ثقافة السرد

صدفة

عادل حنزولي 

صدفة. صدّقني إنّ الأمر لا يخرج عن دائرة الصدفة.. في أيّامه الأخيرة قال أشياء مفيدة. يمكن أن نعتبرها اعترافاتٍ أخيرة. قال مثلا إنّه لا يعرف البحر ومع ذلك فهو متأكّد أنّ نهايته ستكون غريقا، ومع أنّي لا أؤمن إلّا أنّ الأمر صدق.. تصوّر؟
لا تنظر إليّ هكذا. قلت إنّي التقيته صدفة حين كان الستار يُسدل أو يَكاد. لم تكن لي به علاقة من أيّ نوع ومع ذلك أحببته جدّا.. لا، لا، لم أكن أبدا من أتباعه، أنا فقط متعاطف معه، معجب به، هذا كلّ ما في الأمر..
عرفته من خلال الكتابة. كنت مهووسا وكان هو لذيذا، يلقي الكلام كيفما اتّفق فيأتي لذيذا مرصّعا كما النجوم في السّماء. قرأت له كثيرا حتّى أدمنته. ثمّ وفي لحظة إعجاب قرّرت أن أكتشفه.. لم أجده منيرا أو مثيرا. فقط رجل غريب يقيم وحيدا في شقّة مُستأجرة، ينام نهارا ويسهر ليلا كثيرا، حتى الفجر أحيانا. يدفن رأسه بين الكتب ويقرأ، يقرأ مطوّلا ويمضي وقته أحيانا أخرى في حرق السّجائر والكتابة كمجنون.. حكاياته مع الحبّ انتهت منذ عشرين عاما خلت. أحبّ بنتا تسمّى وردة وهي أيضا أحبّته، لكنّ سنّها كان غير مناسب فتزوّجت وتركته.. لم تتركه حقيقة بل أجبرها أبوها على تركه والزواج بغيره خوفا عليها من البوار. البنت في مجتمع الثمانينات كالأرض، يجب أن تزرع وتُخصّب قبل أن يفوت الوقت ويحلّ بها التّصحّر!! وهو رجل ملقيّ في ذاك الزمان في أرض بعيدة طالبا للعلم وطالبا لمن ينفق عليه كمتسوّل. ورغم أنّ وردة كانت تماثله سنّا إلّا أنّه وجب أن تتركه. هو لن يجهز قبل الثلاثين، فماذا يصنع أهله الكرام بعروس في الثلاثين؟ ثمّ لا تنسى الثقافة؛ ماذا يصنع رجل واسع الثقافة بامرأة ريفيّة لا تعرف من الحياة غير صنع الخبز وحلب البقرة؟ ومنذ ذلك الوقت عرف نساءً كثيرات ولم يعرف الحبّ..
راقبته، نعم راقبته، أعترف أنّي راقبته.. لم أراقبه فحسب بل أمضيت ساعات أتتبّعه وأجمع المعلومات حوله، لكن دون رغبة في الأذية ولا طمعا في عطيّة.. راقبته بدافع الإعجاب. تعرّفت إلى المقاهي التي يُمضي بها الوقت، بعضها فاخر وبعضها شعبيّ رديء. وذلك ليس لغزا بل علامة!! عندما يكتب شيئا جديدا تتلقّفه القرّاء بلهفة وتدفع له الدوائر، عندئذ يكون مرفّها، فيحلو له التبذير والتّرف.. ينفتح عقله لمناقشة أحوالٍ فكريّة معقّدة، ينفتح على الأسئلة والقضايا والفلسفة، وكنت أنا أجلس قريبا منه لأسمع بشغف ذلك الكلام الغريب الذي لم أفهم منه شيئا!! إنّه يتكلّم بلغتنا ولكن ليس ككلامنا ولا كتركيب كلامنا.. كلام أجوف لذيذ غير أنّه بلا معنى وبلا أثر وبلا فائدة. كنت أدفع ورقة نقديّة عالية العلامة لنادل المقهى كي أحتسي مشروبا رديئا وأسمع، تصوّر؟! أمّا بعد أن يكون ماله قد اختفى وراح بين المقاهي الفاخرة والحانات ومحلات الرّقص والفجور، فإنّه يعود ليرتاد مهزوما مقاهي البسطاء الأبرياء.. لا، على العكس.. لم يكن منزعجا ولم أره يوما كذلك.. رأيته كأنّه شخصين مختلفين.. لكن في كلتا الحالتين كان سعيدا.. عندما يغزوه الإفلاس، يتأقلم سريعا مع البؤس. يجالس البسطاء في مقاهيهم، يلعب الورق معهم، يدخّن معهم سجائر رخيصة، يضحك من القلب ويقول كلاما سخيفا وسفيها دون حرج.. عندها يبدو لي بائسا.. إنّه لا يفرق عنهم في شيء، يماثلهم تماما ويتقمّص جيّدا شخصيّة تطابق شخصيّاتهم. وما الفرق؟ إنّه يكون في تلك الأيام غارقا مثلهم في الديون، مفلسا، عابثا، ماجنا، تافها، يعيش على هامش الحياة والتاريخ ولا يعنيه أن يضيع.. ثم ما يلبث أن يغطس وينكفئ على نفسه ولا يخرج عندها من بيته إلا نادرا حسب ما كانت تقتضيه الضرورة من خروج لجلب مستلزمات العيش الجافّ.. أظنّه يكون منعزلا لأجل الكتابة، إذ أنّ حاله تنقلب إلى الرخاء سريعا إثر تلك الغطسة المطوّلة والانقطاع المفاجئ عن الحياة والمدينة..
يعود مجدّدا إلى الرفاه، ويتلذّذ بالجلسات المطوّلة مع أهل الفكر وأهل المال. سمعته مرّة يقول:” من حكايات المزبلة تتولّد الحقائق، ومن البؤس تولد الروائع!!” لا أفهم ذلك القول ولن أفهمه مهما حاولت تفكيك أسراره وشفراته، لكني أجده لذيذا داخلي ومزلزلا لي!! ورأيته مرة أثناء مراقبتي يتناول صكّا بنكيّا ويصرّه إليه بحبّ.. لم أرى صكّا بنكيّا في حياتي إلّا تلك المرة لكنّي خمّنت أنّه صكّ، لأن شعار البنك الشهير كان عليه لامعا ومذهّبا.. لا أدري لماذا أخذه ربّما باع شيئا، لكني رأيت ابتسامته العريضة، ورأيت من ناوله الصكّ يبتسم بإغراء وغمز له وطرفت عينه كما يغمز الفاسق لعاهرة.. أنا لا أعرف الرجل صاحب الصكّ، لكني خمّنت أنّه رجل من رجال السياسة، لأني ألفت رؤية ذلك الوجه على شاشة التلفاز.. اجتماعات النواب تحديدا. تصوّر؟!
نعم أظنّه كان يكتب المقالات في الصحف أيضا، فقد رأيته ذات مرّة يدلف إلى مقرّ صحيفة شهيرة. سجّل دماغي اسمها، وغادرت. استلقيت في بيتي أتقلّب على الجمر.. صرت مهووسا به. تصوّر؟ ومن الصباح أفقت وانطلقت دون قهوة ودون فطور أيضا، سارعت إلى كشك الصّحف واشتريت صحيفة.. الصحيفة عينها، الصحيفة ذاتها.. بحثت عنه بين صفحاتها كمجنون حتى طالعتني صورة مزوّقة له.. بدا في الصورة مهموما.. بدا مفكّرا، غير أنّه كان أنيقا ووجيها.. قرأت ما كتب ولم أستمتع هذه المرّة. لم أجد صدقه، وجدته يكذب ويثرثر بلا معنى، غير أنّي عرفت وقتها سرّ الصّك !هذا كلّ ما في الأمر..
نسيت الأمر، سقط من عيني ألقه الذي سحرني.. تركته وعدت إلى حياتي. لم أره على امتداد ستّة أشهر، ثم ظهر فجأة على سطح الأحداث من جديد.. رأيته مجدّدا في مقهى من مقاهي الهامشيين، يلعب ويعربد ويضحك ويقول كلاما سخيفا سفيها.. عاد بائسا إذن، هكذا خمّنت، غير أنّي لم أراقبه هذه المرّة بل رأيته بالصدفة.. تصوّر؟
هذه المرة قرّرت قرارا جريئا متينا.. قرّرت أن أحادثه، ربّما أجد هنا فرصة للكلام قبل أن يغطس ويتعملق من جديد، ويعود لحياة الأسياد فلا أجد فرصة لأكلّمه، ولا أجد جرأة ولا مساحة مناسبة للحديث أما الآن فهي فرصة..
أذكر أنّي اقتربت منه، من طاولته. كان يلبس معطفا خشنا مقعّر الجوانب، لم يكن يلعب، كان يجالس رجلا بائسا وأقرعا..
“سيّدي، أريدك في أمر، هل تسمح لي بمجالستك على انفراد؟” قلت، فتردّد وهمّ برفض طلبي.
“اسمح لي أن أنال شرف دعوتك لاحتساء فنجان قهوة مدفوع الثمن معي.” أضفت، فهزّته الكلمات وهزّتني.. هو رجل خبير بالكلمات، يعرف كيف يلاعبها ويراقصها، الكلمات معه عاهرة ساكنة العواطف وهو وحده يعرف كيف يحرّك أنوثتها الدفينة ويجعلها ترتعش لذّة من جديد. أمّا أنا فلا أدري كيف اهتدى لساني لصوغ ذاك الخطاب اللذيذ الذي يحرّك كلّ نفس، لدرجة أن هزّتني كلماتي كأني آخر يتلقّاها بشغف، تصوّر؟!
لا أدري إن كانت الكلمات هزّته أم هزّه التوق إلى فنجان قهوة مدفوع. فكما قلت لك عندما يعود إلى البؤس، يصبح شخصا ثانيا.. شخص مثير للشّفقة ويسرّه لو دفعت له ثمن سجائر أو قهوة.. استجاب لدعوتي، فلم أترك الفرصة تمرّ.. دفعت له سيجارة رديئة من سجائري وطفقت أتحدّث باختصار..
“أنا معجب بك.. سابح في ملكوت كلماتك، غارق في بحر حكاياتك، أنا مهووس، علّمني الطريق أسلكه..” قلت بلهجة تميل إلى الاستجداء البغيض، وخرج من قلبي ما كنت لا أعرفه، تصور؟ لم أكن أدري أنّي أريد أن أسلك طريقه. لكن يبدو أنّه سحرني..
أشعل سيجارتي الرديئة، سحب نفسا عميقا، حدجني بنظرة متشكّكة، ثم نفث كل الدّخان في وجهي. لم أنزعج، كنت شخصا رديئا، يعفّرُ وجهي بالدّخان كلّ يوم، من رديئين وبؤساء ووضيعين.. قلّما نفث في وجهي رجل محترم دخانه..
“كيف تريدني أن أعلّمك طريقك إلى كينونتك أنت؟ تعلّم أوّلا أن تكون..” قال وارتشف، وظلّ ينظر في وجهي منتظرا قولي..
صمتُّ، ذهلت، بهتّ، عُقد لساني فلم أهتد إلى كلمة واحدة.. أمّا هو فلم يُنزل بصره عنّي.. كان مثل طائر البومة، عيناه واسعتان يفتحهما فيّ اتّهاما وتأمّلا..
ما إن انتهى من سيجارتي الرّديئة حتّى غادرني كأنّما كان يجالس سحابة.. تركني لسحابة من الأفكار تحوم داخل رأسي. ماذا يعني الطريق إلى الكينونة؟ وكيف أتعلّم أن أكون؟ ظللت لبؤسي عابسا، أرتشف من القهوة وأدخّن، ذاهلا وتائها أفكّر بلا جدوى حتى أُنهكت..
في صباح يوم الغد ذهبت إلى عملي. كنت ضجرا يتماوج رأسي بالخواطر، والطريق وعر أسلكه بلا شهيّة. حين وصلت، تراءت لي جموع من النّاس تلتفّ مجتمعة تتزاحم حول الحظيرة. ورأيت عامل البناء زميلي يبكي وينتحب.. تقدّمت جزعا إليهم وعرفت أنّ الأمر جلل، رأيت وأنا أطلّ من بين الجموع الغفيرة صالحا زميلنا ملقيّا على الأرض ميّتا..
“كما الخنفساء.. مات ممعوسا!!” قال أحد الرّجال وضرب كفّا بكفّ تحسّرا. ثم أشار بيده.
ألقيت بصري حيث أشار، فإذا بالسّقف مكوّم على الأرض. يا لحظّك يا صالح، متّ ممعوسا تحت السّقف كخنفساء..
لا أدري كيف اهتديت لذلك، ولكنّي هرعت سريعا إلى بيت الكاتب تاركا الجموع لحزنهم. طرقت الباب فإذا هو مفتوح وما من مجيب.. خمّنت أنّه نائم، فتقدّمت راكضا أريد إيقاظه والتّكلّم معه.. لا أدري ما الذي دفعني لذلك لكنّي كنت مشغولا بصالح ومستعدّا للقيام بأيّ شيء من أجله، لم أبك ولم أحزن لكني كنت أفكّر وأحترق.. ثمّة مرحلة أعظم من الحزن والانكسار والبكاء.. مرحلة ننفتح فيها على الحقائق فلا نبكي ولا نحزن بل نحترق ونفكّر!!
دلفت إلى غرفته، وقلت صائحا:” انهض فقد مات صالح ممعوسا!!” ثمّ نزعت غطاءه بعنف، وجدت الدّماء تغطّي صدره، وبلعومه لا يزال يدفع الدّماء إلى الخارج.. لا أدري لماذا تذكّرت عندها دراغولا، ولا أدري لماذا صدق اعترافه، فقد قال: إنّ نهايته ستكون غريقا، وها هو الأمر يصدق.. تصوّر!!
-انتهت- ليلة الثلاثاء، 23/11/2020، الساعة الثالثة والعشرين وعشر دقائق بتوقيت جلمة التائهة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق