ثقافة المقال

ذاكرة المكان

بقلم : محمد مجيد حسين*

 
هل المكان عالم متكامل ؟وهل يملك البًنى القادرة على استِعاب وتخزين التصورات التي تصبح ذكريات لم يكن الغارق في ملكوت الماضي جزءاً منها ؟وهل الإنسان يتغذى من ذ اكرة المكان والتي تُعد مصدر الأفكار وتاريخ الافتراضي لتنمية الحنان والتناغم المؤثر والمسند بدوره على جملة من الأفكار التي تشكل النسيج الذي تتكون منه شخصية الإنسان ؟

هنا سنبحث عن أوجه التقارب والخلاف مابين ذاكرة مخزنة لجملة من الأحداث .وأخرى تستسيغ وتتصور الكثير من الأحداث عبر منظومة هائلة من التراكيب والتي تصل إلى ما يشبه أحياناً المقاطع الوثائقية والتي قد تترسخ في الأذهان وقد تمر على الذاكرة مرور الكرام وفقاً لدقة العمل والرابط بين الشخوص الذين يعدون أعمدة ذلك الموقف إضافة إلى جملة من المواقف التي تتصل ومن مسافات مختلفة مع مركز الذي يًكون زوايا المشهد أو بصيغة أخرى للشخصية أنماط ولكل نمط ذاكرة تختلف عن قريناتها وبنسب متفاوتة وقد نستطيع تلخيصها بما يلي .أولاً مساحات الرؤى لدى الشخص أي الفضاء الفكري الذي يستند عليه في قراءاته .ثانياً ثقافة الحياة التي تنشط آلية عمل الذاكرة .ثالثاً أهمية الذكريات في سلم الأولويات .

ذاكرة المرآة .

تعمل الذاكرة وفق مخطط قد يكون دقيق البنية أو متخبط الرؤى وهي أي الذاكرة تشبه المرآة وهي تُفعل في حال وقوف المرء أمامها وحسب الدوافع التي قادته لمواجهة ظاهر الذات ومن جهة أخرى جاهزية المرآة أو بصيغة أخرى المناخ العام الحاضن للمشهد . المرآة شكل من أشكال مراقبة الذات .وكذلك الذاكرة التي وحسب (فرويد ألهو أي الباطن ) هي التي تُفعل آلية رسائل الموجهة من الخارج والتي تسمى وفقاً لفرويد الأنا حيث الحواس وأما الجزء الثالث وحسب فرويد أيضاً هو الأنا الأعلى وهي التي تعد المراقب حيث الضمير الذي يعمل على خلق التنظيم بين الهو والانا . وبهذا الآليات يتم عمل الذاكرة وآحياناً يحدث ما يشبه التشبيك مابين المكان والذاكرة حيث الأحاسيس والحنين المستمدة من المكان فحتى الجوامد تحتفظ بجزء من أرواح هؤلاء الذين ملؤا أو حتى مروا بالمكان وعندها يتم ما يشبه الحوار ما بين المرء من جهة والمشاعر المخزنة في ذاكرة المكان ويتم البدء بعملية العزف الذهني أو بصيغة أخرى إعادة الملفات المهملة .

وإذا أخذنا بعض الأمثلة على عمل الذاكرة من خلال ذاكرتي .

فهناك بقايا البيت الذي كان شاهداً على ولادة أمي وطفولتها وصباها .هذا المكان لا يبعد عن مكان ولادتي وإقامتي سوى بضعة عشرات من الأمتار أي أني كثير المرور بهذا المكان ومع ذلك لم أفقد سخونة اللقاء به رغم أني لا أتذكر ولو بأي شكل صورة أمي ورغم ذلك كلما مررت بهذا المكان تتجدد الصور والأحاسيس المزودة دوماً بالدموع من جهة وبالفخر الممزوج بالحسرة من جهة أخرى ولن أبالغ إذا قلت بأني مدين لهذا المكان .

وإذا أخذنا مثال آخر على ذاكرة المكان التي تستطيع أنتاج صور جديدة رغم قدم آلية تفعيلها فهناك مكان آخر كان وعلى مدار عقود مركزاً لأحد فروع الأمن على سبيل المثال فكلما مررت بقرب ذلك المكان أتألم وكأني قضيت أوقات طويلة في هذا المكان وآحياناً أحس بتدني منسوب الكرامة لدي رغم أني لم أدخل هذا المكان .كل ما في الأمر هو حديث الناس عما يجري عادة للمعتقلين خلف تلك الجدران .

وبالإضافة إلى الأمثلة السابقة سنأخذ مشهد من أيام الطفولة وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بالمدرسة حيث المكان ذو البعد المختلف ففي ذلك المكان كانت بداية نمو الإدراك أو ما يسمى بالمعرفة الحسية لدى الطفل ورغم أن المكان قد تغير ولم يبقى منه سوى بقايا أطلال ومع ذلك مازال مشهدُ جلوس التلاميذ في الصف بكافة التفاصيل محفوظاً في ذاكرتي رغم المسافة الزمنية وتفرق الزملاء .

هذا هي ذاكرة المكان التي قد تسعف الباحث عن المشاهد الشبه المفقودة . كل الأماكن تملك أسراراً أو جزءاً منها لكنها بحاجة إلى من يُفعلها أو يرغب في ذلك .فالإنسان عالم نستطيع أن نصفه أحياناً بسلس وفي أحايين أخرى بالكائن الأكثر تعقيداً .

وإذا انتقلنا إلى جانب أخر من مكنونات الذاكرة في حال التغيير الكامل في جسم المكان أي ثمة حاجز مانع للرؤية من مختلف الزوايا ورغم ذلك تعمل الذاكرة وتستحضر المكان بشكله السابق ولكن بحالات نادرة وحسب الحالة النفسية .فالحنين للماضي يأتي على الأرجح أما في حالات الوعي والراحة وهي تكاد أن تكون شبه مفقودة وأما الحالات الأخرى فهي في حالة الضعف وهي تكثر أثناء الصدمات وفي حالات التفرد بالذات .وفي الأمثلة المذكورة هناك مواصفات غاية في الدقة في حال توفرها قد تكون إمكانية إعادة المشاهد الممكنة وهي قوة الذاكرة التعلق الشديد بالماضي وأهمية الحدث وقرب المسافة الزمنية .

الذاكرة علم بحاجة إلى دراسات عميقة للوصول إلى صورتها الحقيقة .لطالما بحث الإنسان عن المفقودات منذ القدم فالموجودات لا تشبع ظمأ الذات وكما ذكرنا وبحسب فرويد ألهو أي الباطن هو النواة التي تقود عملية تفعيل الذاكرة وهي بدورها تجد تتمتها في ذاكرة المكان والزمان .

*سوريا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق