ثقافة المقال

غرق مركب من ورق

 ياسمين كنعان 

الرسالة الأولى

محتجزة بين جدران كثيرة، لم تكن عزلة اختيارية، كانت إقامة جبرية، أحاول أن أتعايش مع هذا الطارئ، أن أخلق لنفسي فضاء آخر، أحاول الهروب والتخفّي بين صفحات رواية، أغيب للحظات عن هذا الواقع البائس، أعجز عن إتمام ما بدأته، ثمة قلق يستحوذ على مشاعري ويربك تفكيري. القلم لا يطاوعني لإتمام فكرة، نشرات الأخبار تنشر الرعب وشاشات التلفاز مسكونة بالموت، حتى الحديث العابر تفوح منه رائحة الترقب المعجونة بالخوف. أطوي صفحات النهار الثقيلة، أحاول أن أستريح من تعبي، أدفن وجهي في الوسادة أعضّ على كل فكرة قلقة تطاردني، أتشبث بحلم متيقظ، أغمض جفوني على طيفك!

أنام لأحلم بغد أفضل، وإذ لا أرى سوى نفسي، أسترجع شريط نهاري، فأصحو على واقع مكرر .

10 آذار- مارس 2020

===========

الرسالة الثانية

منذ لحظات بزغ فجر يوم جديد، لا أعرف ما شكّل الحياة التي تدبّ الآن خارج هذه العزلة القلقة، فيما مضى ولن أقول في زمن غابر، فلم يمض على هذا الاحتجاز سوى أيام قليلة.

فيما مضى كنت ألتقي بالنهارات الوليدة في شوارع ضيقة وأرصفة مسكونة بالحياة، أمرّ ببائع القهوة أحتسي فنجان قهوتي المعتاد، أقرأ عناوين الكتب من خلف واجهة زجاجية، نصف ساعة أقضيها في متابعة المارّة، أكثر الوجوه مألوفة لديّ، وكلّهم يأتون في موعدهم المحدد، أستطيع أن أحدد بكل بساطة وقت مرور كل منهم، ونادراً ما أخطئ.

اليوم أنا هنا لا أفعل الكثير سوى تخيل الحياة خارج هذا الحصار، ومتابعة فايروس القلق الذي تبثه النشرات الإخبارية، لا أفعل الكثير سوى تخيل الحياة!

11 آذار – مارس 2020

===============

الرسالة الثالثة

كلّها لك، تتمحور حولك بشكل أو بآخر، وكلها محاولات أخيرة لإيقاف الزمن هنيهة والعبور إليك وإتمام الدورة الأخيرة حولك، فأنت المعني وأنت المخاطب وأنت من يدّعي أنه ذاك الأصم الأبكم الأعمى، أنت من يقيم السدود والحوائط العالية أو يوصد الباب ولا يتركه موارباً.

هي رسائل من زمن كورونا يا سيدي لأن البغضاء تتفشى في عالمنا تماماً كهذا الفايروس اللعين.. البغضاء تقتل أكثر من كورونا يا سيدي، قلوبنا مصابة بالعمى، وعقولنا متحجرة.

هي رسائل من هذا الزمن اللعين الذي يحاسبك فيه الآخر على ذنب اقترفته أو لم تقترفه، هو زمن الإنصات للكلمات المشوهة، هو زمن الحقد الأسود، هو زمن يُصدّق فيه الكاذب ويُكذّب فيه الصادق.. هو هذا الزمان زماننا.

أن تصل هذه الرسائل إلى بريدك أو لا تصل ليس مهماً، كل ما في الأمر أنها كانت محاولة أخيرة لرسم وجه آخر لهذا الزمان القلق!

12 آذار- مارس 2020

=================

الرسالة الرابعة

هل تساءلت ما جدوى الكلام في عالم يأكله موت صامت؟ يلوكني الملل بلا توقف، أحصي على يدي أيام العزلة المريرة، يتفاقم الضجر فيدمي ويمتد الفراغ بلا نهاية.

المطر ينهمر في الخارج، أسمع نقراته التي تخفت أحياناً ثم تعاود الدّق بأكف قلقة، هل أشرَع النوافذ لصخب هذا المساء المبتل؟ هل أشرّع النوافذ لهذا المجهول الذي يتدثر بالليل؟ هل أُشرّع النوافذ لقادم غريب يطوف حول الغرفة الوحيدة المنسية في مهب ذكريات وريح وليل؟

نصف ساعة وينتصف الليل، سيدخل اليوم الجديد بلا جديد ولا جدوى، ولن أحتار كثيراً في تصنيفه ضمن أجندة الأسبوع، ليكن الأول أو الأخير ضمن أيام لا يتغير فيها سوى اليوم والتاريخ، ما المهم؟

ما جدوى الكلام حين يكون المستمع الوحيد حائط بارد باهت؟ ما جدوى الكلام حين يرتد لي صوتي وأختنق برجعه الخافت؟ ما جدوى الكتابة إن لم يكن في الكون كله قارئ واحد؟

12 آذار – مارس 2020

=================

الرسالة الخامسة: لها في يومها

لن أضع بين يديك باقة من الورد، لن أُقبّل جبينك ولن ألثم خدّيك، سأبقى رهينة وحدتي وعزلتي، ليس بسبب هذا الفايروس اللعين، بل بسبب فايروسات اجتماعية لا تعد ولا تحصى.

سأترك على شباكك المشرّع للشمس رسالة، وإن كنت أعلم مسبقاً أنك لا تجيدين القراءة ولا الكتابة. سأكتب لنفسي إذن، أُعزيها، أحاول أن أُخفي وراء الحرف جبني وهزائمي الكثيرة.

في الصباح سأكلمك كما الغرباء، كل عام وأنت بخير يا أمي، كيف حال يديك وملامح وجهك وصوتك الحزين؟ كيف حال حوض النعنع وشجيرة الياسمين؟ كيف حال الصباحات على التلة البعيدة؟ وكيف حال أشجار الليمون وزهر اللوز وباقة الحنون؟ كيف حالي أنا من بعدي؛ هل ما زلت طفلة على يديك؟ كيف حال ضفائري وعقد الأقحوان؟ وكيف حال جرح اللوز الذي تركته شقاوة الطفولة على وجهي؟

هل ما زال درب الرجوع إليك طويلا يا أمي؟ هل غيرت أشجار الزيتون وقفتها؟ هل مات أبي؟ وهل ماتت صورة الطفلة الصغيرة؟

قصّي عليّ أحاديثك الطويلة. حدثيني عن جاراتنا وعن حارتنا الصغيرة. سأهز رأسي وكأنّني أعرف هذا الذي تزوّج بأمس، أو تلك التي طلقها زوجها، أو ذاك الذي عاد لتوِّه من سفره الطويل، أو هذا الذي اشترى سيارة.

ذاكرتي متعبة يا أمي لم تعد تتسع لكل الوجوه القديمة، هل أطلب منك معروفاً صغيراً يا أمي؟ خذيني للمرة الأخيرة بين ذراعيك، ولا تلتفتي لهذا العمر الطويل الهش. دعيني فقط أستعيد طفولتي، دعيني أبكي طويلاً بين ذراعيك، ودعيني أستردّ نفسي من غيابها الطويل.

20 آذار – مارس 2020

===============

الرسالة السادسة: مَاذا لو؟

أحاول الخروج من هذه العزلة الثقيلة، فأتفقد جدران غرفتي الصماء وأُحاول فتْحَ كُوَّةٍ صغيرة في جدار الاحتجاز لتدخل منها خلالها نسمة واحدة من نسائم آذار فلا ألمح سوى هالة من الضوء المنعكس على الحائط الذي غاب لونه تحت كثافة هذه العتمةً القاتمة.

الغرفة كلها غارقة في ظلام وسكينة ثقيلة، ليل طويل يتغذى على قلقي، ومحاولات يائسة لغواية النعاس.

لا أستطيع كبح جماح أفكاري. أتلعثم بفكرة طارئة تحملها أسئلةٌ تتخبط في أعماقي وتختلط: ماذا لو…؟ ماذا لو توقفت الحياة عند هذه اللَّحظَة تماماً. ماذا لو انتهى كل شيء؟ ماذا لو ماتت كل الكلمات في صدري ودفنت معي؟ ماذا لو باغتني ملاك الموت فجأة؛ هل أتركه يخطف روحي، أم أطلب منه أن يتريث قليلاً ويمنحني بعضاً من وقتٍ لأُصافخ الحياة، كَفَّاً بِكَفٍّ، للمرة الأخيرة؟

ماذا لو كان هذا آخر ما سأكتبه؟ آه؛ سأكتبُ، إذن، وداعاً للحياة القاسية التي لم تكن عادلة معي.

سأكتبُ وداعاً لأول وجه حفظت ملامحه في قلبي، وداعاً لبحة صوت أمي ولحزنها الذي لا ينضب. سأكتبُ وداعاً لقريتي التي تبدلت معالمهامن بعدي، وداعاً لكل من ترك ندبة في قلبي، ولكل من مسح الحزن عنه.

سأكتبُ وداعاً لكل حلم ودّعته قبل أن أراه، لكل وردة سحقتها يد القدر، لكل ما كان يمكن أن يكون.

سأكتبُ وداعاً لمن أفلتوا أياديهم مِنْ يدي، ولمن يتشبثوا بها حتى الوداع الأخير.

سأكتبُ وداعاً لكل كتابٍ حَفَرَ في روحي، ولكل كلمة حَفَرْتُهَا على الورق، ولكل ورق كان في مهب الريح التي أغرقت مركباً كَانَ من ورق.

سأكتبُ وداعاً لكل فراشة حملت على جناحيها حلمي ولكل حلم احترق.

سأكتبُ وداعاً للطِّفْلَةِ الَّتِي كنتها، ولِطِفْلَةٍ أُخْرى لن أكونها.

سَأكتُبُ وداعاً لاسمك الذي ألفظه للمرة الأخيرة، ولملامحِ وجهك التي ستكون زادي في رحلة الرحيل إلى الأبد.

سأكتبُ وداعاً لآخر اسم سوف أتذكره قبل أن تتكاثر طحالب النسيان على الذاكرة، وداعاً يا……، وداعاً.

27 آذار 2020

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “غرق مركب من ورق”

  1. “البغضاء تقتل أكثر من كورونا يا سيدي، قلوبنا مصابة بالعمى، وعقولنا متحجرة.” هو واقع صعب لكن يبقى الامل ثم الامل ثم الامل…كتابة رائعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق