ثقافة المقال

رقصة المعلق على جسر النرجسية البشرية

كمال بركاني*

اليوم:

بلا لون، بلا شكل، بلا مذاق، أبدا ليس الجمعة، ما أبشع أن تكون يتيم الجمعة.

التاريخ:

20مارس.

العام بالتقويم الجديد:

01 كورونا، شوارع المدينة خالية، وحدي فيها كنت أفتش عني، فإذا بي أعثرني في أبي آدم حين هبط.. موحشة هذه الأرض.

العزلة رصاصة عابرة إلى القلب. الأرض ساحة قتال شرس، قاس جدا أن يكون عدوّك غير مرئي، لا يشبه طائرة أو أيما صاروخ ينطلق من البر أو البحر أو الجو، يمكن لرادارات الدفاع اكتشافه قبل لحظة الانفجار العظيم، عدوّ تلتقيه في شارع أو على طاولة مقهى أو مطعم، وحينما يصير عدوك غير مرئي، يحدث كثيرا أن تتوجس خيفة من كل ما هو مرئي، مأساة أن يحدث ذلك حقا، كل ما يحيط بك من أشياء وهواء وأشخاص يصير مشتبها به إلى إشعار آخر، كل أولئك الذين كانوا يصنعون بهجتك في الحياة صاروا المعادل الموضوعي لرائحة الموت الكريهة، كورونا الرصاصة المطلقة على العمران والاجتماع، آن لنا أن نعود إلى عزلتنا القاتلة.

موحش جدا أن تودّع طقسك القديم، تجد نفسك مجبرا دون سابق موعد سجينا بين حيطان أربعة، على مائدة أخبار القنوات التلفزية وشبكات التواصل، ترقم الموتى الذين لا قبر لهم، تنتظر بهلع دورك القادم، تستقرئ وجه الأرض في غد بعيد، مثل نجمة لم تعد مضيئة.

ها أنا ذا في سجني أذرع الخطى من غرفة إلى أخرى، بعمق نادر أحاول أن أستكشف أعماق من كانوا معي قبل كورونا، اكتشفت فجأة أنني لم أكن الوحيد هنا، الحياة الصاخبة تجعلنا أقل تماسا مع أبنائنا وزوجاتنا، في الصحارى الممتدة يقل الازدحام، ممكن جدا أن لا تصطدم بغيرك، وكلما ضاقت الرقعة زادت حوادث السير، ها أنا ذا وجها لوجه مع عائلتي الصغيرة، نتبادل أطراف الحديث حول كورونا وفلسطين، حول الذاكرة والمستقبل، حول الإنسانية والتوحش، التلفزة، الفضاء الأزرق، مراجعة الدروس، الالتفاف حول مائدة الطعام، الصلاة، قراءة القرآن، الهاتف، مناوشات الأطفال التي لا تنتهي، كل ذلك داخل سمفونية المايسترو كورونا، معامل التكرار مرتفع جدا، الرتابة ترفع ضغط الدم وكمية الجلوكوز، تفقد الشهية في الحياة، تشرع نوافذ الذاكرة على الصهيل.

تفكر بعمق كيف كنت؟

فيما كنت؟

عبثا تحاول أن تعانق ذاتك، مرّ زمن طويل جدا على اغترابنا على ذواتنا، ها قد جاءت فرصة عمر نادرة كي نعود إليها، لم نكن ندري أننا بكل هذه الغربة، في منفى فسيح، جئتك الآن أعماقي معتذرا، مصلوبا على صهوة وباء، حدثيني كي أراك، أنا موغل في الوحشة.

أفكر في كل الذين أعرفهم، الذين رحلوا والذين ينتظرون، أفكر في كل الدروب التي سلكتها، في كل الكلمات التي لم أقلها ووددت الآن أن لو قلتها حينها، أفكر في معنى الوجود وسعة الكون، أعود مجددا إلى قراءاتي القديمة، أعشق كتب الفلك، تشعرني بقربي من الله، أحاول أن أكون مفيدا، أفضل قليلا من كورونا، أطالع، أتفاعل مع أفراد عائلتي، أصلّي، أقرأ أورادي، أسأل عن أقاربي وأصدقائي وزملائي في العمل، أتواصل مع أصدقائي على الفضاء الأزرق، أتابع أخبار الكوكب، أفتح النافذة صباحا للتأكد من جهة طلوع الشمس.

الزمن في الغرف يمرّ متباطئا، ثقيلا جدا، منهكا بالخوف، مترعا بالذكرى، لماذا نعود إلى طفولتنا كلما أحسسنا بالخطر؟

لا أعرف، ما أعرفه أن الذاكرة ترياق لأمراض الحياة، لا أشعر في هذا التوقيت العصيب أن موعد القيامة قد حلّ، أعلم كمسلم أن الآيات تجيئ تترا، هذه مجرد سندويتش، الأرض مقبلة على هلع أكبر، وجود الإنسان على المحك، الحروب، مخرجات الاحتباس الحراري، جشع الرأسمال، الفكر الصهيوني، التطور العلمي الفاقد لكل خلفية أخلاقية، ثمة فئة قليلة – الإنسان السوبر -، تحاول أن تمسك بكل الخيوط، نحن مجرد أرقام، لعبة، أعواد ثقاب، أخشى أن الإنسان فقد السيطرة على نفسه، وعلى الكون، قد ينتهي كل شيء بخطأ بشري مثلما ربما حدث هذه المرة، قد ينتهي بتخطيط مسبق، وهو الاحتمال الوارد.

أفرّق بين تقويمين، ما قبل كورونا، وما بعد كورونا، منذ اللحظة، نحن نعيش إنسانا آخر وأرضا أخرى، تغيرات سوسيو ثقافية جذرية ستطرأ على الحياة في هذا الكوكب، سنشهد عودة قوية للقوميات والإثنيات، للنزعة الفردية أيضا، اختفاء للحميمية والعلاقات الاجتماعية، اختفاء تدريجي للدين من الحياة، ما بعد كورونا هو: صخرة سيزيف، قصة الشقاء الإنساني العبثي.

لو تطول هذه العزلة، ستقتلنا الهرمونات، الصراع من أجل البقاء يرفع وتيرة الإفراز، سنصير أكثر عدوانية، في بيوتنا، على الهاتف، في الفضاء الأزرق، في الشارع إن وجدنا به أنفسنا مرة أخرى، سنجوع، وهذا أرعب ما قد يحدث، ستعود القرصنة بين الدول، سنشهد جيلا جديدا من قطاع الطرق، ستكون الحياة صعبة جدا.. جدا..

صحيح، العالم يحاول أن يجد حلا علاجيا للوباء، كل شيء متوقف على أجندة ورزنامة المستفيدين، مقتنع جدا بأن الآيات سواء كانت من صنع البشر أو من صنع الله لها وضع مؤقت، تبيد وتوجع ثم ترحل، تصبح ذكرى تعيسة، ستنتهي كورونا غدا، وستخلد في أعمال فنية وإبداعية راقية.. وسنظل نذكر أحبابنا الذين فقدناهم بدمعة.

نعم، قدر الإنسان أن ينتصر في النهاية، صحيح، سيقدم آلاف القرابين، ملايينها، وفي النهاية، سينتصر، لأنها إرادة الله في الكون.

ليس الخوف من الموت ما يجعلني أحقد على كورونا، أطفال غزة، أطفال في أمكنة أخرى، على امتداد الرقعة العربية، آخرون في كل الأرض، عبر التاريخ الحديث، كانوا على مائدة العالم في حفلة شواء باذخة، كان كورونا حينها يكتفي بالفرجة والدهشة والصمت.

للقتل ملة واحدة، دين واحد، طعم واحد، يد واحدة، يد الإنسان الموغل في البيولوجيا.

كورونا، رقصة المذبوح المعلق على جسر النرجسية البشرية، أحقد عليك لأنك ستخطف ما تبقى فينا من إنسان، لن أصافح، لن أعانق أحدا، لن أجتمع إلى أحد حول طاولة شاي أو مائدة طعام، لن أقول لأحد ملء أشواقي: أحبك، لقد نجح كورونا في قطع كل الخيوط التي ظلت تذكرنا بانتمائنا الوحيد في هذا الكون.. الإنسان.. أحقد جدا عليك، لأنك تسعى بحربك علينا، على حقن الأرض بجرعة مفرطة من الفردية والعزلة والتوجس، انتصرت في معركة، وستخسر الحرب، قدر الحياة أن تنتصر في هذا الكوكب، قدر الحب أن ينتصر لأنك بشع جدا.

شيء واحد أشكرك عليه:

لقد عرّيت زيفنا، الموت واحد، القتل واحد، للكراهية عنوان واحد وقلب أثيم.

لنتعلم كيف نعيش معا في سلام، كيف ننفي القتل عن هذا الكوكب، المجد لكل أطفال الكوكب، لا للحرب في كل مكان، لا لحفلات الشواء بعد اليوم، إنسان واحد لكوكب واحد.

 
*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق