس. ذلك أنّ لفظة وطن – مُضافٌ إليها الزّجاج- يمكن أن تجيء، أيضا، إمّا عامّة، مُطلقة، وإمّا يُمكن أن نضيف إليها غيرها، على غرار “وطن من حديد” أو “وطن من شوك” أو “وطن من ورد”….إلخ. ههنا يتبادر إلى ذهننا السؤالُ التّالي: لماذا وطن من زجاج إذن وليس غيره من الأوطان؟ معلومٌ بأنّ الزّجاج، وهو ههنا مفردة متغيّرة أيْ ليس لازمة للوطن، مفهومٌ ثُنائيّ الدّلالة ثُنائيّ الوظيفة. فهو من ناحية دالٌّ على اللّيونة والرقّة وسرعة الخدش، والشفافيّة والوضوح. لكن هل بمقدور أيّ كان أن يقترب من الزجاج أو أن يلمسه فيكسره من دون أن يتأذّى أو يتألّم؟ ههنا يكتسي الوطن معنىً آخر إذن، ويُشحن بدلالات مضاعفة. هو معنى العقاب والجزاء. الوظيفةُ الثانيةُ تدعونا إلى تصحيح معرفتنا عن الوطن وتُساعدنا على بناء أُفق انتظار جديد. صحيحٌ أنّ الوطن هو الذي نعيش فيه، وهو الذي يحمينا من المخاطر والشّرور ويأوينا متى لم نجد ملجأً يأوينا، ويكسونا متى لم نجد كساءً(من له وطن لا يمشي حافيّا كما تقول الكاتبة، ص، 13) ولكن صحيح كذلك أنّ هذا المأوى الزّجاجي، يفضحنا، يفضح أفعالنا ويعرّيّ أفعال فئة من المجتمع كانت تحسب أنّها معصومةٌ من الخطأ. هو لا يسمح بأنّ تٌرتكب هذه الشرور والآثام على أرضه. لذلك لفظها مُعلنًا العصيان عليها والتمرّد. إنّ عنوان نصّنا المُختار، الذي هو من عمل المؤلّف بدون شكّ()، مُغرٍ وذو استراتيجيّة. وهو قادرٌ على تحريك فضول القارئ باستمرار. فهذا التداول وهذه الجيئة، منذ البدء، بين الطيبة والخبث، بين الأمل والألم، بين الحبّ والكُره…إلى غيره من الثنائيات المتجاورة، كان المحرّك الرئيس لخطاب الكاتبة الرّوائيّ. ولا عجب، والحال هذه، أنّ الكاتبة نفسها قد استهلّت تلفّظها بسؤال، يعقبه صمتٌ ينتظر من يؤوّله، لأنّ الصمت بعد التلفّظ- تماما كما الصّمتَ المُطلق- قد ينبني عليه أحكام خطيرة، وقد يرتقي في درجة خطورته ووضوحه ودلالته على القصد، إلى مصاف الخطاب اللّفظي”(). يُلخّص هذا الصمت أزمة شعور الكاتبة وحيرة عقلها ورغبتها في المعرفة: كيف نحبّ وطنًا يكرهنا؟ فتكون الرواية، ويكون خطابها المتشكّلة منه، مُحاولةً للإجابة عن هذا السّؤال القاصم. هكذا تتدرّج الكاتبةُ، في حكيْها، معتمدة استراتيجيّةَ الإغراء، التي يتميّز بها العنوان، القادرة على لَسْعِ” طموحات القارئ الذهنية، و”لَدْغِهَا”، فتجعله يُقدم – مُرغمًا و بحذر كما نبّه إلى ذلك عبد الملك أشهبون() – على استنطاق هذا الخطاب؛ أي الصورة السّردية الأكثر توسّعًا، وتمطيطًا للعنوان. بما أنّ هذا الأخير ما هو إلاّ الصّورة السّردية الأكثر اختزالاً للخطاب.

المتنُ الروائي صناعةً:
صناعةُ الأحداثُ:

يعتقدُ “هنريش بليث” في كتابه” البلاغة والأسلوبيّة” أنّ صناعة أيّ خطابٍ تمرّ عبر مراحل خمس رئيسة. هذه المراحل هي: الإيجادُ، والترتيبُ، والتحضيرُ، والعبارةُ والذاكرةُ(). وإنْ جاز لنا أن نستثمر، في هذه السّياق بالذات، المراحل هذه في رواية “وَطَنٌ مِنْ زُجَاجٍ” نجد أنّ الكاتبة، وقد تحوّلت ههنا إلى رجلٍ، كانت تسعى بدورها من أجل صناعة خطابها والتحضير لهُ إلى تكوين وإيجاد مادّة روائيّة مخصوصة ومتلاحمة الأجزاء، قادرةً على جعل موضوع الخطاب ممكنًا. وكان ذلك من خلال استدعاء جملة من الشخصيات والأحداث والأفضية الزمانيّة والأمكنة التي أثّثت بها الكاتبةُ عالمها الرّوائي، لإقناع المتلقّين، زبائنها في الحكيْ على حدّ عبارة تودروف، المتنوّعين- وهو تنوّع سيُخصّص له حيّزا من البحث- بالأحداث التي ترويها وبالخطاطات والقصود، البيّنة والمُضمرة، التي ترمي إليها من وراء الخطاب، سالكةً، بذلك، مسلكًا تأليفيّا نمطيًّا مُمثّلا في “السّرد”، ومتوسّلة بأسلوبٍ – أي بالعبارة عند بليث- رفيعٍ من شأنه أن يُضفي على الخطاب ضربًا من اللُّحمة والسَّدى والتّماسك الاستراتيجي.

يُفتتحُ الخطابُ بعملٍ لُغويٍّ محدّد ومقصود يُلخّص الخلفيّة العامّة والأجواء التي تُسيطر على الرواية: كيف نحبّ وطنًا يكرهنا؟ قولٌ لُغويٌّ وحيدٌ يُنجزه البطلُ “الرّشيد”. والظاهرُ أنّ المتكلّم يُريد، من خلاله افتتاحه هذا، إقحامَ السّامع والتفاعل معه، والزجّ به في قلب الحدث وإشعاره بأنّه طرف مشارك فيه (استخدام واسمٍ يُشير إلى انتماء المتكلّم والسّامع إلى جماعة تواصليّة واحدة، وهو الضمير الجامع في “نحبّ” الدّال على المشاركة والتفاعل)، و”الإيحاء إليه بأنّه طرف معنّي به ومتلهّف تلهّف المتكلّم لإنجازه ومُستفيدٌ استفادة المتكلّم القيام به”(). ثمّ لا يُعمرّ هذا المتكلّم ُفي الحكيْ طويلا. ولا يلبث أن يموت قبل أن يتعرّف عليه القارئ حتّى، أو يُتنحّى جانبًا ويتوارى في الخطاب. الكاتبةُ تقتله، لأنّها لم تعد في حاجة إليه، أو لأنّه فشل في الظّفر بالإجابة الشافية عن هذا التسّاؤل، ولأنّ عمله اللّغوي كان، من وجهة نظر تداوليّة، عملاً غير ناجح(). ولهذا لا يبدو أنّ الكاتبة تكترث لموته، لا ولا حتى لطريقة موته أو قتله أو اغتياله. ما الفرق؟ تتساءل الكاتبةُ وتُقرّر: لا فرق بين الميتة والأخرى إلاّ في ماهيّة شعورك إزاء الميّت نفسه (ص، 9). المهمّ انّه مات ودُفن ودُفنت معه الحقيقةُ من البداية. “أجل يا صديقي، مات الرّشيدُ، دفناه أمس مع زميلين له”(ص، 7). وينمو الخطابُ. ويظلُّ القارئُ – المتلقّي الفعلي للنصّ- حبيس فعل القراءة ومُجبرًا على الاندماج في الخطاب، مع موضوعات فيه جديدة، وخُططٍ له جديدة، يقوم بها أبطالٌ جُدُد، من أجل الظفر بالإجابة المرغوبة. ههنا يتعرّفُ القارئُ على بطلٍ تالٍ في الرواية: هو “عمّي العربي”. إنّ مفهوم البطولة، ومفهوم السّرد نفسه، مفهومان مُفتّتان في الرواية، وموزّعان على شخصيات مختلفة. تظهرُ مع “عمّي العربي” أوّلُ إجابة وتقرير حقيقيّيْن، ربما، يمكن أن يُعتدّ بها عن السّؤال الافتتاحي: اسْمَع يا بني […] لا يُمكننا أن نكره الوطن بسبب كرهنا للرجال الذين يحكمونه، الوطن أكبر من هذا بكثير!(23)، “الوطن ليس رئيس الجمهوريّة وليس الحكومة (ص، 11). ثمّة إذن إشكال واضح في هذا الوطن. وثمة حبكة قصصية ذات طبيعة “براجماتيّة” (Pragmatique) تُنظّم الخطاب برمّته وتوجّهه. يجوز أن نسميّ هذه الحبكة: الحبكة الأدبيّة المعكوسة. وهي: “الحبكة التي تسير إلى الوراء؛ تبدأ بالجواب، ثمّ تتراجع إلى الذّروة لحظة القرار، ثمّ إلى المشكلة”(). الإشكالُ إذن، بالنسبة إلى الكاتبة، ليس على ما يبدو في الوطن ذاته، هذه التيمة المحوريّة التي حولها يدور خطابُها، والخطابات الروائية المعاصرة أغلبها()، إنّما في الذين يسكنون الوطن ويتستّرون بردائه. غرضُ الخطاب الرّوائي في “وطن من زجاج” الذي أُلّف لأجله، إذن، هو هؤلاء الذين يسكنون الوطن، والذي يسرقون قلبه على حدّ عبارة الكاتبة (ص، 24)؛ والذي يقتضي الخطاب تقديرهم قبل الوطن لكي يكون الخطابُ مُفيدًا. أفعالهم وتصرّفاتهم المُصطبغة بالظلم واستغلال المناصب والغدر والخيانة هي التي تتصدّر اهتمامات الرواية. لأنّ الوطن في حدّ ذاته لا يُمكن أن يتّصف بهذه الصّفات. ولم يعد خافيًا ههنا أنّ الشبكة الاجتماعيّة الهائلة الممثّلة في جملة هذه الشخصيات الواقعية- أو التي توحي بالواقعيّة- المرسّوة في أعماق الرواية والمرصوصة فيها، وتوكّأت عليها الكاتبةُ وتلبّستها وانخرطت فيها، وأرادت تفكيكها وتمزيقها، ليس معناه أنّ العالم الروائيّ الذي تقدّمه الكاتبةُ للمتلقّي هو بالضرورة انعكاسٌ حقيقيّ للعالم الخارجي (الجزائري والعربي)، إنّما مردّه بالأساس قدرتها على تخييل، (والإيهام دون نيّة المغالطة) هذه المكوّنات الروائية، التي تحتاجها الروايةُ، تخييلاً تاريخيًّا استطاعت من خلالها أن تصنع خطابًا جديدًا قادرًا على أن يفكّك الثنائيّة بين الأدب والتاريخ وقاصدًا تبليغ غاياتٍ محدّدةٍ. ومُصطلحُ “التّخييل التّاريخي” مصطلحٌ حديثُ النشأة، استنبطه الناقدُ العراقي “عبد الله إبراهيم”. ومُقتضاه “ترحيل الشخصيات التاريخية من منطقة التاريخ الرسمي إلى منطقة السّرد التاريخي، فتتفاعل مع الأحداث المتخيّلة، فتظهر بوصفها شخصيات حيّة جرى استدراجها إلى العالم التّخييلي للسرد بأفكار جديدة، ومواقف مبتكرة، فتظهر عابرة للهويات الدينية والعرقية”(). وبما أنّه لكلّ شيء في الخطاب استراتيجيّة وصناعة، وأنّ “عدم وجود استراتيجيّة في الخطاب هو في حدّ ذاته استراتيجية()، وأنّ “المرء لا يتكلّم لوجه الله، وكلُّ كلامٍ ذو معنى()، فإنّه ليس من المبالغة في شيء إذا ما قلنا: إنّ اختيار الكاتبة لأسماء الأعلام هذه دون غيرها، يُرجّحُ أن يكون اختيارًا مُنتقىً مُختارا، ومن الصعب أن يكون بلا مسوغ. بل إنّه، من دون شكّ، أحد أهمّ الخصائص المائزة لخطاب الروايةُ المنطوق، والتي تشدّ انتباه القارئ الذي لا يجب أن يمرّ عليها بلا تمعّن. لتصبح الغاية منه مُضمرة ( Implicite) ورمزيّة أكثر منها واقعيّة، وتتطلب فائضًا من العمل الإنتاجي والتأويلي. فهي، أيْ هذه الأسماء، إذن شكلٌ من أشكال صناعة الخطاب. لذلك لابدّ، دائما، من مُساءلة اسم العلم بعناية على حدّ عبارة رولان بارت، لأنّ “اسم العلم هو، إن جاز التعبير، أميرُ الدّوال، وإيحاءاته ثريّة واجتماعيّة ورمزيّة”().

لقد أسندت الكاتبةُ إلى أبطالها في الرواية أسماءَ عَلَمٍ ذات أبعاد استراتيجيّة مثيرة للاهتمام، تهدف من خلالها إلى تحقيق جملة من المقاصد الخطابيّة، وتشير من خلالها إلى التناقضات الداخلية التي تتميز بها الشخوصُ في هذا الوطن الزّجاجي الذي فضحها جميعًا. ليس عجبًا، إذن، ألاّ يجد الرّشيدُ (الدّال) مكانًا له في هذا الزمن وفي هذا الخطاب وفي هذا الوطن، فيموتُ، ويُغيّبُ ويُستبعدُ من الخطاب منذ البداية. وليس عجبًا كذلك أن يكون في الدّال: “عمّي العربي” مدلولات عميقة؛ فيكون تُرجمانًا عن العروبة والنخوة والأصالة والهويّة الجزائرية والعربيّة، وبموته وانتفائه تموت هذه الرموز جميعها وتنتفي وتندثر، ويُصيبها الخرمُ. ثم إنّه ليس عجبًا أنّ الحاج عبد الله، هذا الذي من المفترض أن يكون ورِعًا تقيًّا يخاف الله، نجده أوّل من يفضحه الخطابُ، ويُعريّه الوطن. فالحاجُ “الكبيرُ بموجب أرضه الواسعة، بموجب الذين كانوا يعملون في الأرض، القادرُ على فعل ما لم يقدر فعله المسؤولون الرسميون أنفسهم “(ص، 29)، قد رُقّيَ، في الخطاب، إلى رُتْبة مالك البلاد والعباد. ثمّ إنّه قد كان رمزًا للنظام الأبوي المجحف القائم على ثقافة العنف والقهر، وجعْل الآخر- وخاصّة العنصر النسائي- تابعا له، مُسيطرا عليه في كلّ مراحل حياته. فلقد سمحت له رتبته السرديّة بوصفه أبًا بأن يظلم ابنته ويبخسها، وهي المشلولة، حقّها في الزواج. ويرسم لها هو ما يريده ويخطّط له في الخطاب. فكان ذلك سببًا في فقدان حياتها، بعد أن كانت قد فقدت المشي أوّلا، ثمّ حريّتها ثانيا، ثمّ عشيقها عامل الإسطبل ثالثًا الذي باعد “الحاجُ” بينه وبينها وفرّق، لأنّه كان فقيرا ذا متربةٍ (ص، 43). هذا الفقدانُ المتعدّدُ الوجوه الذي عانت منه الفتاةُ هو الذي أخرج الحاجّ في صورة الشخصيّة التي تتجسّد فيها كافة مظاهر السّوء. ولكنّ ذلك قد يُشعر القرّاء، البعض منهم على الأقلّ لأنّ شعور القرّاء ليس واحدا، بتقبّل الأمر ويرضى به ويستحسنه ويشفق على الأنثى وعشيقها، ويخيب أملهم في النموذج الذكوري الذي حاولت الكاتبة تصويره. كما واستغلّ “الحاج” المهمّشين، العمّال المنسيّين، في أرضه فكانوا ضحايا استبداده السّياسي والاجتماعي. فكانوا لا همّ لهم، في الخطاب، سوى تنفيذ أوامره وتطبيق أفكاره. والنذيرُ، المعلّمُ وصوتُ الحقّ اليتيم في الوطن، أصبح مهجّرا من القرية، وانتهى به الحالُ إلى “حمّال” في ميناء(ص، 62) لا لشيء إلاّ لأنّه كان صاحب رأي ومبدإٍ، يصدح بالحقّ، ولا يخشى في هذا الحقّ لوْمة لائمٍ. لهذا انتهت حياة “الحاجّ” نهايةً سرديّةً لازمة ومُنتظرة، ربّما، من قبل مُتلقّي الرواية. وهي نهايةٌ من شأنها أن تُفسّر، إلى حدّ بعيد، غرض الراوي في التأثير على المتلقّي وتهييجه ونيْل رضاه، وإقناعه و”إحداث تغيير في الموقف الفكري أو العاطفي لديه”()، بالقدر نفسه الذي تفسّر فيه استجابته (الراوي) لظروف المقام/السّياق (Le Contexte) ومقتضيات الأحوال التي تحدّد طريقة الإخراج وتمنحه الشرعيّة والمقبوليّة. فيكون هذا سببًا من الأسباب المباشرة التي تجعل من هُويّة الرواية الخطابيّة هُويّة زلاّقةً وغيرَ دقيقةٍ، تُعْنى بتوصيل جملةً من الدلالات وتبليغها، أكثر من اعتنائها بالحقيقة التاريخيّة. قال الرّاوي معبّرا عن خراب النموذج البطولي الذي سعى الجدُّ بنائه لنفسه منذ بداية الخطاب: رأيت جدّي وقد ازداد شحوبةً وهو يقرّر بيْعَ البيت أيضا”(ص، 46). والقرينةُ النطقيّة (أيضًا) هذه تقتضي دلاليًّا ومنطقيًّا معانٍ أخرى مضمرة منها: أنّ الجدّ (الحاج)لم يعد كبيرًا بموجب أرضه، كما كان في الماضي، وأنّه قد باع كلّ ما يملك، وعاد إلى الدرجة صفر من الملكيّة، وأنّ قوّته وجاهه ومُلكه هي مجرّد أكاذيب، وأنّ الأيّام قُلَّبٌ خَؤُونٌ، مرةٌ لك وأخرى عليك. والحقّ، إنّ الراوي لم تكن له، ههنا، خياراتٌ “سرديّةٌ” كثيرةٌ تُتيح له صناعة خطابه وإخراجه غير هذا المخرج. فنجاعةُ خطابه وهدفه في الإقناع محكوميْن بضرورة استجابة الراوي لتوقّعات المخاطبين وأُفق انتظاراتهم، و”لمعارفهم الخلفيّة المُشتركة بالعالم()، التي تجمع بين المتخاطبين في السّياق التالي الضيّق الذي تدور فيه العمليّةُ الإبلاغيةُ برمّتها. والذي يستلزم، أي هذا السياق التواصلي الإسلامي غالبًا، بضرورة مُعاقبة الظالم، وانتصار المظلوم، ويكون ذلك بتبجيل الحقّ، وإنهاء الظلم، وتطهير الأرض من براثن الظُلم والظالمين.

وقد يُعلّل اعتماد اسم “النّبيل”، وإسناده لإحْدى شخصيات الحكْي، ضربًا من السّخرية والتهكّم بالسّرد، وبالجنس الأدبي. الجنسُ الأدبيُّ، إذن، قادرٌ على السخرية من فئات المجتمع أحيانًا، بالقدر نفسه الذي يجعله مدافعًا عنها، متبنيّا لأفكارها، متكلّما باسمها أحيانًا أخرى. والواقع إنّه يجوز أن نتحدّث عن سخرية الجنس الأدبي(L’ironie du genre littéraire) من شريحة اجتماعيّة محدودة في هذا السّياق. هذا “النبيل” الذي كان ينتمي إلى زمرة الطلبة المتفوّقين على الرغم من فقره، كان في الخطاب، أيْ في الوطن، رمزًا للرّذيلة والشّذوذ الجنسي ويُمارس الرّذيلة مع المهدي. في الوقت الذي كان في هذا الأخير يتهادى النسوة مع أصدقائه. (كان المهدي يوزّع النّسوة على حرّاسه وضيوفه ويبقى هو منتظرا أن يأتي النبيل، وحين ينام الجميع[…]يدخل معه إلى غرفة النوم، ص، 57). هكذا يكون السّياقُ عنصرًا رئيسًا وأداةً فاعلةً في صناعة الخطاب الروائي ومحدّدا لمفاصله الكبرى؛ لبداياته ونهاياته خاصّة. وفي هذا الصدد تُشير “كاثرين أوركيوني”، ناقدة فرنسيّة، في كتابها “الخطاب التّفاعلي” (Le discours en interaction) إلى أنّ “الخطاب لا يتشكّل بعيدا عن السّياق، إنما ضمنه. والسّياقُ يسهم في تشكيل الخطاب، مثلما أنّ الخطاب بدوره يؤثّر في السّياق ويُساهم في تعديله وتطويره وإعادة تشكيله”().

وينمو الخطابُ وتتدرّج فيه الأحداثُ تدرّجا منطقيّا مقنعًا من المقدّمات إلى النتائج، وأحيانًا زمنيّا ينتقل فيه الحدث من الأقدم إلى الأحدث أو استقرائيًّا يسير فيه من الخاصّ إلى العامّ، أو استنباطيّا من العامّ إلى الخاصّ، وكلٌّ وجهٌ من وجوه صناعة الخطاب. وفي كلّ ذلك تتغلغلُ الكاتبةُ في بسْط مشكلات شعبه والدخول في معمعة تاريخه الاجتماعي. فتنتقي من هذه المشكلات وتتدرّج في عرضها تدرّجًا صناعيّا يخدمُ غرضها في إقناع متلقيّها إقناعًا قويًّا ودائمًا، منظورا إلى هذا الإقناع(Persuasion) باعتباره “العمليّة الكلاميّة التي تستهدف التأثير العقلي والعاطفي في المتلقّي أو الجمهور، قصد تفاعله إيجابيّا مع الفكرة أو السّلعة المعروضة عليه”()، ومتوسّلة في ذلك بالسرد مسلكًا بنائيًّا تأليفيًّا يضفي عليها لُحمة وتناسقًا وتماسكًا منطقيًّا(). ويتعاظم الوهمُ بواقعيّة الحكاية حتى ليظنُّ المتلقّي(بأنواعه) أنّه جزء منها. تستهلّ الكاتبةُ هذا البناء التدرّجي(Construction en paliers) في الخطاب وبِهِ: برداءة التّعليم، وعدم ملاءمة الشّهائد العلميّة الجزائرية لمتطلّبات سوق الشغل(ص، 47)، وإذن البطالة والوجع اليومي(ص، 85)، ومرورا برداءة التّعليم إلى غلاء الأسعار (في وطن أصبح 15 عشر مليون جزائري فقيرا، ص، 18)، و”مخيّرا بين ثمن الكتاب أو ثمن الخبز”(ص، 47) مع أنّ ثروته النفطيّة تقدّر بالملايين(ص، 88). وهذا ما يُضفي على الفرد الجزائري (وربّما العربي) الإحساس بالتناقض وبعبثيّة الحياة ولا جدواها، وعدم الشعور بالانتماء إلى هذا الوطن الظالمِ ساستُهُ، وكلّ من يملك سلطة القرار فيه، لاسيما في الوقت الذي ينعم فيه الأجانبُ بالرفاهيّة على حساب أبناء البلد (كان الوطن يُجامل الأجانب على حساب أبناء البلد…يدفع لهم بالعملة الصعبة كي يغنون في “خزائن الشرف. ص، 74). ليس هناك، إذن، سعادة حقيقيّة في هذا الوطن الزجاجي. وكأنّه يجب عليك أن تكون بلا قَلْبٍ وبلا ذاكرةٍ حتى تكون سعيدا فيه. ههنا يطرحُ الخطابُ سؤالاً يحمل في تضاعيفه الإجابة: “هل ثمّة إنسانٌ سعيد في هذا البلاد سوى فاقدي القلب والذاكرة؟ (ص، 69) ، وانتهاءً إلى مشكلة “الهجرة” أوالهرب”. تقول: “…قبالة كلّ عائلات الشهداء الذين راقبوا أبناءهم وهم يقفون في طوابير السفارة الفرنسية لأجل حلم الحصول على فيزا تحرّرهم من كذبة الوطن[…] أعترف أنّني كنت واحدا منهم أولئك الذين كانوا يحلمون بالخروج من هنا[…] وكنت أحيانا كيْ أرغب في الشعور بما يشعرون به أمشي بالقرب من تلك السفارات التي كانت مكتظّة بالشباب الحالم بالهرب. كانت السفارة الفرنسية الأكثر اكتظاظا بالطوابير. (ص، 83). سيتساءل محلّلُ الخطاب على التوّ لماذا استعملت الكاتبةُ لفظة “الهربَ” بدل “الهجرةِ”. فلا يمرّ عليها، وعلى أيّ شيء في الخطاب، بلا تمعّن. إذْ ليس الهربُ كالهجرة. الهربُ أشدُّ دلالةً من الهجرة. هذا الهرب هو أمّ المشكلات بالنسبة إلى الكاتبة. ومنه تنحدر، وتولد في أحضانه كلّ مصائب الشعب الجزائري. ففي ضوء هذه الأوضاع كان من اللاّزم أن يبحث الفردُ الجزائريُّ عن حلٍّ آخر يضمن له تحقيق قدرٍ من العيش الكريم الذي لن يكون متاحًا، في منظور السوّاد الأعظم من الناس، إلاّ في الخارج الأوروبي؛ وتحديد في فرنسا التي كان الجميعُ يتكلّم عنها، ويتباهى بها.

هذا الرأي، الذي يقوم على فكرة أنّ الغرب أو الآخر على وجه العموم هو الجنّة والنعيم وهو المركز والأصل، وأنّ الدّاخل، أي الوطن هو، في مقابل ذلك، الفرعُ والمهمّشُ والجحيم الواجب تجنّبه والهرب منه مهما كانت التكاليف، هو، بالطبع، ما سعت الكاتبة إلى تفنيدة، مٌبينة تهافته والمغالطة التي ينطوي عليها. ومؤكّدة، وإن بأسلوب مُضمرٍ وجب تحيينه (Actualiser) وتلك بدون شكّ من مهامّ القارئ والقراءة، أنّه من تركات الخطاب الاستعماري الكولونيالي الذي يجب التنبّه من مخاطره وعدم الانزلاق وراءه، بل وتفكيكه وتجاوزه لأنّه يسعى إلى إقصاء الآخر وتوسيع الهوّة بين الحضارات والشعوب؛ بين الغالبين والمغلوبين. لتقترح مقابل ذلك، خطابا استيعابيًّا، هو خطاب المغلوبين، القادر على استيعاب المستضعفين والمهمّشين والمنسيّين وإعادة الاعتبار لهم، وعلى أن يحكي حكاياتهم. ليس “الآخر” إذن جنّة إنّما “خطاب الإشادة” بالآخر هو الذي جعله كذلك. والمقصود بخطاب الإشادة: ذاك الخطاب الذي تشيد فيه الذات المُتلفّظة بالآخر (المديح، الغزل، الرثاء) أو بالذات الفردية أو الجماعيّة (الفخر)[…] وهو خطاب يتشكّل نتيجة التعبير عن أفكار بين متحدّث يُشيد بانجازات آخر هو في معظم الأحوال المتلقّي للخطاب بهدف التواصل”(). صحيحٌ أنّ هذه الموضوعات التي كانت بمثابة القطب الذي تدور عليه رحى الخطاب في “وطن من زجاج”، هي موضوعات صميميّة وحيويّة صارخة،لم ينكرها الراوي (أي الكاتبةُ التي اعترفت على لسان بطلها أنّها كانت واحدة من هؤلاء الذين يحلمون بالخروج من هنا، ص، 83)، وتعذّر عليه تجاوزها، بل هي تتصدّر أولويّاتها وأولويّات الرواية منظورا إليها ديوانًا للعرب. فالفقرُ، والتهميشُ واللّا مُساواةُ وطوابيرُ الحصول على الفيزا، والعديدُ من المشكلات المرصوصة بها الرواية، ، كلّها موضوعات حقيقيّة ولا فكاك منها. وليس من المبالغة في شيء إن قلنا: إنّ هذه المشكلات النابتة في “قعر” المجتمع الجزائري ليست حْكرًا على الوطن الجزائري وحده، إنّما هي ديْدن العالم العربي برمّته (الجزائري، التونسي، المغربي…)، ولكن صحيحٌ كذلك أنّ الحلّ في مجابهة هذه المشكلات لا يكون بتفاديها، والهروب منها إنّما بالتصدّي لها واقتراح حلول بديلة.

هكذا تسعى الكاتبةُ في خطابها الروائي إلى اقتراح حلولٍ، وبناء نموذج لشخصيّة جزائريّة، عربيّة جديدة لا هروبيّة ولا سلبيّة، إنّما إيجابيّة تؤمن بقدراتها على تغيير واقعها. ههنا ينتابنا الإحساسُ بالنهاية في القصّ. خاصّة مع توفّر مؤشّرات(Indicateurs)تدلّ على أنّ الرواية تسيرُ شيئا فشيئا نحو الحلّ. قدرُ الرواية أن تتوجّه نحو الحلّ، كما ألمع إلى ذلك ر.بارت. وكشْفُ الحلّ هو نهايةُ القصّة. وهو مهمّة ترتسم خطوة بخطوة وبشكّل مخطّط له من جانب المؤلّف، “لذلك فإنّ الكاتب مُجبرٌ على تأجيل الحلّ بكلّ الوسائل(). وهذا من شأنه أن يجرّنا إلى استخراج إحدى أهمّ مزايا الخطاب الروائي في “وطن من زجاج”. إذْ المُلاحظ أنّ أهمّ وجوه صناعة هذا الخطاب، كذلك، هو البناء العامّ للأحداث الذي يستجيب للبناء الثلاثي النّمطي والعالمي، إن صحّت العبارة، الذي اقترحه الناقد البلغاري “تودروف” في كتابه “الشعريّة”. وهو بناء يدلّ على حبكة وصناعة. يبدأُ البناءُ بوضعٍ متوازن توازنًا استراتيجيًّا، ولو نسبيًّا، تفرضه طبيعة القصّ في الرواية، يتمثّل في سردٍ تقريريٍّ لجملةٍ من الأحداث التاريخية، ومن ثمّة تضطرب الأحداث شيئا فشيئا، خاصّة عندما حاولت الكاتبةُ أن تبذر مكوّنات خطابها على نحو ما ألمعنا إليه في التحليل، عن طريق جملة من الاستراتيجيات، سالكةً في ذلك مسالك عدّة منها: المسالك البيانيّة والمسالك البنائيّة النظميّة نحو: الإخبار والأمر والاستفهام، والمسالك التأليفيّة النمطيّة مثل: السرد والوصف وغيرها من المسالك الخطابيّة…إلى أن تعود في مرحلة أخيرة أقلّ ما يُمكن أن نصفها بأنّها مرحلة توازن ليس شبيهًا أبدًا بالتوازن الأوّل. ههنا تجد الكاتبةُ حلاّ، أو حلولاً (اثنيْن على أقلّ تقدير) وتقدّم “خطابيْن مُقترحيْن” فعليًّيْن ومُمْكنيْن، يكونان بديليْن لمجابهة الأزمات والتصدّي لها، و”لحيازة رضا المتلقّين، وانخراطهم في الاقتناع بضرورة إنجاز المضامين الفعليّة للمقول”(). فبدل أن نكون سلبييّن وهروبييّن من الواقع، وجب أن نكون إيجابييّن متصدّين له، ذلك أنّه لابدّ في النهاية من أن نعيش وأنْ نتأقلم مع المعيش الواقعي، وأن نقاومه ونعيد قراءته والوعي به وعْيًا جديدا، معقولاً يُعطي له وللحياة معناهما. إنّ الإنسان السعيد هو من يستطع التأقلم مع كلّ وضعيّة جديدة يكون فيها. “إنّ الحياة تستحقُّ العيش، وإنّ الانكسارات تستحقّ أن نتجاوزها بفقدان الذاكرة” تقول الكاتبةُ (ص، 125).

الخطابُ المقترحُ الأوّل الذي تقدّمه الكاتبةُ هو: خطابُ الكتابة (l’écriture) أيْ الإبداع (la création)، الذي وجدت فيها الكاتبةُ مواساةً لها في محنتها، ووُجُودٌ وحياةٌ وردٌّ على كلّ هذه الأسئلة. فهي مطالبة بالكتابة والإبداع لكي تنسى وتعيش. تماما مثلما أنّ الناس، المتلقّين في الخطاب في الجزائر وغير الجزائر، مُطالبون، لكي يعيشوا ويهربوا من رعبهم، ولكيْ يفهموا خطابها أيضًا، بالقراءة، لأنّ القراءة ههنا آلية من الآليات المساعدة في صناعة الخطاب وبناء المعنى فيه. (يهرب الناسُ من رعبهم بالقراءة، يستفيدون من عجز الآخرين عن الحياة بالقراءة أيضا ص، 74). ألم تصرّح الكاتبةُ نفسها على لسان أحد أبطالها، آناء الخطاب، أن لا وجود لإنسان سعيدٍ في هذه البلاد سوى فاقديْ القلب والذاكرة؟ ألم يُعلن الفلاسفةُ، أفلاطون واحدٌ منهم، إن جاز لنا أن نتوسّع في دائرة التأويل، الثورةَ على الكتابة باعتبارها مساعدة على النسيان (l’oublie) وغير إنسانيّة وعدوّةً للذاكرة وآليّة من آليات تدميرها ()؟ ألسنا في حاجة، اليوم، لهذا النسيان ولفقدان الذاكرة، ولِلْكتابة، أي للإبداع لكيْ نعيش؟ وعندئذ، ألا تتخلّى الكتابة، في هذا البساط التخاطبي الجديد، عن وظيفتها الأولى المنوطة بعهدتها باعتبارها وسيلةً لتدوين الأفكار “السائبة” وتقييدها وتأبيدها وتخليدها، فتصبح وسيلةً لنسيانها؟ هل إنّنا نُلجأ إلى تدوين هذا الواقع وتمثيله لكيْ لا ننْساه؟ أم إنّه يجب علينا أنْ ننْساه لكيْ نكتبه، ونُبدع فيه؟() إنّ مُقترح الكتابة- السرد، أو الردّ بالكتابة، الذي تقدّمه الكاتبة على لسان أبطالها، يبدو ههنا مقترحا مفيدا، ووسيلةً مُساعدةً على العيش. فهي تُعتبر، من هذا المنظور، تجسيدًا لمفهوم الخلاص (La délivrance) وطريقًا من الطرق الهادية إليه. 

الخطابُ المُقترح الثاني للكاتبة هو: خطابُ الحبّ، أو خطابُ الرّغبة والحسّ الإنساني النبيل الذي نبت وتولّد واشقّق فجأة، وبطريقة قد تُفاجئ المتلقّي (ولكن قد يستحسنها وتُثير إعجابه وارتياحه أيضا)، من خطاب الموت، ومن رحم المعاناة والألم. فبذرةُ الحبّ التي نبتت لحظة تعرّف البطل (الذي وسع كلّ شيء علمًا) على أخت النذير، أو إعادة تعرّفه عليها. فهما قد عاشا سابقًا في الفضاء نفسه (القرية) وتشاركا الألعاب نفسها. لهذا نجد الراوي يُكثر من العودة إلى الماضي متى جاء لسانه على ذكر أخت النذير. ولهذا أيضا كثيرا ما يتكسّر الزمن السّردي ما بين الحاضر والماضي، فتكثرُ الاسترجاعاتُ (Analapses) والاستباقاتُ (Prolepses)معلنةً عن مظهر آخر من مظاهر صناعة الخطاب في الرواية. قال الراوي في إشارة عابرة إلى ماضيه التاريخي:”هالني أنّها مازالت تنظر إليّ بتلك الابتسامة المغرورة، هالني أنّها لم تتغيّر كثيرا”(ص، 93). والمقتضى الدّلالي الماثل في بنية الملفوظ التّالي: “مازالت تنظر إليّ” يستبطن معلومة داخليّة مفادها أنّها:كانت تنظر إليه. نمت، إذن، بنموّ الخطاب، بذرةُ الحبّ. وتعاظمت وتعاظم تأثيرها في قلبه (أي في قلب الكاتبة) حتّى غيّر موقفه من الوجود، ومن الوطن، ومن القيم الإنسانيّة الكُبرى: (الحريّة، الكرامة، العدالة…)، إلى أن بلغ المعرفة الكاملة، وحصرها كلّها في الحبّ: “ما الخبزُ إلاّ روح وجودك في قلبي، ما الحريّة إلاّ صوتك حين يتكلّم فجأة[…]وما الكرامة إلاّ لحظة أكون فيها معك”(ص، 112)، وقرّر التمرّد والعصيان على سوداويّة الكون. من عرف قلبُه الحبَّ لا يخشى سوداويّة الكون إذن. والحبُّ يجب أن يكون دستورًا جديدًا قادرا على تنظيم حياة الفرد الجزائري والعربي. ويجب أن تسير وفق سُننه ومخطّطاته وأهدافه البلادُ والعبادُ. قال الراوي: “لم يعُد ممكنا ألاّ أكون استثنائيًّا من جديد، وألاّ أكتب افتتاحياتي هذا المساء لأجل أن ينتصر الحبّ على سوداويّة الكون والمدينة والأشياء، لأجل أن ينتصر الحبّ على القتلة الذين يتربّصون بي أيضا دون أن يعرفوا أنّني أبقى لأجلك ولأجل أن أعيش في وطن وجدته فيك !”(ص، 175). ولعلّ إنهاء الكاتبة لخطابها بهذه الطريقة المتفائلة راجعٌ في اعتقادنا إلى أمرين رئيسيْن:

أمّا أوّلهما فهو: صناعيّ ذو بعد استراتيجي بحت، يبيّن رغبتها في تتويج خطابها على نحوٍ من التوازن والتفاؤل فلا ينفر منها المتلقّي الجزائري والعربي (وهل نقول الكوني قارئ الرواية أينما كان)، وللوصول إلى حقيقية خطابيّة كُبرى مفادها: إنّ الوطن ليس كريهًا أوبئيسًا لهذه الدرجة التي يصوّرها متنُ الرواية. لقد أرادت أن تختم عملها، والعبرة بالخواتيم، برسالة إلى المتلقّي الجزائري والعربي والكوني مفادها: إنّ الخير والحبَّ أصيلان في الوطن، وإنّ الغرْب أو الخارج أو الآخر على وجه العموم ليس دائما بالصورة التي يتصورها العربي في ذهنه، وهي صورة تعمّها الرفاهيّة والحقوق والحريات.تلكم هي الغايات التخاطبيّة التي أرادت الكاتبة تفهيمها للمتلقّي.

وأمّا ثانيهما: فلربّما يعود إلى عدم قدرة الكاتبة على الفكاك من هذه النهايات السّعيدة المتوقّعة التي ينغلق بها القصُّ. فكأنّه إذن محكوم عليها، متى رامت توصيل هدفها على النحو المطلوب وتبليغه، أن تتتبّع هذا النظام السّائد والمستقرّ، والقيْد الصّارم الذي غدا بمثابة القالب الجاهز أو الوعاء فيه تصبّ القُصّاصُ والروّاةُ أخبارها. وعندئذ فإنّ مفهوم النّهاية أو شرط النّهاية، ولربّما يجوز أن نسميّه أزمة النهاية، هو شرطٌ سرديّ بالأساس يمنح لصناعة خطاب الراوي المشروعيّة اللاّزمة. وهو محكوم، من وجهة نظر تداوليّة بسياق الحال الذي وقعت فيه العمليّة التلفّظيّة().

شيءٌ آخر من مرام الباحث في هذه المداخلة؛ هو البحث في تجليّات المروي له، أو المروي عليه- أي القارئ الحقيقي عندما يكون السردُ مكتوبًا، كما يُسميّة جيرالد برنس()- في هذه الرواية الذي أصبح ذا قيمة كبيرة في الخطاب وجزءا لا يتجزّأ من صناعته. ونحن نزعم أنّ الكاتبة تحاول إقناعنا بأنّها قد تقصّدت بخطابها استهداف متلقٍّ نوعيّ مخصوص اصطلح عليه “بيرلمان” المخاطب المحدّد النابع من مكوّنات مقام القول()؛ هو المتلقّي الجزائري: الفردي أوّلاً، ثمّ الجماعي (الخاصّ والعام) بكافة فئاته ومستوياته الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، يساعدها على ذلك “معرفتها العميقة بنوازع هذا المتلقّي وبما يمكن أن يحرّك ذاته() التي من شأنها أن تمنح خطابها قدرا من التبليغ والنفاذيّة. وهو ما يتبادر لذهن محلّل الخطاب فعلاً، خاصّة مع تضافر قرائن هادية إلى ذلك منها: بيئة هذا المتلقّي ولغته التي حاولت الكاتبة الغوص فيها. لكنّ الفحص الحرّ الدقيق في متن الرواية يقودنا إلى استنتاج أن الكاتبة كانت تتوجّه بخطابها إلى المتلقّي الجماعي؛ العربي عموما، في بلدان المغرب العربي غالبا، الذي يغترف معه من المعين نفسه، فلا تختلف أحواله الاجتماعية والسياسيّة كثيرا عن المتلقي الجزائري، ثمّ هي تتوجه به إلى “المتلقّي الشمولي” أو “الكوني” على حدّ عبارة الكاتب نفسه. (يعني قارئ الرواية أينما كان).كيف تتجلّى إذن صورة المخاطب (المروي له) في رواية “وطن من زجاج”؟ وكيف يغدو هذا المتلقّي جزءا من صناعة الخطاب؟

لأنّ الكاتبة جزائرية المولد والمنشأ، ولأنّ الوطن المتحدّث عنه في الرواية هو “الجزائر”، وهي تذكر ذلك صراحة وفي أكثر من موضع من الرواية (في الجزائر، ص، 10) فإنّه من الطبيعي أن يكون المروي له- الذي يتماهى مع القارئ- المعني بالخطاب هو الفرد الجزائري المُحدّد أصلاً، الذي أرادت الكاتبة إيقاظه وتوعيته، والحديث عن تاريخه (الاستعمار الجزائري، ص، 14، جبهة التحرير، ص، 16)، ومشكلاته. لكنّ الكاتبة لا تكتب لنفسها فقط، لا ولا حتى لمتلقٍّ فرديّ أو جماعيّ محلّي فقط، إنّما تنتشر الروايةُ وينتشر خطابُها ليشمل المتلقّي الأمُمي، أو الكوني أي قارئ الرواية أينما كان، الذي تُساعده آليات الإشهار (من وسائل اتّصال؛ كالتلفاز والرّاديو، والأنترنيت والملصقات في الأماكن العموميّة) وسلطة الدّعاية على تسويق الرواية وترويجها وتمريرها إلى القارئ (أي الزبون)، عن طريق تزويده بالمعلومات اللاّزمة عن مكان اقتناء الرواية، وعن ثمنها…إلخ. ههنا ينفتح خطاب الرواية على متلقّين عدّة، وتختلف طُرق تأويله وتتغير بتغيّر المؤوّلين واختلاف كفاءاتهم التأويليّة وذخائرهم وبيئاتهم ومكانهم وزمانهم. 

صناعةُ اللغة:
يعود اهتمامنا بكيفية صنع اللّغة في هذا المستوى من التحليل إلى أمريْن رئيسيْن:

أمّا أوّلهما فلأنّ الرابط بين اللغة وبين الجنس الأدبي متينٌ؛ فالأوّل مادة الثاني وسبب وجوده، والثاني حاضنٌ للأوّل وحافظ له، ومُبْرز. ولأنّ كلّ جنس أدبي يفترض، بالضرورة، استعمالاً، أو خلْقا، مخصوصًا لِلُغة منطوقة، أو لُغة مكتوبة، أو لغة منطوقة ومكتوبة على حدّ عبارة “بيار لارتوماس (P. Larthomas)(). وأمّا ثانيهما فلأنّ المادة الحكائيّة في خطابٍ ما هيّ، على حدّ عبارة “عبد الله إبراهيم”، إلاّ: “متنٌ مُصاغٌ صَوْغًا سرديًّا، وهذا المتن إنّما هو خلاصة تماهي العناصر الفنيّة الأساسيّة وهي الحدث والشخصيّة والخلفيّة الزمانيّة والمكانيّة.إنّ الصوغ ذاته لا يتجزّأ عن المتن بل يُعطيه صُورته ووُجُوده، وهما كُلٌّ واحدٌ مُتّحدٌ على نحوٍ جوهريٍّ، ولا يتقوّمان إلاّ بوصفهما نسيجًا وكيانًا واحدا(). وَلَسوف يبدو من غير الطبيعي، في ظلّ هذه المعطيات المهمّة، ولا اللاّئق أن يُخرج الراوي خطابه للمتلقّي بلغة غريبة عن هذا الجنس الأدبي (جنس الرواية)، أيْ اللغة الفصيحة ذات الأسلوب الأدبي الرفيع والبليغ ذي المحسّنات البيانيّة “التي تبيّن أنّ الإنسان مفطور عليها()، والتي تقتضيها بلاغة الخطاب ومقصدياته، والتي تتجاوز، أحيانًا، حدود توصيل المعلومة إلى التفنّن في إخراجها وزخرفتها ممّا “يُساهم في إمتاع المتلقّي وتهييجه”(). وفي هذا الصدّد يُشير مؤلّفا كتاب تحليل الخطاب، ب.براون وج.يول، إلى أنّ عمليّة إخراج الأثر هي عمليّة صناعيّة بالأساس. فهي: “لا تقف فقط عند حدود عمليّة تقديم المعلومات بصورة معيّنة داخل الخطاب، بل تتجاوز هذا لتشمل أساليب بلاغيّة مثل اختيار المفردات والقافية والجناس والتكرار وأنواع المجاز وأدوات التأكيد وغيرها”(). ولا حاجة لضرب أمثلة لذلك، لأنّها أكثر من أن تُحصى وتُعدّ في الرواية. بيْد أنّ الحاجة تبدو أكيدة إلى الإشارة، في المقابل، إلى أنّ هذا الضربَ من اللّغة لم يتجاوز عقبات التفاصح اللّغوي المشروع، على حدّ عبارة عبد الله إبراهيم، الذي لا يبلغ حدّ التكلّف في الكلام أو التصنّع فيه والمغالاة والإتيان بغريبة. كما لم يعوق هذا الضرب من اللغة تدرّج الخطاب، أو بلوغ الأغراض التخطابيّة التي يرجّح أن تكون ثمرةً لتفكير المؤلّفِ وصورةً من صُور تدبيره.

وتحسّبًا لسوء التّفاهم (Le Mal entendu) الذي قد يحول بين خطاب الكاتبة الروائي وبين مُتلقّي هذا الخطاب، ورغبةً منها في تحقيق الإفادة التي هي “روح الخطاب”، فإنّنّا نجد الكاتبة تعدل، أحيانًا، عن هذه اللّغة الأولى وتتوسّل بلغة ثانية؛ هي اللغة العاميّة الدّارجة، والحديث اليومي الجزائريّ الذي يُحيل على “الجماعة الخطابيّة التواصليّة الواحدة الممتثلة لقواعد مشتركة في إنتاج الخطاب وتداوله على حدّ تعريف جماعة تحليل الخطاب(). هذه اللغة، التي تشغل حيّزا مهمّا في الخطاب، ترتبط بغايات تخاطبيّة محدّدة هي: تكريس الواقع في الرواية وتثبّيته إليها. وهذا راجعٌ إلى أنّ الرواية أكثر الأجناس الأدبية التصاقًا بالأرض كما ألمع إلى ذلك الدكتور أبو القاسم سعد الله، ومحكومة برهان تمثيل الواقع أبلغ تمثيل. ومن الألفاظ التي يُمكن أن تُعزّز ما ذهبنا إليه: الخاوة (ص، 21)، ” والو” التي تُفسّرها الكاتبةُ فتقول: ليعني أنّه لا شيء تمامًا(ص، 26)، وأحيانا تشتقّ من لفظة النشر “التمنشير” وتقرُّ صراحةً، ورغبة منها في رفع اللّبس وتوضيح المقصود من ذلك، بأنّها لفظة جزائريّة شعبيّة خالصة (وجدتني فجأة أجدها لعبة مثيرة، لعبة التعامل مع الصحافة من باب التمنشير كما يقول الجزائري الشّعبي، ص، 50)، أو لفظة “التّشيبة” (وهو مقابل علاقة وصل كما يقول الجزائريون، ص، 52). “واش راك يا خويا العزيز. واش راك؟”(ص،61). وتُكثر “ياسمينة صالح” من هذه اللغة ذات الطابع الشّعبي متى سلكت مسالك تأليفيّة نمطيّة كالحوار القائم على ثنائية السؤال والجواب رغبةً منها في إنجاز أغراضٍ خطابيّة خاصّة منها: مُراعاة حال المخاطب الثقافيّة، وأخذها بعين الاعتبار للعصر الذي دُوّن فيه الخطاب، وبناء معاني الخطاب على لغة يعرفها السّامعُ، “فتخاطبهم من داخل النّسق اللغوي والثقافي الذي هو ملمّ به”(). كما ولتبيّن ولعها بالكلام العامّي المُباشر، وخضوعها له ولقواعده. أو هي تُريد إظهار أنّها تنتمي لعامّة الشعب الجزائري، وتغرف معه من “الحوض اللّساني” نفسه على حدّ عبارة بنعيسى أزاييط(). وهذا ما يظهر، تمثيلاً لا حصرًا، في الخطاب المعروض الآتي بين الراوي و”المهدي”:

السلام عليكم…عاش من شافك، وين غطست يا صاحبي؟
وأنت، واش راك؟
ما تشكرش، الحالة صارت مبرد Merde !، ربّي يستر يا خويا لعزيز !
إيه يا خويا لي داروها راهم مخبيين رأسهم، أولادهم راهم في فرنسا ولانجليز. إحنا اللي نخلص، وإحنا اللي نموت(ص، 51). 

كما ويظهر في قول الراوي التالي:

قال يُداري دموعه عنّي: وِينْهَا الدولة؟ وين كانت الدولة لما ارتكب هؤلاء هذه الجريمة؟(ص، 96).
أو في قوله “إيه” بدل “نعم” في:

إيه ممثّلة (ص، 76). والشواهد إلى ذلك عديدة.
وكثيرا ما تدخل – بحسب محمد يوسف نجم- اللغةُ العاميّةُ في المواقف الحوارية. “وأكثر الكُتّاب يلجؤون إليها في الحوار لتضفي عليها صِدْقًا وحيويّة وواقعيّة[…]وهناك كتابٌ يؤثرون أن يُنطِقوا الشخصيات، في مواقف الحوار ومناقشته، بلهجتهم الطبيعية الخاصّة[…]وليس ثمّة مُبرّرٌ فنيٌّ، يمنع من استعمال اللّغة العامية في الحوار، بل إنّ طبيعة رسم الشخصية في القصّة، تتطلّب ذلك، وتعتمد عليه اعتمادا كبيرا”().

على أنّه لا ينبغي الاقتصار على هذين الضربيْن من اللغة، إذ ينبثقُ ضربٌ آخر من اللغة تقبّلته رواية”وطن من زجاج”، لم نشأ السّكوت عليه؛ هو اللغة “المبتذلة” إن صح التعبير، التي لم يتعوّد عليها متلقّي الرواية والمتغلغلة في الخطاب الذي لا تُكتمل فعاليّته السرديّة دون أن يُعرف سمات هذه الألفاظ ووظائفها، والنّبش في الطبقات اللغويّة المكوّنة للخطاب برمّته. فتراكيب نحو: ابن الكلب(ص، 44)، بيدون زبل (ص، 54)، هذه بلد كلب وأبناء كلب(ص، 54)، الصحافة بنت كلب(ص، 56)، يلعن هذه البلاد بنت الحرام !(ص، 73)…إلخ، كلّها ألفاظ جديدة اقترحتها الكاتبة بجرأة وأضفت عليها الشرعيّة وجعلتها دعامة من دعائم حكْيها، بالرغم من أنّها قد تنحدر بالكتابة إلى الحضيض أحيانا، والمبتذل من الكلام، والتّافه، وتعرّض الخطاب برمّته للخرم. ولكنّ محلّلَ الخطاب مُطالبٌ، وهذه حاله دائما، بالبحث في “حسنات” هذا التوظيف، ودواعي الاستعمال، والقصود الخفيّة من وراء ذلك كلّه. صحيحٌ أنّ هذه الألفاظ قد تكون تافهةً، ولكنّها قد تكون مُعبّرةً عن تفاهة الوطن أيضا وهشاشته، وانعكاسًا لحالته الحضاريّة والثقافيّة ولطبقةٍ من طبقات النّاس فيه. إنّ “الخطاب الإنساني طبقات، وطبقيّته مترتّبة على طبقيّة المجتمع، فالمخاطبون هم من الناحيّة طبقات، ولكلّ طبقة لغتها التي تحدّد هويّتها السّوسيو لغوية”(). وقد يكون هذا الوطنُ أسوأ ممّا تصوّره هذه الألفاظُ. بمعنى أنّ هذه الألفاظ قد وردت، في هذا السّياق، مشحونةً بطابع وظيفيّ وشعري. أَلَمْ يعتبر الناقدُ “هنري ميشونيك ” Henri Meschonicفي كتابه “نحو الشّعرية”( Pour La poétique) أنّ “كلّ كلمة يُمكن أن تكون فيها شعريّة؟().

ولا يجب أن نغفل عن هذا التوظيف المقصود من قبل الكاتبة لبعض المصطلحات الفرنسية (غير مترجمة)، التي تتسرّب في الخطاب فلا يكاد يتفطّن إليها إلاّ محلّل الخطاب. ويؤكّد استخدامها- وهو استخدام متنّوع وتتراوح نسبه؛ لفظة أحيانا (جورناليست، ص، 70)، و- une Algerien – Merde- La rose- une Actrice)) في الصفحات(27- 51- 76) وجملاً كاملةً أحيانا أخرى (Comment cava?)، (ص، 51)- استمرار هيمنة خطاب السيطرة الثقافي الاستعماري (الفرنسي تحديدا) أو رغبته في استمرار الهيمنة والغلبة، وفي احتلال موقع المركز والصدارة. كما ويؤكّد عدم قدرة قلّة مغلوبين، مهيمن عليهم، محسوبين على الوطن وفضحهم هو وسخر منهم، على التخلّص من تركات هذا الخطاب المهيمن والموروث، والشغف به والخضوع له حتى في أكثر الأشياء بساطة، وربّما “تفاهة”. “إنّ المغلوب مُولع أبدا بالاقتداء بالغالب” يقول صاحبُ المقدّمة(). ففي هذا الوطن حتى الأغاني يطيب لهذه الفئة الاستماع لها بالفرنسيّة (ص: 99، 135) ، وحتى الأغاني تتحدّث عن فرنسا، وعن سحر فرنسا. ومتوجّهةً في الآن نفسه، نحو ضرورة التحرّر من هذه المصطلحات، وإزاحة هذا الخطاب الاستعماري الثقافي المهيمن الذي يسعى إلى تدمير الثقافة العربيّة، ضمن مشروع أكبر يهدف إلى احتلال جديد وأخطر ممّا سبق، معتبرا أنّ كلّ خروج عنه هو انحطاطٌ وتراجعٌ. ويكون ذلك بإعادة استيعاب لغتنا العربية وعدم تهميشها، وإعادة توظيف مصطلحاتها والثقة بها، وتفضيلها والتوسّع في استعمالها حتى في أكثر المحاورات العاميّة بساطةً. وأكثر ما تتجلّى هذه اللغة في الحوار الدّائر بين طرفين. وعلى الرغم من انتشار اللغة الفرنسية في كثير من بلدان المغرب العربي، فإنّ نسبة استعمال الفرنسيّة في الجزائر ليست هي النسبة في البلدان العربية الأخرى. وربما ذلك راجع إلى طول فترة الوجود الفرنسي في الجزائر. وهذا من شأنه أن يعرّض اللغة الوطنيّة العربية، باعتبارها إحدى أهمّ الركائز المائزة لهويّة الفرد الجزائري والعربي، لخطر الانقراض والتدمير المنتظم، نتيجة لفرض لغة المُستعمر الذي يسعى إلى إخراجها في صورة “اللغة الأكثر قدرة وملاءمة على التعبير عن الشعور(). ولهذا سيبدو من المعقول، بله من الوجيه جدّا – كما سنتبيّن لاحقًا- تساؤل الكاتبة بشكل مكرورٍ لافت للانتباه عن ماهيّة الذات الفردية. فكيف سَنَعْرِفُ هُويّتنا ونُعرِّفُها إذا ما تنازلنا عن أبسط مبادئ هذه الهويّة وهي اللغة؟

إنّ الخلاصة التي يُمكن الخلوص بصددها في هذا المستوى من التحليل؛ أنّ الكاتبة كانت تسعى (بطريقة أقرب إلى التجريب) في صناعة خطابها، إلى إخراج هذا الخطاب في لغة تستجيب وأذواق المتلقّين المتعدّدة وتناسب فهومهم ومراتبهم المتنوّعة. وفي ذلك ضمانٌ لأكبر قدر من التوصيل والنفاذ لخطابها ونقله إلى عامّة الناس وخاصّتهم في كامل أصقاع الأرض. وهو مؤشّر على ثراء هذا الخطاب وحيويّته وتنوّعه. فـــ”الخطاب الذي يكون جمهوره خاصّا، إنّما هو خطاب متداعٍ وهشّ، والخطاب الذي يكون جمهوره كونيّا فهو خطاب متنوّع وثري”().كما أنّ فيه مؤشّر على ميزة أخرى تداولها التداوليّون بشدّة هي: كفاءة الشخص اللّغويّة Compétences linguistiques) (.

صِنَاعَةُ الهُويّةِ أو صِرَاعُ الهُويّات في “وَطَنٍ مِنْ زُجَاجٍ”:
ثمّة شيء آخر مهمّ في الخطاب الروائي لــ”وطن من زجاج”؛ نعني ههنا ظاهرة التكرار(Répétition). وهو تكرار محدّد، نرى أنّه مقصود، يتمثّل في تكرار التّساؤل. فإذن، لدينا أسلوبان: أسلوبُ السّؤال أوّلاً، ثمّ أسلوب تكرار السّؤال في مرحلة ثانية. وكلاهما مظهران أسلوبيّان مُهمّان في الخطاب، يستحقّان الوقوف عليهما بالدّرس والتّمحيص. تُكثر، إذن، الكاتبةُ من الأعمال اللغويّة المُباشرة بشكل يجعل الرواية والخطاب الرّوائي المتشكّلة منه خطابًا مرصوصًا بالأسئلة: هذه الأعمال اللغوية المختلفة هي، أحيانًا، في شكل جملة استفهامية، نحو:

– من أنا حقّا؟ ( ص: 27، 39، 46، 47، 48).

– يا عمّي العربي من كنت حقّا؟(ص، 12).

– من يكون؟ (ص، 21).

– من أنا؟ (ص: 28، 32).

– سألني من أنت؟(ص، 60).

– من أنت؟ (ص: 26، 60).

– من أنت حقّا يا صاحبي؟(ص، 69).

وأخرى هي في شكل متوالية سؤاليّة تطرحها الكاتبةُ نحو:

ما الوطن؟ ما الإنسان؟ ما القيمة؟ (ص، 65).
وينمو الخطابُ. وتّتسع دائرةُ التساؤل فيه، لتضمّ مصادرَ للتكرار عديدة. الكّلُّ مهووس بالسّؤال في هذا الوطن. والكلُّ راغبٌ في المعرفة. والكُلُّ منشغلٌ في الخطاب بالبحث عن إجابة لتساؤلاته وحلولٍ. الرّاوي يسأل لأنّه ُيُريد أن يَعْرِفَ أناهُ بنفسه. والرشيدُ يسأل الرّاويَ من أنت؟ (ص، 26). و”عمّي العربي” هو نفسه كان مليئًا بالأسئلة (ص، 10). وأمُّ “عمّي العربي” هي، بدورها، يبدو أنّها لم تمتْ حاملةً حسرتها لأنّها لم تلقَ ابنها “العربي”، بقدر ما ماتت بحسْرتها لأنّ عملَها اللّغوي كان فاشلاً. فهي لم تجد جوابًا للأسئلة التي حملتها معها (ص، 15). عدمُ الظفر بالأجوبة المناسبة لتساؤلاتنا يعادلُ الموتَ إذن. مثلما أنّ حياتنا مرتهنةٌ بالتوصّل إلى هذه الأجوبة. ومن وجهة نظر تداوليّة (Pragmatique)، يُمكن القول: إنّ بنية السّؤال هي- كسائر البُنى الإنشائية- بنية توليديّة في المقام الأوّل، تتجاوز في الصياغة دلالتها الأصليّة، أي ما يُسميّه البلاغيّون الجُدد “درجة الصّفر البلاغي”. وبالرغم من أنّ التساؤل يقتضي، من وجهة نظر منطقيّة وتداوليّة عمليات تتلوه، هي الإجابة، فإنّه ليس هناك، على ما يبدو، إجابات حقيقّيّة، أو مرضيّة عن هذه الأسئلة الملْحاحة والضّاغطة والمشروعة في الخطاب. على الرغم من أنّ خطاب الكاتبة (الناطقة على لسان شخصياتها) كان يُستحقّ أن يوصف بأنّه خطابٌ شرعيٌّ، بلهْ “فائق الكمال” على حدّ عبارة اللّساني “فان ديك Van Dijk “(). فهي قد احترمت فيه القواعد الخطابيّة (Règles discursives)، التي سنّها فيلسوف اللغة الأمريكي “بول غرايس”(Paul Grice 1913-1988)، جميعها وعلى أكمل وجه. فلقد تحدّثت بما هو مطلوب منها (مبدأ الكمّ)، وكانت واضحة في كلامها (مبدأ الصيغة)، وصادقة (مبدأ الكيفيّة). ثمّ إنّ كلامها كان مُناسبًا للغرض (مبدأ العلاقة)(). لكن بسبب وجود قوانين أخرى في الخطاب تهدف بالأساس إلى إخبار المخاطب شيئا جديدا، ومنها: “قانون الإخبارية” (Loi d’informativité) الذي سنّه “ديكرو”، والذي “يمنعُ ترديد ما قيل ويعتبر ذلك حشوا”()، وبالتالي، فإنّ “على المتكلّم أن يقول ما لا يعرفه المخاطب، وأن يقدّم شيئًا جديدًا له”()، فإنّ بنية التّساؤل هذه القائمة على التكرير قد تبدو للوهلة الأولى شكليّة والغاية منها لا تتعدّى كونها مجرّد “جَلَبَةٍ” في الخطاب. لكن بالنظر إلى فحوى هذه الأعمال اللغويّة، وطريقة وُرودها في هذا المقام، يكشف أنّ “تقصيدها” المفهوم منها ليس العمل اللّغوي المباشر، إنّما تبليغ مضمونها الدّلالي. لهذا علينا أن نكون أكثر حذرا تجاه كيفيّة الإجابة عن هذه الأسئلة التي نثرتها الكاتبةُ في خطابها ولجّت في طلبها. ففي وطن “زجاجيّ” جارح، يمورُ بالتغيّرات والصّراعات والاغتيالات، والتحوّلات والتناقضات، نجد أن الفرد (الجزائري) ليس بمنأى عن هذه التغيّرات التي “الْتهمت” خصوصيّاته وعصفت بهُوّيته وخرّبتها وجعلتهُ متعدّد الهويّات، أو بلا هويّة. ففي هذا السياق يجد الفردُ (والقارئ) نفسه مشوّش الذهن، عالقًا بين هذه التغيّرات، وأمام مُفترق إجابات. وعندها يُمكن أن تُثار أسئلة من قبيل: كيف يمكن أن نُعرّف (Définir) الفردَ اليوم وفي هذا الوطن؟ كيف نتعرّف عليه؟ كيف نفرّق بين الخائن فيه وبيْن الوفيّ؟ تتساءل الكاتبةُ على لسان أحد أبطالها(ص، 21). هل نُعرّفه باسمه؟ أم بجنسيّته؟ أمْ بلغته؟ أم بما يملكه؟ أم بموقعه الاجتماعيّ؟ أم بأهدافه وطموحاته؟ أم بماذا نعرّفه؟ ثم كيف يمكن أن نَعْرِف(Connaître) ذواتنا قبل ذلك؟ كيف نتعرّف عليها؟ ذلك أنّ الأجوبة ليست بسيطةً. والاحتمالاتُ جميعها أصبحت ممكنةً في هذا الوطن، منها تقريرُ الرّاوي الآتي: “أنا لا شي، لَسْتُ شَيْئًا”. “أنا لَسْتُ أنَا ولا أحَدْ” (ص، 110).

للإجابة عن هذه الأسئلة الحارقة والمتراكمة في الخطاب يبدو من المفيد لنا أنْ نستحضر، بدْءًا، أنّ النّاقد فكتور ألّوش (Victor Allouche) قد ضمّن في كتابه (معرفة الأفعال واستراتيجيات الخطاب وتطبيقهاConnaître et pratiquer les Actes et stratégies de discours ) استراتيجياتٍ عدّةٍ للسّؤال، وهي: “الأسئلة التي تدلّ على عدم المعرفة، الأسئلة التي تدلّ على المعرفة، الأسئلة التي تهدف إلى التضليل، الأسئلة التي تهدف إلى خلق فوضى في الخطاب، الأسئلة التي تهدف إلى التثبّت من معارف السّامع، الأسئلة التي تهدف إلى إثارة انتباه السائل، الأسئلة التي تهدف إلى إثارة انتباه المُجيب، الأسئلة التي تهدف إلى المبادرة بالكلام والمسك بزمام السّلطة في الخطاب، الأسئلة التي تهدف إلى تأكيد هذه السّلطة، الأسئلة التي تهدف إلى إعادة توجيه السّامع، الأسئلة التي تهدف إلى التأسيس لجملة من المعارف”(). إنّ التكرارَ بضروبه المتنوّعة- تكرارَ أشكال: كلمات وجُملٍ ونصوصٍ ومشاهدَ وصُوَر، أو تكرار مضامين- بنيةٌ خطابيةٌ (Structure discursif) لا يخلو من مؤشّرات ومعلومات وقصود. (ولو لم يكن كذلك لما عُرفت هذه الظاهرة اللغوية كأبرز ما يكون في خطابات سابقة دينيّة كالقرآن، أو أدبيّة كالشعر الجاهلي والخطب والوصايا…إلخ). إنّه خطابٌ داخل الخطاب. فضلاً عن أنّه أسلوبٌ بلاغيٌّ له وظائف إيقاعيّة وخطابية عدّة أقلّها: الإفهامُ والإفصاحُ والكشفُ وتوكيدُ الكلام والتشييدُ من أمره، وتقريرُ المعنى وإثباتُه ().

وليس المتلقّي، أو الذات المؤوّلة بأنواعها، بمنأى عن سؤال الهُويّة هذا. هيهات إن حسب أنّه سيُترك سُدىً في هذا السياق الثقافي الجديد. التلقّي في هذه السياق الحسّاس والمُشترك هو، إذن، تلقٍّ مسؤولٍ. والمتلقّي طرفٌ مُشاركٌ في الخطاب وفاعلٌ ومُنتجٌ. معلومٌ بأنّ التداوليّة قد اقترحت وظائفَ جديدة للسّامعِ تزيد من نشاطه، أهمّها: الإعمالُ والتأويلُ. فهو، أي السّامع، لم يعد مُشارِكًا فيزيائيًّا في الخطاب ومُراقبًا له عن بُعد. والكاتبةُ لا تريد منه أن يقتصر دوره على السّمع فحسب، إنّما أن يفعل كذلك. فهي، بوصفها ذاتًا متلفّظةً، ليست مجرّد آلة مُرسلة للكلام، إنّما ذاتٍ مبلّغة لا يمكنها أن تقول كلّ شيء في الخطاب. ما السّمعُ، إذن، إلاّ مرحلةٌ أولى من مراحل التلقّي، ووظيفة أولى من وظائف الكلام، وممرّ إجباري (Passage obligé) لتأويل الكلام وتفكيكه. إذْ لا بدّ أن يكون ثمّة قَصُودٌ أخرى لهذا الكلام المُكرّر. لا نتساءلُ عادةً عن كلام الفرد المنطوق مرّة واحدة وغير المكرّر، فهذا وضعه الطبيعي، لكن كثيرًا ما نتساءل عن الغاية من تكريره. لا شكّ، إذن، في أن تكون الكاتبةُ قد تقصّدت، من وراء تكثيف التّساؤل وتكريره، إنجاز عملٍ لغويٍّ مّا على حدّ عبارة فيلسوف اللغة “ج. أوستين”. فــــ”التكلّم بشيء ما هو فعله وإنجازه”(). هذا العملُ المُنجز هو: إقناعُ المتلقّي وإشراكه في الخطاب واستدعائه، وتحميله المسؤوليّة؛ مسؤولية تفتّت الهُويّة وتشظيّها وانحلالها وعدم الشّعور بها في هذا الوطن العربي الذي ينخر جسده العبثُ واللاّمعنى وعدمُ الإحساس بالانتماء، وإشعاره بخطورة الأمر المترتّب على عدم إنجازه لعملها اللّغوي. ويبدو أنّه عملٌ جدّي ومعقولٌ ومُصفّى من قُصُودٍ دفينة، إذْ السياقُ سياقُ حربٍ وضغوطاتٍ نفسيّة، والزمن “زمنُ فجيعةٍ” كما تقول الكاتبةُ (ص، 68). وهو ما يتطلّب تكاتف جهود المتلقّين والقرّاء، على اختلاف انتماءاتهم، الذين أصبحوا مدعّويّن- أكثر من أي وقت مضى- للتعاون من أجل الظفر بإجابات عن هذه الأشياء المسؤول عنها التي يطرحها الخطابُ، وإكمال الناقص فيه (فللمتكلّم نصف الكلام الفردي الذي يُدلي به، وللمستمع نصفه الآخر()) وتكوين معرفة عامّة، لكيْ لا يخسروا صراع الهّويات هذا. في التكرير استراتيجيّة مقصودة إذن. تُسمّي “باربرا جونستون كوتش) B.J.Koch) هذه الاستراتيجيّة، باسم “استراتيجيّة العرض Stratégie de présentation) وهي: “استحضار الشيء أمام الإنسان حتى يتعلّق به شعوره”()، فيُعْمِلَ عقله، ويُراجع إجاباته، ويعمدُ إلى تقييمها ويُعيد التفكير في ذلك كلّه، للوصول إلى فكّ شيفرات الخطاب المنقول إليه وتأويله وكشفه وتفكيكه. ويستخدم “مبدأ التبادر”() ليُساعده على معرفة معناه العميق ولمحاصرة أرجح حمْلٍ سليم، وجعْله مفهومًا وواضحا ومُفيدا. يُساعده في ذلك كلّه استراتجيات خاصّة به يعمل جاهدا على تطبيقها. إذ من المعلوم بأنّه مثلّما كانت لصناعة الخطاب استراتيجياتٌ، فإنّ لفهم هذا الخطاب استراتيجيّات كذلك. وهي تُسمَّى: “استراتيجيات فهم الخطاب” لا يصحّ تحقّق الخطاب وفهمه حتى يُتوصّل إلى فهمها. وبالفعل، فإنّه يُعثر على بعض النقّاد الذين توّجوا كتاباتهم بهذا العنوان(). يذهب مؤلّفا كتاب”استراتيجيات فهم الخطاب Strategies of Discourse Comprehension “، فان دايك وولْتَرْ كنْتش، إلى أنّ الاستراتيجيّات الثقافيّة (Cultural Strategies)، مثلا، هي من أهمّ الاستراتيجيات التي تُساعد محلّل الخطاب على فهم المقصود وتأويله، ذلك أنّها: “تنطوي على معرفة المناطق الجغرافيّة المختلفة والهياكل الاجتماعيّة المختلفة والمؤسّسات والأحداث التواصليّة المختلفة واللغات المختلفة، والمعتقدات والآراء والمواقف والأيديولوجيات والأعراف والقيم، وبالرغم من أنّ هذه القائمة ليست كاملة، إلاّ أنّنا نحن نرى أنّ فهم الخطاب بشكل مباشر أوغير مباشر يتأثّر بهذا النوع من الاستخدامات الاستراتيجيّة المختلفة للمعلومات والثقافيّة”().

يتبيّن إذن أنّ “التبادر” و”الإعمال” و”التأويل” مبادئ، أو وظائف مُرتبطة بالمخاطب (السّامع) بالأساس. وهي، أيضا، مسالك من ضمن مسالك أخرى متعدّدة يُسميها الناقدُ اللّيبي “محمد محمد يونس علي”: مسالك الحمْل”، أيْ: المسالك التي يسلكُها هذا السّامعُ للوصول إلى المقصود” (). وهي وظائف تؤطّر عملية المحادثة وتضمن “المداورة” و”التناوب”(الذيْن أهمّ ما يُميّز المحادثة) بين المتكلم والسّامع. ففي كلّ مرة يُصدر صانعُ الكلام أفعاله بهدف تحريك السّامع والزجّ به في الخطاب، يأخذ هذا السّامعُ دوره في هذا الخطاب (كما هو الحال في كلّ خطاب) ويعمدُ إلى تصحيح موقفه من زُمرة الأفعال التي تحمل طابع الجدّ والمعقوليّة، ويتعاون معه في الخطاب، بأن يجعلها مفهومةً ولها معانٍ وقصود: دلاليّة وبرجماتيّة. وبالتالي أن يختار المسلك الصّحيح، ويقتنع بضرورة مشاركته ومساعدته في تأسيس وبناء، أو إعادة بناء، وترسيخ جملةً من المفاهيم والقِيَمِ، نحو: الهُويّة، الوطن، الحبّ، الحريّة…ونموذج الخطاب(الحاضن لهذه القيم جميعًا)، التي يسعى الراوي – الكاتبةُ إلى بنائها جميعًا منذ البداية. فتتحقّق آمال هذه الأخيرة، وتشعرُ بالارتياح. هكذا تكون عمليّة إنتاج الفهم في المحادثة وفي الخطاب، عمومًا، عمليّة مُحْوِجة إلى التّفاعل (l’interaction) التّخييلي (ذلك أنّ السياق الجامع بين المتكلم والمتلقّي مختلفٌ وهو ما يجعل التفاعل بينهما تخييليّا فنيّا بالأساس) والتعاون (Coopération)، والتآزر بتبادل الأدوار والأفعال الكلاميّة وتداولها (Alternance). وهي عُصارةُ جهودٍ تواصليّة تعاونيّة لكلّ من المتكلّم والمستمع المؤوّل- باعتبارهما شريكيْن في الفهم والإفهام- اللّذان يُكمّل كلُّ منها الآخر، ويُصححّ كلّ منهما فَهُوم الآخر. فينتج عن هذا التبادل واستبدال المواقع بين المتكلّم والسّامع ضربٌ من الاتّساق والتّماسك المٌفضييْن إلى جماليّة مخصوصة يجوز أن نصطلح عليها بـــ:جماليّة التواصل في الخطاب(Esthétique de la communication). اِعْلَمْ، إذن، أن ّجمالية التواصل وفاعليّته لا يُمكن أن يتحقّقان بين الأطراف، ولا يُمكن أن يتذوّق طعمها محلّلُ الخطاب إلاّ متى توفّرت المبادلات الكلاميّة على جانبيْن عاقليْن متفاهميْن في الخطاب.

تساندُ الخطابات في “وطن من زجاج”:
مِنَ الثابت أنّ من أهمّ مميّزات الجنس الأدبي في العصر الراهن تداخل الخطابات فيه. وإذا كانت تساؤلات الكاتبة التي وقفنا عليها فيما سبق تُحيل على هُويّة الفرد الجزائري والعربي على وجه العموم، فإنّ تداخل الخطابات – أو تساندها وتطالبها- ضمن الجنس الأدبي الواحد من شأنه أن يُسلّط الضوء على هُويّة الرواية ذاتها، باعتبارها جنسًا أدبيًّا قادرًا على استيعاب عديد الأجناس الأدبية الأخرى والخطابات. وإن دلّ هذا على شيء، فهو يدلّ على أن الجنس الأدبي لم يعد منظورا إليه باعتباره بنيةً مُغلقةً مُتقوقعةً على ذاتها، إنّما بنيةً هجينةً (Structure hybride). فهل يجنّد خطابُ “وطن من زجاج” الروائي خطاباتٍ أخرى ويتساند إليها تساندا معرفيّا وبلاغيّا ()؟ أم إنّه يحتربُ معها ولا يتلاقى؟

تقوم صناعةُ الخطاب الروائي وبناء معانيه عند “ياسمينة صالح” على جملة من الخطابات والشواهد، ومنها الشاهد السّردي، يُجلب من مكان آخر خارجٍي غالبًا، ويؤتى به من لدُن الكاتبة لخدمة غرضها في تبليغ خطابها، ولإشباع هذا الخطاب الروائي وبناء المعنى فيه هذا من ناحية، ومن أخرى لإعادة تشغيل هذه الشواهد وإعادة تنشيطها في رحاب الخطاب. ومن أمثلة ذلك استشهاده بقولة للروائي الشّهير “غابريال ماركيز” اقتطعها الراوي من سياقها الأصلي الذي أُنتجت فيه أوّل مرّة، وأعادت توظيفها في سياقٍ مُغاير جديد: “لنتعلّم الكلام بلا إهانات ولنبذل جهدًا كي يحترم أحدنا الآخر لأنّنا سنفترق في الأخير(ص، 24). ومنها قولها كذلك:

التي ترجمتها بـــقولها:”من الحبّ إلى الموت خطوة واحدة قطعها الحبُّ! من يقول لماذا؟ من يقول كيف وضع حدّا لأحلامنا العاشقة جاعلاً الحبّ خارجا عن القانون!(ص، 99). وهو مقطع من أغنيةٍ صرّح الراوي أنّه كان يستمع إليها في كافتيريا. ثمّ قولها: وهو، أيضا، مقطعٌ من أغنية لـ”شارل أزنافور” كان الراوي يستمع إليها. هذه الشواهدُ- التي تتساند إلى بعضها البعض في فضاء الخطاب، وتتشابك- استدعتها الكاتبةُ جميعها ونَقَلَتها نقلاً حرفيًّا أمينًا، لأنّها صرّحت فعلاً بأنّها اقتباساتٌ منقولةٌ ومنسوبةٌ إلى أشخاص معلومين للقارئ، وكُتبت في مكانٍ آخر. وقد قامت بترجمتها لتُصبح، في هذا البساط التخاطبيّ الجديد، جزْءًا من صناعة خطابها الرّوائي. ولعلّ في ذلك دلالةٌ على انفتاح المعابر، وتفسيخ الحدود و”فيضانها”، بين الأجناس الأدبيّة عموما الذي صار اليوم – في هذه المرحلة التي تُسمّى “مرحلة ما بعد الحداثة الأجناسيّة” (Une Poste Modernité générique)()، ظاهرةً من اللاّزم الاعتراف بها، ثمّ بين نصوص الأدب العربي من ناحية ونصوص الأدب غير العربي من ناحية ثانية. كما يمكن أن يكون في هذا التوظيف إشارةٌ ساطعةٌ على ما ينماز به صاحبُ العمل الروائيّ نفسه (أي مُكوّن المتن) من كفاءات موسوعيّة (Compétences encyclopédiques)، ومعارف ثقافيّة يمتلكها وخاصّة به، والتي “تتمثّل في كونها احتياطا واسعًا للمعلومات من خارج دائرة التلفّظ، تحمل على السياق”() ساعدته على اكتسابها ومهّدت له الطريقَ عواملُ عدّة منها: الذاكرةُ الاستيعابيّةُ والمطالعةُ والاختصاصُ، والتجربةُ ، والأهدافُ الخطابيّة…إلخ.

اقتضاءُ الخطاب الروائي في “وطن من زجاج”:
نُناقشُ في هذا المستوى من التحليل “اقتضاء” الخطاب الذي يُنظر إليه على أنّه: “ما لا يدلُّ عليه اللفظ ولا يكون منطوقًا به، ولكن يكون من ضرورة اللفظ”، ويدلّ على أنّ النصّ أو الكلام يتطلّب معنىً مُقدّرًا ومُقدّمًا على المعنى العباريّ المنطوق”(). ممّا يعني أنّ المعنى المقصود في الخطاب قد يُستنبط من منطوق الأخير كما قد يؤخذ من مفهومه المسكوت عنه والمُضمر فيه. وقدْ يتكاثر هذا المسكوت عنه في الخطاب فيُصبح مسكوتات لا متناهية، وذلك بحسب قدرات المؤوّل على استنباطها من الخطاب المنجز الصريح. وكلاهما، أي المقول المنطوق والمقتضى المفهوم، يُشكّلان، اليوم، جزءا أساسيّا من صناعة الخطاب في الرواية. ولكن تُرك الأوّل في الخطاب ليبُرزه ويُظهره للوجود، وحُذف الثاني منه إيجازا في الخطاب ورغبة في التخفيف فيه، لأنّ “اللغة، وبخاصّة اللغة العربية تميل إلى الإيجاز وإلى التخفيف بحذف ما يُفهم فيها”().

لعلّ من أهمّ الصور الخطابية التي أرادت الكاتبة تبليغها في الخطاب نجد: صورة الوطن. وهو تيمة محورية، ويكاد يكون الخيطَ الناظمَ لأغلب الأعمال الروائية لـ”ياسمينة صالح” سواء السابقة لـــ”وطن من زجاج” نحو: بحر الصمت، (2001)، وأحزان امرأة، (2002)، أو اللاّحقة عليها؛ على غرار رواية “لخضر” (2010). والكاتبة إذ تُكثر من تكرار هذه التيمة وتُنمّي به كل عناصر خطابها، فهي تريد من وراء هذا التكرير، الدعوة إلى عدم الزجّ بالوطن في هذه الصراعات السياسية والدينيّة والإيديولجيّة. ففي هذا العالم الذي تطغى عليه المحسوبيّة وكلّ ما من شأنه تشييء الإنسان، سيكون من البديهي، ومن المسلّم به، أن تحتلف نظرةٌ الفقير والمهمّش للوطن عن نظرة الغنّي الماسك بزمام السلطة فيه. هذا يملّ منه ويراه كئيبا ظالما وهؤلاء يروْنه جميلاً. يكرهه هُوَ وهُمْ يحبّونه. لذلك تقدّم الكاتبةُ على لسان أحد أبطالها، تعريفات جديدة للوطن أو مقترحات لتعريفه وتحديد هُوّيته. فصورةُ الوطن الخطابيّة هي، من هذا المنظور، لا تتمثّل في رئيس الجمهوريّة ولا الحكومة (ص، 11). وإلى ذلك فهي تُكثر من الدعوة إلى عدم كره الوطن وضرورة الوعي به وعيًا مُغايرا: “لا يُمكننا أن نكره الوطن بسبب كرهنا للرجال الذين يحكمونه، الوطن أكبر من هذا بكثير!(23). كأنّنا بها تُريد أن تقول: إذا لم نفهم الوطن بعيدًا عن هذه التجاذبات وإذا لم ننزّهه عن هؤلاء الأشخاص الذين يسكنوه ويُمارسون الرذيلة باسمه، فإننا لن نفهمه لا عندنا ولا عند أية أمّة من الأمم.

إلى جانب صور الوطن نجد صورة المرأة التي تحتلّ ركنًا ركينًا في الخطاب الروائي للكاتبة. تنشطر هذه الصورةُ، كما تحقّقت في الخطاب، أيْ في الوطن (العربي)، إلى صورتيْن أساسيّتيْن؛ صورة المرأة الريفيّة المألوفة التي توصم بالدونيّة (المرأة الابنة؛ عمّة الراوي المشلولة)، وصورة المرأة في المدينة التي تريد التحرّر من هذه الدونية (المرأة الحبيبة؛ أخت النذير). مُنفعلةٌ هي في الأولى وفاعلة في الثانية. وفي الحاليْن يبدو أنّ صورة المرأة في “وطن من زجاج” لا تختلف كثيرا عمّا هي عليه في الواقع هذا من ناحية. ومن أخرى هي لا تختلف كثيرا عن الصورة التي سطّرها لها الأدبُ الجزائري عمومًا. ولعلّه من حسن الاستطراد أن نذكر أنّ صورة المرأة المنفعلة في “وطن من زجاج” المجسّدة في أنموذج البنت المشلولة مع أبيها (جدّ الراوي) قد تُعيد إلى الأذهان، وتلتقي من بعيد مع صورة المرأة في الخطاب الروائي العربي عموما، ومنه رواية “ريح الجنوب للكاتب “عبد الحميد بن هدوقة”، الذي تحمل هذه الندوة اسمه. (كما تلتقي الروايتان في مواضيع أخرى عدّة أهمّها: قضيّة الهجرة إلى فرنسا، انظر، ريح الجنوب، الفصل الرابع). وهذا ما يؤكّد استقرار المرأة ركنا أساسيّا في الخطاب الروائي أوّلا، كما يؤكّد استقرار النظرة الدونيّة للأنثى في الخطاب (وفي المجتمع) وتبعيّتها للذَكَرِ في المحلّ الثاني. وبالمثال يتّضح المقال. ففي هذه المحادثة القصيرة، الدائرة بين خيرة، أحد أبطال ريح الجنوب، وزوجها العابد ابن القاضي التي مضمونها رغبةُ العابد ابن القاضي في تزويج ابنته نفيسة وفق رغباته وشروطه، تأكيد لما ذهبنا إليه:

قُلْتَ لَكَ لَمْ أُحَدّثهَا وَلَنْ أُحَدِّثَهَا، هِيَ أَمَامَكَ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُحَدِّثَهَا أَنْتَ
أَنَا قَرَّرْتُ أَنْ تَتَزَوَّجَ وَقَرَارِي قَضَاءٌ”

إِنَّ قَرَارِي يُنَفَّذُ مَهْمَا كَانَ الأَمْرُ().
والكاتبة إذْ تستدعي هذه الصورة جريْا على مهيع الأدباء الروّاد وتُثبّتها، هي تُريد تذكيرنا بأنّ وضع المرأة في خطابها ما هو إلاّ صدى لوضعها في الذاكرة الجمعيّة العربية، الريفيّة خاصّة، التي لم تتغيّر كثيرا مُذ ذلك الوقت. ورغم تعدّد الخطابات التي ضجّت بضرورة تحرير المرأة من مثل هذه الممارسات، فإنّ الوعي العربي الذّكوري ظلّ، عمومًا، هُوَ هُوَ قائمًالم يتبدّل من حيث تحقيره للمرأة وإقصائها وحرمانها من أبسط حقوقها (حقّها في الحبّ)، ورميها بالدونيّة والنكران والعورة الفاضحة. كما لم تتبدّل نظرتُه إليها التي تعتبرها، إذا ما أسعفها الخطابُ، بضاعةً أو هديّة يتلقّفها الرجالُ. فتقتصر مُهمّتها السرديّة في الخطاب على إشباع حاجات الرّجال الجنسيّة. وتنقضي مهمّتها وتُطمر في الخطاب بانقضاء الحاجات هذه. وهو ما يتجلّى كأبرز ما يكون في نموذج المهدي الذي كان يوزّع النّسوة على حرّاسه وضيوفه، ص، 57″. عدا ذلك، ففي الأغلب تعيش المرأةُ في هامش هذا الخطاب وعلى هامشه.

على أنّه ثمّة صورة خطابية جديدة تطفو على سطح الخطاب فجأة. هي صورة المرأة الفاعلة في المجتمع، والمتحرّرة من هيمنة الخطاب الذكوري. تتقمّص “أختُ النّذير” دور المرأة الفاعلة في الخطاب التي تتحوّل من الهامش إلى المركز فتُصبح هي مدار الحكْي. ولقد ساعدها في ذلك تحوّلها من عالم الريف الضيّق إلى عالم المدينة المُنفتح رغبةً منها في الحصول على حياة ألْيَقْ ومكان في الخطاب أوْسع ينسجم مع دورها الحقيقي في الحياة، بكلّ ما يعنيه هذا التحوّل من تحوّل في تفكيرها وافي الأدوار الموكلة إليها في الخطاب. ولقد استطاعت أختُ النذيّر، وقد تقمّصت دور المرأة الحبيبة المتحكّمة في الراوي وفي الخطاب عموما، السيطرةَ على قلب الراوي وعقله على حدّ السّواء. وإذن هي استطاعت قلب الموازين وتفكيك الخطاب الذكوري القائم على ضرورة أن تكون المرأة تابعة للرجل خاضعة له أبدا.

ثمّة، إذن، رغبةٌ خطابيّة للكاتبة خفيّةٌ في إعادة توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة. وثمّة إرادة حقيقية من جانب الأنثى، هذه التي كنّا نحسب أنّها خِلْوٌ من الفعل، في الانتفاضة والتمرّد على النظام الذكوري السّائد والمُهيمن في المجتمعات العربية والسيطرة عليه. ههنا يكاد القارئُ يشعر بصوت الكاتبة المفضوح يتصاعد شيئًا فشيئًا مُعلنًا عن بصمتها الواضحة في الخطاب. ينبغي لمحلّل الخطاب ألاّ ينسى أنّ الراوي ما هو، في النهاية، إلاّ الكاتبةُ وقد روت بضمير الرجل رغبة منها في التطابق مع شخصيته ومع تفكيره. فخُصّص لها حيّزا مهمّا في الخطاب، بعد أن كان حضورها فيه حضورا باهتًا وشبه معدوم. وسلكت الكاتبةُ مسالك بنائيّة، أو تأليفيّة، نمطيّة تتمثّل في “الوصف الحسّي” وقدّمت قرائن “حالية” للدّلالة على شدّة إعجاب الراوي بها وعُمق تأثيرها (أخت النذير) في قلبه:”جاءني صوتك مخمليًّا وعميقًا ودافئًا[…] كان صوتها حريريّا حقّا، ص، 94). وكثرت الألفاظ الدّالة على استسلام هذا الأخير لجمال الأنثى الحبيبة الأخّاذ، حتى أصبح مَدْهُوشًا من فرط إعجابه بها: (انتابني شعورٌ غريبٌ بأنني وقعت في الفخّ، ص، 94)، صموتًا في حضرة جمالها (كنت أنظر إليْكِ بصمْتٍ أقرب إلى الصلاة، ص، 94)، مقرّا بعجزه إزاء تأثيرها في قلبه. إذْ هو مضطرب العقل، يهذي كهذيان المحمومين: “كنتُ أثرثر فجأة، أحكي عن أشياءٍ بدا لي بعضها تافها(ص، 94). ولم بقتصر تأثير المرأة الحبيبة في قلب الراوي على ذلك بل كان تأثيرها أساسيا في سير الخطاب برمّته الذي انتهى نهاية تُرضي الراوي، والكاتبة من ورائه.

يلزم إذن تعديل نظرتنا للأنثى، ويلزم إعادة الاعتبار لمكانتها في الخطاب، خاصّة بعد أن خمل اهتمامه بها. ويلزم تسليط الضوء على أدوارها الاجتماعية والخطابية أكثر. ذلك أنّ من يملك القدرة على هذا التأثير كلّه في قلب الرّجل لا يُمكن أن يكون حضوره في الخطاب صوريّا فقط.لم يعد يقتصر دورُ المرأة في تقبّل الأمر والخضوع له، إنّما أصبحت قادرة على التحكّم بزمام الأمور في الخطاب، وقادرة على تحديد مصيرها ومصائر الرجال من بعدها. هكذا تكون المرأة المنفعلة والمرأة الفاعلة طرفان أساسيّان يتجاذبان خطاب “وطن من زجاج” ويتحكّمان في مساره، ويشتركان في تعزيز الدلالة فيه.

ثمّة إشارات أخرى ناصعة على أنّ رواية “وطن من زجاج” تُريد أن تكون قيّمة وذات مقصديّة أخلاقيّة تعليميّة بالأساس. والقارئُ يلمس هذا الغرض الخطابي الأخلاقي، بعبارة “هنريش بليث” من خلال جملة من النصائح والإرشادات تتضمّن “الدعوة إلى العقل، كما وتتعلّق بتعليم المجتمع في مجال الأخلاق”()، والتي توسّلت فيها الكاتبةُ بجملة من الأفعال الإجرائيّة التي تدلّ على الأمر(l’ordre) والتوصية رغبة منها في أخذ السامع هذه الأوامر على محمل الجدّيّة وطاعتها والعمل بأوامرها. لأنّ حدَّ الأمر في اللغة العربية هو: “القولُ المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به[…]وقيل في حدّ الأمر إنّه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة، وممّن هو دون الأمر في الدرجة احترازا”(). كُتبت هذه النصائح بصورةٍ لافتةٍ للنظر في هذا خطاب، ومُثيرة للاهتمام، وبخطٍّ أكبر من خط الرواية نفسه. نحو قول الراوي الآتي الذي استعمل فيه ضمير “نحن” الجامعة التي تزجّ بالسّامع في قلب الفعل وتوحي إليه بأنّه طرف معنيّ به ومُستفيد منه ومتعلّم. يقول: لنتعلّمْ الكلام بلا إهانات ولْنبذل جهدًا كيْ يحترم أحدنا الآخر لأنّنا سنفترق في الأخير”(ص،24). وقوله في موضع آخر:”ما ستتلقّاه في المدرسة لن يمنحك إيّاه أحد ولا حتّى سلطة جدّك !(ص، 33). وقول النذير للراوي: “اسْمَعْ يا بنيّ. أُريدُكَ أَنْ تَكُونَ مَخْتَلِفًا عَنْ جَدَّكَ. كُنْ أَنْتَ. بِكَيَانِكَ المَلِيِء بالخير وبإحساسك نحو الآخرين.كُنْ أَنْتَ فَقَطْ(ص، 41). هذه العبارات السرديّة – المرسّوة في متن الخطاب، والتي تكاد ترتقي لتصبح حِكَمًا جاهزة وصالحة لكلّ زمان ومكانٍ، ويجوز الاستشهاد بها، لما لها من قدرة على الإيحاء والإقناع ولما تتميّز به من كثافة تعبيريّة، في مواضع أخرى من خارج الخطاب كلّما دعت الحاجة إلى ذلك- تتجاوز أحيانا المستوى التفكيري عند الشخصيات المبتكرة في الخطاب. وهو ما مِن شأنها أن يكشف لنا عن هُويّة صانع الخطاب وملامحه ونوازع، وبالتالي تكشف تورّطه وتدخّله السّافر في الرواية.

بمثابة الخاتمة:
ركّزنا اهتمامنا في هذه المداخلة على جملةٍ من المعطيات كشفت لنا أنّ الخطاب الروائي في”وطن من زجاج” غنّيٌ وخصبٌ ويُستحقُّ أن يُقرأ من مداخل عديدة. وقد أفضى بنا التحليلُ في بنية هذا الخطاب إلى جملة من الآراء نجملها فيما يلي:

تبيّن لنا أنّ صناعة الخطاب عمومًا والخطاب الروائي على وجه الخصوص هي عمليّة تحتاج إلى مهارة وتدبّر وقدرة(Compétence). وهي إلى ذلك عمليّة لا تتمّ دُفعة واحدة إنّما عبر مراحل، وكلّ مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى وسائل وأدوات صناعيّة خطابيّة مختلفة عن غيرها.
من أهمّ مقوّمات صناعة الخطاب في هذه الرواية: قيامه على جملة من المسالك الخطابية الشائقة حقّقت له بلاغته. فمن هذه المسالك تلك الخاصّة بصانع الخطاب أساسًا نحو: المسالك البنائية التي تتجلّى في الاستفهام والأمر والإخبار، والمسالك التأليفية النمطيّة التي يندرج تحتها: السردُ بأنواعه، والوصفُ بمظاهره والحوارُ بأنماطه والحجاجُ بطُرقه. ومنها المسالك البيانيّة التي ترتبط بالصدق والدقّة والتلميح والتصريح والتقديم والتأخير.
إلى جانب هذه المسالك الخطابية التي هي من شأن الصُنّاع (المتكلّمين)، وقفنا على مسالك أخرى خطابيّة هي ألوْط بالمخاطب، وتُسمّى: “مسالك الحمل”، وتتمثّل في: الإعمال والتبادر”، وتُساعد المتلقّي على التفكيك والتأويل والتفسير، والتفاعل. وهي جميعا مسالك اتبّعها السّامع في هذا الخطاب (ويجب أن يتّبعها أي مخاطب إذا ما أراد تأويل الخطاب) من أجل الاهتداء إلى مقاصد المتكلّم الخبيئة في خطابه.
تقصّدت الكاتبة من خلال هذه المسالك تمثيل واقعٍ كما هو على حقيقته، وبدون إضافات أو تنقيحات ومساحيق. فكانت أمينةً في التصوير، ربما أكثر من اللّزوم أحيانا. ذلك أنّ النفس البشرية كثيرا ما تتوق إلى تجنّب الواقع، بخاصّة إذا ما كان جهْمًا جافًّا كما في هذه الحالة، رغبةً منها في أن تعيش حياة سعيدة، ولوْ كانت هذه السعادة ذهنيّة لا غير، والابتعاد عن كلّ ما من شأنه أن ينغّص عليها فرحتها فيها. ولمّا تفطّنت الكاتبةُ إلى هذا البُعد المأساوي الكامن في خطابها والطاغي عليه، حاولت تعديل نظرتها التشاؤميّة هذه والمليئة بالأسئلة، فكست خطابها بغطاءٍ مُخفّفٍ، وأنهته بطريقةٍ كرنفاليّةٍ لطيفةٍ، تهشُّ لها الأسماعُ وتهفو لها النفوس، تحتفي فيها بجملة من القيم منها: الحب الذي تعتبره الكاتبةُ قيمةً أساسيةً من شأنها أن تمنحنا حلاّ وإجابة عن تساؤلاتنا في الخطاب.
إلى ذلك لم يخل الخطاب من اقتضاءات واستلزامات ليست فيه( أي ليست في جمله التي تكوّنه) ولكنّها منه، وذات تأثيرٍ فعّالٍ فيه. كما لم يخل من البُعد الوعظي الإرشادي، فكانت نصائح الكاتبة وإرشاداتها، التي توجّهت بها إلى القارئ العربي أساسًا، تنسرب في رحاب خطابها بطريقة لامعة لا يكاد يتفطّن إليها إلاّ القارئ الفطنُ الأريبُ.
هذا، في اعتقادنا، أهمّ ما يُمكن أن نقوله في خطاب “وطن من زجاج” الروائي. والثابتُ أنّنا لم نستنفد بعدُ كلّ مقوّماته الخطابية. لأنّ مُحلّل الخطاب براغماتي في النهاية، ولا يولي الخطاب القدر ذاته من الاهتمام والعناية، فثمّة صفحات يمرّ عليها مرورا عابرا وأخرى لا يمرّ عليها بتاتا، لأنّه ينتقي منها ويختار عيّنات “سرديّة” تُساعده على التحليل والاستقراء المُفضييْن إلى استخراج الدّلالات.

ولكن حسبنا ههنا أنّنا حاولنا تسليط الضوء على جملة من أهمّ التقنيات الخطابية(Techniques discursives) نرى أنّها جديرةٌ، دون غيرها، بالتتبّع والتقصّي. والحالُ هذه، فينبغي مزيد استقراء مقوّمات هذه الأعمال الأدبية الحديثة وتبجيلها لما فيها من طرافة وشعريّة، ولما تُحيل عليه من دلالات وقُصود دفينة، راسخة ومتجدّدة بتجدّد كفاءات المتلقّين وحاجاتهم.

*للدراسة هوامش ومصادر
باحث تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق