ثقافة المقال

رسالة الطبيعة

الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

قد نغفل طويلاً ، ونحن نسعى في طول الأرض وعرضها ونفتش فيها بحثاً عن توفير احتياجاتنا اليومية من المآكل والمشارب وجمال المراكب وفاره المساكن وقضاء الوطر ، وربما مضاعفة المخزون من كل الاحتياجات ولا نكاد نرفع رؤوسنا عن موضع أو مكان إلا ونضعها في موضع ومكان آخر . وكأننا نتحرك في حلقة مفرغة أو كالعطشى الذين لا يرويهم ماء البحر رغم مساحاته ووفرة مياهه !.

إننا حقيقة في ذهول عن جمال ما حولنا ، وربما في غياب كبير عن هذا الزاد وهذه النفائس التي تحيط بنا ويضمنا بها وفيها الزمان والمكان ، وعدم الإحساس والإستشعار قد تكون عقوبة مركبة لذواتنا وأرواحنا وحتى نفوسنا الغالية ، والأمر الأقرب إلى عقول العقلاء أن عددا منهم يمر ويمشي ويتنقل ويكاد يلامس مع ذلك لا يرى ولا يسمع ولا يحس ولا يتكلم.

إن الجمال الذي رسمته السماء لأهل الأرض في طبيعة الجبال وطبيعة السهول وطبيعة الأودية وطبيعة الأنهار وطبيعة البحار والمحيطات وطبيعة الصحراء وطبيعة الغابات وطبيعة البساتين والرياض الغنّاء وطبيعة المساحات الخضراء والبيضاء كما في القارتين المتجمدتين وطبيعة المزارع التي يزرعها المزارعون وطبيعة الحيوانات وطبيعة الطبيعة لهي رسائل خالدة لتتغذى عليها الأرواح والنفوس الحالمة.

إن الخليقة جميعاً خلقت من تراب وطين وماء وهذه المكونات حقيقة لا غنى لها عنها وهي في أشد الحاجة إلى التراب والطين والماء وفي يومها ونهارها ، والقرب من ذلك كله ، بل الإلتصاق به أحياناً أخرى .
إن الحيوانات تمارس ذلك بهدوء واستشعار فهي تقترب من الأرض ومن طبيعتها الحالمة ، ترها هنا تغمر نفسها بالمياه وهناك تطمر نفسها بالتراب والطين وهناك تقفز وتمرح بين الزهور والبساتين

وتلك تسابق أقرانها بين الصخور والشعاب إنها تحيا على طبيعتها وفي طبيعتها !.

إن الطبيعة تقف أمامنا بجمالها وسحرها وفتونها وعنوانها أحيانا لتملأ دواخلنا وأرواحنا وأنفسنا من ذلك الزاد وتغذي كل خلية من خلايانا بذلك الغذاء العذب الزلال والشهد الحالي والمن والسلوى العالي .
وهي لا تترك فرصة اللقاء بيننا وبينها إلا أقبلت علينا تُرينا من سحرها الحلال ما لا نرى وما لا نسمع وما لا نتكلم !.

رسالة الطبيعة إلينا معاشر البشر واضحة وجلية فهي تبعثها في جلاء ، وتتحدث بها في لغات الأرض بوضوح، وتنشرها في قوة ، وتعيدها في عطف وحب ، وكأنها تقولها في تكرار غير ممل هل فهم الجميع ما أريد ؟ وهل ما زال السحر الحلال الذي أبعثه إليكم يجد قبولاً عندكم ؟ وطريقاً حراً سائراً إلى قلوبكم وأرواحكم ؟.

إنها تقول ببيان ساحر ولغة شاعرية عاشقة وكلمات حالمة وشعور سافر : أنتم بعضي الذي أحبه فأحبوني..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق