قراءات ودراسات

ماذا أفعل في البيت؟

فاطمة بن محمود

فرغتُ لتوي من نص أدبي وعاد إليّ هدوئي، قلتُ في نفسي: سأنتهي من بعض المقالات التي لم تكتمل إلى حين تطل فكرة جديدة لعلها الآن مازالت مجهرية، تحتاج أن تنمو قليلا لتدب في ذهني وأكتشفها. في تلك اللحظة كائن مجهري حقيقي لا يكاد يُرى يطل برأسه على العالم فيرتعب منه الجميع، يبدو الكائن المجهري مذهولا مما وصلت إليه البشرية، وأحدس أنّ الذهول أصابه خاصة من التكنولوجيا العظيمة التي تحيط به والتي طغت على العالم وحكمت العلاقات الإنسانية.

هدوء شديد في بيتي، دخلتُ المغطس وغمر الماء جسدي، فقط تركتُ عينيّ أطل منهما على رغوة الصابون التي أنتجت فقاقيع كثيرة مددت لها إصبع طفلة لا تحب أن تكبر. خارج غرفتي الرعب متبادل بين كائن مجهري لا يُرى يبدو ضئيلا جدّا حتى أنك لا تستطيع لمسه دون أن يُسحق تحت إصبع ناعم وبين عالم مدجج بكل ما وصلته البشرية من تكنولوجيا وعلوم.

أتمدد في المغطس وأختار أكبر فقاعة صابون، ألمسها بنعومة شديدة، أقرّبها مني وقبل أن تتلاشى أحاول أن أجعلها على رأس أنفي الذي يطل كجبل صغير. فجأة تتبخر فقاعة الصابون، أحاول مع أخرى، ما أكاد ألمسها حتى تتبخّر، زاد إصراري أحب أن أضع فقاعة صابون على الجبل الصغير ثم أنفخ عليها وأنا التي أجعلها تتلاشى، لكن في كل مرة تتبخر الفقاقيع بسرعة كأنها تسخر مني، في الحقيقة بدت لعبة تافهة لكن كيف تهزمني فقاعة ضئيلة وخاوية، سكبتُ المزيد من سائل الصابون وحركته بعنف ليصنع رغوة كثيفة وانتشرت الفقاقيع حول الجبل الصغير، بهدوء شديد مددت إصبعي لألامس فقاعة أحب أن أقرّبها من أنفي كادت تعلق بإصبعي حتى تبخرت، محاولات عديدة باءت بالفشل.. فقررت أن أختار أقرب فقاعة صابون ومرة أخرى ما أن تعلق بإصبعي حتى تتبخر.

خارج غرفتي المواجهة بدأت بين كائن مجهري لا يكاد يُرى بالمهجر الطبي وبين عالم متطور يستعمل كل وسائل التكنولوجيا وآخر ما تفتق عنه ذهنه في العلوم.. موازين القوى غير متكافئ فعلا. ما زلت في مغطس بيتي والمواجهة على أشدها بيني وبين فقاقيع الصابون، قلتُ ربما هذه الفقاقيع الخاوية لا تحب أن يتحكم بها أحد لذلك سأخاتلها، سأداعب أصغرها، آخذها بهدوء أقرّبها من فمي الذي يبدو تحت الجبل الصغير فوهة عميقة تؤدي إلى المجهول ثم بسرعة أضعها على أنفي وهكذا أفاجئها، نجحت حيلتي غير أنّها قبل أن أنفخ عليها.. تلاشت.

خارج غرفتي كانت المواجهة تشتد، العالم المدجج بالتكنولوجيا استنجد بأبرز العلماء وأشهر الأطباء وأمهر المهندسين لمحاصرة الكائن المجهري الضئيل جدا، يبدو أن أسلوبه في الحرب واضح وبسيط وفق قاعدة قديمة لم يبذل جهدا لابتكار غيرها “أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم” وكان يتقن الهجوم.. لم يفكر أنه ضئيل جدّا وخاو مثل فقاعة الصابون وقدره أن يخسر هذه الحرب الشرسة وغير المتكافئة، بل فكّر في أن يحوّل ضآلته الشديدة إلى نقطة قوة، لن يراه أحد وهو يتكاثر بمهارة فائقة، ينتشر مثلا من خلال قُبلة أو لمسة بريئة أو مصافحة عادية تصبح جميعها جرائم تؤدي إلى قتل عنيف، يمكن مثلا لشخص أن يُقتل برذاذ بصاق تطاير من صديق له وهو يحدّثه عن حبيبته.

في اللحظة التي بدأ يتسرب إليّ الملل من فقاعات الصابون الخاوية تركتها، بدا لي الأمر تافها جدا، حيث لم أصارح نفسي أنّني فعلا فشلت في السيطرة على تلك الفقاعات، فهي لا شيء في النهاية. لكن عندما غادرت المغطس شعرت بلذة وأنا أسحب سدّادة المياه التي انجرفت بسرعة إلى البالوعة وقد أخذت معها كل الفقاقيع. كانت لذة مشوبة بانتقام غريب..

دي سوسير والكورونا

خارج بيتي كانت الحرب قد أعلنت بين كائن مجهري وبين العالم المدجج بكل التكنولوجيا والمعارف والعلوم، كان الكائن المجهري الضئيل جدا والرخو الذي عشّش في مكان صغير من العالم ينتصر على الجميع ويتقدم حتى أنه لم يعد نكرة واضطر الإنسان أن يسميه. لكن حتى وهو يختار له اسما لم يشأ أن يصوغ له لفظا موحشا بحروف ذات وقع عنيف على الأذن، فترتجف له الأسماع، لم يختر أن يكون اسمه مثل الطاعون أو الكوليرا أو الجدري أو السل.

كل هذه الكلمات الموحشة تثير الرعب لسماعها كل حروفها لها إيقاع مدوّ يثير الخوف في النفوس، في “الطاعون” يبدو حرف “الطاء” وكأنه يأخذك عاليا إلى السماء ثم فجأة تأتي “عون” فتوقعك على الأرض، أما في “الكوليرا” يطل “الكو” فكأنه يرمي بك في نفق ثم تأتي “ليرا” فكأنها تلطمك ترفعك إلى الأعلى لتصطدم بوجه السماء فتتناثر شظاياك في كل مكان، أما لفظ “الجدري” فيبدو مثل لكمة تسدد مباشرة على العين فلا ترى بعدها شيئا، في حين أن لفظ “السل” يختصر الطريق ويرمي بك مباشرة داخل جب موحش وعميق.. هكذا كانت الدوال حادة وعنيفة تزلزل الإنسان وتخلف فزعا شديدا، الربط بين الوحدة الصوتية والحدة الدلالية أو لنقل بين الصورة المنطوقة والصورة العقلية عضوي وله مبرراته وليست اعتباطية وهو ما يؤكده العالم اللساني دي سوسير. لكن هذه المرة الإنسان المغرور جدا والهازئ من كل ما سواه اختار أن يسمي هذا الفايروس القاتل المتسلسل “كورونا”، تبدأ “كو” فتجعل الشفاه ممتدة كأنها تهمّ بقبلة تطبعها على خد من نحب وتأتي “رو” لتؤكد على فكرة القبلة ثم تأتي “نا” بفتحة ممتدة كأنها دعوة إلى رقصة التانغو، كأنه يسمي حركة في الموسيقى أو يسمي مطرا خفيفا على عاشقين مساء صيف. الطريف أن في الطريق إلى بيتي في أحواز العاصمة تونس وتحديدا عندما تصعد ربوة صغيرة يجلس عليها جامع الحي، في الجهة اليمني بناية فخمة اسمها “إقامة الكورونا” في الطابق الأرضي محل لبيع مرطبات الكورونا وفي الطابق العلوي قاعة رياضة الكورونا. (أشهد أنّ هذه حقيقة وليست مجازا).

الوباء المستبد العادل

الأدهى في اختيار اسم لهذا الكائن الضئيل جدا هو ما سأقوله الآن. كأن الانسان وهو يمنح اسما لهذا الفايروس كان يسخر من ذكورته (إنه فايروس) فحوّله إلى أنثى، الحلقة الأضعف في كل المجتمعات تقريبا، غير أن هذا الفايروس الذكر والذي يتحول إلى أنثى اسمها كورونا ستنتقم من الإنسان، استراتيجيتها سهلة وواضحة وهي “باقية وتتمدد” تماما على طريقة الدواعش ولعلها استراتيجية ثابتة عند كل الإرهابيين.

حتى تضمن نجاعة ذلك لم تكن تظهر للبشر، تظل في حالة كمون لمدة أسبوعين تجعل فريستها تلتقي بالكثير من البشر وتسلّم على الأصدقاء وتحضن الأحبة، ثم تطرح غريمها أرضا، وهكذا بمعادلة بسيطة، كانت كل يوم تفتك بالعشرات تحولت العشرات إلى مئات ثم إلى ألاف، وهكذا تحولت الكورونا إلى قاتل متسلسل تفرّخ الموت في كل مكان وتتنقل بسرعة قياسية، انتقل معها الإنسان من حالة توجس، ثم خوف، إلى فزع، وانتهى إلى حالة رعب شديد.

لذلك عندما كان ترامب يهزأ بالصين التي فتك بها الوباء ويسخر من إيران التي أثخنت جراحها كانت الكورونا مثل تلميذ نجيب منشغل بدروسه، مثل عامل مجد منهمك في عمله، كانت الكورونا تنتشر بسرعة تكثف من عدد ضحاياها. في الحقيقة كانت أعدل من كل الأنظمة العربية في نشر الموت. لم تفرّق بين نائب ووزير وبين ماسح أحذية وبين عارضة أزياء وبين خادمة وبين لاعب كرة وسيم تحلم به الصبايا وبين عجوز في أرذل العمر وبين رجل دين وبين مغتصب أطفال.

كان الوباء دكتاتورا في تسلطه وديمقراطيا في ضحاياه.. عندما كان ترامب يسخر من أعدائه ويتباهى بشعره الذهبي وكانت دول أوروبا منشغلة بحياتها الناعمة كان الوباء الذي اختير له اسم أنثوي ناعم يزحف بوحشية يقطع المسافات بسرعة كبيرة يصعد الطائرة مع المسافرين ويركب القطارات ويدخل البيوت ويندس بين العشاق.. يبدو أنه لم يكن يستريح ليستعيد قوّته ويهاجم من جديد، كأنه كان يستمد قوته من توسعه، ويزداد وحشية مع كل شخص يرديه قتيلا.. وهكذا خلّف في كل المناطق التي مر بها جثثا كثيرة وانتشر فزع الإنسان منه وهو يرى كل أسلحته تتهاوى أمام جبروته الذي يزداد كل يوم.

خلت أني نسيت أمر فقاقيع الصابون وما كان لي معها في المغطس، صحيح أني لم أنجح في ترويضها لكن أدري لماذا تذكرتها، في الحقيقة فقاقيع كثيرة نواجهها كل يوم. من ذلك جاري الذي يفتح صوت التلفزيون عاليا فأضطر مكرهة أن أتابع معه مباريات كرة القدم. وأدعو من قلبي وبصدق شديد أن يخسر فريقه كل المباريات، التلميذ المشاغب الذي تبدو مهارته فقط في التنمّر على ولدي فيضطر أن لا يأخذ معه أقلامه الجميلة ولمجته حتى لا يفتكّها منه، الكاتب التونسي المغرور الذي يعتقد أنه رب المشهد الأدبي، وقد وفر له عمله الوزاري فرصة أن يعتقد أنه رضوان في جنة الرحمن، يمنح صكوك الإبداع لهذا ويمنعها عن ذلك. لم يخطر لأبي العلاء المعري أن مثله سيتطفل على الإبداع وإلا لجعله يمشي في الأرض زقفونة..

في الخارج الحرب أصبحت شديدة بين العالم وفايروس ضئيل جدّا ورخو جدّا لا يُرى أصلا. بدأ الناس حولي يتململون. وأوحى الجهل إلى بعضهم فاعتقدوا أن لهم باعا وذراعا في علم الفايروسات. يعتقدون أنهم أمام كائن أرسله إله الإسلام ليفتك بالصين لأنّ أهلها يأكلون الحشرات والضفادع ولا يبسملون. وليفتك بالإيرانيين لأنهم شيعة لا يؤمنون بمحمد.. وعندما دخلت الكورونا بلادنا عندها يكون الله قد أرسلها نكاية فينا لكثرة الانحراف وابتعاد الناس عن دينه وانتشار المقاهي المختلطة ومحلات بيع الخمور ولا تنسى سفور النساء وصوتهن المرتفع أمام الرجال..

لذلك في المرحلة التي دخل فيها العلماء إلى المخابر العلمية يتبادلون المعلومات والتجارب للوصول إلى دواء يضع حدا للكورونا كان رجال الدين في العالم يعودون إلى بيوتهم وقد أغلقوا المساجد والكنائس والمعابد حتى لا تتفشى الكورونا بينهم، لأول مرة يرى المؤمنون بعين العقل أن لا شيء يمكن أن يضمن لهم الحياة والصحة غير العلم، فالإله لن يضمن لهم شيء وإيمانهم ليس سوى وهم جميل يخفف عن الإنسان عبء الحياة..

الكورونا صديقتي

عندما أعلنت وزارة التربية والتعليم في تونس عن عطلة مفتوحة لكل التلاميذ والأساتذة، كدت أصرخ من شدة الفرح. الآن سأنشغل بمقالاتي المعلقة.. وسأستغل وقتي لروايات كثيرا ما أجلتها وأفلام لم يتيسّر لي الوقت لأستمتع بها بل عزمت أن أنهي مخطوطين لي في النقد. لذلك كانت جارتي الأرملة التي تعاني بدورها من جارنا الفقاعة الذي يحب أن يتابع مباريات كرة القدم من التلفزيون بصوت مرتفع فتلعنه أمامي ويصلني نشيجها خافتا من غرفة نومها الباردة، كانت جارتي تلك منهمكة بتكديس مشتريات كثيرة في مطبخها لأن الحكومة ستعلن حالة حجر صحي تلزم فيه المواطنين بالبقاء في بيوتهم حتى لا تنتشر الكورونا، في ذلك الوقت كنتُ أرتب الأفلام التي سأتابعها حتى أني نزّلت طلبا في صفحتي على الفايسبوك لأصدقائي بأن يقدموا لي اقتراحات لأفلام جيدة و روايات رائعة، لستُ مستعدة أن أهدر وقتا ثمينا في متابعة فيلم لا يشدني إلى نهايته ولا في رواية لا تأسرني في توهجها وصدقا وردتني عناوين مذهلة..

أن تتقهقر الشعوب وتعود إلى بيوتها خوفا من كائن فايروسي ضئيل جدا ولا يُرى ثم اسمه كورونا كان هذا أفضل هدية بالنسبة إليّ.

من الطريف أن تجتاح الكورونا العالم فيتوفر لي الوقت لأفعل أشياء أحبها.. ملأت خزانة المطبخ والثلاجة بما استطعت أن أوفره من أجل أن لا أغادر البيت، قد تفعل النساء ذلك من أجل أن يتفرغن للتلفزيون والفايسبوك. أما أنا فلي انشغالات كثيرة، أخيرا توفر لي وقتا مهما سأكتب فيه قصائد وقصصا وأقرأ روايات وأشاهد أفلاما وأنام كثيرا وهذه فرصتي.

مثل امرأة تحب بيتها خصصت اليوم الأول من الحجر الذاتي لتنظيف كل الغرف، يجب أن أعد نفسي جيدا للكتابة حتى لا يشغلني شيئا، أحب أن يأتيني إلهام الكتابة فيجد كل شيء مرتبا، أحذية أطفالي في خزانة الأحذية حتى أن خطر للإلهام في لحظة ضجر أن يدفعني لتفقدها وجدتها مرتبة كل فردة حذاء ملاصقة لأختها، الصالون يبدو مريحا مستعدا لاستقبال شيطان الشعر، آنية الزهر في مكانها وإن خلت من الأزهار، سلسلة المفاتيح معلقة بجانب الباب يتأرجح منها قلب رُسم عليه علم تونس. هدوء تام في الشقة. أطفالي جعلوا ليلهم نهارا يسهرون بين هواتفهم وحواسيبهم، وجعلوا نهارهم ليلا يغطون في نوم عميق. كل هذا في صالحي، كل ما فاتني سأعوضه الآن وهذه فرصتي فعلا.

شيء في قلبي – يخصني وحدي – يقول إنّ هذه الكورونا يمكن أن تكون صديقتي، فهي وفرت لي ما لم يوفره لي زوجي، الذي لا يكلف نفسه القليل من أعباء الحياة، لأنشغل قليلا بالكتابة. ولم توفره لي الدولة التي لم تمنحني امتيازا صغيرا يجعلني أتفرغ قليلا للكتابة، ولم يوفره لي أطفالي الذين لا تنتهي طلباتهم التي تعوقني كثيرا عن الكتابة. كل الوقت الذي كنتُ أختلسه للأدب كان يجعلني ألهث خلف فكرة حتى لا تضيع وكثيرا ما ضاعت مني أفكار وألهث خلف اللغة حتى لا تتلاشى مني ويحدث فعلا أن تخذلني. أعتبر الكتابة معجزة حقيقية بالنسبة إلى امرأة تجدّ في عملها، وملتزمة بأعباء العائلة وفواتير الحياة وبارّة بأبنائها ولا تستطيع توفير ثمن خدمات معينة منزلية.

تطل الكورونا بوجهها البشع تحمل الموت للعالم وتمنح حياة أخرى لامرأة مثلي تتنفس الكتابة. كنت دائما أغبط الرجال الذين يجدون وقتا غزيرا ينفقونه في الجلوس على المقاهي. وأمقت النّساء اللاّتي يهدرن الكثير من الوقت أمام المسلسلات التركية وبرامج الشو وهن يقزقزن اللب ويرتشفن الشاي.. الآن الكورونا تمنحني هدية لا تقدر، كل الوقت أصبح ملكي، لن أخرج للشارع وسألتزم بالحجر الصحي كمواطنة صالحة في دولة فاسدة.

من أجل أن أستثمر وقتي جيدا كان يجب أن أنظم يومي سأخصص الصباح للكتابة ثم هدنة تكون مع فيلم وفي المساء أقرأ رواية، حتى أنّني حافظت على منبه الساعة يوقظني باكرا كالعادة لكن هذه المرة لن أستيقظ مثل شخصية كسولة في رواية فاشلة فأهرع إلى شؤون البيت الصباحية وألهث في اتجاه العمل حتى لا أتأخر، الآن أستيقظ باكرا وأفتح عيني على نصوصي ألتقط أفكاري بهدوء وأعيش حياتي التي أحبها.

مرت الأيام الأولى من الحجر الصحي على أحسن ما يرام، أتابع ما يحصل خارج بيتي من التلفزيون فكأني أنظر إلى كوكب آخر أراه يتداعى والناس في العالم في هلع من أعداد الموتى والمصابين وأنا في كوكب آخر منغمسة في مقالة ومنشغلة برواية ومستمتعة بأفلام اخترت جميعها بدقة.. تعمدت أن لا أتواصل مع الأهل والأصدقاء، لم أكن أحب من يشوّش عليّ هذا النسق الذي اخترته وصالحني مع ذاتي.

في الأيام الأولى للحجر الصحي نجحت في قراءة روايتين ومشاهدة خمسة أفلام وبدأت في كتابة مقالة نقدية، كانت الحصيلة جيدة رغم أني لاحظت أن الأفلام كان لها نصيب أوفر من وقتي بما يعني أنّني كنت أميل إلى تقبّل النشاط الذي يتطلب مني جهدا أقل، ربما جئت الحجر الصحي مُنهكة من نسق حياة لا يرحم، ربما هناك جزء مني لم يطمئن فعلا للكورونا التي بدأت مسعورة وكأنها في مهمة انتقامية من كل البشر.

كنت منشغلة بحياتي الجديدة ثم فعلتُ بنفسي ما لا يفعله العدو بعدوّه.. لا أدري لماذا تهديني الكورونا وقتا ثمينا ورغم ذلك أجلب النكد لنفسي؟

جلست أمام التلفزيون وتابعت الأخبار بتركيز ما فعلته الكورونا هذا الكائن الضئيل جدا والخاوي مثل فقاعة وصُعقت، هالني عدد ضحاياها الكثير جدا، منهم من جعلته جثة متعفنة لا يليق بها سوى الحرق والرمي في قبر جماعي ومنهم من جعلته جثة يتنفس خلف الأبواب المغلقة يتابع زحفها بقلب واجف وعينين زائغتين.

هل يمكن لكائن مجهري أن يفعل كل هذا بالعالم؟

كانت أعداد ضحاياها في تزايد مريع والعالم يتراجع في كل مرة أمام زحفها الكاسح ويقف عاجزا عن مواجهتها. يبدو أنّ الكورونا صديقة قاتلة توفّر لي الوقت لأكتب لكنها أيضا توفر الموت للجميع وهي لا تميز في ذلك بين الناس ولا بين الدول. كانت الكورونا التي غيّرت نسق الحياة في بلادي وفرضت قوانينها على الناس من حولي، تهددني أيضا فهي يمكن أن تدخل بيتي من خلال جلسة نميمة مع جارتي أو مصافحة لصديق قديم أو قبلة على خد ابن الجيران، يمكن أن تُزرع في جسدي وأنا أطل من شرفتي على السماء لأتأكد أنها لم تستبدل لونها بتأثير من هذا الوباء القاتل كما يمكن أن تقتحم بيتي من ثقب الباب..

الوقت الذي أهدته إليّ واعتَبرتُه غنيمة كانت قد بثت فيه من سمها، لم يكن لهذه القاتلة المتسلسلة والغادرة أن تكون صديقتي..

منذ أن تأكدت أنّ هذا الوباء الفتاك لا يأتي منه إلاّ الشر وأنه عدو للإنسان تلاشت سعادتي مثل فقاعة الصابون وتسرب لي الضجر، لم أستطع أن أنهي رواية “إحدى عشرة دقيقة” لباولو كويلو توقفت في وسط الرواية وتركت ماريا في تجربة حب غامضة مع رالف تشتهيه ولا تهمّ به ويتوق أن يدخل فيها ولا يفعل، كانت الأحداث في أوجها تجعل كل قارئ يتوق إلى معرفة كيف ستكون نهاية هذا الحب الذي يجمع بين رجل ومومس، هذه تجربة حب لا تشبه غيرها هل يمكن لمومس أن تحب رجلا ولا تمنحه جسدها وهل يمكن لرجل أن يعشق مومسا ولا يمد لها شهوته؟

كنتُ أقرأ بلهفة شديدة وفي ذهني نهايات مختلفة لرحلة ماريا في عالم الجنس ثم فجأة وقفت الكورونا بيني و بين باولو كويلو..

كنت مصرة أن ألتزم بجدول مطالعاتي ولن يتمكن مني الضجر، ذهبتُ إلى رواية علاء الأسواني “جمهورية كأن” ووصلت إلى منتصفها، بدت الرواية تضج بالحياة مشوقة كثيرا وممتعة جدا. ولا أدري لماذا لم أستطع أيضا أن أنهيها، كنتُ أحب أن أعرف ماذا سيحصل لأشرف ويصا الذي غيّرت الثورة تفكيره وبدّلت حياته كليا فترك الرتابة التي كان يعيشها واندفع بجموح إلى جسد خادمته إكرام التي أصبحت حبيبته كما اندفع إلى شباب الثورة الذين كان يراهم مجموعة من الفاشلين فأصبحوا بالنسبة إليه صناّع الحرية، كان كل شيء يتغير في حياة أشرف ويصا وكنت أحب أن أقرأ النهاية التي اختارها له الروائي، ثم أصابني فتور.. مرة أخرى وقفت الكورونا بيني وبين علاء الأسواني.

قلتُ لا بأس لن أتراجع عن جدول مشاغلي الأدبية. في ذلك الوقت، أرسل إليّ الشاعر المصري سمير درويش ديوانه الجديد “يكيّف جرائمه على نحو رومنطيقي” أعجبني العنوان وشدتني قصائده التي قُدّت بمهارة وشعرية عالية وتقدمت في مقالتي قليلا، انتهيت من العتبات الأولى وكنت قد انطلقت في تحليل المشهدية السينمائية التي كتب بها الشاعر قصائده عندما أصابني الفتور الشديد، وتأكدت أن الكورونا تقف بيني وبين سمير درويش.

تسرب الضجر أيضا إلى الأفلام فلم يعد يروقني أيّ منها، لم تعد تشدني أفلام بصيتها العالمي فذهبت إلى أفلام لممثلين أحبهم أستمتع بأدوارهم اللافتة وبملامحهم التي تغريني لكن لا دينزل واشنطن ولا ليونادو دي كابريو ولا ريشارد غير استطاعوا أن يشدوني كعادتهم، وجدت نفسي أتأمل ملامح وجوههم التي أحبها ولم يعد يصلني سحرهم الذي يأسرني، يبدو أن الكورونا تقف بيني وبين الرجال الذين أحبهم أيضا.

قلت لا بأس قد يكون الضجر عاديا، لأغيّر وجهتي نحو الأفلام الوثائقية التي أحبها خاصة التي تتعلق بعالم الحيوان والشعوب البعيدة التي اختارت أن تكون في أماكن قصية تعيش حياتها بهدوء بعيدا عن ضجيج العالم.. لم أوفق إلى نتيجة أفضل، ووجدت وقتي تلتهمه قنوات الأخبار وهي تأتي في كل مرة بأرقام جديدة مفزعة عن ضحايا الكورونا القاتلة..

كل الوقت الذي أصبح ملكي واعتبرته غنيمة حرب نفثت فيه الكورونا سمومها فأصبح ملطخا بدماء ضحاياها في كل مكان، تسرب الضجر في حياتي ولم أعد أستمتع بشيء. أصبحت الكورونا تقف بيني وبين الحياة.

لم تعد كورونا صديقتي، أسقطتُ عنها ثوب الصداقة ورأيتها وحشا قاتلا لا يرحم، وهالني الأمر تقول لي ابنتي “لقد عدّوا في تونس منطقتي البحيرة والمرسى من الأمكنة الموبوءة” وضربت على صدري “يا إلهي هل زحفت الكورونا على تلك الضواحي التي أحبها؟ هل تراها جلست في مقهاي المعتاد في البحيرة؟ هل ولغت في فنجان القهوة التي أصر على النادلة أن تقدمه لي؟ هل أعجبها التمشي على كورنيش المرسى بهدوء وهي تمتع نظرها بالبحر الهادئ وبالعشاق المنتشرين في كل مكان؟ هل تراها ربتت على خد بائع الورد الطفل الذي يتخلل الحشود وفي قبضته الصغيرة حزمة من الورود الجميلة؟ يا إلهي عندما تتجول الكورونا في البحيرة يعني أنها اقتحمت عوالمي ودنست أماكني المفضلة، يعني أنها تترك أظافرها في كل مكان أحبه ثم إنها تقترب من بيتي.. واشتد فزعي.

الكورونا وتنين هوبز

شيء ما يحدث في العالم
كان الضجر قد تسلل لحياتي غير أن عقلي لا يريد أن يصمت، عندما كانت حكومات الغرب الكافر تقدم لشعوبها امتيازات جبائيه ومساعدات اقتصادية لتغريهم بالبقاء في البيت ريثما تتكفل هي بمحاربة الكورونا يدا بيد مع العلماء في مخابرهم، كانت تونس تفتح نشاطها الأول لمواجهة هذا الوباء بحفل تليتون لتقديم مساعدات مالية للدولة، في الغرب الكافر الدول تساعد الشعوب، في بلادي التي قامت بثورة تسلقها تجار الدين الشعب هو الذي يساعد الدولة.

كان التيليتون يعرض في بث موحد عبر كل القنوات التونسية لم أشأ أن أتابع هذه المهزلة، التي أجدها فرصة من نظام دكتاتوري يدعي الثورة وصنع له لحية ومسبحة لتكون قناعا يخفي وجها مخيفا لمصاص الدماء لشعب مسكين استنزفته أوهام الحرية والعدالة الاجتماعية، لا أعتقد أني أغالي وأنا أعتبر كل هذه الحكومات الفاشلة في تونس التي تداولت على الشعب أشد دكتاتورية من نظام بن علي المستبد، تقدم نفسها حَمَلا وديعا لشعب جاهل في أغلبه يصدق تجار الدين ويصفق لمن يدفع له حتى ينتخبه ويبرر لمغتصبه إن كان يحمل كدمة صلاة على جبينه.

كانت الكورونا قد بدأت تعمل أنيابها في البلاد وأنا أرى الوضع مأساويا لشعب أعزل بلا دولة تحميه وبلا رب يرأف به، بدا لي أن الأمر كثير جدا على شعب يواجه فايروسا ضئيلا جدا اسمه الكورونا وفايروسا ضخما جدا اسمه الدولة، وتذكرت توماس هوبز كم بدا دقيقا في وصف “التنين”.

خارج بيتي الحرب محتدمة والصراع شديد بين العالم مدججا بكل أسلحته العلمية وبين كائن ضئيل جدا لا يكاد يُرى خاو مثل فقاعة صابون، تم إقفال كل المساجد والكنائس والمعابد التي لم يكن فيها إله يحمي مؤمنيه من الكورونا ولأول مرة يشاهد الجميع أماكن مقدسة كانت محتشدة بالمصلين أصبحت فارغة وموحشة وبلا معنى، في المقابل كانت الحركة على قدم وساق في مخابر العلماء والتعاون شديد فيما بينهم من ينقذ البشرية ويحرر شعوب العالم التي سجنت في بيوتها ويدخل التاريخ من باب العلم ويعيد الحياة على هذه الأرض.

الكورونا والكلب الأسود

الضجر الذي تسلل لي يتمدد في بيتي ويستحوذ تدرجيا على كل الأماكن الصغيرة التي أتحرك فيها، ينتابني الضجر في كل فكرة أعالجها ولا أجدها صالحة لأي شيء لذلك كان سهل علي أن أرميها في سلة المهملات التي امتلأت بهواجسي وقلقي وفاضت بلا معنى.. تدريجيا تناقصت الأفكار التي تردني.. وجدت نفسي أدور في بيتي، تضيق بي غرفتي فأذهب إلى الصالون، ويضيق بي الصالون فألتجئ إلى غرف أطفالي النيام. أهرع إلى المطبخ الذي أصبح ملاذي، أطبخ أكلات وأجرب وصفات أخرى، وأشغل نفسي بغسل المواعين وتنضيدها بل قمتُ بتغيير ديكور المطبخ واستبدال ستائره.. تحول المطبخ الذي كان أحد أهم قيودي إلى مكاني المفضل وما يتبقى من الوقت أهدره أمام التلفزيون أبحث عن برامج تسلية تافهة وأهدر ما تبقى من الوقت في الفايسبوك أقتفي أثر الإشاعات التي تكاثرت والخرافات التي تمددت وكثرت الرسائل التي تصلني والتي تختم عادة بعبارة “أرسلها إلى عشرة أشخاص تنال أجرا عظيما”.

الضجر الذي تسرب إليّ جعل حياتي بلا معنى أتى معه بقلق شديد يسيطر عليّ، لم يكن قلق إبداعي يمكن أن يتحول إلى نصوص متوهّجة بل قلق عبثي يشعرني بلا معنى للحياة، لذلك الوقت الذي كنتُ لا أكاد أظفر به واعتبرته هدية الكورونا وغنيمتي التي لا تقدر بثمن الآن يتحول إلى عدوي..

الكورونا خارج بيتي تهددني في كل حين والفراغ يملأ عالمي الصغير، ويعيدني إلى مربع الاكتئاب ذلك الكلب الأسود الذي يتربّص بي في ركن مهمل من حياتي ومستعد أن ينقض عليّ وقد اعتاد لحمي كثيرا.

صمت ثقيل يخيم على بيتي، أطل من خلف ستار النافذة التي لم أعد أفتحها على الشارع الكبير الذي فقد حيويته واستسلم للخوف يسري بين الناس ويفيض من البيوت وينتشر في الشوارع، أدور في بيتي وحيدة.. غيّرت الكورونا نسق حياتي، أصبح البيت جزيرة معزولة عن العالم وتحول كل فرد فيه إلى كائن وحيد.. ثمة شيء بصدد التغير في بيتي وفي العالم، الكائن المجهري استطاع أن ينازل الإنسان وهو في كامل جبروته وبكل غروره ويصرعه وتذكرت فقاعات الصابون في المغطس، فرضت الكورونا قوانينها في الحياة وألزمت كل البشر بتغيير أفكارهم وعاداتهم وبعثرت أيامهم، ولأول مرة أخرى في التاريخ تجعل الكورونا كل البشر لهم حلم واحد: الحرية.

الكورونا والسجن

ثمة شيء يحدث في بيتي وفي العالم؟

قطعت عليّ جارتي توجسي وهي تطل من نافذتها وتهتف بي “بخري البيت بالملح، لن تدخل الكورونا كليا إن شاء الله” وتضيف بصوت واثق “هذه مجرّبة” وعندما لا أرد عليها تترك النافذة وهي تتمتم لعلها تدعو الله أن يخلصها من جارة لا تصدق أن الملح يمنع الكورونا. في تلك اللحظة، كنت ألعن حظي الذي اختار لي من اثني عشر مليونا من البشر في تونس جارة تؤمن أن الملح يمنع الكورونا وأعود للدوران في بيتي، سجني الصغير.

كنتُ قبل الكورونا ألعن البلاد وأشبهها دائما بالسجن الكبير الذي نتحرك فيه وفق تعليمات الحكومات الدكتاتورية التي تداولت علينا والتي تخضع بدورها لسيستام منغلق لا يعترف بالإنسان ولا يهتم بالثقافة الا عند الحملات الانتخابية، كنت ألعن هذه البلاد ولا أجد مساحة حرية إلا داخل نصوصي فيها أحلم وأرقص وأنشج وأضحك وأنتشي..

ألعن البلاد سجني الكبير، وأتجول بسيارتي هنا وهناك، أجلس في مقهى صغير على الشاطئ، أرتشف قهوتي بهدوء وألهي نفسي بسرب النوارس تحلق عاليا، بعاشقين متلاصقين يتهامسان في ركن من المقهى، وأفكر هل يمكن أن أدخلهما إلى قصيدتي فأجعله يحضنها وتقبله وربما أتمادى قليلا فأكسوه ثياب الجرأة وأنزع عنها ثياب الخجل وأجعلهما يرتعشان من اللذة ويصلني فحيح الرغبة وهي تبحث عن منفذ في القصيدة لتستعيد أنفاسها؟

ألعن البلاد سجني الكبير، وأمرّ على أشهر محل للمرطبات في سيدي رزيق، أضرب عرض الحائط بقوانين الريجيم وأشتري للطفلة التي تسكنني كعكا محلى أقضمه بتأن وأرتشف قهوتي بهدوء وأفكر كيف استطاع هيمنغواي أن يجعل رحلة صيد واحدة رواية مذهلة دون أن يحتاج لامرأة تتزين من أجل حبيبها وتنتظره كل ليلة في زوايا الرواية؟ كيف استطاع أن يجعل رجلا عجوزا بطلا يأسر القراء دون أن يشير إلى ماضيه الحافل بالنساء ودون أن يجعله يشرب كأس نبيذ أو يغني لصبية تمرّ به؟

ألعن البلاد سجني الكبير، وأعدو في الملعب الرياضي أحمي جسمي من الكوليستيرول وأحوله إلى جسد يضج بالحياة، يكفي أن أقوم بأربع دورات حول الملعب الرياضي حتى أحقق ما هو مطلوب مني، أذكر أني عندما بدأت عادة التريّض في الملعب أحصي عدد الدورات بأصابعي ولأني أنسى كثيرا وتختلط عليّ الأصابع فقد عوضتها بحصى، في كل دورة أضع حصاة عند مدخل الملعب ولأنه يحدث كثيرا أن تدوسها أرجل الرياضيين فقد استبدلتها بعاشقين أختارهما في كل مرة، يمتعني أن أحصي الدورات التي أقوم بها وفق وضعية الجلوس التي يكونان عليها.

أذكر في زيارتي الأخيرة للمعلب في الدورة الأولى ركضا حول الملعب أن كان العاشقان يجلسان بهدوء يتحدثان بصوت بدا لي مرتفعا حتى أنه يمكن لمن يجلس على المقعد المجاور لهما أن يعرف أنه يحدثها عن اهتمامه بنظافة غرفته وتقديره الزائد لأخواته البنات و سيلاحظ أنّ العاشق يتعمد في كل مرة أن يقارن نفسه بغيره من الشباب الطائش فيكون دائما أفضلهم، في الدورة الثانية لي ركضا حول الملعب كان قد مال عليها قليلا وأراحت رأسها على صدره وبسهولة يمكن أن ألاحظ أن حديثهما قد تحول إلى همس، في الدورة الثالثة كانا قد التصقا أكثر ببعضهما بحيث يبدوان عن بعد وكأنهما جسد واحد وهذا ما يجعلك تغض البصر عنهما، في الدورة الرابعة لم أجدهما يبدو أنّهما اختارا ركنا منزويا لقبلات محمومة..

ألعن البلاد سجني الكبير، وأستمتع كثيرا بعزلتي التي اخترتها، بعيدا عن المشهد الأدبي التونسي الذي يعج بالضجيج، بعيدا عن الشللية القاتلة التي يتحكّم فيها كهنة من الكتبة يعتقدون أنهم آلهة ولا يعلمون أنهم من ورق، بعيدا عن مهاتراتهم ومدائح يكيلونها لبعضهم، بعيدا عن كل ما يوجع الرأس.. هذه العزلة التي اخترتها وأحبها وأشتاق إليها الآن.

ألعن البلاد سجني الكبير، ألعنها وأنا أرتشف قهوتي صباحا، ألعنها وأنا أهم بالنوم ليلا، ألعنها في قصائدي وأشتمها في نصوصي وأحلم بيوم أغادرها فيه إلى الأبد.

ألعن البلاد سجني الكبير، وأدور في بيتي.. السجن الجديد.

أدور في بيتي سجني الصغير، ولا أدري كيف أواجه الضجر الذي تملّكني فجعلني أضيق بالوقت الكثير الذي خلت أني أملكه وأفقدني معنى الأشياء، لم يعد للروايات التي أقرأها معنى ولا للدواوين التي أتصفحها معنى ولا للأفلام التي اختارها معنى..

أدور في بيتي سجني الصغير، ولا أدري ماذا أفعل بنفسي وبالخوف الذي تسلل إليّ من ثقب الباب، الكورونا في الخارج تترصدني وأنا داخل البيت أرتجف في يدي قارورة المعقّم أمسح على كل الأماكن التي قد تتسلل إليها الكورونا التي أحدس أنها تسخر مني وتتربص بعائلتي.

أدور في بيتي سجني الصغير، ولا أدري ماذا أفعل بالكلب الأسود الذي بدأ يتململ ويستغل الوحدة القاسية التي أصبحت عليها ليطل برأسه كأنه يطمئن لوجودي وعلى يقين أني وليمته القادمة التي عليه أن يزدردها بهدوء، ينقبض قلبي ولا أفهم لماذا اختار علماء النفس أن يصفوا الاكتئاب بالكلب الأسود حتى أني صرت أكره الكلاب بكل أنواعها.. وألعن الكورونا التي قوّضت حياتي البائسة فجعلتها أكثر بؤسا أخذت مني عزلتي التي اخترتها بوعي تام وفرضت عليّ وحدة قاتلة وحوّلت بيتي إلى سجن صغير داخل سجن كبير.

الكورونا بين العزلة والوحدة

في الخارج ترتفع أرقام مخيفة عن ضحايا الكورونا، يوميا أكثر من ست مائة قتيل في إيطاليا ومثلها في إسبانيا وينقبض قلبي، في تونس بدأوا يفصحون عن أرقام مفزعة تتصاعد ومعها تنتشر فضائح عن تهاون الدولة في مواجهة الوباء القاتل، يستبدّ بي الخوف وأشعر أنى وحيدة في بيتي، يغط أطفالي في نوم عميق وينشغل زوجي بشتم الكفار وتتمعّش الدولة من الكورونا، من جهة تطلب المزيد من التبرع لمواجهة الوباء ومن جهة أخرى يرفعون في أسعار مواد ضرورية للحياة.. أشعر أنى وحيدة في العالم..

يشتد بي الضجر وتتناسل الأسئلة في داخلي لماذا يحدث كل هذا؟ هل تعبت الأرض من غطرسة الإنسان الذي تمادى في غروره وأرادت أن تضع لجنونه حدا؟ هل تعبت السماء من صراخ المظلومين والمنسيين والمهمّشين في الأرض وتهيئ نفسها لتسقط فتسحق الجميع؟

كيف خطر ببال هذا الكائن المجهري الذي لا يُرى أن يضع حدا لهذه الحروب المنتشرة في العالم تحت مسمّيات عديدة وأعلن حربه ضد الإنسان وانتصر عليه؟

هل فهمت الكورونا أنه يجب فعلا أن تضع حدا للعولمة والفوضى ودكتاتورية الدول الديمقراطية في استغلالها البشع للشعوب المنسية؟

هل التاريخ تعب من الزيف والعنف فأراد أن يتوقف قليلا ويمنح الأرض فرصة خلق توازن جديد تكون فيه الكورونا نقطة تمفصل فنتحدث في التاريخ القادم عما قبل زمن الكورونا وما بعده..

أعلم أني في سجني الصغير ستشتد وحدتي ويقتاتني الضجر وابتلعني الفراغ وسينفرد بي الكلب الأسود، وأعلم أنّي في السجن الكبير الذي اسمه الوطن ستكثر الخرافة وتزدهر تجارة الدين وسيفرّخ الجهل أكثر، أما في الدول العظمى فليس من عادة الإنسان هناك أن يرتدع سينسى ما فعلت به الكورونا ويواصل في مجتمع الرفاهة رعونته وتسلطه وتدميره للأرض واستخفافه بغيره من البشر.

لا أحب أن أتحدث عن سبل الخلاص، لا يروقني رجال الدين ولا أحب أن أكون مثلهم أقدم النصائح الجوفاء لكن كامرأة تتنفس الحبر سأراهن دائما على أنّ نجاتي من شراسة الكلب الأسود لا تكون إلاّ بالمزيد من الإيمان بالفن والاعتقاد في الحياة والثقة بالإنسان الذي يسكن نصوصي. وبما أني رهينة السجن الكبير الذي اسمه الوطن لكن هل ستُمنح قيمة للتربية والتعليم والثقافة وترفع من ميزانياتها لدعم الحياة في مقابل الكف عن نهب خيرات البلاد حتى تندثر الكلاب السوداء من حياة الكتّاب وتحلّق العصافير والفراشات والأحلام الجميلة؟

لا أعتقد ذلك، في الحقيقة يهمّني طرح مثل هذه الأسئلة لكن لا تعنيني إجابتها، فقط أنا مطالبة أن أنهي هذا النص وبعدها سأعد فنجان قهوة قليلة السكر، ليذهب العالم إلى الجحيم عليّ أن أفكر بجدية وأجيب عن السؤال الوحيد الذي يعنيني مباشرة كيف أخفف قليلا من عزلتي القاتلة وأحولها إلى وحدة ممكنة؟

عليّ أن أعترف الآن أنّني عندما كنت في المغطس، فقاعات الصابون الهشة والخاوية انتصرت عليّ فعلا، رغم ذلك أفكر أن أملأ المغطس بالماء وأجعل أنفي يبرز مثل جبل صغير ولن أعبأ مستقبلا بالفقاعات الخاوية تتلاشى لوحدها، قبل ذلك عليّ أن أتوقف عن الكتابة الآن، ما معنى أن يفرض كائن مجهري ضئيل جدا لا يكاد يُرى سلطته عليّ فأكتب عنه؟ لم يعد يعنيني هذا النص لذلك عليّ أن أنهيه الآن وريثما يمتلئ المغطس بالماء أمسك بزجاجة المعقم أمسح مقابض الأبواب وظهر الكراسي وسطح الطاولات حتى لا تدخل الكورونا سجني الصغير.

 
كاتبة تونسية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق