ثقافة المقال

سؤال عاش عشرين عاما

أحمد بابكر حمدان

– صيف 1995:
لم يكن اختياري للمساق التجاري في المرحلة الثانوية مقبولا لدى كثيرين.. لكن شيئا ما- غير محدد- كان يدفعني باتجاه الدراسات التجارية وفي وقت مبكر جدا.. بالفعل كنت قد عملت بالتجاره خلالة مع زوج شقيقتي الكبرى وكنت موزعا جيدا لسلع متباينة؛ فقد بعت الحلوى والكيروسين، والأطعمة والملابس، وعملت في بقالة وفي محل لبيع الاسبيرات.. قد يكون نشاطي المبكر في الأسواق دافعا منطقيا.. وقد تكون للميول الأكاديمية لمن هم أكبر مني في الاسرة دور في ذلك ايضا حيث لم يسبق لأشقائي دراسة أي من المجالات الفنية.

بدأت دراستي بالمرحلة الثانوية منتقلا من مدرسة مصعب بن عمير المتوسطة ببورتسودان.. وكنا قد ألحقنا بآخر دفعة بالمرحلة الملغاة في ذلك العام، قادمين من الصف السابع، حسب السلم الجديد حينها.. وفي ثانوية بورتسودان التجارية، بدأت رحلة دراسية جديدة ذات طابع فني ومهني.. وهذا بالضبط ما كان يهمني دون تفصيل..

– شتاء 2015:
وبعد عشرين عاما من ذلك التاريخ، عزمت على تلخيص تجربتي الدراسية والمهنية في قالب مهني وفكرة سهلة لطلبة المدارس والجامعات.. فما هي الفكرة وما علاقتها بصيف قبل عشرين عاماً..

– نموذج ASC:
هل كنت محاسبا.. سؤال ظل حاضرا بين التاريخين السابقين.. وهل كان المجال المحاسبي هو الأكثر ملائمة لي. إن الإجابة المباشرة عن السؤال ليست ذات قيمة كبيرة في الوقت الحاضر إلا أن الحضور المستمر للسؤال كان مثمرا بكل المقاييس..

رأيت ان أقدم للطلبة استمارة تواصل تعليمي أطلقت عليها ASC وكان الغرض منها تدريب طلبة الجامعات على إعداد سيرة ذاتية خاصة بالطالب متضمنة (المواهب والهوايات والطموحات المهنية) تشجع على الاجتهاد في الدراسة، ومتابعة النمو الشخصي أو تسهم في تصحيح المسار الدراسي مبكرا..

لم تكن الاستمارة ناضجة في بادئ الامر، لكن اجتهاد المستخدمين ومساندتهم للفكرة، ساعدني كثيرا في تطويرها وتحسينها باستمرار ولثلاثة أشهر متتالية.. خلال الفترة المذكورة كنت أقدم فكرة النموذج للمهتمين وأستمع لآراء وملاحظات أفادتني كثيرا في إنضاجه وتعميق فكرته في نفسي بدرجة أكبر..

– أفكار خاطئة:
كان الاعتقاد السائد، ولعله ما يزال (أن الطلاب المتفوقين دراسيا يفترض أن يصبحوا أطباء أو مهندسين.. أما مجالات المحاسبة والقانون فهي للأقل ذكاء.. والمجالات الصناعية لمن هم في ذيل القائمة).. وعادة ما نجد مبررات للافكار الاجتماعية في حينها ونطاقها المحدد لكنها كثيرا ما تكون مدمرة ومعطلة لكثير ممن هم تحت تاثيرها.. وفكرة اخرى خاطئة وذات صلة بما سبق وهي عدم التفريق بين الموهبة والتفوق الدراسي واعتبار المتفوق هو فقط الموهوب اما الأقل درجات والراسبون فلا حظ لهم في الموهبة.. وإذا كانت الاعتقاد الاول اجتماعيا عاما، فإن الفكرة الخاطئة الثانية راسخة حتى في مجتمعات المعلمين فضلا عن وسائل الاعلام والجهات الاجتماعية ذات الصلة.

– مهمة مزدوجة:
إذن على نموذجي التعليمي أن يقوم بمهمتين معا وإن كانت الثانية هي الاهم بالنسبة لي فكريا ومهنيا.. المهمة الاولى أن يجيب على سؤال عمره عشرين عاما.. هل كنت محاسبا حين اخترت المساق التجاري عام 1995؟ والثانية ان يعمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة المشار اليها سابقا.. وإذا لم يكن للمتفوق إلا أن يصبح طبيبا فما دور النموذج في تصحيح الفكرة بقوالب جديدة وتجارب وتطبيقات مبتكرة..

عند وصول فريق النموذج إلى السؤال الأخير، برز تساؤل متفرع عنه: بافتراض فاعلية النموذج وجودته، هل هو ملائم لطلاب الجامعات أم لمن هم دونهم؟ وفورا بدأتُ سلسلة محاضرات وأنشطة تدريبية بمدارس ثانوية بمعاونة فريق رائع من زملاء المهنة.

– ميلاد برنامج هواياتي:
كان برنامج هواياتي وليدا متزامنا مع نموذج ASC فقد كانت تتوارد لفريق النموذج اسئلة منطقية من قبيل ماذا بعد النموذج؟ لكن فكرة البرنامج تجيب أولا عن ماذا قبل! ومن ثم تجيب عن تساؤل أعضاء الفريق والمتدربين..

وُلد البرنامج في نهاية 2015 كبرنامج تدريبي لتعزيز هوايات الطلاب واستيعاب ASC.. وأصبح بعد فترة قصيرة حاضنة جيدة لفكرة النموذج. حل فريق هوايات بديلا لفريقي التدريبي في رعاية ASC واستوعب وجوها جديدة. إن المهم هنا أن اسم البرنامج كان ذا صلة وثيقة بالسؤال الكبير ذي العقدين من الزمان.. فهل استوعب البرنامج (هوايات) مطوره وهل وجد المحاسبة في قائمة ميوله وطموحاته كما يطلب نموذج ASC؟

(من كتابي: سؤال عاش عشرين عاما)
———————
* معلم سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق