ثقافة السرد

الذباب والفكرة

عادل حنزولي

إنّها تجول حولي كما الفكرة؛ تقف على عتبات الذّاكرة قبل أن تشرع في أشغال الحفر!
“لا قدرة لها على الحفر..” قلت مخاطبا نفسي بشيء من المزح وشيء من الجدّ.
ماذا يقول لها عقلها إن كان لها عقل؟ إنّني أطردها فتعود إليّ سريعا كأنّما أحفّزها للعودة.. في البدء تكون وحيدة مثيرة للشّفقة، ثمّ ما يلبث أن تنضمّ إليها أخريات من مثلها، بنفس شكلها وملامحها..
“كيف يفرّقون بين واحدة وواحدة؟” تساءلت عن عشيرتهم متخيّلا أميرهم أو رئيسهم أو حتّى مليكهم، هل على رأسه تاج؟! هل يرتدي بذلة؟ هل يطيعونه عندما يُصدر حكم الإعدام في واحدة؟!
واحدة؟ لماذا أجزم دائما أنّها أنثى؟ فمن غير المعقول أن تكون كلّها إناث!! فقد رأيت ذات مرّة، واحدة تمتطي ظهر الأخرى.. إذن لا شكّ أنّ بينها ذكورا!! هذه التي تزعجني لا يمكن أن تكون ذكرا، إنّها تطنّ كما تولول امرأة في حيّنا.. سليطة اللّسان تُدمي العيون، تقفز من على أرنبة أنفي إلى جبيني ومنه إلى عيني.. أسبّها لاطما وجهي محاولا قتلها بضربة كفّي..
“ماذا لو كانت ملكة؟” تساءلت وضحكت.. لا يجوز أن تكون هذه ملكة، الملكة تتخفّى في قصرها وتعطي الأوامر. لن تضيّع وقتها ومصالح الرعايا من أجل أن تداعب خدّ بشريّ بائس مثلي!!
ملكة أم ملك؟ بدا التّفكير سخيفا وانتهى عميقا. من يصدّق أنّ هذه الكائنات القذرة أعمق تحضّرا من جنسنا العجيب بأن جعلت لها ملكة بدلا عن ملك، وقوانين صارمة لا يخالفها أحد!!
“كائنات مسيّسة.” قلت وأنا ألوّح بيميني لأبعد واحدة عن أرنبة أنفي الكبير..
أنزعج، أملّ، أضجر، ينتابني وهن، يتيبّس ظهري من الجلوس فأتساءل ما الفائدة؟
“تزعجك؟”
تقول صديقتي ذات الشعر الأحمر وتجلس إلى جانبي واضعة حقيبة يدها الصّغيرة على حجرها..
“صباح الخير.” قلت منزلقا بنظراتي إلى الحجر..
“تعجبك؟”
قالت مبتسمة بإغراء ومشيرة إلى الحقيبة كبائع كسدت بضاعته..
“فاتنة!” قلت حادجا الحقيبة الجلديّة اللامعة، قبل أن تنزلق عيناي الواسعتان إلى حجرها رامقا بشغف فخذها العاري..
رفيقتي حمراء الشعر، امرأة متوسّطة القائمة، مستديرة الوجه، حادّة الأنف، يضيء وجهها الأسمر كحبّة زيتون مغموسة في زيتها.. أمّا عيناها فخضراء كأرضنا. راجت أخبار كثيرة وشائعات عن شغف أمين الحزب بها حتى هام حبّا، وصمّت آذاننا أخبار أخرى تقول إنّ هدى هي عشيقة أمين الحزب السريّة.. أنا لم ألاحظ شيئا وليس من هوايتي التفتيش خلف أسرار النّاس المربكة. كنت دائما مشغولا بنجاح الحزب، الحزب أهمّ من الوطن.. الوطن بالنسبة لي هو حضن دافئ يتّسع للجميع، وعليّ كفرد فيه أن أنال نصيبي من الكعكة الكبيرة.. نصيبي كان حلمي، ونصيبي هو نيل منصب كبير في الدولة ولن يتحقّق ذلك إلّا بنجاح الحزب، إذن الحزب أهم من الوطن!!
“تأخّروا..” أضفت بعدما ابتسمت لي مجاملة.
“مكثت وحيدا طويلا؟!” سألتني.
“ليس تماما، لقد آنستني مملكة الذباب!!” قلت.
“ليس للذباب مملكة..” قالت صادمة إيّاي. أنا الذي ظننت أنّ للذباب مملكة، معتبرا إيّاه كائنا مسيّسا!
“أليس مثل النحل هو؟!” تساءلت مستغربا، فضحكت..
“لا، ليس مثل النحل.. دابّة فوضويّة قذرة، بعض فصائلها مزعجة وبعض فصائلها مؤذية..”
طفقت تتحدّث كعالمة بيولوجيا..
“ألا تُجمع على شيء أبدا؟” قاطعتها وقد ضجرتُ!!
“بلى.. تُجمع على التّسافد والعفن!!” قالت وطفقت تضحك، بينما رحت ألوّح بيدي مسكونا بالنّقمة والحقد وأنا أطرده..
×××××
فضيحة، يا لها من فضيحة.. يعتصرني الألم، الألم الدّاخلي.. أتقلّب في فراشي، أحكّ وجهي، أمطّط ساقي، أستشعر شدّا غريبا في عضلاتي، أضغط زرّ اللمبة المحمولة بجانبي، أسند ظهري إلى الحائط، أرتشف من شراب الأعشاب المهدّئ للأعصاب.. ينتابني ضجر، أفارق فراشي وأجول في فضاء شقّتي كمجنون خفيف الجنون.. يمرّ الوقت وأنا منزعج.. أشغّل التلفاز، ثمّ أحاول النوم على وقع ضوضائها.. رداءة البرامج مؤنسة لمهزوم مثلي. لطالما نمت على وقع ضوضاء رداءات التلفاز، تلك الرداءات عادة ما تهزم إحساسي العميق بالوحدة.. حينما أكون وحيدا كعادتي أستشعر تفرّدي نتيجة لتلك المسافة التي أتّخذها بعيدا عن المجتمع والناس.. يزعجني الإحساس بالتفرّد وأفتقد الانسياق في متاهة التفاصيل السخيفة ليومي، فآنس بما يلقيه إلى سمعي وبصري التلفاز، وحينها فقط يجتاحني الزهو والبهجة لدرجة الرقص على أنغام النشاز أحيانا كثيرة من فرط النشوة.. لكن هذه الليلة أنا حزين ومنكسر. ثمة إحباط يمنع تدفّق النشوة داخلي. فلم تفلح ضوضاء التلفاز في جعلي منتشيا ثم هادئا ثم مخدّرا يغلبني النّعاس..
غادرت الحشية التي أستلقي عليها في الصالون، أطفأت التلفاز وعدت أجول في بهو شقتي.. الضوضاء داخل رأسي لذلك بدا لي الصمت حولي مريحا..
“أيّها السادة الكرام أعضاء حزبنا المكافح ضدّ العنصريّة والعنهجيّة والبربريّة والظلاميّة والدكتاتوريّة، يؤسفنا إعلامكم بإلغاء الاجتماع كما كان مقرّرا له الانعقاد في هذا اليوم عند الساعة العاشرة، فقد طالت أيادي الظّلام أمين الحزب واختطفوه من داره بدعوى الفساد.. إنّ هيئة رفيعة المستوى من مناضلي الحزب ستنتقل إلى الدوائر الحكوميّة الضيّقة لإفشال مشاريع الظلام التي تحاك ضدّ حزبنا المقاوم.. عاش الحزب.. عاشت النضالات.. عاشت الديموقراطيّة..”
خطر ببالي خطاب رئيس ديوان حزبنا فازددت ضجرا.. ما معنى أن يورّط أمين الحزب في قضيّة فساد؟ يعني ذلك أنّه غير جدير بثقتي، وأنّه لن يوصلني إلى برّ النجاة.. لا يعنيني أن يكون فاسدا، بل يعنيني أن لا يتورّط.. كلّ من في الوطن فاسدون، أحزاب وصحف ومنظّمات وشركات بل حتّى الموظّفين الصّغار.. أنا عن نفسي مواطن فاسد أقبض الرشوة وأعطيها، أحابي أشخاصا أطمع في منفعتهم لي يوما وأزدري أشخاصا لا يرجى منهم شيء أثناء معاملاتي الإداريّة. لكنّي لا أقع يوما لأحد فيكشفني.. تلك هي اللعبة التي تعلّمتها عن أساتذتي الكبار، تلك هي الفكرة التي عرفتها عن وطني منذ خلقت فيه، “كل وأطعم”، هذه هي الفكرة التي رُبّيت عليها وهي الفكرة التي أنا مدين لنجاحي بها. لكن أن يتورّط أمين حزبي الذي أطمع أن أرتفع من خلاله إلى سدّة المجد في قضيّة فساد فهو الضجر والغضب وانهيار البنيان وتهاوي الأحلام.. أهذا هو الحزب الكبير الذي اخترته لتحقيق أحلامي وأصير سيّدا وأغرف ما أستطيع بفعل نفوذي الجديد وعلاقاتي مع السادة الكبار؟ أفّ لي من وضيع! عليّ تغيير الخطّة والانطلاق نحو حزب جديد.. لا تهمّني الأفكار، لا أحفل كثيرا بالمبادئ، ولا بذلك الكلام المنمّق عن البرامج والاستراتيجيّات الاقتصادية، لا أهتمّ لصورة المجتمع وللوعي العام والرأي العام والقضايا الكبرى والنزاهة والشفافيّة، وهلمّا جرّا من ذلك الكلام الذي لا معنى له إلّا بالقدر الذي يهبني منفعة ما.. كلّ تلك الشعارات ليست إلّا تسويقا وصورة مخادعة لننال السلطة والمكاسب والغنائم.. ماذا أصنع الآن؟ المنصب الكبير يضيع.. النفوذ يضيع.. الحزب يضيع.. أنا أضيع.. ويلي فلن أكون سيّدا!! هل حُكم عليّ أن أبقى وضيعا راضيا قانعا بالعمولات الصّغيرة!! كيف سأذلّ أعدائي؟ كيف سأصل إلى أهدافي؟
لا يهمّ، من الغد سأعرف كيف أصنع.. من الغد أودع استقالتي مكتب الضبط بإدارة الحزب المركزيّة وأنخرط في الوقت ذاته في حزب جديد.. ذلك سيكلّفني كثيرا، فعندها أخسر ولا شكّ ما توصّلت إليه من مكانة في حزبي القديم. لكنّي سأعرف كيف أفتكّ مكاني من جديد في وقت وجيز.. إنّي أعرف الطريق جيّدا كما يعرف القطّ كيف يتسلّق حائطا أملسا، كما تتسلّق السحليّة جدار البئر اللولبيّ أعرف أنا كيف أسلك الطرق الملتوية للسياسة.. في وقت وجيز سأصبح مرشّح الحزب الجديد لانتخابات المجلس النيابيّ، وعندها تفتح الحياة آفاقها أمامي من جديد!! هل سيجدون رجلا بمثل خبرتي السياسيّة؟ بمثل دهائي؟ بمثل انتهازيّتي واستعدادي لبيع كل شيء وأيّ شيء في سبيل حصولي على المنصب والنفوذ؟! بالطبع لا، فالحظ فقط هو من أخّر مسيرتي الوصوليّة السياسيّة المظفّرة.. يلزمني فقط خطة جيّدة، تبدأ باختياري للحزب الأقرب للنجاح.. ذلك ليس سهلا، فعليّ استقراء الواقع السياسيّ جيّدا، وعليّ أن أحيط علما بدقّة اللحظة التاريخيّة التي نحياها وما تستلزمه بالضّبط من كلام منمّق حول المبادئ والغايات، مع رسم الصدق والنزاهة على ملامح بريئة لوجه عفن.. عليّ أيضا أن أعرف كيف ألامس وجدان البسطاء السذّج من الشّعب.. هذا الشعب ساذج وطيّب يسهل خداعه. يكفي أن أوهمه بصلاحي وأعده بلقمة العيش حتى يصير زبدة في يدي، لا داعي لتنميق كلامي حول التنمية والمشاريع الكبرى وإرهاق عقلي ودفع مالِ عزيز لضبط استراتيجيات التنمية والبحوث المطوّلة حول الاقتصاد.. ذلك يعجب المثقفين والمتعلّمين جدّا وأصحاب الضّمير، وما أقلّهم في بلادنا لحسن حظّي!! الشعب الحقيقي، شعب الأعماق يحبّ من يخدعه، من يرسم الورع على وجهه ويحدّثه عن الله دون إسراف.. عند ذلك سيمضون زرافات إلى الاقتراع وينظرون لي كنبيّ أخير مرسل، أو كبطل قوميّ تأخّر وقته..
مضيت إلى فراشي منتشيا بقراري وبخطّتي الجديدة في اللّعب، استشعرت الدفء وأغمضت عينيّ، تراءت لي صورتي في المجلس أمثّل حزبا لا أعرفه، أدافع عن أفكار لا أفهمها كثيرا ولا أحبّها أيضا، غير أنّ صورتي في الغد وجلستي تملأ مكتبي الخاص كانت تبعث داخلي منسوب الفرح والتوق الشّديد.. قبل أن يصرعني النوم أتساءل؛ لماذا يفتّش الناس عن الله في وجهي وأقوالي؟ هل يطمعون أن يقبلهم الربّ لأجل صلاحي؟!
×××××
لطالما تساءلت أحيانا كثيرة عمّا تشغله الرّفيقة هدى في الحزب من مهام؟ كنت دائما أراها تغدو وتروح في تمام أناقتها، وكأنّه لا شغل لها غير الظّهور أنيقة وفي أبهى صورة.. ربّما كانت صورة الحزب المشرقة. صورة تسويقيّة مزوّقة بعناية للتسويق لحزبنا في عيون الصحافة والمنظمات والغرباء.. إنّها لا تفعل شيئا أبدا سوى الظهور مبتسمة بإغراء، مطليّة الوجه بالمساحيق، عارية الركبتين أو الذراعين، تنتقل كفراشة من مكان إلى مكان ومن ركن إلى ركن أثناء الاجتماعات الموسّعة للحزب.. وكنت أراها من حين لآخر تعطي أوامر خفيّة لموزعي المشروبات قبل أن تعود لهدوئها ووقفتها وابتسامتها المغرية.. تلك المشروبات التي عادة ما أنقع فيها وأشفط منها كؤوسا عديدة كثعبان مهياف.. تلك عادة تأكلني، أنظر لكل شيء ترسله لي الحياة كغنيمة وكفرصة وجب استغلالها.. ثمّة جوع يسكن قلبي لا يُشبع أبدا من كلّ شيء!!
“ربّما كانت الرفيقة هدى سكرتيرة حزبنا السريّة..” أقول لنفسي في كل مرّة يجتاحني فيها السؤال اللغز، محاولا إقناع نفسي بأيّ فكرة تخطر لي رغبة في الخلاص من السؤال. أنا أكره الأسئلة والألغاز والأسرار. وربّما كانت تلك نقطة ضعفي في السياسة، فقد تعلّمت أخيرا أنّ أهمّ ما في السياسة كما الفلسفة هي الأسئلة والألغاز والأسرار على وجه الخصوص.. فبالأسرار تعرف خبايا الأمور وكيف تدار الدواليب الخفيّة، وكيف يمكنك أيضا أن تقفز إلى ما تريد.. تخيّلوا لو كان معي سرّا أضغط عبره على رجل مرموق القدر من رجال السياسة أو الأعمال؟ أليس مفيدا لي؟ ربّما قفزت عبره إلى ما أريد!! المقايضة، المنصب مقابل الإخفاء، أليست فكرة؟!
غير أنّي لم أفكّر بذلك أبدا، أولا لأن الحياة لحسن الحظ لم تهبني لا سرّا أعرفه ولا موهبة في كشف الأسرار ولا رغبة في التفتيش وراءها.. وثانيا لأنّي اكتشفت أنّ المقايضة بالأسرار ولعبة الإجهار والإخفاء الصحفيّة لعبة خطيرة، تشبه تورّط مشعوذ هاوٍ في استحضار مارد من الجنّ!! هذه لعبة الكبار بينما ما أزال أنا صغيرا، ذليلا، وحقيرا.. لذلك كنت مركّزا بشدّة على أهدافي، لا أهتمّ للأسرار ولا أقيم لها وزنا ولا أتتبّعها أيضا..
في الوقت الذي اجتاحني فيه السؤال المتكرّر الحارق عن مهام الرفيقة هدى، فاحت رائحة الشائعات اللذيذة عن علاقتها بالأمين العام كعشيقة سريّة، لذيذة وطريّة.. وذات اجتماع عام فاض تفكيري الخفيّ على لساني فجأة فسألت رفيقا لي يجلس بجانبي كتفا بكتف، ملت برأسي نحوه ووشوشت في أذنه وعيناي لا تنزلق بعيدا عن هدى.
“ماذا تشغل الرفيقة هدى في حزبنا بالضّبط؟”
“الرفيقة هدى هي قلب الحزب النابض دما وحبّا!!” قال بلهجة جادّة تميل إلى السخرية.
ضحكت ساعتها وعاهدت نفسي ألّا أسأل ذاك السؤال مجدّدا. من يدري أيّ سرّ وأيّ ورطة أنفتح عليها فجأة!!
×××××
“رفيقي العزيز مرحبا، هل أنت في عشّك؟” قالت وضحكت. إنّه اتصال من هدى، مفاجئ وغريب هذا المساء..
“نعم، أنا في البيت..” قلت متلعثما تائه الأفكار، ولا أعرف كيف أردّ.
“حسنا، ألن تفتح لي الباب وتستقبلني؟!” قالت بلهجة جدّ تميل إلى الإغراء..
“أنا أقيم وحدي..” قلت بصوت مرتعش.
“أفهم أنّك لا تريد استقبالي؟” قالت بلهجة لا أجيد وصفها، لهجة تجعل قلبك يذوب تعاطفا، وعقلك يهوي وراء الشعور بالذّنب!!
“لا.. على العكس.. مرحبا!!” قلت دون أن أشعر، كأنّي منوّم مغناطيسيّا أكرّر ما يُملى عليّ!!
“طيّب، أنا في انتظارك لتفتح الباب، لا تتركني أنتظر طويلا..” قالت بلهجة أثارت فيّ شهامة دفينة لم أعرفها فيّ منذ مدّة طويلة.. لكن لا أدري لماذا لا تتحرّك داخلي تلك الشّهامة إلّا حين تُذيب قلبي امرأة؟!
لم أردّ، تقدّمت سريعا نحو الباب لأفتحه، وجال برأسي تساؤل سريع، كيف عرفت عنوان بيتي واهتدت له دون أن تستعين بي في بعض التفاصيل؟ ثم ما سرّ هذه الزيارة المفاجأة؟ وماذا يقف وراء جرأتها الغريبة؟ تزور رجلا وحيدا مثلي بينما تتهيّأ الشمس للغروب؟!
“أهلا.. كيف حالك؟” عاجلتني بالقول حينما فتحت الباب، تجاوزتني متقدّمة بخطى واثقة نحو المطبخ. على كتفها حقيبة صغيرة، وبيدها مشتريات تخفيها أكياس سوداء وضعتها على ركح المطبخ.. ألقت عينيها في أركان الشّقّة، تراءى لها كرسيّ في زاوية ما لإحدى الغرف..
“وحيد إذن؟ تعيش وحيدا كملك؟ تصنع كلّ شيء بمفردك وتتأمّل الغروب بينما تنقع في قهوة باردة..” طفقت تثرثر بينما تقدّمت ناحية الكرسيّ المهمل، جلبته إلى المطبخ وجَلَسَتْ.. سحرتني في لحظة مفاتنها التي أذابت قلبي يوما بعد يوم، واجتماعٍ بعد اجتماعٍ منذ انخراطي في الحزب.. هذه اللحظة أكثر حميميّة وأجلُّ إغراءً.. سحبني جسدها الطازج داخل أفيون سحره فسهوت تائها وذاهلا عن ثرثرتها.. جسد حرّ جامح مضغوط في لباس قصير، هدى وطن يتجسّد، نصفه حريّة ونصفه الثاني مضغوط محكوم تُخشى ثورته فيُلفّ في تنورة قصيرة ضيّقة، وقميص مفتوح من ناحية الصّدر حيث يضيء جانب من مدينتين مزدهرتين مزهرتين تغريانك بالثورة الكامنة فيك فلا تستطيع كبتها رغم ضغط المدينتين وكبح جماح طاقتهما على التمرّد الذي يوشك أن يكسر طوق الحصار حوله، أمّا الذراعان فمكشوفان لامعان كشواطئ مدينتين ساحليتين!! ما سرّ جرأة هدى وإحجامها عن اللباقة؟ وفيم تكشف عن ذراعيها وتعرّي ركبتيها في بيتي بينما تعوّدت اعتماد سلاح واحد في اجتماعات الحزب؟!
تساءلت سريعا داخلي وقد عدت عن تيهي وغيبوبتي.
“آنسة هدى، لماذا لا نجلس بغرفة الضيوف؟ الجلوس هناك مريح أكثر..” قلت محاولا إصلاح ما أفسدته بتصرّفها العفويّ..
“مريح لي أم لك؟” سألت سؤالا لا تنتظر إجابته بقدر ما رمت به إلى تشتيت ذهني الممزّق.
“لست غريبة ولا ضيفة، اجلس هنا لن أطيل عليك، ألا يوجد كرسيّ آخر؟” أضافت بثقة واسعة، وكأنّ البيت بيتها.. تهت ولم تنتظر هي إجابتي، بل طفقت تبحث في الشقة عن كرسيّ آخر..
“ليس بشقتي عدا كرسيّ واحد!” صحت فيها ببعض غضب وبعض سخرية وبعض حياء أيضا..
عادت بصندوق معدنيّ مستطيل الشكل ومكعّب، هو معي منذ سنوات طويلة ألقيه بين الأشياء المهملة ولا أقيم له أي وزن.. لا أدري لماذا احتفظت به كلّ ذلك الوقت، فهو عديم النّفع فعلا!!
“يشبه صندوق الانتخابات!!” قالت وضحكت فظهرت أسنانها وأشرق وجهها كما تُشرق الشمس الدافئة في وطني.. ثم قلبت الصندوق ووضعته قريبا من الكرسيّ ومواجها له، جاعلة قاعدته المغلقة إلى الأعلى..
“هو ذا كرسيّ يا عديم الحيلة..” أضافت مصوّبة نحوي نظرة إغراء مخمليّة نعسة. كم من الفنون تتقن هدى؟
ابتسمت وانطلقت نحو أكياس مشترياتها تفتحها. أخرجت أشياء مذهلة لم أتوقّعها، دجاجة مشويّة وزجاجة نبيذ وفواكه جافّة.. أخرجتها كمفاجئات أعياد الميلاد السنويّة ووضعتها على الطاولة..
“لم تتناول وجبة عشائك كما يظهر؟ حياة الوحدة ممتعة ومؤسفة، حيث أنت حرّ ومقيّد بحاجاتك التي لا تتقن صنعها منفردا!!” قالت وجلست على الصندوق المعدنيّ، وألقت ساقا فوق أخرى فذاب قلبي..
“اجلس.. فيم تيهك؟ هل أنت ضيف؟” قالت وطفقت تأكل.
“آنسة هدى.. هذا لا يجوز، أنت ضيفتي، اجلسي على الكرسيّ رجاءً مادمت تحجمين عن الصالون.” صدر مني احتجاج أخيرا..
“اجلس.” قالت بلهجة آمرة حادّة، حادجة إيّاي بنظرة واثقة، فجلست..
لم تتكلّم لبرهة من الوقت، كانت مشغولة بالأكل، ولمّا لاحظت انشغالي بالتفكير عن الأكل، لم تعترض، ولم تدعوني لأشاركها الطعام، بل طفقت تضع قطع الدّجاج بيدها في فمي..
“ما ألذّ هذا الدجاج!” قلت وأنا أمضغ قطعا تداخلت في فمي حتى صنعت كرة لحم مشويّ.
“من يد هدى يكون كل شيء لذيذا..” قالت وابتسمت بإغراء، وحشت قطعة لحم أخرى في فمي وقد مالت نحوي فبدا صدرها عاريا كجارية في حضرة ملك.. تَرَاجعتْ، تَنَاوَلَتْ زجاجة النبيذ وملأت قدحين، ناولتني قدحا فارتبكت..
“لست متعوّدا على الشرب..” قلت بتلعثم مفضوح وقد بدأت داخلي أشياء تتحرّك.
“لماذا؟ أتصلّي؟” قالت ساخرة وقرّبت القدح من شفتيّ، وقد مالت كما مالت..
تهت منها فشربت بلا رغبة، ثم تَراجعتْ، شربت قدحها، تناولت قدحي وشربت أيضا.. ملأت القدحين ثانية، شربنا ثانية..
“استقلت من الحزب هذا الصباح، صحيح؟” قالت في هدوء.
“نعم، فعلت.” قلت متلعثما..
“إذن فقد بعت الرفاق عند أول اختبار، عند أول منعطف.. أليس في ساعات الشدّة تُعرف الرّجال؟” قالت بلهجة عتاب..
“حسنا آنسة هدى..” قلت.
“هدى فقط..” قاطعتني.
“حسنا هدى، تلك اللحظة كانت مزلزلة لي.. كانت مفاجئة ومربكة.. الأمين فاسد؟ لم أدر كيف أتصرّف، أردت فقط الخلاص.. تعرفين أنّي انخرطت في الحزب من أجل المبادئ!!” قلت مؤديا دورا أحبّه محاولا إنقاذ نفسي من الحرج..
“وهل ترانا حدنا عن المبادئ؟ الأمين مظلوم، ألم تر شيئا من نضالاته وأفعاله؟ ألم تر بعينك مثلا تبرّعاته؟ والآن قلّي هل يتبرّع الفاسدون بأموالهم؟ هل يتحسّسون آلام الفقراء مثل الأمين؟ ويستشعرون العذابات مثل الرفيق الأمين فتنفطر قلوبهم مثلما ينفطر قلبه؟” طفقت تتحدّث كخطيبة فكنت أومئ برأسي وأشرب..
“وفي اللحظة التي يحتاج فيها الأمين دعمنا، نتخلّى عنه؟ نتركه وحده في وجه المؤامرة والشرّ مثلما فعلت أنت؟ إنّها خطّة محكمة لتصفية حزبنا المنحاز للفقراء والمهمّشين!!” أضافت كمن يخطب.
بغضّ النظر عن الاقتناع، فقد استشعرت ارتباكا وحرجا عظيما في حضرتها. كم بدا ما فعلته مخجلا.. تصاغرت أمامها كأرنب وطأطأت رأسي.. فتحت حقيبتها، أخرجت هاتفها، نقرت على سطحه، بدا على شاشته خبر وصورة وتعليقات في الأسفل..
“أنظر إلى كمّ التعليقات المتعاطفة.” قالت زارعة الهاتف عريض الشاشة في وجهي.
“مثل الذباب!!” قلت بعفويّة حين ظهرت لي التعليقات الكثيرة.
“نجاحنا يزعجهم كما ترى، صدقني..” أضافت بلهجة كهنوتيّة يتشاركها الشيطان والملاك، فيها من الانتصار والاستجداء والضعف!!
أومأت برأسي موافقا دون شعور.
“أليست هذه استقالتك؟” قالت وهي تسحب ورقتي من حقيبتها الصغيرة، ثم تفتحها في وجهي.
“نعم.” قلت بارتباك وتناولتها. كيف يا ترى حصلت عليها؟ وماذا تشغل في الحزب بالضبط؟ تساءلت داخلي.
“مزّقها إن كنت مؤمنا..” أضافت، وقد قامت إلى أكياس المشتريات، أمازلت تخبّئ شيئا آخر؟
ظللت تائها وأنا أتأمّل الورقة لا أدري كيف أصنع.. لم أكن متردّدا في العودة عن قرار استقالتي، بل كنت تائها وبعيدا.. رأسي يدور والذباب يطنّ حوله.. أستشعر امتلاءً كالضوضاء لا أفهمه!!
“مزّقها إن كنت تحبّني!!” قالت فزاد ارتباكي وأقبلت بكعكة مرطبات وضعتها في مجلسنا.
“غدا يعود الأمين إلينا، وهذه الكعكة احتفال قبل الاحتفال، ونصيبك قبل نصيب الجميع!!” أضافت بلهجة إغراء، مصوّبة نحو عينيّ نظرة غنج ودلال..
منوّم بسحر تلك النظرة، طويت الورقة ومزّقتها، وعيناي تنشدّ إلى عينيها. من ذا الذي لا يتوه خلف نظرات هدى نحوه؟!
ابتسمت لمّا اطمأنّت لتمزيقي ورقة الاستقالة.. طفقت تقسم الكعكة الشهيّة إلى قطع صغيرة، تراءت لي لذيذة وأنا أتناولها قطعة قطعة، أمضغ على مهل وأستشعر حلاوة طعمها بلساني، أمتصّ عسلها الحلو الفائض على جنباتها، وألحس صبغ الشوكولاطة اللامع على سطحها.. جائع أنا ونهم بحجم إغرائها واليد المشدودة إلى السكين تقطع كعكتي، بينما تقطّع نار الشوق إلى لذّتها قلبي..
“هدى، ما أجملك..” قلت طامعا في أن تبيت بين أحضاني، وقد هزّني سحرها..
“انتهينا..” قالت وألقت السكين قريبا من الكعكة. ثم ناولتني قطعة يضيء اللون البنيّ فوقها، ويكتنز وسطها بياض شهيّ ثريّ حلو، فطفقت أقضم متلذّذا..
“تعجبك؟” قالت وابتسمت بإغراء.
“لذيذة كصاحبتها..” قلت ونظراتي تسبح في تفاصيلها..
“هنيئا..” قالت بعد أن ضحكت.
“تأخّر الوقت.. عليّ الذهاب.” أضافت، وتناولت حقيبة ظهرها الصغيرة.
“لماذا لا تمضين الليلة معي؟ على الأقلّ نتشارك أكل الكعكة!” قلت في محاولة أخيرة يائسة.
“لا أستطيع.. أنا لا أحبّ أكل الكعك، أنا أعدّه فقط!!” قالت وهي تهوي نحوي، تميل بجذعها نحو وجهي.
“أرجوك..” قلت وقد غلبت عليّ الرغبة في استبقائها، واضطرمت نار داخلي لا تطفئها غير هدى.
“أخشى عليك الليل وصنوف المكاره..” أضفت مصلحا خطئي، مزيّنا وحشيّتي بلبوس شهامة يروقني..
“لا أستطيع.. غدا يوم عظيم.. كل الشعب سيبيت في حضن حزبنا، وعلى عاتقي أشياء أرتّبها من منزلي، لأُنْجِحَ الغد..” قالت منقلبة إلى الجدّ. هذا الشعب لا يتركني أهنأ أبدا.. كل الشعب يبيت في أحضان الحزب؟ وأحضاني أنا يا هدى من يبيت فيها؟! من يطفئ نارها أو يدفئ بردها؟!
“إلى الغد يا رفيقي..” أضافت في وجهي المهزوم، وطبعت على خدّي قبلة هي كلّ نصيبي.. تهادت في الرّواق يذيب قلبي سحر مفاتنها، بينما كنت تائها وراء هزيمتي، فتحت الباب، مال وجهها نحوي، ابتسمت، لوّحت بأصابعها مودّعة، قبل أن تغمز لي وتغادر، ثم صدرت عن الباب قرقعة الجذب..
تراني مزّقت بيدي ورقتي الرّابحة قبل أن أستثمرها لبعض الوقت؟

-انتهت- 29/11/2020، الساعة الثامنة والنصف ليلا بتوقيت جلمة.

*تونس، قاص وكاتب مسرحي وروائي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق