ثقافة السرد

نازلة

فراس ميهوب

“اجتاحت نازلة بلاد الحضر، فماذا أنتم فاعلون يا عرب؟!”.
صاح فارسٌ قادمٌ من الجنوب، ملأ الخوف عينيه، تمزقت ملابسه، وتجرحت يداه.
تجمَّع القوم حول فارسهم المقدام، وحاصروه بعيونهم الحائرة.
– ماهي النازلة؟
– شيءٌ ما سمعنا بمثله قطُّ؟!
– أهي وحشٌ مُهلكٌ، أم قدرٌ مريعٌ؟
أنصت الشباب كأنَّ موتا أصاب أسماعهم ،هالهم أن يروا فارسهم المغوار، قدوتهم وشرفهم، مهزوما باكيا لأول مرة، صفعته النازلة المجهولة وأعيته، وهو الذي كان يرد عنهم غزوات الماضي.
– إنها عملاقة، اجتاحت كل شيء، قتلت البشر، وهدمت الحجر.
لا ترون لجيشها أولا من آخر، رجالٌ لا يخشون الموت.
غزت بلادا كثيرة، وعجز الجميع عن مواجهتها.
اقترح عجوز:
– نبني ناطحة سحاب لتخيف النازلة.
قال آخر:
– لتكن الحرب، فلنبني سدَّا، يتربص المحاربون خلفه، نتناوب الحراسة، فإن جاءت قاتلناها صفا واحدا، فلا تغدر بنا.
أدلى معتاد هرب بدلوه:
– إنَّه الفرار، لنرحل شمالا وراء الجبال، فنرتاح من شرها.
سمعتُ أن النازلة تهاب المرتفعات، فإن اندحرت، رجعنا إلى مساكننا، وأصلحنا ما خربته.
اتفق القوم على رأي صاحب السد، نقلوا الرمال والحجارة، بنوا سدا، اثنين، بل ثلاثة، وجعلوا على أطرافها ورؤوسها مُراقبِين.
تجمَّع الفرسان وراء السواتر، وانتظروا حتى ملُّوا، ترك أهل القرية الزراعة، ماتت أشجارهم من الإهمال، نفقت مواشيهم.
لم تأت النازلة، أعلنوا النصر، وأقاموا الليالي الملاح.
عزموا على العودة إلى قريتهم، صدمهم أن وجدوها مطمورة بالرمل.
نفدت مؤونتهم، أوشكوا على التصارع بينهم، تدخل عقلاء، عادو إلى مواقعهم، واستتروا بالحواجز العالية.
لمحوا من بعيد راكبا، هجموا عليه كأنهم جراد مبثوث، سلبوه، اعترض البعض، صرخ الجوع، انتصرت غريزة البقاء.
في اليوم التالي، مرت قافلة، فقوافل، نهبوها دون هوادة، وقمعوا من رفض الجريمة.
خفت صوت المنطق والضمير.
مرت قافلة أخيرة يقودها بطل عظيم، سرقوا كل شيء، وسقط هو جريحا، وصل إلى قومه، ولم يبق في رئتيه إلا بضعة أنفاس حيَّة، صاح:
– هاجمتنا النازلة، رجال شعورهم طويلة، لا يهابون الردى، يسوقون الرعب أمامهم.
قال حكيم:
– فلنبني سدا…
اقترح ثان بناء ناطحات سحاب لتخيف النازلة.
قالت صبية ساحرة:
-بل ازرعوا حول المدينة سروا و سنديانا و صنوبرا، وفي قلبها إجاصا و سفرجلا وتفاحا، فقد قرأت حكمة قديمة تقول أنَّ ” النوازل لا تهاب السدود، لكنها تكره الشجر، وتعشو من النظر إلى ألوان الحياة”.
اختلفوا طويلا بين من يريد غرس الشجر، أو بناء ناطحة سحاب، أو سدَّا لرد النازلة ، وما يزالون حتى الساعة في شقاق وخصام…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق