ثقافة السرد

وطني أمومتي الحائرة

ونّاس سعد
من جرّب ندى الفجر وارتعاشات المساء؟
أي أمّاه ، إذا أقبلتِ ، إذا غدوتِ ، كلّ العالم قبلات على جبين الكدح والوفاء. حين تقف على مشارف قلقك يلوح لك الأفق مربدّا وتلوّح لك السّماء ويلوّح البحر مرتعشيْن ، وكان بوحهما في لون أنفاسك الرّماديّة حتّى أطلّت عروس الماء بلحنها الشّجيّ يبشّران بانقضاء الشّتاء.

وحين ترتد بك الذكرى، وتشتد بك الصّبْوة، ويستبدّ بك الصّبا، وتهفو بك قدماك إلى أرضك عشقك، تأخذك أجنحة الأحلام إلى معتّق المعاني وفاكهات الفِكَر.
أطلّت على قومها وبريق الدمع يكسو بياضها البضّ العبق ، فيغرقون في متاهات حدائقها ، وما كانوا يدركون مزالق الطّريق وشامخات الأراضي تتفجّر فتمرّ على الأخضر واليابس، أو يفهمون غضب البحار تزلزِل أعماقها فإذا العمار خراب وإذا الوجود عدم ، وما كانوا يدرون للقشّ المنقذ سبيلا …
وكنتَ من ضمن القوم تنتظر…
جاءت تحمل في شفتها بسمة الظّفَر كاللّغز يطلب فتْحًا ، تعْجَبُ للغرباء يستفهمون عن السّرّ المكنون وعن العشق القديم، فإذا رأتك بين الجموع قالت : انظر صورتك المعكوسة في الجدار واقرأ : ” حرفك يا صاحبي حين تقول غيث ينساب في حنايا روحي ومرهم لضلوعي وبلسم لأعطاب وطني. “
ثمّ تلتفت إليهم وتقول في زهو المبدعين وفي كبرياء الفاتحين :
كلانا يقول ، سرّحوا أبصاركم نحو الأفق الممتدّ واقرؤوا :
” كلما فتحتُ دفاترك وجلْتُ في حدائقك عثرتُ على مخزون المعاني والفِكر ، ودثّرت عريي بدفء الخيال وخصب المجاز … فإن أنت كتبتَ زادك الإبداع قوة وغنى وتدفقا… وأدركت وأنا الباحثة عن مدهشات الكلِمِ بين المتون والرّفوف انك بحجم كل المعاني فأراني كبيرة حين أقرأ… دام عطر حرفك يا صاحبي … وإنّي لفي ترقّب حكمتك الّتي تحملها إليّ رياحُ سَوْف” …
فيفيقون ويقلّبون البصر فإذا هو في ركنه المتين يخطّ في التّراب مبهمات السّنين، ثمّ يأخذه الضّحك حتّى كأنّ العالَم أضحوكة التّافهين، وحتّى كأنْ لا صوت غير صوته ، وتردّد أرجاء المدينة :
“من قال أن القلب حين هطول الدمع يدمى؟ من قال إن القلب حين بريق العين يشدو فرحا وحبورا؟ من قال إن الإجمال حين الإجمال إجمال والتفاصيل تفاصيل؟ كل ما هنالك يا صاحبتي أننا نتوهم حين نرى، وأننا نحلم حين نفيق… لا شيء يا صاحبتي ثابت لا يتزحزح، لا شيء يريح حين القلق، فاقتحمي أسئلة مدينتنا بلا جزع أو تردد ستجدين الجواب حين تمتطين مراكب السؤال ويستبد بك السفر”.
أمّا هم فباتوا على العجز يبتهلون، ولمّا اشتعلت مدائن العهر نهضوا من تحت الجدران يهللون للإعجاز ويصلون حمدا أن أحرق الإله إبليس بناره.
وأمّا هي فكانت كلما مرّت عند باب أرقك وأحزانك، نفحك عطرها و انتعشتْ أحلام المساء …
وأمّا أنت فلجأت إلى مرآة نفسك تستجدي صحوا وكانت أثقلتك السّحب والغوايات ، فرأيتك في ظلالها ترقص تيها وخيلاء وتزهو بطمأنينتك العائدة من سفر بعيد.
فإذا طلعت شمس الضّحى، وانفضّوا وانفضّت الأكوان، أخذتها وأخذتك، فإذا أنتما في الخالدين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق