ثقافة النثر والقصيد

جَدّ *

مبارك وساط

على أقدامهمْ التي مشَّطت شَعر الحقول جاؤوا
من كابوس القبيلة
كانوا قد نبشُوا دموعاً
ليستعملوها في أيّام الحِداد السَّبعة
كانوا من عشيرةٍ يَشترك أبناؤها دَوماً
في نفس الأحلام
في الليلة الفائتة رأوا في المنام
أنَّهم حلازين
لم يستغربوا الرُّؤيا
رغم أنّ الفصل لم يكنْ
شتاءً

من مستودع للأموات
تُحْفظ فيه جثثٌ إلى أنْ
يَحضرَ الأهل لدفنها، سَرَقوا
جُثَّة صديقهم
غطسوها ثلاثاً في بُحَيْرَة
نَقلوها في عربة من شارع إلى آخر
وفي الطّابق الرّابع للملهاة
أجلسوا الصّديق على أريكة في البَلكون
مُوَلّين وجهَه شطر المَسْبَح
الذي يبدو، من عل، كأنّه غير واقعي
وفي الآن نفسه، بيِّنَ المعالم

عينا الصّديق مُوَجَّهتان إلى أسفل
كأنَّما هو، أيضاً، يتملّى بخضرة الماء
بمرأى أجساد غضّة
لإناثٍ يـَحْـقُـنّ صُدورهنّ
بِقليلٍ من وَهَج الأصيل

الثّلاثة شربُوا في صحة الصّديق
لم يـثْـنِـهم عن ذلك علمُهُم أنّه ميت
بل إنّهم وضعوا أمامه كأساً
وهو لا يدري كم ساعة مرَّت على موته
لكنه يُدرك أنَّ مُجالسيه
نَثروا على وجهه أحلاماً بيضاء
كانوا قد اشتروها – للمناسبة-
من سُوق ليْليّ

يَذكر أنّهم ألبسوه ثياباً
القميصُ جميل حقّاً
لقد نَسجتْه بأسنانها عاقر
كانت قد تبنّت كُوسَاةً ونحلتين
قبل أن تتيه في الحقول
مُلوِّحة للفراغ
بضفائر تعود إلى أيّام
طفولتها

يَذكر آخِرَ مرّة دخل فيها بيتَه
وكَيْف فُوجِئ إذ لاحظ أنّ الأبواب
أصبحتْ من عجين
وكيف أقلع -أمام عينيه-
المَوقدُ بجمراته المشتعلة
ودوّم طويلاً في المطبخ الذي
كان، هو، قد زيّن جدرانه
ببلاطات اقتلعها
من قبور
ما كان أحدٌ، بعدُ، ليزورَها

لكنه، الآن، لا يستشفّ جنب المَسبح
إلا أشكالاً هلامية
فيما جلساؤه يتحدَّثون عن خُودٍ حِسان
يُدغدغ ظهورهنّ النّسيم
عن قطراتِ ماء خضراء
تلتمع على أرومة نَهد

فكيف لِميّت أن يُبصر حتّى
وإن كانتْ ثمّة عين
تُوَشّي جيب قميصه المُطرّز
حتى وإنْ كان حديثَ عهد بالموت
وكانت العينُ نَجلاء
حتى وإن كان في آخر جَلساته
على سَطح الأرض
حتى وإنْ، بين عينيه، كان يَعْبُرُ تابوت
ينوء بحمولته
من الأجراس

كيف لميِّت ألا يتّخذ بين جلسائه
هيئةَ جبلٍ مَنفيّ في جزيرة
ستجيئه عصافير
من أغصانٍ في جُرح
وبمعاولَ كانت، لسنين،
ذاتَ سطوة في المُستنقعات
تَكسُر أحجاره وعِظامه

في البَرد أغفى الأصدقاء
ويَدا الميّت موضوعتان
على قَوس قُزح
انداح، بأناةٍ، من كأسه

لكنْ، كيف لميْت
ألّا يَضجرَ بين الأحياء
والقرقعةُ على أشَدّها
في نوم جلسائه
والمساءُ قد ظهرتْ حَدَبَته
وثمّة أطفال أطلّوا من باب موارَب
ثم فرّوا خائفين

كانوا قد استيقظوا ثم ناموا
ثم استيقظوا، وأخيراً قرروا أنَّهُم
استمتعوا برفقته
كما لنْ يتسنّى لأحدٍ أن يفعل
وأنه آن الأوان ليتخلّصوا منه
تحت جنح الظلام

أيدفنونه، إذاً، في حديقة،
أيرمونه في البحر؟
لا، بل يُمَدّدونه أمام باب
مستودع الأموات
فالبحث عنه، لا شكّ، جارٍ
هذا ما اقترح أكبرُهم
الذي كان قد هيّأَ لَه شاهدةَ قبر
سيتركها تحت رأسِه

إن مرّ أحدٌ بقبره، سيقرأُ على تلك الشّاهدة:
– هُنا ينام نومته الأبديّة
البحّارُ الذي قضى ليلته الثّانية كَمَيّت
ساهراً، يتملّى بأشكال سبّاحات مشيقات
من الطَّابق الرابع للملهاة
الذي كان، أيضا، شاعراً
وكتبَ أبياته الأخيرة
في مدح إبرة بقيتْ، بإخلاص،
ترفو ثيابه إلى أن ابيضّت عيناها
الذي غطس في أعماق بِحَار
ظَهَر في أحلام سفن
شاركَ في تشييد مدنٍ
من مَرجان واشتغل
بمهنٍ أخرى.
الذي، في طفولته،
أنقذَ أراغنَ
كانت، من فرط كآبتِها، قد ارتمتْ
في الآبار
الذي لم يَحضُرْ قطُّ
إعدامَ شمعة، وجَابَ قُرىً بعيدة
على صَهوة حصانٍ من
اللوبياء، ثم مات
غريقاً، بعد أن صارع الرّبْو
زَمناً، وفي آخرِ
أيّامه، طال قذالُه، لِعكوفه
زَمناً على صُنْع سروج
من ثلوج، وأصبحتْ له غُـنَّـةُ
مَن ينفثُ الكلمات
عبر أنفه الزّجاجي،
وشفتان تشتغلان
بالكهرباء
——————————
* قصيدة من مجموعة “رجل يبتسم للعصافير” (طبعة ثانية- رقمية- 2020 –
منشورات حِبر)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق