قراءات ودراسات

الصّـراع الفلسطيني-الإسرائيلي فـي رواية “صديقتي اليهودية”

لصبحي فحماوي

جميل كتاني*

صدرت رواية صديقتي اليهودية عام 2015، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. تقع الرواية في 226 صفحة من القطع المتوسط. تحكي الرواية عن رحلة “جمال قاسم”، الشّاب الأردني الذي يقوم بزيارة عدّة دول أوروبية. تجري أحداث الرواية بين 12/6/1993 و 29/6/1993، أي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وبعد أن تمَّ إلصاق تهمة الإرهاب بالعربي والمسلم، من هنا يتعرض “جمال” لتهمة الإرهاب أثناء سفره، لكنَّه شخصية واعية تعرف كيف تردُّ التُّهَم التي تنسب للعربي. يتعرف “جمال” خلال الرّحلة على “يائيل” المكسيكية اليهودية. يدور الحوار بينهما على امتداد الرحلة، حول مسألة الصراع الصهيوني الفلسطيني من جهة، وحول النّظرة الاستعماريّة الغربيّة الفوقيّة تجاه العرب والمسلمين من جهة أخرى، يقوم البطل، من خلال هذا الحوار الجدلي، بتفنيد مزاعم الصهيونيّة حول أحقيّة اليهود في العيش في فلسطين، منوّهًا إلى شتّى محاولات الخداع والتّشويه التي مارستها الحركة الصهيونية من أجل الاستيطان في فلسطين.
العمود الفقري للرواية يقوم على قضية قومية تنعكس من خلال علاقة تربط بين رفيقَي الطريق بطل الرواية “جمال”، العربي الأردني الجنسية، و”يائيل” اليهودية الألمانية الأصل، المولودة في المكسيك. تبدأ الرواية من خلال سفر في حافلة سُيّاح تنطلق سياحتها من بريطانيا فتجتاز البحر إلى عدة بلدان أوروبية وصولا إلى أقصى الشمال الاسكندنافي. تبدأ العلاقة حذرة بين البطل العربي والمرأة اليهودية إلى أن تترسخ العلاقة ويصبح الاثنان صديقين بل حبيبين. الشاغل الأكبر لـ “جمال” كان إقناع “يائيل” بالخطأ الذي ارتكبه اليهود بتركهم مناطق العالم الرائعة التي كانا يشهدانها، والحياة الهنيئة فيه، والتحوّل إلى الاستيطان في الأراضي الفلسطينية.
تتطور الرواية بنوع من التحول عند “يائيل” التي لم تكن تعرف الكثير عن تاريخ فلسطين وعن العرب وتاريخهم. ويحنُّ الاثنان إلى حياة هانئة بعيدة عن القتل والاضطهاد، وقد اكتشفا أن هناك الكثير مما يجمع بينهما، لا بين الاثنين فحسب، بل بين الناس العاديّين الطيّبين من اليهود والعرب. إلّا أنّهما يفترقان في نهاية الرحلة على أمل اللقاء في المستقبل. ولعلَّ في هذا الأمل رمزًا واضحًا.
​على الرغم من كون يائيل-اليهودية تمثّل الطرف الآخر من الصراع، إلاّ أنَّ الكاتب لا يكتفي بعرض هذا الصراع من خلال الحوارات والنقاشات الطويلة التي دارت بين “جمال” و”يائيل” على امتداد الرواية، بل يستغلّ كل مناسبة وكلّ حدث للتعبير عن معاناة الشعب الفلسطيني وأحقّيّته بأرض فلسطين، واعتباره شعبًا مظلومًا سُلبت أرضه زورًا وبهتانًا بتخطيط وتدبير غربي، وتنفيذ يهوديّ-صهيونيّ. في حديث له مع سفير أوروبيّ زاره في بيته، يسرد “جمال” قصّةً وقعت بينه وبين هذا السفير حين طرح عليه الأخير سؤالًا مباغتًا لم يكن “جمال” يتوقّعه، ولم يكن مستعدًّا له. يقوم السفير بسؤال “جمال” حول طبيعة الفتوحات الإسلامية لبلاد الغرب، مدَّعِيًا أنَّها كانت بدافع الهروب من المناخ الصحراوي في البلاد العربية. ولكنَّ “جمال”، رغم صدمته من السؤال، إلاّ أنه تدارك الموقف، وردّ على سؤال السفير بجواب مفحِم لاقى استحسان زوجة السفير نفسه، حيث قال له “جمال”: “هذا يعني أنَّ الإسكندر المقدوني، والقياصرة الرومان، وهولاكو، ونابليون، والصّليبيّين، والاستعمار الغربي، والصهاينة، كلّهم كانت عندهم عقدة كراهيّة الخضرة، فراحوا يبحثون عن التصحّر، وهم يتوغّلون في غزواتهم لبلاد العرب”.
إضافة إلى الجواب المُفحم للسفير، فإنَّ ردّ “جمال” فيه من الحنكة والإحاطة وقدرة المقارنة والربط بين الأحداث التاريخية، ممّا جعل السفير يستشيط غضبًا وحنقًا. هذا ما قرأه “جمال” في وجه السفير حين قارن بين الصهيونية، باعتبارها حركةً إرهابيّة توسّعيّة، وبين القادة التاريخيين الذين ذكرهم، باعتبارهم رموزًا للاحتلال والتوسّع ونهب ثروات الشعوب الأخرى.
​يوظّف “جمال” الحوار الداخلي كتقنيّة من تقنيّات التعبير عن الصراع العربي اليهودي؛ ففي أثناء سيره في لندن يصل حديقة “هايد بارك”، فيرى جمهورًا من المتفرّجين يستمع إلى خطاباتٍ لسياسييّن. يقول “جمال”:
“أشاهدُ جمهورًا من المتفرّجين يتابع كلٌّ منهم خطيبًا مُفَوَّهًا؛ هذا خطيب شيوعي يلقي خطبة عصماء عن الفرق بين دكتاتوريّة البروليتاريا، ودكتاتورية رأس المال. طبعًا أنا لا أحبّ الدكتاتوريات كلها، سواء كانت رأسماليّة أو بروليتارية. مضيتُ إلى غيره، فكان يهوديًّا يلصق طاقيّة سوداء على مؤخرة رأسه، وهو يصيحُ متوجّعًا متألّمًا متأفّفًا من عذابات الهولوكست التي وُلِدَ ولم يشاهدها. قلتُ في نفسي: “وأنا أيضًا لم أشاهدها، ولكنني شاهدتُ بأمّ عيني عذابات الهولوكست الفلسطيني، تلك التي هي أشدّ وأمرّ من خيالات جهنم، والتي لا يصوّرها إعلامٌ ولا تسجّلها وثائق، ولا يحاسب مرتكبيها أحدٌ، ولا يدفع لهم أحدٌ تعويضات، مقابل عذاباتهم المستمرة العمر كلّه”.
يصوّر المقطع السّالف مسألة جوهريّة تتعلق بازدواجية التعامل مع عذابات اليهود في أوروبا زمن الهولوكست، وبين عذابات الشعب الفلسطيني، ومعاناتهم اليومية، والتي لا يلتفت إليها الرأي العام العالمي، بسبب التعتيم الإعلامي، وبسبب سيطرة اليهود على الإعلام الغربي. فالدعاية الصهيونية تقوم بتسليط الضوء على ما حلّ باليهود في أوروبا زمن النازيّة، من أجل استعطاف الرأي العالمي، مقابل تهميش معاناة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ عقود من الزمن على مسمع ومرأىً من العالم، لكنَّ أحدًا لا يُحَرِّكُ ساكنًا لنصرة الشعب الفلسطيني المظلوم. كما أنَّ الراوي يقتحم مسألة حسّاسة من خلال المقارنة بين الهولوكست اليهودي وبين الهولوكست الفلسطيني، حيث يرى أنَّ معاناة الفلسطينيين أكثر فظاعة ووحشيّة من أية معاناة، وهذا بحدّ ذاته ردُّ على المزاعم اليهودية والصهيونيّة بأنَّ اليهود هم أكثر الشعوب معاناةً في العصر الحديث، وأنَّ مصطلح الهولوكست خاصّ باليهود، ولا يجوز إلصاقه بأي شعب آخر، وذلك من أجل استعطاف المجتمعات الغربية من جهة، ومن أجل إشغالهم عمّا قامت به الصهيونية من جرائم بحقّ الفلسطينيين.

جميل كتاني

​على الرغم من التقنيات المختلفة التي يوظّفها الكاتب للتعبير عن الصراع الفلسطيني اليهودي في الرواية، يبقى الحوار بين “جمال” و”يائيل” صاحب المساحة الأكبر والأعمق في التعبير عن هذا الصراع. يبدأ “جمال”، مُمثِّلاً للأنا في الرواية، الحديثَ مع “يائيل” اليهودية، ممثِّلَةً للآخر في الرواية. كانت “يائيل” تجلس بجانبه في الحافلة، فبدأ “جمال” الحوار معها مُعَرِّفًا بنفسه، ليبدأ بعد ذلك الحوار والجدال بين الطَّرفَين. فالحوار شرط من شروط بيان وجهات نظر الأنا والآخر على حدّ سواء؛ فهو يمثّل عنصر التّفاعل بين الطرفين. حين تسأله “يائيل” عن هويّته، وعن البلد الذي أتى منه، يجيبها “جمال”:
“أنا عربي من الأردن، وأعمل في عالم الحدائق. وقد استغللتُ إجازتي السنوية، بزيارة بعض المعارض الزراعية، والمشاركة في الرحلة الأوروبية. تحاول يائيل أن تتمالك نفسَها أمام صدمتها بحيرتي السياحية، ولكنها تتصرّف معي وكأنّ شيئًا لا يهمّها، فتقرّر تمثيل الدّور بأفضل ما يمكن: حقيقي أنتَ عربي؟ يا إلهي! حدِّثني إذن عن البابليين وعن الأشوريّين، وعن إيوان كسرى، وعن نبوخذ نصّر، وعن الجنائن المعلّقة”.
يبدأ الجدال بين “جمال” و “يائيل” عندما تصرّح الأخيرة برغبتها في إرسال ولدَيها إلى إسرائيل حين يكبران ويتخرجان من المدرسة. حينها يصاب “جمال” بالدّهشة والذّهول من هذه الأفكار، فيتساءل حول قابلية الأم إبعاد أبنائها عنها، في الوقت الذي تحتاج فيه لرعايتهم واهتمامهم. كما يتساءل حول استعدادها لإرسالهم إلى بلاد بعيدة بدل أن يبنوا لهم مستقبلاً مهنيًّا واقتصاديًّا محترمًا. تجدهم بدل ذلك يتدرّبون ويمارسون القتل والتدمير في حقّ أناس آخرين. لكنَّ “يائيل” تشمئزّ من هذا التشبيه الذي يصف حقّ اليهود في العيش في إسرائيل، من وجهة نظرها، بأنّه إرهابٌ وقتلٌ وتدمير. تقول “يائيل” مدافِعَةً عن أبناء شعبها:
لا تقُل تدميرًا.. نحن اليهود نريد أن نجد مكانًا لنا تحت الشّمس. نريد أن تكون لبني إسرائيل دولة نُسمّيها دولة إسرائيل. “لا تقولي دولة إسرائيل.. قولي فلسطين”. “لا تقُل فلسطين.. قُل إسرائيل”. إذا كان نصّ وعد بلفور الذي أسّس إسرائيل بقوّة الحرب العالمية، يقول (وطنًا قوميًّا لليهود “في فلسطين”، فكيف تقولي لي “في إسرائيل؟”. ترى لماذا تدمّرين حياتك وحياة أولادك بيديك يا يائيل؟.
تبرّر “يائيل” قرارها هذا بحبّها وانتمائها لدولة إسرائيل، التي انتظرها الشعب اليهودي منذ ثلاثة آلاف عامٍ، وها هو يراها تولد من جديدٍ في العصر الحديث. لكنَّ “جمال”، بحنكته السياسيّة وسعة اطّلاعه على التاريخ والسياسة، يردُّ عليها مُفَنِّدًا مزاعمها، فيوضّح لها سبب تهجير اليهود من قِبَل الغرب إلى فلسطين، الغرب الذي أراد التخلص من الشعب اليهودي، فيدفعهم إلى أرض فلسطين، ويقوم بتوريطهم في حروب لا تنتهي. ويتابع “جمال” حديثه إلى “يائيل” قائلاً لها إنَّ الأجدر بالشعب اليهودي أن يفكّر بحنكة الغرب الرأسمالي، بدلاً من التفكير في دحر العرب؛ فالغرب هو من قام بالتفكير خلال الحربين العالميتين في التخلص من اليهود، فأخرجهم من جيتوهاتهم المحاصرة الأسوار، وأرسلهم إلى فلسطين، بهدف إبعاد طاقات اليهود عن بلاد الغرب، والتخلّص من جمعهم للأموال والذهب من بين أيدي الغرب، ليصبحَ اليهود متورّطين في القتل وذبح الفلسطينيين، وباقي شعوب الوطن العربي، لكي يقوموا بتشويه صورة اليهود، لأنهم يريدون الانتقام من تاريخهم.
​يستمر “جمال” بالضغط على “يائيل” ليقنعها برأيه حول كره الغرب للعرب واليهود معًا، وأنهم أرادوا التخلّص من الطرفين، مبيّنًا أنَّ أسباب تهجير اليهود من بلادهم التي كانوا يعيشون بها مردُّهُ سياسة الغرب القائمة على تركيع الآخر من جهة، وكراهيّتهم لليهود من جهة أخرى، الأمر الذي دفعهم إلى طرد اليهود من أوروبا وترحيلهم إلى فلسطين، لتحقيق هدفين في آنٍ واحدٍ، الأول: التخلّص من اليهود ونفيهم عن أوروبا لأنهم كانوا يسيطرون على رؤوس الأموال في أوروبا، والثاني: إضعاف العرب من خلال زرع كيان غاصب في أرضهم، لكي يتصارع العرب واليهود فيما بينهم.
​ثُمَّ يواصل “جمال” بعرض أفكاره ووجهات نظره في حواراته مع “يائيل”، محاوِلاً تغيير الصورة النمطيَّة المشوَّهة التي رسمها الغرب عن العرب، معلّلاً هذا الحقد وهذه الكراهية بإرجاعها إلى أصولها الأولى زمن الحروب الصليبية على بلاد العرب والمسلمين. لذلك، يرى “جمال” أنَّ الغرب هو الطرف العدائي، وليس العرب، كما يزعمون؛ فالعرب واقعون ضحيةً للهجمات الإعلامية التي يشنّها الغرب بشكل مستمر ضد العرب. بالمقابل، يحاول “جمال” إقناع “يائيل” بأنَّ العرب مسالمون، ويحبّون الخير للجميع، وليس لديهم كراهية لأحد، لا لليهود ولا للمسيحيين. كما أنَّ “جمال”، بأسلوبه اللّبق ودرايته بالتاريخ والسياسة، يحاول إقناع “يائيل” أنَّ فلسطين للعرب، وأنَّ اليهود ليس لهم أيّ حق بهذه البلاد، فموطنهم الأصلي هو أوروبا، لكنّ الغرب ضلّلهم وخدعهم بالقدوم إلى فلسطين بغية التخلص منهم، لهذا يخاطب “جمال” “يائيل” قائلاً: “نحن لا نكره المسيحيين ولا اليهود بسبب ديانتهم، وليس في حياتنا أيّ تمييز عنصريّ ضدّ أحد، ولكن سياسة الغرب المنتصر في الحربين العالميتين، والقائمة على تركيع الآخر، وتوظيفه خادمًا لها، كانت متّفقة على كراهية اليهود الخزريين الأشكناز، المظلومين، إذ كانت تضعهم في (جيتوهات) مضغوطة خانقة، فقررت التخلص منهم نهائيًّا، وذلك بإبعادهم من بلادهم الأوروبية، وطردهم إلى فلسطين، حيث كان الغرب قد خسر حروبه الصليبية هناك، فعادوا لينتصروا هذه المرّة ولكن بتقديم اليهود كدروع بشريّة في معاركهم الجديدة، إذ توظّفهم للتصارع مع أهاليها، بهدف تدمير متبادَل لقواهم الذاتية، فيصبحون محتلّين لبلاد العرب، ويكونون موجَّهين لخلق الفوضى الهدّامة في بلاد العرب، وذلك لإلغاء حضارتهم، فيكون الغرب هو المستفيد الوحيد من صراع القوتين اليهودية والعربية”.
من ضمن الوسائل الأخرى التي يستخدمها “جمال” لإقناع “يائيل” بتسامح العرب تجاه الآخرين، العودة إلى الماضي؛ ففي أثناء زيارتهما للمعالم الإسلامية في الأندلس، يتوقف “جمال” عند هذه المحطة التاريخية الهامة في حياة العرب والمسلمين، باعتبارها فترةً ذهبية وصل فيها العرب ذروة التقدم الفكري والحضاري والأخلاقي. فاستغلّ “جمال” هذه المناسبة ليبيّن لـ “يائيل” المعاملة الفريدة التي حظي بها اليهود في كنف العرب والمسلمين في الأندلس. يقول “جمال”:
“لقد عاش اليهود أزهى عصورهم في كنف العرب والمسلمين، وذلك إبّانَ ثمانية قرون قضوها في الأندلس من دون تمييز عرقي أو عنصري، أو ديني. لقد جعلناهم متنفذين في تلك البلاد، فكان القاضي منهم، وكذلك خازن المال، ووزير البلاط، والشاعر والكاتب. كانت علاقة عيش رغيد يؤازر بعضه بعضًا. تصوّري لو أنّنا نعيش اليوم معًا في فلسطين، كما كان المسلمون واليهود يعيشون معًا في الأندلس، لما وصلنا إلى هذا القتل والتدمير الصهيوني الموجّه من الغرب”.

هذه العودة إلى التاريخ، التي يتعمّد “جمال” التطرّق إليها، تقيم الحُجّة على الغرب وعلى اليهود على حدٍّ سواء؛ فهي مثال صارخ للتسامح وتقبّل الآخر، على العكس تمامًا ممّا يمارسه اليهود والصهيونية في أرض فلسطين من تنكيل وقمع وتعذيب. لذلك، يعتبر الراوي هذه الحقبة التاريخية مثالاً يُحتذى به في التعدديّة والتسامح، لذلك يقول على مسمع من أذنَي “يائيل” بأنه يتمنّى أن يعيش العرب واليهود في فلسطين كما لو عاش أجدادهم في الأندلس. كما أنَّ الكاتب يُميِّز بين اليهودية وبين الصهيونية؛ فهو لا يدعو إلى معاداة اليهود لكونهم يهودًا، بل يعتبر الصهيونية، الموجَّهَة من الغرب، هي العدوّ الأكبر للفلسطينيين بسبب فِكرِها العنصري، وممارساتها القمعية بحق الشعب الفلسطيني؛ فهي التي سبّبت التهجير والتشريد للشعب الفلسطيني، وسلب الأراضي، وطمس المعالم الفلسطينية، وتهويد المكان بعد النّكبة.
ثُمَّ ينتقل “جمال” إلى محور آخرَ من محاور الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيعود إلى التاريخ القديم ليبيّن أنَّ جذور الصراع ليست وليدة الزمن المعاصر، بل هي قديمة جدًّا تتعلق باستنساخ التاريخ الكنعاني-الفلسطيني من قِبَل الكُتّاب والمُفَكّرين اليهود ونسبِهِ إليهم. يقول “جمال” بهذا الصّدد:
“لقد عاش الكنعانيون في فلسطين منذ عصر الإنسان الأوّل، وأمّا يهود الخزر الأوروبيون، فلقد قام كتّابهم وفلاسفتهم بقراءة تاريخنا الكنعاني في غفلة من الزمان، فاستنسخوه، ثمّ وضعوا اسمهم مكان اسمنا. لقد ساروا على خطانا، ولكن بممحاة تزيل كلّ اسم (كنعاني)، أو فلسطيني، فتضع مكانه اسم (إسرائيلي)”.
يصوّر المقطع السالف مسألة التزييف التي مارسها الكُتّاب اليهود، ومحاولة طمسهم لكلّ ما هو فلسطيني من خلال تشويه الأسماء الكنعانية-الفلسطينية، وتحويرها لتصبح وكأنها عبريّة. تُعتبَر هذه المسألة تحديدًا مسألة جوهريّة في الصراع الدائر بين الطرفين. فالحركة الصهيونية منذ نشأتها في أوائل القرن العشرين مارست سياسة التضليل والتمويه من خلال الشعارات التي رفعتها ونادت بها من أجل إعطاء شرعية للاستيطان اليهودي في فلسطين، حتى قبل الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948؛ فقد نادت بشعارات من قبيل: “أرض لشعب، لشعب بلا أرض”. فهذا الشعار يقرّر أحقيّة اليهود بالعودة إلى أرض فلسطين، التي اعتبروها “أرض الميعاد” و “أرض الآباء والأجداد”. من جهة أخرى تمّ تهميش الشعب الفلسطيني من خلال إيهام الرأي العالمي بأنَّ أرض فلسطين مليئة بالمستنقعات وغير مأهولة، لذلك هم من سيقومون بتعميرها واستصلاح أراضيها للعيش والزراعة.
ثم يشتد الحوار ويتجه باتجاه صوت ساخن عابر للفكر والتاريخ وغير ذلك، ويتلاشى هنا البعد الحميمي، حيث يضمر كل واحد قناعات محددة، ما تلبث هذه القناعات أن تتبدل في نهاية الرواية، لا سيما قناعة “يائيل”، لتعيد قراءة التاريخ والتأمل فيه، والوصول إلى حقائق لم تكن تتوقعها، فسياق الحديث يتضح منه تداخل أصوات ترتفع وتنخفض وفق موضوعة الكلام وحساسية الإيمان بأفكار حساسة لدى الشعوب ومفهوماتها، وما يتم تلقينه لها في المجتمعات التي تعيش فيها. ويبدو هنا مجابهة واضحة بين صوت فكري وآخر، تتناغم فيه حركيات الحضور والكلام الناجم عن طبقة مثقفة، تؤثر في مسار الواقع، لا سيما ان هذه الشخصيات تشكل رافداً للبنى الفكرية لجيل قادم، بحيث تزداد حركية التشنج والفوضوية، وعدم إدراك سيرورة التاريخ وأحداثه بشكل سليم، مما يؤثر على العدالة الإنسانية. يستطيع “جمال” في نهاية المطاف ترويض أفكار “يائيل”، وتغيير نظرتها إليه شخصيًّا، وإلى العرب عُمومًا، وذلك بفضل قوة إقناعه، ولباقته في التحاور وإقامة الحجّة والبرهان. لذلك تقول له “يائيل”: “تعرف يا جمال، لقد ارتعبتُ منكَ في بداية الحديث، وخفتُ أن تطلَعَ لي في الليل، بصفة عربي إرهابي مرعب، ولكن حوارنا وقصصك التي ذكَرْتَ، جعلتني أتعرّفُ على إنسان رقيق المشاعر، فأثقُ بكَ، وأتفاعلُ معكَ”.
هذا الاعتراف من قبل “يائيل” إنّما يجسّد عقليّة الآخر ونظرتَهُ إلى العربيّ باعتباره إنسانًا متوحِشًا، خاليًا من المشاعر والأحاسيس، وإرهابيًّا يتلذّذُ في قتل الآخرين. لقد غيّرت “يائيل” نظرتها تجاه “جمال” بعد حواراتهما المتكررة عبر الرحلة التي قاما بها معًا، فبدّدت جميع الأوهام والأفكار المُسبَقَة التي انطبعت في ذهنها عن العرب والمسلمين بتأثير من الدعاية والإعلام الغربيَّين.
​لقد استطاع “جمال”، في نهاية المطاف، من تغيير عقلية يائيل-اليهودية تجاه العرب وتجاه فلسطين؛ فقد أقنعها بأحقية الشعب الفلسطيني بالعيش على أرض آبائه وأجداده، وأنّه من الأجدى لليهود بأن يبقوا في موطنهم الأصلي-أوروبا تجنّبًا للصراعات وسفك الدّماء بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لذلك، نرى “يائيل” في الحوار الأخير بينها وبين “جمال” تُقِرُّ بحقائقَ ومعلومات تبيّن تفهّمها الواضح لحقوق الشعب الفلسطيني بالعيش في فلسطين من جهة، وعدم أحقيّة اليهود بالعيش فيها من جهة أخرى. لذلك، تصارح “جمال” بأنَّ والدها فضَّل الهجرة من ألمانيا إلى المكسيك لأنه لم يؤمن بدولة إسرائيل، إضافة إلى رغبته في الابتعاد عن الصراعات المدمِّرة التي ينتهجها الغرب ضد العرب في هذه البقعة من الأرض. كما أنها تبدي معارضتها الواضحة في سفر ولديها إلى فلسطين للإقامة بها بعد تخرّجهما من الجامعة. فهي تخبر “جمال” بأنها سئمت من الغربة، ولن تبحث لهم عن غربة جديدة في أرض فلسطين. وهذه إشارة واضحة منها إلى أنَّ فلسطين غريبة عنها وعن ولديها وليست وطنًا لهما.

باقة الغربية- فلسطين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق