ثقافة السرد

مقطع من رواية «مدار الصّمت»* للروائية الكوبية كارلا سواريز

*ترجمة: سعيد خطيبي

كنت في سنّ السّادسة لما قرّر والدي هجر الغرفة والانتقال إلى النّّوم في الصالون. لست أستحضر جيدًاً تفاصيل الواقعة، لكني ما أزال أتذكّر قرع الباب وبكاء أمي المخنوق ساعات طويلة.كنا نعيش في بيت جدتي، في شقّة واسعة بغرف كثيرة وعوالم مختلفة: كانت لجدتي غرفة مستقلة، أخرى لعمتي العازبة، ثالثة لعمي المدلِّك ورابعة لثلاثتنا، قبل أن يقرر والدي تركها والانتقال إلى الصّالون.

أمي أرجنتينية، وصلت إلى هافانا سنوات الستينيات، بنِيّة مواصلة دراسة المسرح. تعرفت أولاً على عمتي التي بدأت حياتها من المسرح، قبل أن تنتقل إلى الرّقص ثم الأدب، باحثة عن نفسها كما تقول، ومضيعة وقتها كما تقول جدتي، وبسبب عمتي زارت أمي البيت الكبير والتقت أبي، الذي كان حينها ضابطاً شاباً في الجيش. يغري بهيئته وببذلته العسكرية الفتيات، خصوصاً منهن التقدميات مثل أمي التي وقعت في حبّه دون مقدمات، وتنازلت عن جنسيتها الأصلية كي لا يشعر والدي بحرج من معاشرة أجنبية. أفراد عائلتها الأمريكو-لاتينية فَسَّروا قرارها بِنِيَّتها في التخلي عنهم وقطعوا علاقتهم بها. من جهتها، رأت جدتي في فكرة أن تعيش امرأة مع ابنها، تحت سقف بيتها، دون علاقة شرعية، مرادفاً للعار، وقاطعتها هي أيضاً. هكذا أيضاً شرعت أمي في حياتها العاطفية دونما مباركة أحد، مقتنعة فقط بحبها لأبي وصلة الصداقة التي كانت تجمعها مع عمتي. ولم يكن عمي بتاتاً ضمن دائرة اهتماماتها، فعلاقته مع والدي لم تكن جيدة. قبل أن أولد، أبي وعمي لم يكونا يتبادلان الكلام سوى نادراً. بالتالي، فقد تأثرت أمي بطباع والدي وبادلت نسيبها عدم مبالاة وبرودة في العلاقة.

• • •

أنا لقيطة، فقد ولدت من علاقة خارج إطار الزواج، والأسوأ من ذلك إنني ابنة امرأة أجنبية. بالتالي، توجب علي الاكتفاء بعطف أمي وعمتي فقط، هذه الأخيرة كانت تغضب كلما بلتُ في حجرها بحجة أن ذلك سيسبب لها مرض الكوريزا. أبي لم أكن أراه كثيراً، فقد كان جد مشغول في عمله، وتعلق أمي صورة له على مهدي كي لا أنسى وجهه. كل ليلة، كانت تطلب مني أن أقبل صورته قبل أن تغني لي أغاني عذبة تحفزني على النوم. بحسب ما أخبرتني فإن أول كلمة تلفظت بها، بعد كلمتي بابا وماما، هي كلمة «بندقية». لا بد أن أذكر أن اغانيها الطفولية لي لم تكن تتحدث عن دببة صغيرة ولا عن فراشات ملوّنة، بل فقط عن بنادق وأموات. ولما كانت تتسامر مع عمتي في الليل، بالقرب من مهدي، كنت أسمع على لسانيهما كلمات غريبة وغير متناسقة. لذلك كنت أبكي، فالبكاء هو اللغة الوحيدة التي كنت أفهم لهجتها.

كانت غرفة عمتي أكثر الغرف التي تعجبني في البيت، فهناك كانت تتحدث وتتسامر مع أمي حين صرت أمشي. فقد كانتا تتحدثان بينما أنا أحاول اكتشاف الغرفة بالإمساك بكل ما يقع بين يدي، من كتب، تماثيل صغيرة، فناجين، أقلام وأغراض أخرى غريبة. كانت عمتي تمتلك كثيراً من الأشياء الغريبة وكانت تصرخ في وجهي كلما انكسر شيء بين يدي. في تلك الغرفة تعلمت كلمتي «اللعنة!» و«تباً!» اللتين تستعملهما مراراً. أحببت أيضاً راديو الغرفة، فقد كانت عمتي ترفع أحياناً الصوت وتأخذ في الغناء بشكل منفر للسمع. كنا نحتفل ثلاثتنا في الغرفة، ونقفز فوق السرير مبتهجين حتى نسمع طرق جدتي على الباب، الذي يعني التزام الصمت وكبت ضحكاتنا الهيستيرية.
لاحقاً، أمرتني أمي بالتزام الصّمت حين أعبر الممر المؤدي إلى غرفتنا. وأن لا أثير صوتاً حين أقبل صورة أبي، قبل الذهاب إلى النوم. لكني، رغم محاولاتي، لم أكن أستطيع النوم فقد كانت تقضي الليل بأكمله تطالع كتباً على ضوء اللمبة.

عالمي صار محدوداً بغرفتنا وغرفة عمتي، بعدما منعت أمي عني الذهاب مجدداً إلى الصالون، عقب محادثة طويلة مع جدتي، وبسبب تَبَوَّلي مرتين أو ثلاث مرات على الكنبة، وبسبب توافد الفتيات على التدليك بين يدي عمي.

حتى ذلك الوقت كانت حياتي تسير على ما يرام. وسط عائلة منسجمة، مع أب لا يبخل في منحي الهدايا، وأم تغني لي باستمرار، عمة مرحة وجدة غاضبة على الدوام ككل الجدات، وعم يقضي وقته مع صديقاته الكثيرات.

• • •

ذات مساء، حدث شيء رهيب. لما كانت عمتي وأمي تثرثران كالعادة، وقفت عمتي فجأة وقالت شيئاً يشبه «الواقعية الاشتراكية» متبوعة بعبارة «هراء كبير». عبارة لم تعجب أمي التي وقفت هي أيضاً وأخذت تصرخ غاضبة مشددة، على غير العادة، على الكلمات التي تتلفظ بها. انعزلت في ركن بعيد دونما أن أفهم شيئاً من كلامهما، وشاهدتهما تتشاجران بالأيدي قبل أن تحملني أمي بين ذراعيها وتقول لي إن عمتي ليست سوى امرأه غبية وأنني مجبرة على عدم العودة إلى غرفتها. مساء اليوم نفسه لم تطلب مني أمي تقبيل صورة أبي كما أنني لم أنم. رأيتها تتقلب في الفراش وتنظر باستمرار إلى الساعة منتظرة عودة أبي. تظاهرت بالنوم وتكومت في الفراش وكانت تلك، المرة الأولى، التي أشهد فيها عودة أبي ليلاً. فتح الباب بهدوء وأخذ يمشي بخطى هادئة، متجنباً إثارة أدنى ضجيج، حتى وجد نفسه في مواجهة أمي التي نظرت إليه من سريرها وخاطبته:

– إذا قلت مجدداً إنك كنت مكلفاً بالحراسة سأقتلع خصيتيك.

أشار إليها أبي بأنه متعب وأنه ذاهب إلى الصالون كي لا يوقظني. لكن أمي انتفضت في غضب، مخاطبة إياه بأنها غير عابئة بأن أسمع ما يدور بينهما وأن أعرف كل شيء. وأنها مَلَّت حيلته في الاختباء في الصالون كي لا أسمع لا أنا ولا الجدة أحاديثهما. مضيفة أنها كرهت العيش وسط عائلة مجانين، ومن طول ساعات الحراسة التي يقضيها ليلاً. تلك الليلة اكتشفت أن أمي، بعدما تدندن لي أغاني لأنام، تظل مستيقظة في انتظار عودة أبي، للتحدث معه في الصالون. اكتشفت أن الأمور، على عكس ما توقعت، لم تكن تسير على ما يرام.

منذ تلك الليلة، صارت أمي وعمتي لا تتحدثان مع بعضهما البعض. توقفتا عن تبادل الزيارات الليلية. كنت أنام، ومع بداية شهقات أمي وبكائها أسد أذنيّ بغطاء الفراش. وإذا واصلت البكاء كنت أشرع أنا أيضاً في البكاء العالي حتى تأتي جدتي وتطرق الباب مطالبة بالصمت ومشتكية بأن لا أحد صار بإمكانه النوم بسلام في البيت.

• • •

كنت في السادسة من العمر وكنت أقضي حوالي الثلاثين ساعة دون أكل لأن أمي كانت لا تتوقف عن البكاء وعن ذرف الدموع. ترمي أحياناً مناديل مبللة بالدمع أرضاً وتمسح مقلتيها بالفراش. حتى يصير مبتلاً عن آخره. لتتوقف فجأة عن البكاء وتخاطبني:

– لن أبكي مجدداً صغيرتي، أعدك.

توقفت فعلاً عن البكاء لكنها لم تكن تفعل شيئاً آخر. في تلك الفترة، اشترت تورن ديسك قديم وأخذت تسمع التانغو. توقفت عن ممارسة المسرح ولم تعد تخاطب أحداً في المنزل. لم تكن تخرج من الغرفة سوى للضرورة، كما لا تخرج من المنزل إلا، من حين لآخر، لمرافقتي إلى الحديقة أو للجلوس قليلاً في بار الحي. لم تكن أمي تستمع سوى للتانغو وتساعدني على أن أكبر بسرعة. لما كان والدي يكلمها كانت ترد عليه بكلمات تكتبها على ورقة، وتعود إلى الاستماع للتانغو. كنت أنظر إليها من بعيد وأقسم أنني لن أبكي يوماً مثلها. وكبرت وأنا أستمع إلى كلام الآخرين، صمت أمي وموسيقى التانغو.

• • •

ذات مساء، انتظرت أمي عودة أبي، وحاولت أن استرق السمع إلى حديثهما المطول، بالاختباء في رواق المنزل.

ابتداء من ذلك اليوم، توقفت أمي عن سماع التانغو ليلاً وصارت تنام بشكل عادي. في النهار تستمع للموسيقى أو تخرج، لست أعرف إلى أين، وفي المساء تتمدد إلى جانبي وتساعدني في إنجاز واجباتي المدرسية. كانت تحكي لي قصصاً عن الأرجنتين، وكيف تعرفت على أبي وبعض الحكايات عن جدتي. كنت في حوالي سن العاشرة لما عرفت لماذا هجرها أبي وقرر الانعزال والنوم في الصالون. اضطربت وقتها، فقد صارحتني أمي بالحقيقة. فهو كان يعود متأخراً إلى البيت لأنه يقضي وقته مع نساء أخريات، يشرب ويسهر معهن. لذلك كنت لا أراه كثيراً. لما أخبرتني أمي بالحقيقة لم أعرف مَنْ منهما عليّ أن أكرهه. هل أكره والدي بحقيقته غير المكتملة أم أكره أمي بحقيقتها المُطلقة. شعرت بجرح لكني واصلت تقبيل الرجل الذي أراه على الصورة، فقد كان الكذبة التي آمنت بها. اكتشفت أن الكذب هو قدري. ورثت من أبي عطية الكذب وعن أمي أهم الميزات التاريخية لترجمته.

حياة أمي بدأت في التغير تدريجياً. صارت تضحك وتتحدث في الأدب والمسرح. كنت قد كبرت وصار بإمكاني الخروج لوحدي، وصارت غير مضطرة لمرافقتي إلى المدرسة، ولا للإمساك بيدي حين أقطع الطريق. تَغَيُّرها لاءمني لأني أنا أيضاً تغيرت. في المدرسة كنت لا أتكلم كثيراً مع رفيقاتي. كن ثرثارات لا يفارقن المعلمة ويحكين لها كل شيء. كنت أفضل الجلوس وحيدة آخر الصف. في المنزل كنت أستطيع التمشي ليلاً، خصوصاً أن أمي كانت تخرج أحياناً. تلبس أجمل ملابسها، تضع ماكياجاً، تراقب واجباتي المدرسية ثم تقبلني وتخبرني أنها ذاهبة إلى بيت الربّ. أن تذهب أمي إلى الكنيسة بانت لي فكرة غير منطقية، لكني تقبلتها لأني تعلمت أنه إذا أردنا عدم سماع شيء ما فلنتجنب السؤال عنه.

ذات مساء، بينما كنت أتسكع في رواق البيت قررت أن أطرق باب غرفة عمتي. كانت قد مرت سنوات لم أدخل فيها غرفتها، لكنها استقبلتني بحفاوة كما في السابق. لقد كانت في خلاف مع أمي وليس معي أنا التي لا أعرف ما معنى «الواقعية الاشتراكية». أخبرتني عمتي حينها أنها هجرت الأدب وشرعت في البحث الموسيقي. فقد اشترت تورن ديسك وساعدتني في التعرف على موزار، شوبان وبيتهوفان.
أبي ظل يعمل كثيراً وعمي يوسع في عدد زبائنه، فقد صار لا يدلِّك فقط الفتيات بل أيضاً الرجال، وهي ممارسة لامته عليها جدتي، رغم كونه يتمتع بحظوة الابن المدلل عندها.

في أحد الأيام، كنت أقف على بالكون الصديقة الوحيدة الذي تربطني بها علاقة جيدة في المدرسة، والتي لم تكن ثرثرة، وهناك شاهدت أمي تخرج من العمارة المقابلة مع رجل بدين، ذي لحية. صديقتي أيضاً شاهدتها وأخبرتني بأن ذلك الرجل جار لها، وهو كاتب بحسب ما يقال في الحيّ، سِكِّير وزير نساء ككلّ الكتاب. ذلك اليوم فهمت أن الربّ لم يكن في الكنيسة، بل في العمارة المقابلة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق