ثقافة السرد

على متن طائرة

ندى نسيم
 
يشغلني من سيجلس قربي على كرسي الطائرة و خاصة أن رحلتي إلى هولندا ستستغرق سبع ساعات ، وكم أتمنى لو يترك المقعد خالياً لا يشغله أحد. و لكن يبدو أن الطائرة مليئة بالركاب، و لا بد أن يكون نصيبي هو جلوس أحد المسافرين قربي. قبل أن تقلع الطائرة بدقائق أقبل رجل طويل القامة تسبقه رائحة عطره الفاخر، فكان لي نصيب من الرائحة الفواحة، و كان له نصيب أن يجلس قربي. حياني بابتسامة هادئة، فبادلته بابتسامة، وكدت أن أسأله عن عطره الذي جعل شعبي الهوائية تتفتح، لولا أن أعلنت المضيفة ضرورة الانتباه لتعليمات السلامة.
بعد إقلاع الطائرة أخرجت كتابي الذي يحمل عنوان ( أشياء لم تسمع بها أبداً ) لنعوم تشومسكي، وغرقت في المطالعة، ففاجأني سقوط كتاب الراكب الذي يجلس قربي من يده ووصوله لأسفل قدمي. انتبهت للكتاب وكان الرجل يبدو محرجاً لأنه لايستطيع أن يصل إليه بسهولة. ناولته الكتاب، فلفت نظري عنوانه (متعة الطبخ) فسألته و أنا أبتسم : أيهما أفضل متعة الطبخ أم متعة الأكل؟ ابتسم و أجابني : بالنسبة لي متعة الطبخ تفوق متعة الأكل بكل تأكيد. أدركت حينها أنني بقرب طباخ ماهر. أخذ يتحدث لي عن شغفه الكبير بموضوع الطبخ، وابتكاره لأطعمة تنال إعجاب الجميع. سافر بي عبر خارطة حياته الهادئة، حتى أني لمست النقاء في أعماق مهجته المتذوقة لكل شيء جميل في الحياة. لم تكن فقط الضحكات التي تجمعنا، بل وجدته مرآة فكري وذائقتي في كل المواضيع التي تحدثنا فيها، أيعقل أن نجد من يشبهنا لهذا الحد؟ عجزت و أنا أفتش عن نصفي على وجه الأرض، فهل يعقل أن أجده في السماء عبر رحلة بين الغيوم ؟ تلك الأحاديث صنعت مني امراة مختلفة خلال ساعات الرحلة المتوجهة إلى أمستردام. شعرت بسعادة غامرة بقرب هذا الرجل المميز ، ذلك الشعور الذي تنتبه له كل حواسنا عندما تشعر بالارتياح والتكامل مع الطرف الآخر . ومع إعلان طاقم الطائرة قرب هبوطنا سألني باهتمام عن كتابي الذي في يدي فأخبرته أني مجنونة بحب قراءة كتب السياسة، حيث أجد فيها ما يشبهني من تخطيط و تنظيم، فلا مكان للصدفة في السياسة أبدا، إذ لا بد أن يكون كل شيءٍ مخططًا له بحسب ما أوضح ( نعوم تشومسكي ) في الكتاب الذي بين يديّ.
باغتني بسؤال جعل نبضاتي تضطرب و ازدادت مع هبوط الطائرة : هل هناك مكان للصدفة في الحب؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “على متن طائرة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق