ثقافة المقال

صَرخة «مونْش» من عذاب النفس

عبدالإله بوبشير
“لن أرسم بعد هذا اليوم نساء جالسات يحكن ورجال منهمكين في القراءة، أريد أن أعرض أناسًا يتنفَّسون و يشعرون ويحبُّون ويتألمون، أود أن أعيد إلى الناظر الشعور بالعنصر المقدس في هذه الأشياء، فيرفع قبعته احترامًا كما يفعل في الكنيسة ” إدفارد مونش

 

يعد نقاد تاريخ الفن أن “الصرخة” هي مثال نموذجي من التعبيرية، هذا التيار الذي مثله إدوارد مونش (مواليد 12 ديسمبر 1863) أحسن تمثيل، برغم بساطتها إلا أنها استطاعت كسب شعبية جارفة، وكان استعمالها رائجًا في الكثير من المواد الدعائية، وحتى السينما ومختلف وسائل الإعلام. مونش سابق زمانه مثله مثل الفنان فان غوخ أحد رواد الفن في القرن العشرين .

امتازت التحفة بنوع من الحركة والدراما في المشهد، الذعر الوجودي في هذا المشهد غير المألوف على الأقل عند سابقيه في الفنون الجميلة، بحيث كان للجمال عناوين ولا مجال للقبح في الأعمال، لقد أعطت هذه الشحنة التعبيرية غير المحدودة، أفقًا لخيالات واسعة لفنانين لاحقًا، فكان استخدام هذا العمل في مجالات عدة بطريقة أو بأخرى، فالملاحظ لأول وهلة أنها كانت جرعة زائدة من التعبير، إلا أنها في الحقيقة كانت ترجمة حقيقية لرد فعل طبيعي، ذلك الفعل المحرر للإنسان من عذاب النفس، ألا وهو الصرخة.

وهنا بالضبط يمكن قراءة فن آخر من فن التعبيرات الجسدية، وكذا تفاقم المشاعر جعلت من أسلوبه في إبراز الألآم البشرية وتوضيح الشعور بالضيق من الحضارة حاضرًا وبقوة.

وكان لهذه الصرخة المأساوية إن صح التعبير في المجتمع الاسكندنافي المحافظ والبرجوازي أثر بالغ ما دفع بهذا الأخير إلى التفكير نحو الأمام.

ظهرت التعبيرية في المانيا عام 1905، لقد كانت هذه الحركة المناهضة لكل ما هو طبيعي تدعو لإعادة استكشاف تعقيدات النفس البشرية، وتحتفي بسحر الموت، وظاهرة للعيان في أعمالها، فتمثلهم تارة أجسام حل بها الشقاء، ووجوه ملأها العذاب والبؤس ، وتارة مناظر طبيعية كئيبة وأحيانًا مخيفة.

خرج إلى هذا العالم إدوارد مونش في عام 1863 بالنرويج، حيث أصيب بمرض في طفولته ظل هاجسًا يأرقه طيلة حياته، وأخذ الموت عائلته عندما كان في الخامسة، حيث فارقت والدته وشقيقته الحياة بسبب مرض السل، لقد أعطت هاته الأحداث صبغة من الهوس وحالة مرضية تجسدت في أعماله الفنية.

أستاذ الفنان

بدأ في الرسم تحت العين الساهرة لمعلمه “كريستيان كروغ” في ذلك الوقت، والرجل كان رسام الواقعية الأكثر شهرة في النرويج.

بدعوة من رابطة فناني برلين، انتقل إدوارد مونش إلى برلين، وأصبح مألوفًا في الأوساط الفلسفية والفنية، التي يطغى عليها ظلاً ثقيلاً ومأساويًّا للكاتب الكبير نيتشه . ففي ديسمبر 1893، خلال معرض في أونتر دن لندن، عرض مونش ست لوحات بعنوان “إفريز الحياة”، الذي هو جزء من الصرخة، التي صنعت شهرته.

الاكتئاب

عدت أعماله فنًّا “منحطًا” من قبل النازيين، وغالبًا ما أسيئ فهم رؤيته الفنية وإدانتها في الكثير من المرات، مثل فان جوخ، مونش كان من أولئك الأشخاص الذين لديهم نزعة ثورية، فالنشاط الإبداعي والإلهام العنيف هو جزء لا يتجزأ من حياة تميزت بالأحداث الدرامية، تعاطيه للكحول زاد من حدة تفاقم الاختلال العقلي، وعلى إثرها سنة 1908 انتابته نوبة حادة من الاكتئاب، بحيث كان استرجاعه لقصة الحب المأساوية التي انتهت بتبادل لإطلاق النار، خرج منها مصابًا في يده اليسرى، بحيث لم ينس أبدًا هذه المذلة ، توفي في منزله بـ “إيكلي” يوم 23 يناير من عام 1944.

حول عمله الشهير هذا، كتب إدوارد مونش: “لقد كنت أسير على طول الطريق مع اثنين من أصدقائي، وكانت الشمس تغيب في الأفق، فجأة أصبحت السماء كالدم حمراء. توقفت، كنت تعبًا، واتكأت على الجدار، كان هناك دم وألسنة النار فوق المضيق البحري الأزرق والأسود للمدينة، لكنَّني توقَّفت هناك أرتعشُ من الخوف، ثم سمعتُ صرخةً عاليةً أخذ صداها يتردد في الطبيعة بلا نهاية “!

مونش مع الكبار

قائلاً عن دويستوفسكي “لم يظهر من الرسّامين بعد من استطاع النفاذ إلى العوالم الموسيقية للروح والميتافيزيقيا واللاوعي بمثل ما فعل دستويفسكي في الرواية إدفارد مونش أزمة وجودية.

لا تزال لوحة الصرخة تعبر عن ذلك القلق الذي عاناه إدفارد مونش في حياته، ثم جسده في فنه، في اللوحة يتحول الإيقاع المنحني الذي يصرخ إلى رمز وجودي يمتزج بنفسه مع إيقاعات الطبيعة، وهذه الطبيعة التي من خلال إيقاعات سماوية حمراء وبحرية زرقاء وسوداء، تبدو وكأنها جميعها، تصرخ معًا، ومعها مونش صرخة مرعبة، تنم عن المعاناة والقلق والألم الشديد، وكأنها تخرج من جسده كله، من وجوده كله، فتتردد أصداؤها في ذلك الوجود الكبير المحيط به، وكأنه هو أيضًا وحده الذي يعاني، بينما يمشي أصدقاؤه في هدوء في اللوحة، خلفه غير مبالين، وفي مذكراته كما قال، تركاه في وضعه المرعب ذلك، وسبقاه، تركاه وراءهما ومضيا

يقول ديفيد ولكنز: “من خلال صرخته، وهي صرخة طويلة ممتدة، أصبح مونش، وحده أمام الطبيعة، وأدرك أسوأ كوابيسه ومخاوفه من الأماكن الواسعة الهائلة الممتدة. لقد أصبح في مواجهة الجليل بالمعنى الذي أشار إليه بيرك وكانط”

مع صراخه يتشوَّه وجهه حتى يصبح شبيها بالجمجمة بكل دلالتها التصويرية والرمزية الخاصة بالموت، التي لا يظهر خلالها جنس الإنسان إذا كان امرأة أو رجلًا، فهذا القلق الهائل لا يفرق بينهم. سجَّل مونش صرخته في ذاكرته وجسَّدها في لوحته، وجسد نفسه معها، وهو يصرخ صرخته هذه، التي خلد من خلالها رعب الطبيعة من الغياب، وفزع الإنسان من الموت.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق