حوارات المجلة

حوار لم يسبق نشره مع النــاقد العربي الكبير إدوار الخـراط

هذا الحوار لم يسبق نشره على الشبكة العنكبوتية، هو ضمن كتاب “في مملكة السرد” للإعلامي التونسي ساسي جبيل، تنشره بشكل حصري لأهميته رغم تقادمه زمنيا.. 

◻ الحداثة تأصيل و مساءلة للقيم القائمة الراسخة إن لم تكن مهاجمة بل مداهمة لها… الحداثة سعي لإجابة لعلها لا تتحقق قطّ و مطاردة لتحقيق متغير و مستمر و معدل باستمرار
◻ الحداثة عندي مر ادفة أيضا للأصالة: أبو نواس مثلا حداثي و كذا أبو العلاء المعرّي لأنهما سؤالان مستمران و ليسا إحكاما مغلقا على ذاتها و حكمة ما ثورة عكس أبي الطيّب المتنبي الذي هو نموذج الكلاسكيّة.
◻ “في حيطان عالية” كان هناك شطح ” الفنطازيا” و الحلم و سقوط الحدود بين اليومي و الحلم و عالم ما تحت الوعي و عالم النفس و ما تجيش به من هواجس و خيالات و ما إلى ذلك… و ليس فيها واقعيّة.
◻ لا أتصور التجريد موجودا إلا في منجزات الشعر الفلسفي أو العمل الصوفي الفني أما الرواية و القصة فبطبيعتها و تكاد تكون بحد التعريف منافية و مناقضة للتجريد…
◻ أعمالي الأخيرة و ما قبلها تغص و تحتفي بشيئين: تفاصيل الواقع الفنيّة الكثيفة المأخوذة تحت ضوء أحاول أن يكون ساطعا أكثر ما يمكن من ناحية،وما تمور به دخائل الباطن من خلجات و نوازع عضوية جسدانية تكاد تحس فيها و تشتم و تشعر و تستطعم الأشياء بكل حواسها..
◻ ما أكتبه مختلف و مشق و متناقض مع الكتابات التقليدية أو الكتابات التي تسلك طرقا مألوفة و دروبا دبّت عليها الأقدام طويلا… إن ما أكتبه لا يعيد استنساخ ما سبق و من ثمة فربّما كانت عناصر الجدّة أو المغامرة فيه هي ما يثير ما تسمّيه بـ “الإشكاليّة” أو ما يصدم القارئ الذي يعوّد على السهولة أو التلّقي السّهل اليسير…
◻ بالفعل أنا مع النص الذي يسعى إلى التكوين و الخلق لأن الفن عندي قرين المغامرة و الضرب في المجهول… الفن الحقيقي لا يمكن أن يكون تصويرا أو تعبيرا بل من خصائصه أنه يوجد و يخلق و يؤسس و يكوّن و يبدع بالتالي واقعا موازيا للواقع…
◻ النقد الجاد الحقيقي الجديد ليس ما نجده أحيانا في الصحف السيارة أو المجلات الخفيفة بل هو جهد ابداعي لا يقل عن الجهد الفني…
◻ تطور الرواية الغربيّة على حساب القصيدة مسألة غير صحيحة، فلا سيادة لنوع أدبي على نوع آخر.
◻ ثمة حلقة مفقودة بين المبدعين العرب و ذلك من مظاهر التردّي و القصور في البيئة الثقافيّة العربيّة و يعود إلى تعقيدات بيروقراطيّة واعتبارات تتّخذها السلطات المختلفة أساسا لها…

مع النــاقد العربي الكبير إدوار الخـراط

ساسي جبيل

في عام 1994 زرت القاهرة لمدّة أيام قليلة ولما كان بي شغف للقاء أدبائها وكتابها كان أن اخترت اثنين ممن أعتبرهما علمين في الأدب المصري المعاصر، الأول هو نجيب محفوظ الذي أنصفني فتحي العشري بلقائه وثانيا الأستاذ ادوار الخراط الذي شاءت الظروف أن أزوره في بيته بالزمالك بناء على موعد مسبّق حدده لي أحد الزملاء المصريين ( أضن أنه الشاعر الصحفي أحمد الشهاوي). كانت معرفة البيت يسيرة و لكن صاحب البيت كان رجلا صعب المراس، الحديث إليه على لذّته يحتاج إطلاعا كاملا ومعرفة ملمّة بخفايا شخصيته الأدبية والفكريّة و حتى الاجتماعية… كان البيت مليئا بالكتب من كل جانب و فارغا من الناس فباستثناء ادوارد و زوجته لم أجد أحدا… وتشاء الظروف أن أعدّ الحوار مكتوبا في حينه لدفعه إلى النشر لكن ربما كان الحديث إلى راقصة من الصنف العاشر أو فنانة من الدرجة الأخيرة في التصنيف / هذا إذا كان هناك تصنيف أصلا لهن/ المهم بالنسبة لأصحاب الصحف و باعة الكلام… بقي الحوار مركونا في مكتب المدير رئيس التحرير والحاكم بأمر الله الصحفي حتى يوم الناس هذا… و لكن أمي رأت غير ذلك، فقد كانت تصر دائما على جمع كل ما أتركه في مكتبي حتى فاجأتني مؤخرا بشريط كاسات مسجل عليه حواري مع ادوار الخراط…
و ها أنا أعيد كتابته و أصر على نشره لما احتواه من أفكار ثاقبة و آراء شجاعة هي ليست بالغريبة عن رجل مثل إدوار الخراط.

المرجع عندي أساسا هو المرجع التراثي العربي ثم هو المرجع الإنساني

* لنبدأ من البداية أستاذ إدوار الخراط… ما علاقة نصك بالمرجع؟
– المرجع عندي أساسا هو المرجع التراثي العربي ثم هو المرجع التراثي الإنساني بشكل عام والعلاقة بين النص وبين هذا المرجع بشقيه –فيما أتصوّر- علاقة وثيقة… أن النص المرجعي العربي ملتحم التحاما عضويا وجوهريا تسري مياهه في شرايين نصّي شريان دماء الحياة نفسها ذلك كذلك ينطبق على المرجع التراثي الإنساني بما فيه من أساطير وشعر يوناني قديم و ما وما بعده مرورا بكل موجات الإبداع والثقافة والفكر المتلاصقة

* هل يمكن التفريق بين نص تراثي عربي ونص تراثي إنساني..؟
– بالطبع لا لا تفريق مصطنعا بينهما ولكن جاء ذلك في معرض حديثي على سبيل التحديد وليس على سبيل التفريق…

التراث العربي أسهم اسهاما أساسيّا في تكوين وتأسيس التراث الإنساني الغربي

* هذا يعني أنّ التراث الإنساني العام يحمل بين طياته التراث العربي الإسلامي أيضا…؟
– دون شك هذه قضيّة مفروغ منها لأن التراث العربي أسهم اسهاما أساسيّا في تكوين وتأسيس التراث الإنساني الغربي وغيره بشكل عام. لحدا

* ما هو مفهومكم له؟
– الحداثة عندي على عكس ما هو شائع هي تأصيل ومساءلة للقيم القائمة الراسخة إن لم تكن مهاجمة بل مداهمة لها… الحداثة في تصوّري فضلا عن وإضافة إلى المنجزات تأخذك إلى النظم الكلاسيكية التقليديّة في الحياة وفي الفنّ… هي كذلك سعي لإجابة لعلّها لا تتحقق قطّ و مطاردة لتحقيق متغيّر ومستمر ومعدل باستمرار..

الحداثة عندي مرادفة أيضا للأصالة

* هل استطاعت التجارب الحداثيّة المعاصرة أن تضيف جديدا؟
– هذا السؤال لا يحتاج إلى تأكيد بالرغم من أن الإنسان واحد في جوهره إلا أن حقيقته أو حقيقة ما له لا يمكن أن يسبر غوره حتى النهاية بل تتكشف فيها باستمرار جوانب جديدة… فالحداثة إذا شئت بهذا المعنى الذي أضفت (وهي أصيلة في أدبنا أو في الآداب الأخرى على السواء) بمعنى أن الحداثة عندي مرادفة أيضا للأصالة… أبو نواس مثلا حداثي و المعرّي حداثي لأنّه سؤال مستمر و ليس إحكاما مغلقا على ذاته أو حكمة مأثورة كما يفعل المتنبي مثلا… فالمتنبي نموذج للحداثة بهذا المعنى إضافات الحداثة و الحداثيين قائمة عبر العصور وهي خطوات في تلك الساحة التي لا ينتهي مدى من السعي نحو المعرفة و التواصل…

* من الواقعية في “حيطان عالية” إلى التجريد… ما السر في هذه النقلة النوعيّة في مسيرتك الإبداعيّة؟
– في واقع الأمر اسمح لي أن أختلف معك أساسا وتماما في هذه التوصيفات، فليس في “حيطان عالية” واقعية وليس في أعمالي الأخيرة تجريد… لست متفقا على هذه التصنيفات ولكن الحق أن يراها كما يشاء لكن قراءة حصيفة ومتأنية لهذه الأعمال بأنه في “حيطان عالية” كان هناك شطح “الفنطازيا” وعالم الحلم وسقوط الحدود بين الواقع اليومي المعاش مع وجوده بقوّة و بين الحلم و عالم ما تحت الوعي و ما يجوش في عالم النفس من أحاسيس وهواجس وخيالات وما إلى ذلك… تلك كانت النواة الأولى التي ظهرت في بدايات عملي منذ الأربعينيات المبكرة والتي اتخذت مسارها حتى آخر أعمالي التي ليس فيها على الإطلاق أي نوع من أنواع التجريد… التجريد هو فصل العالم و الظواهر الواقعيّة المحددة عن العمل الفن بحيث يقتصر العمل الفني سواء كان قوليا أو غير قولي على محاولة استخلاص القواعد البحتة والقوانين والمساحات اللونية المجرّدة عن التفاصيل وعن حشد وكثافة وجيشان الحياة العضوية مثلا ولذلك فإن تطبيق كلمة التجريد على الفنون الأدبية كلّها مسألة تحتاج إلى نظر و بين و أعتقد أنّها خلافيّة إلى حد كبير.. أنا أتصوّر أن التجريد لا يمكن أن يوجد في الفنون القولية إلا في بعض منجزات الشعر الفلسفي أو العمل الصوفي الفني أمّا الرواية و القصة فبطبيعتها و تكاد تكون بحدّ التعريف منافية و مناقضة للتجريد، على أية حال فإن ما تن به أعمالي الأخيرة و ما قبلها و طول الوقت من حفاوة بشيئين أو بأمرين أو لجانبين تفاصيل الواقع الغنيّة الكثيفة المأخوذة تحت ضوء أحاول أن أكون ساطعا أكثر ما يمكن من ناحية تمور به دخائل الباطن من خلجات و نوازع عضوية جسدا نية تكاد تحس فيها و تشم و تشعر وتستطعم الأشياء بكل حواسها، وذلك كله مناف للتجريد…

صفة الإشكاليّة قد انتفت بل أقول أن الإشكالية ربما اتخذت أشكالا و مسارب أخرى جديدة

* هل يمكن القول أنك تكتب كتابة إشكالية وهذا القول يذهب إليه كثير من النقاد والمتابعين لإنتاجك الأدبي؟
– مسألة “الإشكاليّة” هذه مسألة نسبية في نهاية الحال… وما أستطيع أن أقوله هنا هو أنها كتابات تختلف وتنشق وتناقض الكتابات التقليديّة أو الكتابات التي تسلك طرقا مألوفة ودروبا دبت عليها الأقدام طويلا… هي كتابات لا تعيد استنساخ ما سبق ومن ثمة فربما كانت عناصر الحدّة أو المغامرة فيها هي ما يثير ما تسميه بـ “الإشكالية” أو ما يصدم القارئ الذي تعوّد على السهولة والتلّقي السهل اليسير وتجزئة الوقت بالقراءة أما كتاباتي فأتصور أنها تدعو القارئ بل تحفزه حفزا الى العمل الإبداعي بالمشاركة  وبالجهد الخلاق في التلقي لمحاولة استكشاف ما تتضمنه هذه الكتابة من أبعاد لعلّها أكثف وأكثر احتشادا مما اعتاد قارئنا في الماضي وأظن أن جمهرة من القراء المحدثين الآن ابتدءوا يعرفون هذه الطريقة في التلقي ومن ثمة لا أقول أن صفة الإشكاليّة قد انتفت بل أقول أن الإشكالية ربما اتخذت أشكالا و مسارب أخرى جديدة.

الفن عندي قرين المغامرة

* ما الفرق بين النص الذي يسعى إلى التكوين و الخلق والنص الذي يسعى إلى التصوير والتعبير وأي المجالين اختار الأستاذ إدوارد الخراط لنصّه من بينهما لنحت نصه؟
– أظن أن المجال الأول هو الذي اخترته كما هو واضح لأن الفن عندي قرين المغامرة، قرين الضرب في المجهول و من ثمة فإنّه مسعى مؤسس و ليس مستنسخا…في تصوري أن الفن الحق لا يمكن أن يكون تصويرا أو تعبيرا بل من خصائصه أنه يوجد و يخلق و يؤسس و يكوّن أي أنه يبدع واقعا موازيا للواقع و لعله أقوى حضورا و أشد وقعا مما نعرفه من ظواهر الحياة اليوميّة هذا الواقع الذي يوجده الفن متعدد الجوانب داخلي و خارجي معا، يومي و أرضي و حلميّ معا، خلقيّ و جماليّ معا و هكذا…

* هل يمكن القول أن النقد الأدبي في الوطن العربي بقي مختلفا نوعا ما عن الحركة الإبداعية العربيّة؟
– النقد بطبيعته بحاجة إلى وقت وجهد وبحث وتذوق واستيعاب كل ذلك يعني أنّه لا يمكن أن يطارد الإبداع في لحظة إبداعه أو على إثرها بقليل، و من ثمة لا أوافق على أن النقد مختلف كما يشاع كثيرا هذه الأيام، لأن النقد الجاد الحقيقي الجديد لهذه الكلمة ليس هو ما نجده أحيانا في الصحف السيّارة أو المجلات الخفيفة بل هو جهد إبداعي لا يقل عن الجهد الإبداعي الفني أي الشعري و الروائي و القصصي و هكذا و من ثمة فإنه كما قلت لا يجب أن يلهث وراء تقويم سريع و آني للعمليات الإبداعيّة بل من شأنه أن يتأنى في تحليلها و تعليلها و توصيفها و تقويمها. أظن بل أوقن أن المنابر الحقيقية للنقد وهي منابر المجلات المتخصصة و الكتب المتخصصة مازالت حافلة بأعمال نقديّة لها قيمتها و لها دورها في إثراء الحركة الإبداعيّة عامّة…

المسألة ليست في أن أكون ضد أو مع

* هذا يعني أنك مع التجارب الحالية في النقد العربي؟
– المسألة ليست في أن أكون ضد أو مع… لا شك أن التجارب الحالية في النقد العربي بما تستفيده من مناهج و منجزات النّقد الغربي و العالمي بصفة عامة و بما تستند إليه أيضا من تراث النقد العربي القديم الحافل بإستبصارات و ومضات من الإدراك نفاذة و يمكن تنميتها في ضوء السياق المعاصر لذلك كلّه فإن التجارب النقديّة المعاصرة لا شك لها قيمتها و لا شك تمثل خطوة أبعد بكثير من مرحلة النقد التقليدي الأكاديمي الذي كان له دور في تأسيس العملة الثقافيّة و لكن لا يجب الوقوف عند حدّه نهائيّا…

* الرواية العربيّة تطورت على حساب القصيدة… ما هي برأيك الأسباب الكامنة وراء ذلك…؟
– لا أعتقد أن هذه القولة صحيحة على إطلاقها… لقد ازدهرت الرواية العربية حقا لكن القصيدة بأشكالها الحداثيّة المختلفة تشق طرقا جديدة أخرى وواعدة ومستبشرة بإنجازات كبيرة لا أتصور أنه ثمة سيادة لنوع أدبي على نوع آخر، أو القول أن (هذا الزمن هو زمن الرواية) صحيحة على إطلاقها لأن هذا الزمن أيضا هو زمن الشعر ولأن للشعر زمنه الدائم في كل الأوقات… لا يمكن أن تتصور الحياة دون شعر، و الشعر العربي إذ يبتدع الآن لنفسه مسارات جديدة و يخترق آفاقا جديدة يبدع في هذا المجال إبداعات لا تقلّ كمّا أو كيفا عمّا تبدع الرواية… قصيدة النثر تتخذ الآن نوعا من الوجود الكثيف و تفسح السبيل أمام مناطق من الحساسيّة الشعريّة لم تكن تتاح لها في زمن الشعر العمودي أو التفعيلي أو ما سمي بالشعر الحر إلى غير ذلك… بطبيعة تطور الحساسيّات الفنيّة و الآليات الاجتماعية معا… و من ثمة فإنني أعتقد أن الشعر ما زالت له قيمته الكبيرة، هذا إذا أضفنا كذلك أنه دخل في صلب العمل الروائي فأصبح العمل الروائي الآن محتويا على الشعر و متضمنا إياه… لقد ظهرت تلك الأنواع من الكتابة التي أسميها الكتابة (غير النوعية) أو القصّة القصيدة و التي ينصهر و يتداغم و يندمج العنصران أو المقومان الأساسيان فيها، مقوم السرديّة و مقوم الشعريّة…ما يفرق الرواية الشعر أو القصة القصيرة عن القصيدة البحتة هو سيادة أو أساسيّة العمليّة السرديّة في الرواية أو القصة و سيادة الإيقاعيّة أو الموسيقية في القصيدة سواء كانت قصيدة تفعيليّة أو نثريّة، هذا التداخل بين الأنواع لا ينفي وجود الأنواع و لا يؤدي إلى خلط الأوراق تماما بمعنى أن الرواية حتى و لو كانت روائيّة شعرا تظلّ رواية لأن فيها العمليّة السردية أساسية و قس على ذلك…

* امتزاج الشعر بالرواية ألا ترى أنه قد يلغي حضور أحدهما على حساب الآخر؟
– ما زلت أقول أن الأنواع تبقى كما هي و لكن تتطور و تتغير و تتمثل إنجازات الأنواع الأخرى و تستوعبها دون أن تفقد خصوصيتها…
… حاولت أن أتقصى الخصائص الفارقة التي تحدّد نوعا عن نوع و يمكن إيجادها أو تلخيصها في عبارة تبسيطيّة واضحة وهي أن السرد هو الذي يميز الأعمال القصصيّة عامة وأن الإيقاعيّة أو الموسيقيّة هي التي تميّز الأعمال الشعريّة العامة..

تلك من مظاهر التردّي و القصور في البيئة الثقافيّة العربيّة

* ما رأيك في الحلقة المفقودة بين المبدعين على اختلاف اختصاصاتهم في شتى أنحاء الوطن العربي؟
– تلك من مظاهر التردّي و القصور في البيئة الثقافيّة العربيّة، و ذلك يرجع أساسا إلى تعقيدات بيروقراطية و اعتبارات تتخذها السّلطات المختلفة أساسا لها… من حيث الرقابة و مسائل التصدير و الاستيراد و تحويل العمولات و القمارق و ما إلى ذلك من معوقات نابعة من اعتبار هذه السلطات أو الجهات الرسميّة من اعتبار أن الكتاب سلعة او بضاعة بل لعلّه اخطر من ذلك في رأي بعض هذه الجهات، وهو أنه مسألة هدّامة أو مخربة أو مدمرة لعمليته التضليل الإعلامي العام ذلك كلّه يؤدي إلى قطع الصلات بين المبدعين بعضهم بعضا و إلى قيام الحاجة الملّحة على كسر هذه العوائق و إلى توثيق التبادل و المعرفة و تدفق سيولة العمليات الثقافية بين الأقطار العربية بعضها البعض… هذا واجب أساسي على المثقفين و هيئاتهم المستقلة الديمقراطيّة.

* بين الأدب والايدولوجيا حدود التقاء وحدود اختلاف… هل لك أن تحلل لنا هذا؟
– هناك بالطبع نوع من الايدولوجيا العقائديّة المتزمتة الجامدة التي تزعم لنفسها احتكار الحقيقة و نجد فيها اطلاقيّة شموليّة كأنها حتميّة و هذا النوع من الايدولوجيا مدمر للفن بصفة عامة و للأدب على الأخص، ولكن هناك دائما كما أستطيع أن أسلم به نوع كامن من الايدولوجيا المرنة المطلاعة المتفتحة لقبول وجهة النظر الأخرى و لكنها تعتمد قيما معينة وأنماطا من السلوك العقلي معينة هذه الايديولوجيا يجب أو ينبغي أن تكون مضمرة و متضمنة في العمل الفني حتى مع اتصافها بصفة التفتح والانطلاق، يجب (ألا) تكون سافرة أو مباشرة لأن السفور و الإفصاح و النّظري و العقلي مجاله ساحة التنظير والدراسة و المقالة والبحث الجاد، أما العمل الفني أو الأدبي فهو يشمل التنظيرات و يطويها تحت جناحيه بحيث تختفي تحت أقنعة شفافة من الإيهام و بحيث تكون أفعل و أنفذ وقعا لأنها ليست مستفزة و لا ناثرة العروق…

قصيدة النثر لها تاريخها العريق في الأدب الغربي وفي التراث العربي على السواء

* ما رأي الأستاذ إدوار الخراط في المسارات الجديدة للقصيدة الحديثة، هل بإمكانها البقاء؟ هل بإمكانها قول ما لم يقل؟…
– قصيدة النثر لها تاريخها العريق في الأدب الغربي و في التراث العربي على السواء أعتقد أن أعمال الصوفيين القدامى من أمثال النفري و ابن عربي، وابن جنيد و غيرهم هي قصائد نثر بامتياز تجمع بين خصائص الشعر دون أن تتقيد بالتفعيلات الخليليّة التي تؤتي وقعا نمطيا رتيبا في نهاية الأمر و لا يتغلب على رتابتها و نمطيتها إلا عتاة الشعراء و فحولهم و كبارهم…
… قصيدة النثر فيها إمكانيات لا حدود لها عندي و فيها أيضا إمكانية التجاوب مع التطورات الاجتماعية و النفسيّة و الثقتفيّة المعاصرة بما لا تكاد القصيدة التفعيليّة لا تغيرية…

* هل واكبت الرواية العربية المعاصرة التطورات المختلفة وهل يصح القول أن الزمن زمنها و لم يستطع أي جنس أدبي آخر أن يتجاوزها؟
– هناك تنظيرات كثيرة لعل أهمها تعقد المجتمعات العربية المعاصرة و تراكم ظواهرها المختلفة و احتشادها و ابتعادها عن بساطة كانت مألوفة أو وضوح كان مألوفا في العهود السابقة و الرّواية كنوع أدبي من شأنها أن تتواكب مع هذه التطورات و هذا التعقد و هذا التراكم… و لكن هذا التفضيل على صحتّه المبدئيّة أو الأوليّة لا يقنعني تماما أو لا يتقصى الظاهرة حتى حدودها الأخيرة، أتصور أن هناك أيضا دافعا داخليا في قلب المشروع الأدبي العربي يؤدي إلى نوع من تراكم الخبرات الإبداعية و تعقدها من الناحية الجمالية البحتة بحيث يتطلب الأمر تجاوز الأشكال القديمة التي كانت تتلخص في الرواية التقليديّة أو القصة القصيرة الموجزة أو القصيدة التفعيليّة على حدّ سواء إلى أشكال أكثر تعقيدا و أكثر احتشادا بعناصر الخبرة الجماليّة نفسها فضلا عن التأثيرات الاجتماعية… ليس هناك في تصوّري نوع من التساوق و التجاوب الآلي الميكانيكي بين الظاهرة الاجتماعيّة و الظاهرة الفنيّة، إنهما يتفاعلان و يؤثران أحدهما في الآخر تأثيرات متبادلة و لكنهما لا يتواكبان بحيث تنعكس إحداهما على الأخرى انعكاسا مطرّدا في كل الأحوال، هناك تداخلا و تعقدا في العلاقة بين الظاهرة الاجتماعيّة و الظاهرة الأدبية و من ثمة فإن التفسير من حيث ازدهار الرّواية أو غيرها إذا اقتصر على الجانب الاجتماعي فإنه يكون قاصرا و يجب أن تمتد محاولات التأمل و التنظير إلى ما هو أبعد من ذلك دون أن تغفل الظاهرة الاجتماعيّة في الوقت نفسه…

القاهرة مـــارس 1994

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق