ثقافة النثر والقصيد

من ذاكرة لن تشيخ

ابراهيم مالك*

لوحة الغلاف للفنان الخطّاط من كفر قرع محمد سعيد كلش

ـ هاتان القصيدتان ـ من ذاكرة لن تشيخ ـ نشرتُهما في مجموعتي الشعرية السَّادسة
” الرؤيا ” الصّادرة في شباط 2010 وسأعيد إصدار هذه المجْموعة مُنَقَّحَةً قليلًا
في ربيع السنة القادمة مِنْ بدئي سِنَّ الثمانين الذي آملَ إن شاء الله أنْ يَطولَ قليلًا
لِأنْهِيَ عّملي النَّثري الأخير شِبْهَ الرِّوائي ـ شَيْخ مُطيع ـ .


ـ
1 )

ساحَةُ الحَناطير

كانَتْ ساحَةُ الحَناطير في حَيفا القديمَة
قَبْلَ أنْ تَصيرَ نَفَقًا للغُزاة
تَبُعَدُ قَدَرَ حَبْلِ السُّرَّةِ
عَنْ بَيْتٍ حَجَرِيٍّ كُنّا نَسْكُنُهُ
وَقَدْ حَسِبْناهُ بِسَذاجَةِ أطفالٍ لَمّا يَعوا
أنَّهُ سَيَقي شُرورَ مِنْقارِ الغُرابِ الغازي المُفْتَرِس
وَهْوَ يَنْبِشُ أعشاشَ صِغارِ العصافير
كُنّا ، أخي الأصغَرُ وأنا ، نَنْزِلُ إلَيْها يومَ العيد
لِنَسْتَقِلَّ ” حَنْطورَةَ العَم أبو محمود “
فَيَمْضي بِنا عَبْرَ شارِعَيِّ النّاصِرَة والعِراق
قاصِدَيْن ” مِفْرَق السعادة “
لِتَتَزَوَّدَ نُفوسُنا بِدَفْقِ سَعادة وَمِنْ ثُمَّ نَعودُ
نَغْمُرُ أمّي وأبي بِدِفء سعادة الأطفال .
أذْكُرُ حّدَثَتْنا أمّي وكانت عَليمَةً بِما كان
في ذلِكَ اليومِ المَشْؤوم قَبْلَ سِتّينَ عامًا
حَدَّثَتْ
” أتى أبو محمود السّاحة
قادِمًا من بيوت الصفيح ” في الْمَحَطَّة ” المُجاورة
لِيَهْرُبَ يومَها شَرقًا مِنْ نارِ القنّاصة
فَرَوَّعَتْهُ رصاصَةٌ هادِفة
أصابَتهُ وأصابَتْ بَطْنَ الحِصان
سَقَطا كَنَجْمٍ هوى وَخَيَّمَ لَيْل ” .
قالَتْ أمّي
بَعْدَها خَبِرْنا مَرارَةَ الهَجيج والتَّهْجيج .
قُلْتُ في حُزْني ، وَقَد كَبُرَ مَعي كثيرًا ،
مِنْ يَوْمِها لَمْ أعُدْ آتي ساحَةَ الحَناطير
فالسّاحَةُ صارتْ نَفَقًا
يَلوذُ بِهِ المَوْتى مَجْهولو الهَوِيَّة
مِنْ ذلكَ العامِ المَشْؤوم والمِفْرَقُ المُؤمَّل
غارتْ فيهِ نَبعَةُ السَّعادة وَجَفَّتْ …
ـ
2)
سَرَقوا منّي الطُفولة

سَرَقوا طُفولَتي ذاتَ ليْل وَأشيائي الساذِجَةَ التي أحْببتُ
كالعربَةِ الخشبية ، قِطَعِ الزُّجاجِ المُلَوَّنِ وسَفينتي الورَقِيَّة
التي كم حَلمْتُ أنْ تُبْحِرَ بي إلى عوالِمَ تُقيمُ في
دُنْيا الأطْفالِ العامِرَة بِسَعادَةٍ أبَدِيَّة .
مُنْذُها حُرِمْتُ ، عِنْوَةً وَعَسفًا ، من سِرِّ الجمالِ في تَبَدُّلِ الفُصولِ
وَمِنْ أشْياءَ كَثيرةٍ عادِيَّةٍ وَمُفْرِحَة ،
فَبِتُّ كَمَنْ زَهْوَ الرَّبيعِ وَزَهْوَ وَرودِهِ .
وكَمْ تَمَنَّيْتُ في لَيْلِيَ الطَّويل لَوْ عَرَفْتُ هَوَسَ الوَلْدَنَة
في طُرُقاتِ سَمَخِ المُتْرَبَة
والشَّقْوَنَةَ المَرِحَةَ في حَواكيرِها المُوَشّاةِ بأزهارِ البرقوقِ الْبَرّي
وأعْشابِ الخُبّيزِة شَهِيَّةِ المَذاق .
سَرَقوا عِشَّ طُفولَتي ذاتَ لَيْلٍ قَبْلَ سِتّينَ عامًا أو أكثَر
وَ أشَدَّ ما يوجِعُ أنَّ ذاكَ اللَّيْل راحَ يَطول .
وها أنا في عَجَزي وعَجْزي بِتُّ أدُبُّ على عَصاي مُنْحَنِيَ القامَةِ
أغالِبُ ريحًا مجنونَةً في بَحْثِيَ الدّائمِ عَنْ طُفولَةٍ
سَرَقوها ذاتَ لَيْل …
*ابراهيم مالك شاعر وكاتب فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق