الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية | الموقع | كلمة التحرير | حول ذاكرة الحرب غير المسماة

حول ذاكرة الحرب غير المسماة

إلى حد الآن يخشى الجزائريون التحدث بوضوح عن الحرب الشرسة والمرعبة والقذرة التي أكتووا بنارها في حقبة التسعينيات، لم يسموها ولم يناقشوها ولم يضعوها تحت الضوء بشكل هادئ وصريح، بل مثلما اتخذت في وقتها تسميات متناقضة وغامضة أحيانا مثل ” الجمرة” و”الفتنة” و”الحية” و”الإرهاب” إلا أنها استمرت في غموضها عندما تدثرت بمصطلح المأساة الوطنية الذي غطى على مفهوم الإرهاب..

 بقت مصطلحات مثل الحرب، والحرب الأهلية مطرودة من ” الليكسيك ” الجزائري السياسي الرسمي، لأن الجزائري لا يريد أن يصدق فعلا أنه أنخرط في حرب أهلية حيث قتل الجزائري أخاه الجزائري باسم الدين تارة وباسم حماية الوطن تارة أخرى، وعجزت المصالحة التي منحها الرئيس بوتفليقة شرعية سياسية من أن تشخص هذه الحرب وبالتالي إلقاء ضوء الحقيقة والعدالة على ما جرى قصد تجاوزه وطي الصفحة على وعي دون تمزيقها أو إخفائها، وطبعا كان هذا العجز إراديا ومقصودا لأن السلطة لم تكن مستعدة لأن تطرح مسألتي المصالحة في ظل العدالة والحقيقة لأن هذين الشرطين كان سيترتب عنهما نتائج ملموسة على مسار السلطة والميكانزمات الجديدة التي تسير مرحلة ما بعد الحرب وما بعد المصالحة، وجوهر هذه الميكانزمات كان لابد وأن يتمثل في استعادة المواطنة التي يصعب تحققها دون دمقرطة التي تستدعي قيام دولة القانون، أي حرية استقلالية القضاء وانتصار مبدأ الفصل بين السلطات أي إصلاح الخلل الذي أصاب عجلة الإصلاحات التي تم مباشرتها باستحداث الدستور الذي أعترف بحقبة التعددية كلحظة جديدة ونوعية من تاريخ الجزائر السياسي الجديد، وهذا ما جعل الالتفاف على روح المصالحة وتجريدها من معناها السياسي برغم أن الجزائريات والجزائريين صوتوا بنعم على ميثاق السلم والمصالحة، ومن هنا بدأت الخطوات الأولى للثورة المضادة التي استهدفت روح انتفاضة أكتوبر 88 التي شرع بتجريمها في التسعينيات ليجهز عليها بالتطبيق التقني والذرائعي الأمني والسياسي المبتذل للمصالحة ، ولم ينتج عنها إلا طمس ذاكرة التسعينيات بتحريم الكلام عنها وتحويلها إلا ثقب أسود يحتفظ بأشباحه التي تشل كل مبادرة نحو استعادة الحرب على صعيد النظرة النقدية التاريخية والرسملة الرمزية وتقمع كل صوت احتجاجي ضد الانحراف والفساد ولقد وظفت الحروب العربية المنبثقة عن إجهاض الثورات العربية لكتم الأصوات في تأويل الحرب التي عرفها الجزائريون وكلفتهم أكثر من مائتي ألف قتيل بحيث ضرب عليها صمت مريب ومثير لمخاوف والتخويفات ، ولم يلعب الصمت، صمت الفاعلين من سلطة ومعارضة ومنها المعارضة الاسلاموية إلا في تشويه الوعي التاريخي وتحريف النقاش وتسطيح الأسباب التي أدت إلى التراجيديا والانحطاط السياسي ولازالت مستمرة في عمليتها التخريبية للوعي الجماعي،
إن عدم كتابة تاريخ هذه المرحلة والتغطية عليها باسم منع عودة المأساة وتجنب إثارة الجراح هو ما يسهل عودة الأشباح وانبثاق الزمن الذي مضى في زي جديد إذا لم نتمكن من تملك الأشياء التي كانت مصر التراجيديا عبر كلمات جديدة، كلمات تقوم على المعرفة وقول الحقيقة واستثمار الألم رمزيا على الصعيد السياسي والأخلاقي لتحويله إلى أمل حقيقي..

* احميدة عياشي

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

هل انتهت علاقة الشعر بالشعب حقا

يطرح الفيلسوف الفرنسي المعاصر جاك رانسيير قضية مهمة للنقاش ويزعم أنه لا وجود لعلاقة بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *